Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٥٢- باب
تحريم الكذبِ
* قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُّ﴾ [الإسراء: ٣٦].
* وقالَ تَعَالى: ﴿مَّايَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلََّ لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
(الباب الثانى والخمسون بعد المئة)
(في تحريم الكذب)
(غب): الصدق والكذب أصلهما في القول، ماضياً كان أو مستقبلاً،
وعداً كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان
في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، وقد يكونان بالعرض
في غيره من أنواع الكلام؛ كالاستفهام، والأمر، والدعاء، نحو: زيد في
الدار؟ فإن في ضمنه إخباراً بكونه جاهلاً بحال زيد، وإذا قال: واسني،
فإن [في] ضمنه [أنه] محتاجٌ إلى المواساة، وكذا إذا قال: لا تؤذني، فإن
في ضمنه أنه يؤذيه .
والصدق مطابقةُ القول الضميرَ والمخبرَ عنه معاً، ومتى انخرم شرط
من ذلك؛ لم يكن صدقاً تاماً، بل إما أن لا يوصف بالصدق، وإما أن
٢٦١
يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين، ولهذا كذب الله
المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ.
وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١](١)، سبق [تفسير] الآيتين
في (الباب السابع والأربعين بعد المئة).
١٥٤٢ - وعَنِ ابْنِ مسعودٍ رَهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِتٍ:
(إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ
الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيِقاً، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي
إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ بَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ
حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً)) متفقٌ علَيْه.
(الأَوْلُ)
سبق في (الباب الرابع).
لِلُ: أَنَّ النبيَّ ◌َلُ
١٥٤٣ - وعَنْ عَبْدِالله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ
قالَ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ
مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اقْتُمِنَ، خَانَ، وَإِذا
حَدَّثَ، كَذَبَ، وَإِذا عاهَدَ، غَدَرَ، وَإذا خَاصَمَ، فَجَرَ)) متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٧٧).
٢٦٢
وقد سبقَ بيانُهُ معَ حديثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ بنحوهِ في باب الوفاءِ بالعهد.
(الثَّانِى))
سبق في (الباب الخامس والعشرين).
*
عَنِ النبيِّ ◌ِ، قَالَ: ((مَنْ تَحَلَّمَ
١٥٤٤ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ظـ
بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ
إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَّهِ الآنُكُ يَوْمَ
القِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّر صُورَةً، عُذِّبَ، وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فيها الرُّوحَ،
وَلَيْسَ بِنَافِخ)) رواه البخاريُّ.
(تَحَلَّمَ)): أَيْ: قَالَ: إِنَّهُ حَلَمَ فِي نَوْمِهِ، وَرَأَى كَذَا وَكَذَا؛ وهو
کاذبٌ.
و((الآنُكُ)) بالمدِّ وضمِّ النونِ وتخفيفِ الكاف، وهو: الرَّصَاصُ
المذابُ.
* قوله ريق: ((من تحلم بحلم))
(قض): (الحلم) بضمتين: الرؤيا، و((تحلَّم)): إذا ادعى أنه رأى ولم
(١) .
ير(١
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٦٦).
٢٦٣
* ((كلف أن يعقد بين شعيرتين)) :
[(ط)]: أي: عُذِّب حتى يفعل ذلك، فيجمعُ بين ما لا يمكن أن
يعقد كما عقد بين ما سرده واختلقه من الرؤيا ولم [يكن] يقدر أن يعقد
بينهما، ونظيره قوله ◌َّ: ((من صور صورة، كلف أن ينفخ فيها وليس
بنافخ))، وقيل: معناه ليس أن ذلك عذابه وجزاؤه، بل أنه يُجعل ذلك
شعارَهُ ليعلم به أنه كان يُزوِّر الأحلام.
ولفظة (كلف) تشعر بالمعنى الأول(١).
(تو): أرى الوجه في تخصيص الشعيرتين بالذكر في هذا الموضع:
أن الرائي إذا رأى ذلك في منامه؛ قضي له في تعبيرها بإدراك أمرين يعسر
الجمع بينهما، فالمتحلم لمَّا جمع بین ما لم یکن من صنعه [وهو] الرؤيا،
وبين ما يقتضيه من التأويل على وجه لا يستقيم في البصيرة، كما أنه لا
يُتصور في البصر = كلّف الجمعَ بين ما يُضاهي قرينه صورةً ومعنىً، وقُلب
عليه الأمر؛ فإن الرؤيا ترد في التأويل من الصورة إلى المعنى، وحكمها
يرد من المعنى إلى الصورة.
(ط): هذه الرؤيا مخصوصة فيما يتعلق بالإخبار عن الغيوب وأمور
الدین(٢).
١٥٤٥ - وعَنِ ابْن عُمَرَ ﴿﴾، قَالَ: قَالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((أَفْرَى الفِرَى
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٩٤٩).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه .
٢٦٤
أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا)) رواهُ البخاريُّ. ومعناه: يقولُ:
رَأَيْتُ فيما لم يَرَهُ.
* قوله ميّة: ((إن أفرى الفرى))، سبق في (الباب الثالث بعد المئة).
١٥٤٦ - وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ رَهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟))،
فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصنَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لنا ذَاتَ غَدَاةٍ: ((إِنَهُ أَثَانِيْ
اللَّيْلَةَ آتِيَانٍ، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا
عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِع، وإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي
بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَاهُنَا، فَيَتْبَعُ
الحَجَرَ، فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ
عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأولى!)). قال: ((قُلْتُ لهما:
سُبْحَانَ اللهِ! مَا هَذَانٍ؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَيَّنَا
عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وإذا
هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَيْ وَجْهِهِ، فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى
قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ، فَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ
ما فَعَلَ بِالجَانِبِ الأَوَّلِ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذلكَ
الجانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ في المَرَّةِ
٢٦٥
الأُولَى)). قالَ: قلتُ: ((سُبْحَانَ الله! مَا هذانٍ؟)). قالَ: ((قالا لي:
انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَقْنَا، فَأَنَيْنَا عَلَى مِثْلِ الثَُّّورِ))، فَأَحْسِبُ أنَّه قالَ:
((فَإِذَا فِيهِ لَغَطْ، وَأَصْوَاتٌ، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجالٌ وَنِساءٌ عُرَاةٌ،
وَإِذَا هُمْ يَأْتِهِمْ لَهَبٌّ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَنَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ،
ضَوْضَوْا. قُلْتُ: ما هَؤُلاءِ؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا،
فَأَيْنَا عَلَى نَهْرٍ))، حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا في
النَّهْرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ
حِجارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ
الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ، فَفْغَرُ لهُ فَهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَراً،
فَيَتْطَلِّقُ، فَيَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ، فَغَرَ لَهُ فَهُ، فَأَلْقَمَهُ
حَجَراً. قُلْتُ لهما: ما هَذَانِ؟ قالا لي: انْظَلِقْ، انطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا،
فَأَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِبِهِ المَرْآَةِ، أَوْ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءِ رَجُلاً مَرْأَى، فَإِذا
هُوَ عِندَهُ نَارٌ يَحُثُّها، وَيَسْعَى حَوْلَهَا. قُلْتُ لهما: ما هَذَا؟ قالا لي:
انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ
الرَّبِيعِ، وإِذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طويلٌ، لا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ
طُولاً في السَّماءِ، وَإِذا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلِدَانٍ رَأَنْتُهُمْ قَطُ ،
قُلتُ: مَا هَذَا؟ وما هَؤُلاءِ؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا،
فَأَنَيْنَا إِلَى دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ دَوْحَةٌ قَطُّ أَعْظَمَ مِنْها، ولا أَحْسَنَ! قالا
لي: ارْقَ فِيها، فَارْتَفَيْنَ فِيها إِلَى مَدِينةٍ مَيْنِيَّةٍ بِلَيِنٍ ذَهَبٍ وَلَيِنٍ فِضَّةٍ،
٢٦٦
فَأَتَيْنَا بَابِ المَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلَهَا، فَتَلَقَّانَاَ رجالٌ
شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ ما أَنْتَ راءٍ! وشَطِرٌ مِنْهُمْ كَأَقْبَحِ ما أَنْتَ
راءٍ! قالا لهمُ: اذْهَبوا، فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، وإِذَا هُوَ نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ
يَجْري كَأَنَّ ماءَهُ المَحْضُ فِي البَيَاضِ، فَذَهَبُوا، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ
رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَنِ صُورَة)».
قالَ: ((قالا لي: هَذِهِ جَنَّهُ عَدْن، وهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، فَسَمَا بَصَرِي
صُعُداً، فَإِذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ البَيْضَاءِ. قالا لي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ؟ قُلْتُ
لهما: بَارَكَ اللهِ فِيكُمَا، فَذَرانِ فَأَدْخُلَهِ. قالا: أَمَّا الآنَ، فَلَا، وَأَنْتَ
داخِلُهُ. قلتُ لهُمَا: فَإِنِّي رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً! فَمَا هَذَا الَّذِي
رَأَيْتُ؟ قالا لي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَنَيَّتَ عَلَيْهِ
يُثْلُغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ، فَيَرْفُضُهُ، ويَنامُ عَنِ
الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وَأَمَا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى
قَفَاهُ، ومَنْخِرُه إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ،
فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ؛ وأَمَّا الرِّجَالُ والنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ هُمْ
فِي مِثْلٍ بِناءِ التَُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَةُ والزَّوانِي، وَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَنَيَّتَ
عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهْرِ، وَيُلْقَمُ الحِجَارَةَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ
الكَرِيهُ المَرآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُثُّها، ويَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ
خازِنُ جَهَّمَ، وأَمَّا الرَّجُلُ الطَّيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيْمُ،
وأَمَا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ»، وفي
٢٦٧
رواية البَرْقَانِيِّ: ((وُلِدَ عَلَى الفِطْرَةِ)). فقالَ بعضُ المسلمينَ: يَا
رسولَ الله! وأَولادُ المشرِكِينَ؟ فقالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((وَأَولادُ
المشرِكِينَ، وأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وشَطْرٌ مِنْهُمْ
قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّاً، تَجَاوَزَ اللهُ
عَنْهُم)) رواه البخاريُّ.
وفي روايةٍ له: ((رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَنْيَانِي، فَأَخْرَجاني إِلى
أَرْضٍ مُقدَّسَةٍ))، ثم ذَكَرَهُ، وَقالَ: ((فَانْطَلَقْنَا إِلى نَقْبٍ مِثْلِ التَُّّورِ،
أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ، وَأَسْفَلُهُ وَاسعٌ؛ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَاراً، فَإِذَا ارْتَفَعَتِ،
ارْتَفَعُوا، حَتَّى كَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا، وإِذا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيها،
وفيها رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ)). وفيها: ((حَتَّى أَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ))،
ولم يَشُكَّ ((فِيهِ رَجُلٌ قائمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهْرِ، وعَلَى شَطِّ النَّهْرِ
رَجُلٌ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإِذا أَرَادَ
أَنْ يَخْرُجَ، وَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ
كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ، جَعَلَ يَرْمِي فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ)).
وَفِيهَا: ((فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلاني دَاراً لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا،
فِهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وشَبَابٌ)). وَفِيهَا: ((الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ،
فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعَ بِهِ
مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ». وَفِيهَا: ((الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ
٢٦٨
عَلَّمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، فَيُفْعَلُ بهِ
إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالدَّارُ الأُولى الَّتِي دَخَلْتَ: دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ،
وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ، فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ
رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قالا: ذَاكَ
مَنْزِلُكَ، قلتُ: دَعاني أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قالا: إِنَّهُ بَقِي لَكَ عُمُرٌ لَمْ
تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ، أَتَيْتَ مَنْزِلكَ)) رواه البخاريُّ.
قوله: ((يَثْلَغُ رَأْسَهُ)): هو بالثاءِ المثلثة والغينِ المعجمة؛ أَيْ:
يَشْدَخُهُ وَيَشُقُّهُ.
قوله: ((يَتَدَهْدَه))؛ أي: يَتَدَخْرَجُ. و((الكَلَّوبُ)): بفتحِ الكافِ،
وضَمِّ اللام المشدَّدَة، وهو معروف.
قوله: ((فَيُشَرْشِرُ))؛ أي: يُقَطّعُ.
قوله: ((ضَوْضَوْا))، وهو بضادين معجمتينٍ؛ أي: صاحوا.
قوله: ((فَفْغَرُ)): هو بالفاءِ والغينِ المعجمةِ؛ أي: يفتحُ.
قوله: ((الَمْرآةٍ)): هو بفتح الميمٍ؛ أي: المنْظَرِ .
قوله: ((يَحْشُّها)»: هو بفتح الياءِ وضمِّ الحاءِ المهملة والشینِ
المعجمة ؛ أي: يوقدها .
قوله: ((رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ)): هو بضم الميم وإسكانِ العين وفتح
التاءِ وتَشْديدِ الميم؛ أي: وافيةِ النَّبَاتِ طَوِيلَتِهِ.
٢٦٩
قَوْلُهُ: ((دَوْحَةٌ))، وَهِيَ بفتح الدال وإسكان الواو وبالحاءِ
المهملة، وَهِيَ : الشَّجَرَةُ الكَبيرةُ.
قولُهُ: ((المَخْضُ)): هو بفتح الميم وإسكانِ الحاءِ المهملة
وبالضَّاد المعجمة، وهُوَ: اللَّبَنُ.
قولُهُ: ((فَسَمَا بَصَرِي))؛ أي: ارْتَفَعَ. وَ«صُعُداً): بضم الصاد
والعْين؛ أَيْ: مُرْتَفِعاً. ((وَالرَّبَابَةُ)) بفتح الراءِ، وبالباءِ الموحدة
مُكَرَّرةً، وهِيَ: السَّحَابَة.
* قوله: ((كان رسول الله ◌َ * مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى
أحد منكم من رؤيا؟»:
(ن): في رواية مسلم: كان النبي ◌َّه إذا صلى الصبح؛ أقبل عليهم
بوجهه فقال: ((هَلْ رَأَى أَحدٌ منكُمُ البَارِحَةَ رُؤْيَا»، ففيه دليل لجواز إطلاق
البارحة على الليلة الماضية وإن كان قبل الزوال، وقولُ ثعلب وغيره: إنه
لا يقال: البارحة إلا بعد الزوال، يحتمل أنهم أرادوا أن هذا حقيقةٌ،
ويحملون الحديث على المجاز.
وفيه دليل الاستحباب إقبال الإمام بعد سلامه على أصحابه، وفيه
استحباب السؤال عن الرؤيا والمبادرة إلى تأويلها وتعجيلها أولَ النهار لهذا
الحديث؛ فإن الذهن جُمِعَ قبل أن يتشعب باشتغاله في معايش الدنيا، ولأن
عهد الرائي قريب لم يطرأ عليه ما يهوش الرؤيا عليه، ولأنه قد يكون فيها ما
يُستحب تعجيله؛ كالحث على خير، أو التحذير من معصية، ونحو ذلك،
وفيه إباحة الكلام في العلم وتفسير الرؤيا ونحوهما بعد صلاة الصبح، وفيه
٢٧٠
أن استدبار القبلة في جلوسه للعلم أو غيره مباح(١).
(ق): سألهم عن ذلك لمَا كانوا عليه من الصلاح والصدق، [فكان
قد علم] أن رؤياهم صحيحة، وأنها يُستفاد منها الاطلاع على كثير من علم
الغيب، وليبيِّن [لهم] بالفعل الاعتناءَ بالرؤيا، وليعلمهم كيفيةَ التعبير.
و(ما) في قوله: ((ما يكثر)) بمعنى الذي، وهي مجرورة بـ ((من))،
وصلتها: (يقول)، والعائد محذوف، تقديره: كان رسول الله ﴾﴾ من جملة
القول الذي يقوله هذا القول، ويجوز أن تكون مصدرية(٢).
(غب): ((الرؤيا)): ما يرى في المنام، وقد تخفف الهمزة فيقال:
بالواو(٣).
(ك): قيل: الرؤية هي النظر بالعين، والرأي: ما بالقلب، والرؤيا:
ما في المنام(٤).
(نه): (الثلغ): الشدخ، وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء
اليابس حتى ينشدخ(٥).
(ك): في ((صحيح البخاري)): ((فيَشْدخُ بهِ رأسَهُ))، و(الشدخ): كسر
الشيء الأجوف(٦).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٣٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٩).
(٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٠٩).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٤ / ٩٤).
(٥) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٢٠).
(٦) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ١٥٥).
٢٧١
((فيتبع)) من الإتباع.
فإن قلت: مرَّ الحديث في (كتاب الجنائز) وكانت قصة صاحب
الكَلُّوب مقدمة على قصة الصخر، وأيضاً قال في الأول: ((فإذَا رَجلٌ مُضطَجعٌ
على قَفَاهُ))، وفي الثانية: ((فإذا رجلٌ جَالِسٌ)) عكس هذه الرواية، وفيه مخالفة
ثالثة، وهو أنه قال: ((مضطجع)) بدل ((جالس)).
قلت: الواو ليس للترتيب، ولعل الرجلين كانا مضطربين فاختلفت
حالاتهما، فتارة يستلقي، وتارة يقوم، وتارة يجلس، وتارة يضطجع،
ونحو ذلك كما هو حال من به قَلقٌ والمٌ.
* قولها: «فنام عنه»:
(ط): أي: أعرض عنه، و(عن) هاهنا كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ
عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]؛ أي: ساهون سهوَ ترك لها، وقلة التفات
إليها، وذلك فعل المنافقين، والفسقة .
ومعنى ((نام عنه بالليل)): أنه لم يتْلُه بالليل، ولم يتفكَّر فيما يجب أن
يأتي به ويذر من الأوامر والنواهي، فإذا كان حاله بالليل هذا؛ فلا يقوم به،
فيعمل بالنهار بما فيه، ويؤيد هذا التأويل قولُه في رواية أخرى: ((فيرفضهُ
ويَنامُ عن الصلاةِ المكتوبةِ))(١)، وأما من نام من غير أن يتجافى عنه لتقصير
أو عجز: فهو خارج من هذا الوعيد(٢).
(ك): فإن قلت: لمَ ذكر في المشدوخ بلفظ (من) وفي أخواته بلفظة
(ما)؟
(١) رواه البخاري (١٠٩٢)، من حديث سمرة بن جندب رضـ
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٣٠١٠).
٢٧٢
قلت: السؤال بـ (من) عن الشخص وبـ (ما) عن حاله، وهما
متلازمان، فلا تفاوت في الحاصل منهما، أو لمّا كان هذا الرجل عبارة عن
العالم بالقرآن؛ ذكره بلفظ (من) الذي للعقلاء؛ إذ العلم من حيث هو
فضيلة وإن لم يكن معه العمل، بخلاف غيره، إذ لا فضيلة لهم، وكأنه
لا عقل لهم.
قال ابن بطال: فيه وعيد شديد لمن حفظ القرآن فلم يقرأه بالليل(١).
* قوله ◌َّل : ((فأتينا على مثل التنور)):
(ك): هو بتشديد النون، وهذه اللفظة من الغرائب حيث توافق فيها
جميع اللغات(٢).
* قوله مية: ((وإذا بين ظهراني الروضة»:
(ك): أي: بين الروضة، ولفظ (الظهر) مقحم، أو مزيد للتأكید، وبيان
أنه كمجلس فيه ازدحام الناس بحيث يصير الشخص فيه بين الظهرین.
* قوله: ((ولدان ما رأيتهم قط)):
(ك): فإن قلت: شرطه أن لا يستعمل إلا في الماضي المنفي فما وجهه
هنا؟
قلت: قال ابن مالك: جاز استعماله في المثبت، والنحاة غفلوا عن
ذلك.
أقول: يحتمل أنه اكتفى بالنفي الذي يلزم من التركيب؛ إذ معناه:
ما رأيتهم أكثر من ذلك، أو يقال: إن النفي مقدر.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ١٥٥ - ١٥٧).
(٢) المرجع السابق (٧ / ١٥٥).
٢٧٣
فإن قلت: مناسبة التعبير للرؤيا ظاهرة إلا في الزناة فما هي؟
قلت: من جهة أن العري فضيحة كالزنا، ثم إن الزاني يطلب الخلوة
كالتنور، ولا شك أنه خائفٌ حذرٌ وقتَ الزنا، كأنه تحته النار ونحوه(١).
و((الشطر)): النصف أو البعض، و((يرفضه)) بالمعجمة: يتركه.
وقوله: ((يغدو من بيته فيكذب)): ((غدا))؛ أي: مبكراً، وفائدة ((من
بيته)»: أنه في تلك الكذبة كان مختاراً، لا إكراه وإلجاء له عليها .
وقوله: «کانوا شطر منھم [حسن وشطر منهم] قبیح))، (کان): تامة،
والجملة حال، وإن كانت بدون الواو؛ لقوله تعالى: ﴿اَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدٌُ ﴾ [البقرة: ٣٦].
(١) المرجع السابق (٧ / ١٥٧).
٢٧٤
٢٥٣- باب
بيانِ ما يجوزُ منَ الكذبِ
O
اعْلَمْ: أَنَّ الكَذِبَ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مُحَرَّماً، فَيَجُوزُ فِي بَعْض
الأَحْوَالِ بِشُرُوطٍ قَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي كِتَاب: ((الأذْكَارِ))، وَمُخْتَصَرُ
ذلك: أَنَّ الكلامَ وسيلةٌ إلى المقاصِدِ، فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ
يُمْكِنُ تَحْصيلُهُ بِغَيْرِ الكَذِبِ يَحْرُمُ الكَذِبُ فيه، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ
تَحْصِيلُهُ إِلاَّ بالكَذِبِ، جاز الكَذِبُ.
ثُمَّ إنْ كَانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المَقْصُودِ مُبَاحاً، كَانَ الكَذِبُ
مُباحاً، وَإِنْ كَانَ وَاحِباً، كانَ الكذِبُ واحِباً. فإِذا اخْتَفَى مُسْلِمٌ مِن
ظالِمٍ يريدُ قَتْلَه، أَوْ أَخْذَ مالِهِ، وَأَخْفَى مَالَهُ، وَسُئِلَ إنْسَانٌ عنهُ،
وَجَبَ الكَذِبُ بِإِخفائِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، وَأَرَادَ ظَالِمٌ
أَخْذَهَا، وَجَبَ الكَذِبُ بِإِخْفائِها .
والأَحْوَطُ فِي هَذَا كُلِّ أَنْ يُوَرِّيَ، ومعْنَى الثَّوْرِيَةِ: أَنْ يَقْصِدَ
بِعِبَارَتِهِ مَقْصُوداً صَحيحاً لَيْسَ هُوَ كَاذِباً بِالنِّسْبةِ إِلَيْهِ، وإِنْ كَانَ
كَاذِباً في ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلى مَا يَفْهَمُهُ المُخَاطَبُ، وَلَوْ
٢٧٥
تَرَكَ الثَّوْرِيَّةَ، وَأَطْلَقَ عِبَارَةَ الْكَذِبِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ في هَذَا الحَالِ .
وَاسْتَدَلَّ العُلَمَاءُ لِجَوازِ الكَذِبِ في هذا الحَالِ بِحَدِيثٍ أُمِّ
كُلْثُومِ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّها سمعتْ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لَيْسَ
الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْراً، أَوْ يَقُولُ خَيْراً)
متفقٌ عليه.
زاد مسلم في رواية: ((قالَتْ أُمُّ كُلْتُومٍ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ
فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلاَّ في ثلاثٍ؛ تَعْنِي: الحَرْبَ،
وَالإِصْلاَحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وحَدِيثَ المَرْأَةِ
زَوْجَهَا .
(الباب الثالث والخمسون بعد المئة)
(في بيان ما يجوز من الكذب)
أنشد الشيخ العالم جنيد الواعظ الشيرازي رحمه الله:
مِنَ الثَّلاثِ الَّتي تَعدِيلُها شُهِرَا
الكَذْبُ لاَ يَنبَغِي إلاَّ لِواحِدَةٍ
وفي الحُرُوبِ فَكُنْ فِي غَيرِهَا حَذِرًا
إِصلاحُ ذِي البَیْنِ واسْتِرِضَاءُ زَوْجَتهِ
* قوله {يلاقى: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس))، سبق في (الباب
الحادي والثلاثين).
٢٧٦
٢٥٤- باب
الحثّ على التثبُت فيما يقوله ويحكيه
* قال الله تعالى: ﴿وَلَأَنَقْفُ مَا لَيِّسَ لَكَ بِهِ، عِلْهٌُ﴾ [الإسراء: ٣٦].
* وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
(الباب الرابع والخمسون بعد المئة)
(في الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه)، سبق تفسير الآيتين في (الباب
السابع والأربعين بعد المئة).
١٥٤٧ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قَالَ: ((كَفَى
بِالمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)) رواه مسلمٌ.
* قوله مير: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)):
(ن): فيه الزجر عن التحدث بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في
العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع، فقد كذب، لإخباره بما
لم يكن، ومذهب أهل الحق أن الكذبَ الإخبارُ عن الشيء بخلاف ما هو،
٢٧٧
ولا يشترط فيه التعمد، [لكن التعمد] شرط في كونه إثماً(١).
(مظ): ((كذباً) منصوب على التمييز، و((أن يحدث)) فاعل ((كفى))
و((بالمرء)) مفعوله؛ يعني: لو لم يكن للرجل كذب إلا تحدثه بكل ما سمع
من غير تبينه أنه صدق أو كذب= يكفيه وحسبه من الكذب؛ [لأن الرجل
إذا تحدث بكل ما سمع، لم يخلص من الكذب](٢)؛ لأن جميع ما يسمع
الرجل لا يكون صدقاً، فينبغي أن يبحث في كل ما سمع من الأحاديث
والأخبار، فإن علم صدقه؛ يحدث به، وإلا؛ فلا(٣).
(ط): لعل محبي السنة مالَ إلى أن الحديث واردٌ في الأحاديث
النبوية خاصة، حيث أورد هذا الحديث في باب الاعتصام بالكتاب والسنة،
ويعضده ما روي ((حَدِّثُوا عَن بَنِي إسرَائِيلَ ولاَ حَرَجَ))(٤).
١٥٤٨ - وعَنْ سَمُرَةَ عَ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ
حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الکاذِبَيْنِ) رواه مسلمٌ.
* قوله {يافي: [((يرى أنه كذب))]:
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٧٥).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٢٥٩).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٢٥٩).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢/ ٦٢٣)، والحديث رواه البخاري (٣٢٧٤) عن
ـا .
عبدالله بن عمرو بن العاص وظـ
٢٧٨
(ن): (يرى) بضم الياء، و(الكاذبين) بكسر الباء وفتح النون على
الجمع، هذا هو المشهور في اللفظين .
ورواه أبو نعيم الأصبهاني: بفتح الباء وكسر النون على التثنية،
واحتج به [على] أن الراوي يشارك البادئ بهذا الكذب.
وذكر بعض الأئمة جواز فتح الیاء من (یری)، وهو ظاهر حسن،
فمن ضم الياء فمعناه: يظن، ومن فتحها فمعناه: يعلم، ويجوز أن يكون
بمعنى: يظن أيضاً، فقد حكى رأى بمعنى: ظن.
وقيد بذلك؛ لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذباً، أما ما لا
يعلمه ولا يظنه؛ فلا إثم عليه في روايته وإن ظنه غيره كذباً أو علمه.
وفي هذا الحديث تغليظ الكذب والتعرض له، وأن من غلب على
ظنه کذب ما یرویه فرواه کان کاذباً وهو مخبر بما [لم] یکن(١).
(شف): إنما سماه كاذباً؛ لأنه يُعين المفتري ويُشاركه بسبب إشاعته
ونشره، فهو كمن أعان ظالماً على ظلمه.
(ط): ((أحد الكاذبين))، من باب قولك: القلم أحد اللسانين، والخال
أحد الأبوين(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٦٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٠).
٢٧٩
٢٥٥- با
بيانِ غِلَظ تحريم شهادة الزُّورِ
· قال الله تعالى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
* وقال تعالى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُّ﴾ [الإسراء: ٣٦].
* وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾[ق: ١٨].
* وقال تَعالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِأَ لْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ١٤].
* وقَالَ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢].
(الباب الخامس والخمسون بعد المئة)
(في بيان غلظ شهادة الزور)
* قوله تعالى: ﴿وَأَحْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، قرن الشرك
بالله بقول الزور، ومنه شهادة الزور .
وفي ((مسند أحمد)) عن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلَّى رسول الله وَائل
الصبح، فلما انصرف، قام قائماً فقال: (عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ بالإِشراك باللهِ رڅ»،
ثم تلا هذه الآية ﴿وَاجْتَنِبُأَقَوْلَ الزُّورِ (٣) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ،﴾ [الحج: ٣٠
-٣١] (١).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ٣٢٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف =
٢٨٠