Indexed OCR Text

Pages 321-340

وبقية ألفاظ الحديث سبق في (الباب السابع والعشرين).
١٥٧١ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رَ﴿هَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
يَقُولُ: ((إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ، أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ حِدْتَ
أَنْ تُفْسِدَهُمْ)) حدیثٌ صحيحٌ، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله مَّه: ((إنك إن اتبعت عورات المسلمين؛ أفسدتهم)» :
(تو): (العورات) ساكنة الواو: جمع عورة، وهي كل ما يستحيا
منه، ویسوء صاحبه أن یُری ذلك منه، انتھی.
ومعنى ((أفسدتهم)) أوقعتهم في الفساد؛ فإن المرء ما دام مستحيياً
خائفاً من ظهور معاصيه ومعائبه، يُرجى له الخيرُ والإقلاعُ عن ذلك؛ إذ
الحياء شعبة من الإيمان.
فأما إذا اشتُهر المرءُ بالمعصية وافتُضح: لم يُبالِ بما اكتسب
واجترح.
فالمعنى: إذا اتبعت عورات المسلمين؛ أفضحتهم، فإذا افتضحوا؛
فسدوا .
قال الإمام الغزالي: من شرائط إنكار المنكر أن يكون ظاهراً بغير
تجسس، فكل من ستر معصية في داره، وأغلق بابه؛ لا يجوز أن يُتجسس
علیه، وقد نهى الله عنه.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف قال: حرسْتُ مع عمر ◌َظُه ليلة
٣٢١

بالمدينة، فبينا نحن نمشي؛ إذ ظهر لنا سراج، فانطلقنا نؤمُّهُ، فلما دنونا
منه؛ إذا باب مُغلَقٌ على قوم لهم أصوات ولغَطِّ، فأخذ عمر بيدي وقال:
أتدري بيت مَن هذا؟ فقلت: لا، قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف،
وهم الآن شَرْبٌ فما ترى؟ فقلت: أرى أنا قد أتينا ما نهانا الله عنه، قال
تعالى: ﴿وَلاَ تَجَسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢]، فرجع عمر وتركهم.
فهذا يدل على وجوب الستر وترك التتبع .
وقال أبو بكر ظه: لو رأيت أحداً على حدٍّ من حدود الله رَّت؛ ما
أخذته، ولا دعوت له أحداً حتی یکون معي غيري.
وروي أن عمر ◌َُّّه كان يَعُسُّ بالمدينة، فسمع صوتَ رجل في بيت
يتغنَّى، فتسوَّر عليه، فوجد عنده امرأة وعنده خمر، فقال: يا عدو الله؛
أظننت أن الله يسترك وأنت على معصية؟ فقال: وأنت يا أمير المؤمنين فلا
تعجل، إن كنتُ عصيتُ الله في واحدة؛ فقد عصيت الله تعالى في ثلاثٍ،
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقد تجسستَ، وقال تعالى:
﴿وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَيِهِأَ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقد تسوَّرتَ عليَّ، وقال
تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاَ﴾
[النور: ٢٧]، وقد دخلتَ بيتي بغير إذن وسلام، فقال عمر: هل عندك من
خير إن عفوت عنك، قال: والله يا أمير المؤمنين؛ لئن عفوتَ عنِّي لا أعودُ
إلى مثلها، فعفا عنه وتركه، و[لذلك شاور] عمر الصحابة بوثم وهو على
المنبر، وسألهم عن الإمام إذا شاهد بنفسه [منكراً]، فهل له إقامة الحد؟
فأشار علي ◌َُّ بأن ذلك منوط بعَدْلَيْن، فلا يكفي فيه واحد.
فإن قلت: فما حدّ الظهور والاستتار؟
٣٢٢

فاعلم أن مَن أغلق بابه، وتستَر بحيطانه؛ فلا يجوز الدخول عليه بغیر
إذنه لنعرف المعصية، إلا أن تظهر المعصية في الدار ظهوراً يعرفه مَن هو
خارج الدار؛ كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوزت حيطان
الدار، فمن سمع ذلك؛ فله دخول الدار وكسرها، وكذلك إذا ارتفعت
أصواتُ السُّكارى بالكلمات المألوفة بينهم بحيث يسمعُها أهلُ الشوارع،
فهذا إظهارٌ مُوجِب للحسبة.
وقد تُستر قارورة الخمر في الكُمِّ، وتحت الذَّيل، وكذلك الملاهي،
فإذا رئي فاسق وتحت ذيله شيء؛ لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة
خاصة، فإن فسقه لا يدل على أن معه خمراً؛ إذ الفاسق يحتاج أيضاً إلى
الخل وغيره، فلا يجوز أن يستدل بإخفائه وأنه لو كان خلاً؛ لمَا أخفاه؛
لأن الأغراض في الإخفاء مما تكثر.
وإن كانت الرائحة فائحةً، فهذا محلُّ النظر، وليس له أن يقول: أرني
لأعلمَ ما فيه؛ فإن هذا تجسسٌ، ومعنى التجسس: طلب الأمارات
المُعرِّفة، فإن الأمارات المُعرِّفة إن حصلت وأورثت المعرفة؛ جاز العمل
بمقتضاها، فأما طلب الأمارات المعرفة: فلا رخصة فيها أصلاً(١).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٣٢٥).
٣٢٣

٢٦٤- باب
النهي عن سوءِ الظنِّ بالمسلمينَ من غيرٍ ضرورةٍ
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ
اُلَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:
١٢]، نهى الله سبحانه عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو: التهمة
والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأنَّ بعض ذلك قد يكون
إثماً محضاً، فليجتنب كثيراً منه احتياطاً.
روينا عن عمر بن الخطاب ظُه قال: لا تظننَّ بكلمة خرجَتْ من
أخيك المُؤمن على مَحْمِل سوء وأنت تجدُ لها في الخير مَحْمِلاً.
وفي ((سنن ابن ماجه)): عن عبدالله بن عمرو قال: رأيت النبي ◌َّل
يطوف بالكعبة ويقول: ((مَا أطيبكِ وأَطيَبَ رِيحَكِ، ومَا أعظمَكِ وأَعظَمَ
حُرمَتَكِ، والَّذِي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِهِ؛ [لَحُرمَةُ] المُؤمِنِ أعظمُ عِندَ اللهِ حُرمَةً
مِنْكِ، مالِهِ، ودمِهِ، وأَن نَظُنَّ بهِ إِلاَّ خَيْراً).
تفرَّد به ابن ماجه(١) .
(١) رواه ابن ماجه (٣٩٣٢). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣٤٢٠).
٣٢٤

١٥٧٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ
وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ)) متفقٌ عليه.
* قوله ◌َّير: ((إياكم والظن))، سبق قريباً.
٣٢٥

---
٢٦٥- باب
تحريم احتقارِ المسلمينَ
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ
يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرُمِنْهُنَّ وَلَا نَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا
تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: ١١].
* وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَقٍ لَّمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: ١].
* قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]:
ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهي: احتقارهم والاستهزاء بهم، كما في
((الصحيح)): ((الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))(١)؛ أي: احتقارهم
واستصغارهم، وهذا حرام، فقد يكون المُحتَقَر أعظمَ عند الله قدراً، وأحبَّ
إليه من السَّاخر منه المُحقِّر له.
﴿وَلَا نَّلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: لا تلمزوا الناس؛ كقوله
تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
(١) رواه مسلم (٩١ / ١٤٧)، من حديث ابن مسعود
قنه
٣٢٦

(الهمز): العيب بالفعل، و(اللمز): بالقول.
وقوله: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾؛ أي: لا تتداعوا بها، وهي التي يَسوءُ
الشخصَ سماعُها .
وقوله: ﴿يِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنَّ﴾ ؛ أي: بئس الصفة والاسم
الفسوق، وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعدما دخلتم
في الإسلام وعقَلتُموه(١).
(الثعلبي): مَن فعل ما نُهي عنه من السخرية هو فاسقٌ، وبئس الاسمُ
الفسوقُ بعد الإيمان، فلا تفعلوا.
(م): هذه السورة إرشاد بعد إرشاد إلى ما ينبغي أن يكون عليه
المؤمن مع الله تعالى، ومع النبي ◌َِّ، ومع مَن يخالفُهما، وهو الفاسق،
وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن.
والمؤمن إما أن يكون حاضراً، وإما أن يكون غائباً، [فإن كان
حاضراً؛ فلا ينبغي أن يسخر منه، ولا يلتفت إليه بما فيه التعظيم](٢).
وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض، وهي:
السخرية، واللمز، والتنابز.
فالسخرية: هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال، ولا يلتفت
[إليه]، ويُسقطه عن درجته، وحينئذٍ لا يذكر [ما] فيه من المعايب؛ كما يقال:
هو أقل من أن يذكر.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ١٥٥).
(٢) ما بين معكوفتين من (تفسير الرازي)) (٢٨ / ١١٣).
٣٢٧

وأما اللمز: فهو أن يصفَه بصفة تُوجب نقصَه، وحطَّ منزلته .
وأما التنابز: فهو مجرد التسمية وإن لم يكن فيه ذلك، بل مجرد
كراهية الشخص للقَبِهِ.
والقوم: اسم يقع على جمع من الرجال، ولا يقع على النساء، ولا
على الأطفال؛ لأنه جمع قائم؛ كصوم جمع صائم، والقائم بالأمور هم
الرجال، فعلى هذا: الأقوام: الرجال لا النساء.
* فائدة: وهي أن عدم الالتفات والاستحقار، إنما يُتصوَّر في أمر
الأكثر من الرجال بالنسبة إلى الرجال؛ لأنها ضعيفة [فإذا لم يلتفت الرجال
إليها؛ لا يكون لها أمر، قال رَّه]: ((النِّسَاءُ لَحْمٌ عَلَى وَضَمِ إلاَّ ما رَدَدْتَ
عَنْهُ))، وأما المرأة: فلا يوجد منها استحقار الرجل [وعدم التفاتها إليه؛
لاضطرارها في دفع حوائجها إليه].
وفي قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] حكمة، وهي أنه
وجد منهم التكبر الذي هو مفسد للأعمال، وجعل نفسه خيراً [منهم]، كما
أن إبليس لم يلتفت إلى آدم وقال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ولم يعلم ما
علمه الله من کون آدم عليه السلام كان خيراً منه.
ويمكن أن يقال: (كان) قد جيء بمعنى: صار، فيكون معناه:
يصيروا، فإن من استحقر إنساناً لفقره أو ضعفه، لا يأمن أنَ يفتقر هو
ويَستغني الفقير، ويَضعف هو ويَقوى الضعيف.
وفي قوله: ﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وجهان:
أحدهما: أن عيب الأخ عائد إلى الأخ، فإذا عاب أخاه؛ فكأنه عاب
نفسه .
٣٢٨

ثانيهما: هو أنه إذا عابه وهو لا يخلو عن عيب؛ يحاربهُ المَعِيبُ
فيعيبهُ، فيكون هو بعيبه حاملاً لغيره على عيبه، وكأنه هو العائب نفسه،
وعلى هذا يحمل: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: أنكم إذا قَتلتم
نفساً؛ قُتلتم، فتكونوا كأنكم قتلتم أنفسكم.
قال: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ﴾ [الحجرات: ١١]؛ لأن اللمَّاز إذا لَمَزَ؛ فالملموز قد
لا يجد فيه في الحال عيباً يلمزه به، بخلاف النَّبز؛ فإن من نبز غيره بلقب لا
يرضاه، ربما جازاه صاحبه في الحال(١).
* قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَقٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]:
(الهمز): العيب بالقول، و(اللمز): بالفعل؛ يعني: يزدري الناس
وینقص بهم(٢).
١٥٧٦ - وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله ◌َّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ:
(قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ! لاَ يَغْفِرُ اللهُ لِفُلاَنٍ، فَقَالَ اللهُ وَّ: مَنْ ذَا الَّذِي
يَتَأَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ؟! إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ))
رواه مسلمٌ.
* قول المتألِّي: ((والله! لا يغفر الله لفلان)»:
(ق): القطع بهذا القول نتيجةُ الجهل بالأحكام الإلهية، والإدلال
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ١١٣).
(٢) المرجع السابق (٣٢/ ٨٦).
٣٢٩

على الله بما اعتقد أن له عنده من الكرامة والحظ والمكانة، ولذلك المذنب
من الخسّة والإهانة، فإن جزم بهذا؛ فهو كافر، فيكون إحباط عمله لأجل
كفره، وإن لم يجزم، بل غلب عليه الخوفُ، فحَكَم بإنفاذ الوعيد؛ فليس
بكافر، لكنه مرتكب كبيرة، فيكون إحباط عمله بمعنى: أن ما أوجبت له
هذه الكبيرة من الإثم، يُربِي على أجر أعماله الصالحات، فكأنه لم يبق له
عمل صالح.
وقوله تعالى: ((من ذا الذي يتألَّى علي؟)): استفهام على جهة الإنكار
والوعيد، ويُستفاد منه تحريم الإدلال على الله، ووجوب التأدب معه في
الأقوال والأحوال، وأنَّ حق العبد أن يُعامل نفسه بأحكام العبودية، ومولاه
بما يجِبُ له من أحكام الإلهية والربوبية.
وقوله تعالى: ((فإني قد غفرت لفلان)»، دليل على صحة مذهب أهل
السنة، إذ قالوا: لا يُكفَّر أحدٌّ من أهل القبلة بذنب، وهو مُوجِب قوله
تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ ﴾ [النساء: ٤٨](١).
(ن): احتجت المعتزلة بهذا الحديث في إحباط الله الأعمالَ
بالمعاصي الكبائر، والجواب: أنه أُسقطت حسناته في مقابلة سيئاته،
فسمِّي إحباطاً مجازاً، ويحتمل أنه جرى منه أمرٌ أوجبَ الكفر، ويحتمل أن
هذا كان في شرع من قبلنا، وكان هذا حكمهم(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦٠٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٤).
٣٣٠

٢٦٦- باب
النهي عَنْ إظهارِ الشَّماتَةِ بالمسلم
: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠].
* وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩].
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]، سبق في (الباب
الثاني والعشرين).
* وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[النور: ١٩]، سبق في (الباب الثامن والعشرين).
١٥٧٧ - وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
((لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ؛ فَيَرْحَمَهُ اللهُ وَيَبْتَلِيَكَ)) رواه الترمذيُّ،
وقال: حديثٌ حسنٌ.
وفي الباب: حديثُ أَبي هريرة السابقُ في باب: التَّجَسُّسِ:
(كُلُّ المُسْلِمٍ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ)) الحديثَ.
* قوله مَله: ((لا تظهر الشماتة لأخيك)»:
٣٣١

(نه): ((الشماتة)): فرح العدو بنكبة تَنزِل بمن يعاديه، يقال: شمت
بکسر المیم، یشمت بفتحها، فهو شامت، انتهى(١).
قيل: مَن يُرِ يوماً؛ يُرَ به، وأنَّ الأیامَ ذو دول.
قال الفرزدق:
كَلَاكِلَهُ أناخَ بِآخِرِينَا
إذَا ما الذَّهرُ جرَّ على أُناسٍ
سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كمَا لَقِيْنَا
فُقل للشَّامِتِينَ بنا أَفِيقُوا
أنشد منصور بن إسماعيل الفقيه :
حُمْقاً بِهِمْ سَكْرٌ ونَوْمُ
قَضَيتُ نَحْبِي فَسُرَّ قَومُ
ولَيسَ للشَّامِتِينَ يَوْمُ
كأَنَّ يَومِي عَلَيَّ حَتْمُ
زاد أبو القاسم الأبندوني :
فَلَيسَ يَلْوِيهِ عَنهُ لَومُ
فِلاَ تَلُومَنَّ ذَا شَمَاتٍ
فإنّنا في النُّشُورِ قومُ
والمَوتُ إن جَاءَنَا فُرَادَى
أنشد أبو عبد الله الحسين بن عبد الملك حين قتل :
فَالمَوتُ قَد وسَّعَ الدُّنيا علَى النَّاسِ
إِنْ كَانَ بِالنَّاسِ ضِقٌ مِن مُجَالَسَتِي
إِنَّ المَنِيةَ كَأْسٌ كُلُّنَا حَاسِي
أَموتُ والشَّامِتُ المَعْبُونُ يَتَبَعُنِي
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٩٩).
٣٣٢

٢٦٧- باب
تحريمِ الطَّعنِ في الأنسابِ الثابتةِ في ظاهرِ الشرعِ
* قال الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
* قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأحزاب: ٥٨]، سبق في
(الباب التاسع والخمسين بعد المئة).
١٥٧٨ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّى:
(اثَْانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى
المَیِّتِ» رواه مسلمٌ.
* قوله قطر: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر)):
(ن): قيل فيه أقوال :
أصحها: أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية .
والثاني : أنه ◌ُؤدي إلى الكفر.
والثالث: أنه كُفر النعمة والإحسان.
٣٣٣

والرابع: أن ذلك في المستحل.
وفيه تغليظ تحريم الطعن في النسب والنياحة، وقد جاء في كل واحد
منهما نصوص معروفة(١) .
(ق): قال ◌َّهُ: ((إِنَّ اللهَ قَد أَذهَبَ عَنكُمْ عُبِّةَ الجَاهليَّةِ وفَخْرَها
بالآبَاءِ، إنَّما هُو مُؤمن تَقِيٍّ، أَو فَاجِرٌ شَقِيٌّ، كُلُّهم بَنُو آدمَ، وآدَمُ من
تُرَابٍ))(٢) .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٨٧)، والحديث رواه أبو داود (٥١١٦)، من
حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب
والترهيب)) (٢٩٢٢).
٣٣٤

٢٦٨- باب
النھی عن الغشِّ والخداع
* قال الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِثْمَا تُبِينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٨].
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٨]، سبق
*
قريباً.
١٥٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ((مَنْ
حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)) رواه مسلمٌ.
وفي روايةٍ لَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ مَرَّ عَلى صُبْرَةِ طَعَامِ، فَأَدْخَلَ
يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟))،
قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله، قال: ((أَفَلاَ جَعَلْتَه فَوْقَ الطَّعَامِ
حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا)).
* قوله : ((من حمل علينا السلاح؛ فليس منا)):
(ن): قاعدة: مذهب أهل السنة أنَّ مَن حمل السلاح على المسلمين
٣٣٥

بغير حقٍّ ولا تأويل، ولم يستحلَّه؛ فهو عاصٍ ولا يَكفُر بذلك، فإن استحلَّه؛
کفر .
فأما تأويل الحديث: فقيل: هو محمول على المستحل [بغير حق
تأويل، فيكفر ويخرج عن الملة](١)، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة
وهَدْینا .
وكان سفيان بن عيينة رحمه الله یکره قولَ مَن يُفسره بلیس علی ھدینا،
ويقول: بئس هذا القول، يعني بل يمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في
النفوس وأبلغ في الزجر(٢).
* قوله وَلجر: ((من غشَّنا، فليس منا)):
(ط): (مِنْ) اتصالية؛ كقوله تعالى: ﴿اَلْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم
ج
﴾ [التوبة: ٦٧](٣).
مِّن بَعْضٍ
(حس): (الغش) نقيض النصح، مأخوذ من الغَشَش، وهو المشرب
الكدر، ولم يُرد به نفيَهُ عن دين الإسلام، وإنما أراد أنه ترك مُتَابَعتنا؛ يعني
أنه ليس هذا من أخلاقنا وأفعالنا، أو ليس هو على سنَّتي وطريقتي في
مناصحة الإخوان، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك، يريد به
المتابعة والموافقة، قال الله تعالى إخباراً عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَمَنْ
تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِىّ﴾ [إبراهيم: ٣٦](٤).
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٠٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٠٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢١٥١).
(٤) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٨ / ١٦٧).
٣٣٦

* قوله: ((بصبرة)) :
(ن): بضم الصاد وإسكان الباء، هي الكومة المجموعة من الطعام،
سُميت، صبرة؛ لإفراغ بعضها على بعض، ومنه قيل للسحاب فوق
السحاب: صَبِير(١).
* وقوله: «أصابته السماء)»؛ أي: المطر.
(ط): لأنها مکانه، وهو نازل منها قال :
رَعْيْنَاهُ وإِنْ كَانُوا غِضَابًا(٢)
إِذَا نزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضٍ قَوْمٍ
١٥٨٠ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لاَ تَنَاجَشُوا)). متفقٌ
عليه .
١٥٨١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَ﴾: أَنَّ النَّبيَّ نَّهُ نَهَى عَنِ النَّجَشِ.
متفقٌ عليه.
* [قوله: صلى الله عليه] وسلّم: ((لا تناجشوا))، سبق في (الباب
السابع والعشرين).
١٥٨٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله وََّ: أَنَّهُ يُخْدَعُ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للإمام النووي (٢ / ١٠٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١٥١).
٣٣٧

فِي الْبُيُوعِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ بَايَعْتَ، فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ))
متفقٌ عليه.
((الخِلاَبَةُ)) بخاءٍ معجمةٍ مكسورة، وباءٍ موحدة، وهي:
الخَدِيعَةُ.
قوله : ((لا خلابة)): هو بخاء معجمة مكسورة، وتخفيف
اللام، وبالباء الموحدة معناه: لا خديعة؛ أي: لا يحل لك خديعتي، أو لا
تلزمني خديعتك، وهذا الرجل: هو حَبَّان بفتح الحاء، وبالموحّدة بن منقذ
الأنصاري، والد يحيى وواسع ابني حَبَّان، شهد أُحُداً.
وقيل: بل هو والده منقذ بن عمرو، وكان قد بلغ مئة وثلاثين سنة،
وكان قد شُجَّ في بعض مغازيه مع النبي ◌ِّر في بعض الحصون بحجر،
فأصابته في رأسه مأمومة، فتغير بها لسانه وعقله، لكن لم يخرج عن التمييز،
فكان يقول: (لا خیابة) بياء مثناة بدل اللام من (خلابة)؛ كان ألثغ.
وذكر الدار قطني أنه كان ضريراً، وقد جاء في رواية غير ثابتة أن النبي ◌َّة
جعل له مع هذا القول الخيار ثلاثة أيام في كل سلعة يبتاعها .
واختلف العلماء في هذا الحديث، فجعله بعضهم خاصّاً في حقِّه،
وأن المغابنة بين المتبايعين لازمة لا خيار للمغبون بسببها سواء قلَّت أم
كثرت، هذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وآخرين، وهو أصح الروايتين
عن مالك.
وقال البغداديون من المالكية: للمغبون الخيار لهذا الحديث شرطً أن
يبلغَ الغَبْنُ ثُلُثَ القيمة، والصحيح الأول؛ لأنه يَّ لم يثبت له الخيار،
٣٣٨

و کانت قضية عین لا عمومَ لها، فلا ینفذ منه إلی غیره إلا بدلیل.
(ق): في هذا الحديث أبواب من الفقه مختلَف فيها، أولها من كان
يُخدَع في البيوع؛ لقلة خبرته، وضعف عقله، فهل يُحْجَر عليه أم لا؟
فقال بالحَجْر عليه أحمدُ، وإسحاق.
وقال آخرون: لا يُحْجر عليه، والقولان في المذهب.
وثانيهما: أن الغبن هل يوجب الخيار للمغبون أم لا؟
وثالثها: مدة الخيار هل هي مقدَّرة بالثلاث في كل مبيع، أو يختلف
ذلك بحسب الاحتیاج إلى اختيار المبيع؟
وسبب الاختلاف في هذه الأبواب اختلافهم في هذا الحديث هل هو
خاص بهذا الرجل، أو عام؟
وإذا تنزَّلنا على حَمْله على العموم، فهل دلالته على هذه الأحكام
ظاهرة أم لا؟ وإذا تنزلنا على الظهور، فهل سَلِمتْ مما يعارضها أم لا؟
وبسْطُ ذلك يستدعي تطويلاً(١).
(تو): لقنه النبي ◌َّ هذا القولَ؛ ليتلفّظ به عند البيع، فیطلع به صاحبه،
على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع، ومقادير القيمة فيها، فيمتنع
بذلك عن مظانِّ الغَبْن، ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان
أحِقَّاءَ بأن يعينوا أخاهم المسلمَ، وينظروا له أكثر مما ينظرون لأنفسهم.
(ط): (لا) في (لا خلابة) لنفي الجنس، وخبره محذوف على
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٨٦).
٣٣٩

الحجازي؛ أي: لا خداع في الدين؛ لأن الدِّين النصيحةُ(١).
١٥٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ٍَّ:
(مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ، أَوْ مَمْلُوكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّ)) رواه أبو داودَ.
((خَبَّبَ)) - بخاءٍ معجمة، ثم باءٍ موحدة مكررة -: أَيْ:
أَفسَدَهُ وَخَدَعَهُ.
* قوله ميل: ((من خبب زوجة امرئ (٢)).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١٢٢).
(٢) في الأصل: ((أمر)).
٣٤٠