Indexed OCR Text

Pages 441-460

(ن): معناه ما تظنون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار
منها في ذلك المقام؛ أي: لا يبقى منها شيء إلا أخذه(١).
(مظ): أي: ما ظنكم بالله مع هذه الخيانة؟ هل تشكُّون في هذه
المجازاة أم لا؟
يعني: فإذا علمتم صِدْق ما أقول؛ فاحذروا من الخيانة في نساء
المجاهدین(٢).
(تو): يعني: فما ظنكم بمن أحلَّه الله بهذه المنزلةِ، وخصّه بهذه
الفضيلة، وبما يكون وراء ذلك من الكرامة.
(ط): الأقرب قول المظهر؛ فإن سياق الكلام جارٍ في حرمة نساء
المجاهدين، وتوقير شأنهن، وتنزيلهن منزلةَ الأمهات، وأن الخيانة معهن
منافية للدين والمروءة.
يعني: فما تظنون في ارتكابكم هذه الجريمة، تتركون مع تلك(٣)
الخيانةِ؟ أم ينتقم الله منكم؟
ويلزم من هذا تعظيم شأن المجاهدين (٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٢).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٤٠).
(٣) في الأصل: ((هلك))، والصواب المثبت.
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٣١).
٤٤١

٢٨٤- باس
تحريمِ تَشَبُّهِ الرجالِ بالنساءِ،
والنساءِ بالرجالِ في لباسٍ وحركةٍ وغيرِ ذلكَ
◌َا، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهَِّهِ المُخَنَِّينَ
١٦٣١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاتٍ مِنَ النِّسَاءِ.
وفي رواية: لَعَنَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ
بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتٍ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. رواهُ البُخاريُّ.
١٦٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهِ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِوَه
الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ، وَالمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رواهُ أبو
داود بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله: ((لعن رسول الله وَلفي المخنثين من الرجال)»:
خنث يخنث، على وزن علم يعلم: إذا انكسر الشيء، ولان وتكسر.
(ن): المخنَّث ضربان:
أحدهما: من خُلِقٍ كذلك، ولم يتكلف التخلُّق بأخلاق النساء وزيهن،
وكلامهن وحركاتهن، وهذا لا ذمّ عليه ولا إثم ولا عيب ولا عقوبة؛ لأنه معذور .
والثاني من المخنث: من يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن، وهيئاتهن
٤٤٢

وكلامهن، فهذا هو المذموم الذي جاء في الحديث لعنه(١).
(حس): روى عن أبي هريرة أن النبي ◌َّرِ أتي بِمُخنَّث قد خضب
رجليه ویدیه بالحناء، فأمر به فنفي إلى النقيع(٢).
(نه): ((المترجِّلات من النساء)»: المتشبهات منهن بالرجال في زيهم
وحر کتهم.
فأما في العلم والرأي: فمحمود، كما روي أن عائشة رضي الله عنها
كانت رَجُلَةَ الرأيٍ؛ أي: كان رأيها كرأي الرجال(٣).
١٦٣٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ
النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَبِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا
النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عارِبَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُؤُوسُهُنَّ
كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ، المَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا،
وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ كَذَا وَكَذَا)) رواهُ مسلمٌ.
معنى ((كاسِيات)): أَيْ: مِنْ نِعْمَةِ الله، ((عَارِيَاتٌ)) مِنْ شُكْرِهَا.
وَقِيلَ: مَعناهُ: تَسْتُرُ بَعْضَ بَدَنِهَا، وَتَكْشِفُ بَعْضَهُ؛ إِظْهَاراً
لِجَمَالِها ونَحْوِهِ.
(١) انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٣/ ٩٤).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ١٢١)، والحديث رواه أبو داود (٤٩٢٨).
وهو حديث منكر. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٢٦٠).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٠٣).
٤٤٣

وَقِيلَ : تَلْبَسُ ثَوْباً رَقِيقاً يَصِفُ لَوْنَ بَدَنِهَا .
وَمَعْنَى ((مَائِلاَتٌ)): قِيلَ: عَنْ طَاعَةِ الله تعالى، وَمَا يَلْزَمُهُنَّ
حِفْظُهُ، ((مُمِيلاَتٌ)): أَيْ: يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ فِعْلَهُنَّ المَذْمُومَ.
وَقِيلَ: ((مَائِلاَتٌ)): يَمْشِينَ مُتَبَخْتِرَاتٍ، ((مُمِيلاَتٌ)) لِأَكْتَافِهِنَّ.
وَقِيلَ: ((مَائِلاَتٌ)): يَمْتَشِطْنَ المِشْطَةَ المَيْلاَءَ، وَهِيَ مِشْطَةُ
البَغَايَا، و((مُمِيلاَتٌ)): يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ تِلْكَ الِمِشْطَةَ.
(رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ)): أيْ: يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ
عِمَامَةٍ أَوْ عِصابَةٍ أَوْ نَحْوِهِ.
* قوله : ((صنفان من أهل النار لم أرهما)):
(ق): أي: لم يوجد في عصره منهما أحد؛ لطهارة أهل ذلك العصرِ
الكريم .
ويتضمن ذلك: أن ذَينِك الصنفين سيوجدان، وكذلك كان؛ فإنه
خلف بعد تلك الأعصار قوم يلازمون السياط المؤلمة التي لا يجوز أن
يضرب بها في الحدود؛ قصداً لتعذيب الناس، وربما أفضى بهم الهوى وما
جُبلوا عليه من الظلم إلى إهلاك المضروب.
وهذه أحوال الشرط بالمغرب، فهم سخط الله في الجملة عاقب الله
[بهم] شِرارَ خلقه، نعوذ بالله من سخطه (١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٤٩/٥).
٤٤٤

٢٨٥- باب
النهي عنِ التشبُِّ بالشيطانِ والكُفَّارِ
١٦٣٤ - عَنْ جَابِرٍ ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لاَ تَأْكُلُوا
بِالشِّمَالِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ وَيَشرَبُ بِشِمَالِهِ) رواهُ مسلمٌ.
١٦٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((لاَ يَأْكُلَنَّ
أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلاَ يَشْرَبَنَّ بِهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ،
وَيَشْرَبُ بِهَا) رواهُ مسلمٌ.
* قوله خلفه: ((فإن الشيطان يأكل بالشمال»:
(تو): المعنى: أنه يحمل أولياءه من الإنس على ذلك الصنيع؛
ليضاد به عباد الله الصالحين، ثم إن من حق نعمة الله، والقيام بشكره أن
تُكْرَمَ ولا يُسْتَهَان بها، ومن حق الكرامة أن تُتناولَ باليمين، ويميز بها بين
ما كان من النعمة وبين ما كان من الأذى.
(ن): فيه: أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين، وأن
للشيطان یدین(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٢).
٤٤٥

(ق): لقد أبعد وتعسف من أعاد الضمير في (شماله) إلى الآكل(١).
١٦٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِنَّ
اليَهُودَ والنَّصَارَى لاَ يَصْبِغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ)) متفقٌ عليه.
المُرَادُ: خِضَابُ شَعْرِ اللَّحْيَةِ والرَّأْسِ الأَبْيَضِ بِصُفْرَةٍ أَوْ
حُمْرَةٍ، وَأَمَّا السَّوادُ، فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا سَنَذْكُرُ في البابِ بَعْدَهُ إن
شاء الله تعالى .
* قوله : ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)):
(ن): يقال: صبغ يصبُغ بضم الباء وفتحها .
ومذهبنا: [استحباب] خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة،
ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهةً تنزيه، والمختار
التحريم؛ لقوله بَّهُ: ((اجْتَنِبُوا السَّواد)(٢)، هذا مذهبنا، وقال القاضي:
[اختلف] السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه:
فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، ورووا حديثاً عن النبي بَّر في
النهي عن تغيير الشيب، ولأنه يَّر [لم] يغير شيبه، روي هذا عن عمر
وعلي وأبي رَّه وآخرين.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٩٦).
(٢) رواه مسلم (٢١٠٢ / ٧٩)، من حديث جابر ضـ
٤٤٦

وقال بعضهم: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة
والتابعين ومن بعدهم؛ الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره.
ثم اختلف هؤلاء، فكان أكثرهم يخضب بالصفرة، منهم ابن عمر
وأبو هريرة وآخرون، وروي ذلك [عن] علي.
وخضب جماعة منهم بالحِنَّاء والكَتَم، وبعضهم بالزعفران، وخضب
جماعة بالسواد، ورُويَ ذلك عن عثمان، والحسن والحسين ابني علي بن
أبي طالب ◌ّ، وعقبة بن عامر، وابن سيرين، وأبي بردة، وآخرين.
قال القاضي: قال الطبري: والصواب أن الآثار المروية عن النبي وَلقول
بتغيير الشيب، وبالنهي عنه كلّها صحيحة، وليس فيها تناقض، بل الأمر
بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شَمَط فقط.
قال: واختلف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في
ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع، ولهذا لم
ينكر بعضُهم على بعضٍ خلافَه.
قال: ولا يجوز أن يقال فيهما: ناسخ ومنسوخ قال القاضي: وقال
غيره: هو على حالين، فمن كان في موضع عادةِ أهلِ الصبغ أو تركِه؛
فخروجه عن العادة شهرة ومكروه.
والثاني: أنه يختلف باختلاف الشيب، فمن كانت شيبته نقيَّةً أحسنَ
منها مصبوغةً؛ فترك الصبغ أولى، ومن كانت شيبته تُسْتَبَشَعُ؛ فالصبغ
أولى، هذا ما ذكره القاضي، والأصح الأوفق للسنة ما قدمناه عن
مذهبنا(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٨٠).
٤٤٧

(ق): قولهم ترك الخضاب أفضل، ليس بشيء؛ لأن الحديث الذي
ذكروه ليس بمعروف، ولو كان معروفاً؛ فلا يبلغ في الصحة إلى هذا
الحدیث.
وأما قولهم: إنه ێے لم يختضب: فليس بصحيح، بل صح أنه خضب
بالحناء والصفرة (١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤١٨).
٤٤٨

٢٨٦- باب
نهي الرجل والمرأةِ عن خضابِ شعرِهما بسوادٍ
١٦٣٧ - عَنْ جَابِرٍ ﴿هَ، قَالَ: أُنِّيَ بِأبِي قُحَافَةَ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ
الصِّدِّيقِ ﴾ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضاً، فَقَالَ
رَسُولُ الله: ((غَيِّرُوا هَذَا وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ) رواه مسلمٌ.
* قوله: ((هو والد أبي بكر الصديق
:
واسمه عثمان بن عامر، أسلم يوم فتح مكة، وله صحبة، مات في
المحرم سنة أربع عشرة من الهجرة وهو ابن سبع وتسعين سنة بعد وفاة ابنه
أبي بکر بأشهر .
(ن): الثغامة: بثاء مثلثة، ثم غين معجمة، هو نبت أبيض الزهر
والثمر، شُبِّه بياضُ الشیب به.
وقال ابن الأعرابي: هي شجرة تَبْيضُ كأنها الملح.
وأبو قُحافة: بضم القاف، وتخفيف الحاء (١).
(ق): ((واجتنبوا السواد)): عُلل كراهة ذلك؛ لأنه من باب التدليس
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٧٩).
٤٤٩

على النساء، ولأنه سواد في الوجه، ولأنه تشبه بسيما أهل النار.
وقد روى أبو داود أنه وٍَّ قال: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَصْبِغُونَ
بِالسَّوادِ، لاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يَجِدُونَ رِيحَهَا))(١)، غير أنه لم نسمع أن
أحداً من العلماء قال بتحريم ذلك، بل قد روي عن جماعة كثير من
السلف: أنهم كانوا يصبغون بالسواد، منهم: عمر وعثمان، والحسن
والحسين، وعقبة بن عامر، ومحمد بن علي، وعلي بن عبدالله بن عباس،
وعروة بن الزبير، وابن سيرين، وأبو بردة في آخرین.
روي عن عمر أنه قال: هو أَشْكَرُ للزوجة، وأَرْهَبُ للعدو.
قلت: ولا أدري عُذْرَ هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟ فأقل
درجاته: الكراهة، كما ذهب إليه مالك.
وللخضاب فائدتان :
إحداهما: تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار والدخان.
والأخرى: مخالفة أهل الكتاب، ولكن هذا الخضاب بغير السواد(٢).
(١) رواه أبو داود (٥٢١٢)، من حديث ابن عباس ﴾. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٠٩٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٤١٩).
٤٥٠

3
٢٨٧- باب
النَّهيِ عنِ القَزَعِ، وهو حلقُ بعضِ الرأسِ
دونَ بعضٍ، وإباحةٍ حلقِه كلّه للرَّجُل دونَ المرأةِ
١٦٣٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَ﴿ عَنِ
القَزَع. متفقٌ عليه.
[(ن): ((القزع)) حلق بعض الرأس مطلقاً، و](١) قيل: هو حلق
مواضعَ متفرّقةٍ منه، والصحیح الأول.
وأجمع العلماء على كراهة القزع إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي
كراهةُ تنزيهٍ، وكرهه مالك في الجارية والغلام مطلقاً.
وقال بعض أصحابه: لا بأس به في القصة والقفا للغلام.
قال العلماء: والحكمة في كراهته أنه تشويه للخلق.
وقيل: إنه زيُّ أهل الشر والشطارة.
وقيل: لأنه زي اليهود، وقد جاء في هذا رواية لأبي داود(٢)، انتهى.
قال الترمذي الحكيم: القزع أن يُحْلَق رأسُ الصبي ويُثْرك ما حولَه،
(١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها النص.
(٢) رواه أبو داود (٤١٩٧)، من حديث المغيرة ظه، وهو حديث ضعيف. انظر:
«تخريج أحاديث المشكاة)) (٤٤٨٤).
٤٥١

وكان هذا فِعْلَ القِسِّيسينَ، وهم ضرب من النصارى، وذلك علامة لهم،
وهو فعل مذموم أحدثوه فيما بينهم.
روينا عن سعيد بن المسيب : أن أبا بكر الصديق لما بعث الجنود نحو
الشام؛ قال: أوصيكم بتقوى الله وأمرهم بأمور، وكان فيما قال: إنكم
ستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما حبسوا أنفسهم
له، وستجدون آخرين اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصاً، فإذا
وجدتم أولئك؛ فاضربوا أعناقهم.
قال: فالذين تركوا الدنيا وحبسوا أنفسهم في الصوامع أمر بترك
التعرُّضِ لهم، فلا يطلبوا بجزية، لأنهم تركوا فتُركوا، والذين خرجوا من
الصوامع، وفحصوا عن أوساط رؤوسهم تَرَؤُساً وتشهيراً لأمرهم، فقد أخبر
أبو بكر ظ أن الشيطان دلهم على ذلك، وأنه ضلالة، وأنهم صيروا ذلك
الحلْقَ علامةً لأنفسهم؛ إظهاراً لما هم عليه، كأنه يدل على أن ذلك الصنف
بمنزلة من تزهَّد في هذا العصر، وشمَّر ثيابه، ولبِس الصوف والخلقان وهو
غير صادق في ذلك يريد تأكُّلَ الدنيا، وإنما نهى رسول الله بَّر عن القزع؛
للتشبه بهؤلاء الذين وصفناهم(١).
(حس): أصل القزع: السحاب المتفرقة شبه تفاريق الشعر في رأسه بها(٢).
(١) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٨٢).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٩٩).
٤٥٢

١٦٣٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِهِ صَبِيّاً قَدْ خُلِقَ
بَعْضُ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ:
(حْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اثْرُكُوهُ كُلَّهُ».
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
* قوله : «احلقوه کله أو اتر کوہ کله»:
(مظ): هذا تصريح بأن الحلق في غير الحج والعمرة جائز، وتصريح
بأن الرجل مخيَّر بين الحلق وترکه(١).
١٦٤٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَمْهَلَ آلَ
جَعْفَرِ رَبِ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقالَ: ((لاَ تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ اليَوْمِ)).
ثُمَّ قَالَ: (ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي))، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ:
((ادْعُوا لِيَ الحَلاَّقَ))، فَأَمَرَهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا. رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ
صحيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ.
* قوله: ((أمهل آل جعفر ثلاثاً):
(ط): أي: أمهلهم أن يبكوا ثلاثة أيام(٢).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٤١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٩٣٥).
٤٥٣

(تو): إنما قال ثلاثاً عنايةً لليالي.
((وادعوا [لي] بني أخي)) أراد عبدالله وعوناً ومحمداً بني جعفر بن أبي
طالب .
وإنما حلق رؤوسهم؛ لأنه رأى أمَّهم أسماءَ بنتَ عُمَيس حقيقةً بأن
تشتغل عن ترجيل شعورهم، وغسل رؤوسهم؛ لما أصابها من الفجيعة، أو
لزمها من أمر العِدَّة، أو أهمَّها عن القيام بمصالح نفسها، فأشفق من
الشَّعَث والوسخ والقمل، فحلق رؤوسهم .
٤٥٤

٢٨٨- باب
O
تحريمٍ وَصْلِ الشعرِ وَالوَشْمِ وَالوَشْرِ،
وهو تحدیدُ الأسنانِ
: قال الله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِإِلَّ إِنَاثًا وَ إِن يَدْعُونَ
إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا عَ لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا (٥) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ
اُلْأَنْعَمِ وَلَ مُهَنَّهُمْ فَلَيْغَيْرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١١٧ -١١٩].
* قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ=َإِلَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]:
قال أبي بن كعب: مع كل صنم جنية.
وقال جويبر عن الضحاك: قال المشركون: الملائكة بنات الله، وإنما
نعبدهم؛ ليقربونا إلى الله زلفى، قال: اتخذوها أرباباً، وصوَّروهن صور
الجواري فحكوا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يُشْبِهْنَ بناتِ اللهِ الذي نعبده؛
يعنون الملائكة، وهذا التفسير شبيه بقوله تعالى: ﴿ أَفَرَّهَيُ اللَّتَ وَالْعُزَّى )
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىِ ن أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىِ ٥ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى ) إِنْ هِىَ إِلَّ
أَسْمَةٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى
الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِن ◌َّيِهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩ -٢٣]
قال: ابن عباس ﴿إِلَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]؛ يعني: موتى.
٤٥٥

قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح؛ إما خشبة يابسة،
وإما حجر يابس، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهو غريب(١).
وقوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَنَّا قَرِيدًا﴾؛ أي: هو الذي أمرهم
بذلك وحسَّنَه لهم وزيَّنه، وهم إنما يعبدون إبليسَ في نفس الأمر .
وقوله: ﴿لَّمَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: طرده، وأبعده من رحمته، وأخرجه من
جواره.
وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾؛ أي: معيَّناً مقدَّراً، قال
مقاتل بن حيان: من كلِّ ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد
إلى الجنة.
﴿وَلَأُضِلَّتَّهُمْ﴾ عن الحق.
﴿وَلَأُمَّنِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: أزيِّن لهم تركَ التوبة، وأَعِدُهم الأماني، وآمرهم
بالتسويف.
وقوله: ﴿وَلََّ مُرَنَّهُمْ فَيُبَتْكُنَّ ءَاذَانَ اَلْأَنْعَمِ ﴾؛ يعني: تشقيقها
وجعلها سمة وعلامة للبَحِيرة والسائبة .
وَلَّ مُنَّهُمْ فَيُغَيِّرَُ خَلْقَ اَللَّهِ﴾: قال ابن عباس: يعني بذلك
خصاء(٢) الدواب، وكذا روي عن ابن عمر، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبي
عیاض، وأبي صالح، وقتادة، والثوري.
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٩٧٢)، وابن جرير الطبري في ((تفسيره))
(٥/ ٢٧٩).
(٢) في الأصل: ((خصّ)).
٤٥٦

وقال الحسن: يعني بذلك الوشم(١).
(م): ﴿إِنَكَثًا﴾: هو الأوثان، وكانوا يسمُّونها بأسماء الإناث، كقولهم:
اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ودل عليه قراءة عائشة رضي الله عنها:
(إلا أوثاناً).
و﴿َّرِيدًا﴾: هو البالغ في العصيان، الكامل في البعد عن الطاعة.
فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً،
والنصيب لا يتناول القسم الأكثر، وإنما يتناول القسم الأقل.
فالجواب: أن التفاوت إنما يحصل في نوع البشر، أما إذا ضَمَمْنا زمر
الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين؛ كانت الغلبة للمؤمنين.
وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد، إلا أن منصبهم عظيم
عند الله، والكفار وإن كانوا كثيرين، فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم
النصیب علی قوم إبليس .
قوله: ﴿وَلَأُمَّنِّيَنَّهُمْ﴾: هذا يشعر بأنه لا حيلة له في الإضلال أقوى
من إلقاء الأماني في قلوب الخلق.
وطلب الأماني يورث: الحرص والأمل، وهما يستلزمان أكثر
الأخلاق الذميمة؛ إذ الحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا والدين، فإنه إذا
اشتد حرصه على الشيء؛ فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية، وإذا طال
أمله؛ نسي الآخرة، فلا يكاد يُقْدِم على التوبة، ولا يؤثِّر فيه الوعظ، فيصير
قلبه كالحجارة، أو أشد قسوة.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٢٧٦).
٤٥٧

قوله: ﴿وَلَ مُنَّهُمْ فَيُغَيِّرْنَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾: هذا التغيير إما تغيير القلوب
والبواطن، أو تَغيير الأجساد والظواهر:
فالأول: ما ورد في الحديث: ((فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ))(١).
والثاني: ما ورد في أحاديث هذا الباب(٢).
٠
١٦٤٢ - وَعَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ لَهه
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ ابْتَتِي أَصَابَتْهَا الحَصْبَةُ، فَتَمَرَّقَ شَعْرُها،
وإِنِّي زَوَّجْتُهَا، أَفَأَصِلُ فِيهِ؟ فَقَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمَوْصُولَةَ))
متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: ((الوَاصِلَةَ، وَالمُسْتَوْصِلَةَ».
قَوْلُهَا: ((فَتَمَرَّقَ)): هو بالرَّاءِ، ومعناه: انْتُثَرَ وَسَقَطَ. وَالوَاصِلَةُ:
الَّتِي تَصِلُ شَعْرَها، أَوْ شَعْرَ غيرِها بِشَعْرٍ آخَرَ. ((وَالمَوْصُولَةُ»: التي
يُوصَلُ شَعْرُهَا. ((وَالمُسْتَوْصِلَةُ)): التي تَسْأَلُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَهَا.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا نَحْوُهُ. متفقٌ عليهِ.
* قوله: ((الحصبة)) بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، ويقال
أيضاً: بفتح الصاد وكسرها، ثلاث لغات حكاهن جماعة، الإسكان أشهر،
(١) رواه البخاري (١٢٩٣)، من حديث أبي هريرة ظـ
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١١/ ٣٧ -٣٩).
٤٥٨

وهي بثْر تخرج في الجلد.
وهذا الحديث صريح في تحريم الوصل، ولعن الواصلة والمستوصلة
مطلقاً، وهذا هو الظاهر المختار.
وقد فصله أصحابنا، فقالوا: إن وصلَتْ شعرها بشعر آدمي؛ فهو حرام
بلا خلاف، سواء كان شعرَ رجلٍ أو امرأة، وسواءٌ شعرُ المخرَم والزوج
وغيرهما، بلا خلاف؛ لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي،
وسائر أجزائه؛ لكرامته، بل يدفن شعره وظفره، وسائر أجزائه.
وإن وصلته بشعر غير الآدمي: فإن كان شعراً نجساً كشعر الميتة؛
فهو حرام أيضاً.
وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي: فإن لم يكن لها زوج، ولا سيد؛
فهو حرام أيضاً، وإن كان؛ فثلاثة أوجه: أصُّها إن فعلتْه بإذن السيد
والزوج؛ جاز.
وأما تحمير الوجنة والخضاب بالسواد، وتطريف الأصابع: فإن لم
يكن لها زوج أو سيد، أو كان وفعلته بغير إذنه؛ فحرام، وإن أذن؛ جاز
على الصحيح.
هذا تلخيص أصحابنا في المسألة، وقال مالك والطبري وكثيرون:
الوصل ممنوع بكل شيء سواء وصلته بشعر أو صوفٍ أو خِرق.
وقال الليث بن سعد: النهي مختص بالوصل بالشعر، ولا بأس
بوصله بصوف وخرق وغيرها.
وقال بعضهم: يجوز جميع ذلك، وهو مروي عن عائشة، ولا يصح
٤٥٩

عنها، بل الصحيح عنها کقول الجمهور.
وأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر؛ فليس
بمنهي عنه؛ لأنه ليس بوصل، ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما هو
للتجمل والتحسين .
(مظ): وجه النهي أن هذا الفعل كذب وتغرير؛ لأنها تظهر أن شعرها
طويل، وليس كذلك، ورخَّص بعض أهل العلم في القَرامَل، وهو ما يقال
له بالفارسية: (موی بند)(١) .
[(ق)] وشذ الليث بن سعد بقوله(٢)، وأباح آخرون وضع الشعر على
الرأس، وقالوا: إنما نهى عن الوصل، وهذه ظاهريةٌ مخْضة، وإعراض عن
(٣)
المعنى(٣).
(ن): فيه: أن وصل الشعر من المعاصي الكبائر، وفيه: أن المُعِين
على الحرام يشارك فاعله في الإثم، وأن المعاون على الطاعة يشارك في
ثوابها (٤) .
١٦٤٣ - وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ ◌َُه
عَامَ حَجَّ عَلَى المِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ فِي بَدِ حَرَسِيٍّ،
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٤٢).
(٢) حيث أجاز وصل الشعر بالصوف والخرق.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٤٣).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٠٥).
٤٦٠