Indexed OCR Text

Pages 1-20

سَشَرْخُ
أَنْيَاضِ الصَّالْخِيْنُ
(٧)

O
حُقُوق الطّبْع مَحَفُوظَة لِدَارِالنَّوَادِرِ
الطّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٥هـ-٢٠١٤م
طَبْعَةخَاصَّة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
دولة قطر
turathuna@islam .gov.qa
قامت بعمليات القضية الضوئي والإخراج الفني والطباعة
◌ُ الَُّ
سوريا - دمشق
ص. ب: 34306
هاتف : 00963112227001
فاكس : 00963112227011
لبنان - بيروت
ص. ب: 4462/14
هاتف : 009611652528
فاکس : 009611652529
E_ mail : info@daralnawader. com
Website: www.daralnawader.com

اوقاف
AWQAF
سَرْحُ
رِيَاضِ الصَّالِحِين
المُسَتَّى
الفَوَائِالمُشرِعَةُ الحَرُ
يف
شَرحَ كَاِ الشَّرَاضِى
تَأْلِيْفُ
اُلْعَلَّمَةِ ابنِ كَمَالِبَاشَا
شَمْسِ الدِّينِ أَحَمَدَ بنِ سُلَيمَانَ بنِكَمَالِ باشا الرُّومِيّالخَنِفِيِّ
المَوْلُود في طُوَقَات سَنَّة ٨٧٢ هـ، وَآَمَوَلَّ فِي الصُّطَنطِيَّة سَنة .٩٤م
رَحَمَهُ الله تعَالى
تَحْقِيُقَ وَدِرَاسَة
نصَّةٍ مِنَ أ
ـعفـ
بِإِشِرَافٍ
ـين
نُورُ الرَّشْطَالِّ
الْجَلَّهُالسَّابِعُ
من مطبوعات
١٠
3
م
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ
بتمويل الإدارة العامة للأوقاف
دَوْلةِقَطَرْ

C

تابع
◌َابِ الأَزْوَ المُعِىَُّهَا
٣٣٨- باب
النهي عن تخصيصِ القبورِ، والبناءِ عليها
١٧٦٧ - عَنْ جَابِرٍ ﴿هِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِّهِ أَنْ يُجَصَّصَ
القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وأَنْ يُبْنِى عَلَيْهِ. رواه مسلمٌ.
قوله: ((أن يجصص القبر)) :
(الجص)، بفتح الجيم وكسرها: هو ما يُبْتَنِى به، وهو مُعرَّب،
والجَصَّاص: هو الذي يتّخذه.
(ق): ((التجصيص)): هو البناء بالجَصِّ، ووجه النهي: أن ذلك مباهاةٌ،
واستعمالُ زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبُّه بمن كان يعظم القبور
ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وبظاهرِ هذا النهي ينبغي أن يقال: هو
حرام كما قال به بعض أهل العلم(١).
* قوله: ((وأن يقعد علیه»:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٢٦).
٥

(نه): قيل: أراد القعودَ لقضاء الحاجة.
وقيل: أراد للإحداد والحزن، وهو أن يلازمه، ولا یرجع عنه.
وقيل: أراد به احترامَ الميت، وتهويلَ الأمر في القعود عليه، تهاوناً
بالمیت والموت(١).
(ن): البناء على القبر: إن كان في ملك الباني؛ فمكروه، وإن كان
في مقبرة مُسَبَّلة؛ فحرام، نص عليه الشافعي والأصحاب، قال الشافعي في
((الأم)): ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يُبنى(٢).
ويؤيد الهدمَ قولُ علي ◌َه: بعثني رسول الله وَ﴿ أن لا أدعَ تِمثالاً إلا
طَمَسْتُه، ولا قبراً مُشرِفاً إلا سَوَّيتُه(٣).
(تو): ((أن يُبنى عليه)) يحتمل وجهين: أحدهما: البناء على القبر
بالحجارة، والآخر: أن يضرب عليه خِباءً ونحوَه، وكلاهما منهيٌّ عنه؛
لانعدام الفائدة، ولأنه من صنيع أهل الجاهلية.
وقد رُويَ عن ابن عمر: أنه رأى على قبر أخيه فُسْطاطاً، فقال: انزعه
يا غلام؛ فإنما يُظِلُّه عملُه(٤)، انتهى .
وفي ((الإحياء)) للغزالي: أن فاطمة بنت الحسين ضربتْ على قبر زوجها
الحسن بن الحسن فُسطاطاً، واعتكفت عليه سنَّةً، فلمَّا مضتِ السَّنَةُ؛ قلعوا
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٨٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٧).
(٣) رواه مسلم (٩٦٩).
(٤) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٤٥٧)، وقد رواه معلقاً.
٦

الفُسطاط، ودخلت المدينة، فسمعوا صوتاً من جانب البقيع: ألاَ هلْ
وجدوا ما فقدوا؟ وسمعوا من الجانب الآخر: بل يئسوا فانقلبوا(١)، ورواه
البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً(٢).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٤٨٦).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٤٤٦). ورواه ابن أبي الدنيا في ((الهواتف)) (١٣١)
موصولاً .
٧

٣٣٩- باب
تغليظ تحریم إباق العبد من سيده
١٧٦٨ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ◌َ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّتٍ:
(َيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)) رواه مسلمٌ.
* قوله : ((أيما عبد أبق؛ فقد برئت منه الذمة)):
(ن): ((أبق)) بفتح الباء وكسرها، الفتح أفصح، وبه جاء التنزيل،
((والذمة)) هي الحُرْمةُ، ويجوز أن تكون من قبيل ما جاء في قوله: ((ذِمَّةُ اللهِ
وذِمَّةُ رَسُولِه))(١)؛ أي: ضمانُهُ وأمانته ورعايتُه، ومن ذلك أن الآبق كان
مصوناً من عقوبةِ السید له وحبسِه، فزال ذلك باباقِهِ(٢) .
(ق): أي: ذمة الإيمان وعهده وخفارته، إن كان مستحلاً للإباق، ويجوز
أن يراد: فقد خرج عن حُرمة المؤمنين وذِمَّتِهم؛ فإنه تجوز عقوبته على إباقِهِ(٣).
(١) رواه البخاري (٣٨٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٥٦).
٨

١٧٦٩ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِّنَّهِ: ((إِذَا أَبَّقَ العَبْدُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ))
رواه مسلمٌ.
وفي رِوَايَةٍ: ((فَقَدْ كَفَرَ)).
* قوله وقال: ((لم تقبل له صلاة)):
(ن): أوَّله المازَري - وتابعه القاضي [عياض] - على أن ذلك محمول
على المُستَحِلِّ للإِباق، فيكفر، ولا تقبل له صلاة ولا غيرها، ونبّه بالصلاة
على غيرها، وأنكر الشيخ أبو عمرو هذا، وقال: بل ذلك جار في غير
المُستحِلِّ، ولا يلزم من عدم القبول عدمُ الصحة، فعدمُ قبولها؛ لهذا
الحديث، وذلك لاقترانها بمعصية.
وأما [صحتها]: فلوجودها بشرائطها وأركانها المُستلزِمة صِحَّتَها،
ولا تناقض في ذلك، فيظهر أثرُ عدم القبول في سقوط الثواب، وأثرُ
الصحة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يعاقب عقوبةَ تاركِ الصلاة، هذا
كلام الشيخ، وهو ظاهر لا شك في حُسْنِهِ.
وقد قال جماهير أصحابنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة
لا ثواب فیھا(١).
(ق): يحتمل أن يقال: لم تصح صلاته على مذهب المتكلمين في
الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأنه منهيٌّ عن الكون في المكان الذي يصلي
فيه، ومأمور بالرجوع إلى سَيِّده.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٨).
٩

وأما على مذهب الفقهاء المصححين لتلك الصلاة؛ فيمكن أن يحمل
الحديث على أن الإثمَ الذي يلحقه في إباقة أكثرُ من الثواب الذي يدخل
عليه من جهة الصلاة، فكأن صلاته لم تُقبلْ؛ إذ لم يخلص بسببها من
الإثم، ولا حصل له منها ثواب يتخلص به من عقاب الله تعالى على إباقه.
هذا كما قلنا في قوله عليه السلام: ((إِنَّ شارِبَ الخَمرِ لا تُقَبلُ له
صلاةٌ أربعينَ يوماً))(١)، وقد كتبنا في ذلك جزءاً حسناً(٢).
* قوله: ((وفي رواية: فقد كفر)):
(ن): تعلق بظاهر هذا الحديث المعتزلةُ، والخوارجُ الذين يقولون
بتخليد أهل المعاصي في النار، والخوارج يزيدون على التخليد،
فيحكمون بكفره، وقد بيًّّا فسادَ مذهبهم وبطلانَه، والجواب عن نظائر هذا
الحديث في مواضع من هذا الكتاب(٣)، منها في (الباب الخامس والسبعين
بعد المئة).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٥٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٩).
١٠

٣٤٠- باب
تحريمِ الشفاعةِ في الحدودِ
قال الله تعالى: ﴿الَِّيَّةُ وَلَِّيِ فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَحِلٍ مِنْهُمَا مِْتَةَ جَلْدَّةٍ
وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ الَّهِ إِنْ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلَخِرِّ ﴾ [النور: ٢].
(الباب الأربعون بعد المئتين)
(في تحريم الشفاعة في الحدود)
: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]؛ أي:
لا ترحموهما وترأفوا بهما في شرع الله، وليس المنهي [عنه] الرأفة الطبيعية أن
لا تكون حاصلة، وإنما هي أن تحمل الحاكمَ الرأفةُ الطبيعية على ترك الحد؛
فإنه لا يجوز له.
وفي الحديث: ((تَعَافَوُا الحُدودَ فيما بينَكُم، فما بَلَغَنِي من حَدٍّ؛ فقَدْ
وَجَبَ)(١)، وفي الحديث الآخر: (لَحَدٌّ يُقَامُ في الأرضِ خيرٌ لأَهلِها مِن أَنْ
يُمطَرُوا أربعينَ صباحاً)(٢).
(١) رواه أبو داود (٤٣٧٦)، من حديث عبد الله بن عمرو ﴿﴾. وهو حديث حسن. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٢٧٥٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٥٣٨)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٣٩٧) من حديث أبي =
١١

وقيل: المراد بالآية: إقامة الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر
عن المَأْثَم، وليس المرادُ الضرب المبرح، قاله الشعبي وعطاء(١).
(م): في الحديث: ((يُؤْتَى بِوَالٍ نَقَصَ مِنَ الحَدِّ سَوطاً، فيُقالُ له: لِمَ
فعلتَ ذلِكَ؟ فيقولُ: رحمةً لِعِبادِكَ، فيُقالُ له: أَنَتَ أرحَمُ بهِم مني؟! فيُؤْمَر
بهِ إلى النَّارِ)(٢).
= هريرة ﴿ه، وهو حديث حسن. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (١ / ٤٠٩)، و((صحيح
الترغيب والترهيب» (٢٣٥٠).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ١٦٣).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٣ / ١٣٠).
١٢

٣٤١- با
النهي عن التغوُّطِ في طريقِ النَّاسِ
وظلّهم، ومواردِ الماءِ ونحوها
قال الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَااكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
* قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب:
٥٨]: سبق في (الباب الثامن والأربعين)، واستشهد به المؤلف رحمه الله
هاهنا على النهي عن التغوط في طريق الناس وظِلُّهم؛ لأنه يتضمَّن أذِيَتهم.
١٧٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((اتَّقُوا
اللَّعِنَيَّنِ))، قَالُوا وَمَا اللَّعِنَانِ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ،
أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» رواه مسلمٌ.
* قوله ميلفي: ((اتقوا اللاعنين)):
(ن): قال الإمام أبو سليمان الخطابي: المراد بـ ((اللاعنين)): الأمرين
الجالِبَينِ لِلَّعْن، الحامِلَينِ الناسَ عليه، والداعِيَينِ إليه، وذلك أن مَن فَعَلَهما
لُعِنَ وشُتِمَ، يعني: عادة الناس لَعْنه، فلما صار ذلك سبباً لذلك؛ أُضيف
١٣

اللعنُ إليهما.
قال: وقد يكون اللاعن بمعنى: الملعون، والمَلاعِنُ: مواضع اللعن.
قلت: فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين المَلعُون فاعِلُهما، هذا
على رواية أبي داود(١).
وأما على رواية مسلم: ((اتَّقُوا اللَّعَّانَيَّنِ)) (٢): فمعناها - والله أعلم -: اتقوا
فِعلَ اللَّغَّانَيَّنِ؛ أي: صاحبي اللعن، وهما اللَّذان يلعنُهما الناسُ في العادة.
قال الخطابي: المراد بـ ((الظل)) هنا: مُستَظَلُّ الناس الذي اتخذوه
مَقيلاً، ومناخاً ينزلون ويقعدون فيه، وليس كلُّ ظِلِّ يحرم القعود تحته، فقد
قعد النبي ◌َّ﴿ تحت حائش نخل لحاجته، وله ظلٌّ بلا شك(٣).
قوله: ((الذي يتخلى فى طريق الناس)):
(ن): معناه: يتغوط في موضع یمُرُّ به الناس، ونھی عنه؛ لما فيه من
إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به، ونَتَنِهِ واستقذارِه(٤).
(١) رواه أبو داود (٢٥)، من حديث أبي هريرة
(٢) رواه مسلم (٢٦٩ / ٦٨)، من حديث أبي هريرة
اته
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٦١.
(٤) المرجع السابق (٣/ ١٦٢).
١٤

٣٤٢- باب
النهي عن البولِ ونحوه في الماء الراكدِ
١٧٧٢ - عَنْ جَابِرٍ ◌َُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ نَهَى أَنْ يُبَالَ في
المَاءِ الرَّاكِدِ. رواه مسلمٌ.
* قوله: «نھی أن یبال في الماء الراكد»:
(ن): هذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها الكراهة،
ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيراً جارياً؛ لم يحرم البول
فیه لمفهوم الحديث، لکن الأولی اجتنابُه.
وإن كان قليلاً جارياً؛ فقيل: يكره، والمختار: أنه يحرم؛ لأنه يقدِّره
وینجِّسه على المشهور.
وإن كان كثيراً راكداً؛ فقال أصحابنا: يكره، ولا يحرم.
ولو قيل: يحرم؛ لم يكن بعيداً؛ فإن النهي يقتضي التحريم على
المختار عند المحققين، وفيه من المعنى: أنه يقذره، وربما أدى إلى تنجيسه
بالإجماع لتغيُّره، أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومَن وافقه في أن الغدير
الذي يتحرك طرفه بتحرك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه.
وأما الراكد القليل: فقد أطلق جماعة من أصحابنا: أنه مكروه.
١٥

والصواب المختار: أنه يحرم البول فيه؛ لأنه ينجسه، ويُتلف ماليَّته،
ویغُرُّ غیرَه باستعماله.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: والتغوُّط في الماء كالبول فيه
وأقبحُ، وكذلك إذا بال في الإناء ثم صبَّه في الماء، وكذلك إذا بال بقرب
النهر؛ بحيث يجري إليه، فجرى إليه، فكلّه مذمومٌ قبيحٌ، منهيٍّ عنه على
التفصيل المذكور، إلا ما حُكِي عن داود بن علي الظاهري: أن النهي
مُخْتَصٌّ ببول الإنسان بنفسه، وأن الغائط ليس كالبول، وكذلك إذا بال في
إناء، ثم صبه، أو بال بقرب الماء، وهذا الذي ذهب إليه خلافُ الإجماع،
وهو من أقبح ما نُقِلَ عنه في الجمود على الظاهر.
وأما انغماس من [لم] يستنج في الماء ليستنجيَ فيه: فإن كان قليلاً؛
فهو حرام؛ لما فيه من تنجیس الماء، وإن کان کثیراً جارياً؛ فلا بأس به،
وإن كان راكداً؛ فليس بحرام، ولا تظهر كراهته؛ لأنه ليس في معنى
البول، ولا يقاربه، ولو اجتنب الإنسان هذا كلَّه؛ كان حسناً(١).
(١) المرجع السابق (٣/ ١٨٧).
١٦

٣٤٣- باب
كراهةٍ تفضيلِ الوالدِ بعضَ أولادِه على بعضٍ في الهِبَةِ
١٧٧٣ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: ﴾: أَنَّ أَبَّهُ أَنَى بِهِ رَسُولَ الله ◌ِ﴾
فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاماً كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَكُلَّ
ولَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هذا؟))، فَقَال: لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((فَأَرْجِعْهُ».
وفي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلُّهِمْ؟»،
قَالَ: لَا، قَالَ: (اتَّقُوا الله، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلاَ دِكُمْ))، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ
تِلْكَ الصَّدَقَةِ.
وفي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((يَا بَشِيرًا أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى
هذا؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذا؟))، قَالَ: لا،
قَالَ: ((فَلَا تُشْهِدْنِي إِذاً؛ فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ)).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((لا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ)) .
وفي روايةٍ: (أَشْهِدْ عَلى هذا غَيْرِي!))، ثُمَّ قَالَ: ((أَيَسُرُكَ أَنْ
يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ؟»، قَالَ: بَلى، قَالَ: ((فَلا إذاً) متفقٌ عليه.
* قوله: ((نحلت)):
١٧

(نه): (النُّخْل): العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحاق،
يقال: نَحَله يَنْحَلُه نُحْلاً بالضم، و(النِّحْلة) بالكسر: العطية (١).
(ن): فيه استحباب التسوية بين الأولاد في الهبة، ويسوِّي بين الذكر
والأنثى، وقال بعض أصحابنا: يكون للذكر مثلُ حظ الأنثيين، والصحيح:
الأولُ؛ لظاهر الحديث، فلو فضَّل بعضهم، أو وهب لبعضهم دون بعض؛
فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة: أنه مكروه، وليس بحرام، والهبة
صحيحة .
وقال طاوس، وعروة، ومجاهد، والثوري، وأحمد، وإسحاق،
وداود: هو حرام، واحتجوا برواية: ((لاَ أَشْهَدُ على جَورٍ))، وبغيرها من
ألفاظ الحديث.
واحتج الشافعي وموافقوه بقوله بَّ: ((فأَشْهِدْ على هَذا غَيرِي))، قالوا:
فلو كان هذا حراماً أو باطلاً؛ لما قال هذا الكلام.
فإن قيل : قاله تهديداً.
قلنا: الأصل خلافُه، ويحتمل صيغة (أفعل) عند الإطلاق على
الوجوب أو الندب، فإن تعذر ذلك؛ فعلى الإباحة.
وأما قوله وَِّ: ((لا أَشْهدُ على جَور)»: فليس فيه أنه حرام؛ لأن الجور
هو: المَيلُ عن الاستواء، وكلُّ ما خرج عن الاعتدال؛ فهو جورٌ، سواء
کان حراماً، أو مكروهاً.
وفيه: أن هبة بعض الأولاد دون بعض صحيحةٌ، وإنْ لم يهب للباقين
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٢٨).
١٨

مثلَ هذا؛ استُحِبَّ ردُّ الأول.
وفيه: جواز رجوع الوالد في هبته للولد(١).
(حس): وفيه: استحباب التسوية بين الأولاد في النحل، وفي غيرها
من أنواع البر، حتى في القُبَلِ، ولو فعل خلاف ذلك؛ نفذ، وقد فضَّل أبو
بكر عُ عائشةَ بجِدادِ عشرين وَسْقاً، نَحَلَها إياها دون سائرٍ أولاده(٢).
وفضَّل عمرُ بن الخطاب عظُه عاصماً بشيء أعطاه [إياه].
وفضَّل عبدُ الرحمن بن عوف ولدَ أمّ كلثوم، وقُرِّر ذلك، ولم يُنْكَرْ
علیهم، فيكون إجماعاً(٣).
(ق): ((أيسرك أن يكونوا في البر سواء)): تنبيه على مدخل المفسدة
الناشئة من تفضيل بعضٍ الأولاد في الهبة على بعض، وهو العقوق الذي
هو أكبر الكبائر.
وفيه ما يدل على الاحتياط في العقود بشهادات الأكبر والأفضل.
وعلى حضِّ الأب على سلوك الطريق المفضية بابنه إلى بِرِّه، وتجنُّب
ما يفضي إلى نقيض ذلك(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٦٦).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١٧٢٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٨/ ٢٩٧ - ٢٩٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٨٧).
١٩

3
٣-باب
تحريم إحدادِ المرأةِ على ميتٍ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ
إلاَّ على زوجها أربعة أشهرٍ وعشرةَ أيامٍ
١٧٧٤ - عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ﴾، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلى
أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِّ لَ﴿ حِينَ تُؤُفِيَ أَبُوهَا أَبُو
سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ﴿ه، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ، أَوْ غَيْرِهِ،
فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْها. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ! مَالي
بالطِّيبٍ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ عَلى
المِثْبَرِ: ((لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلى
مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ لَيَالٍ، إلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً). قَالَتْ
زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ الله عَنْهَا حِينَ
تُؤُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَالله!
مَالِي بِالطِّيبٍ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ
عَلى المِنْبَرِ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلى
مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) متفقٌ عليه.
٢٠