Indexed OCR Text
Pages 121-140
كذلك كان أتم العبادات وأكملها(١). (ط): أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام، ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء(٢). (غب): العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقُّها إلا مَن له غاية الإفضال(٣). [ويمكن] أن تحمل العبادة [على المعنى اللغوي]؛ أي: الدعاءُ ليس إلا إظهارَ غايةِ التذُّلل والافتقارِ والاستكانةِ، قال تعالى: ﴿َّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللهُ هَوَا الجملتان واردتان على الحصر، وما شرعت رمُمَهُمُ الْغَةُ الْحَمِيدُ﴾ العبادات إلا للخضوع للبارئ وإظهار الافتقار إليه، وينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوَّة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]؛ حيث عبَّر عن عدم الافتقار والتذلل بالاستكبار، ووضع ﴿عِبَادَتِ﴾ موضع دعائي، وجعلَ جزاءَ ذلك الاستكبار الصَّغارَ والهوانَ (٤). ١٤٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه يَسْتَحِبُّ الجَوامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. رَوَاهُ أبو دَاودَ بإسنادٍ جَیِدٍ . (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٩). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٠٨). (٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣١٩). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٠٨). ١٢١ * قولها: «الجوامع من الدعاء)): (نه): هي التي تَجمَعُ الأغراضَ الصالحةَ والمقاصدَ الصحيحةَ، أو تَجمَعُ الثناءَ على الله تعالى وآدابَ المسألة(١). (مظ): هي ما كان لفظه قليلاً ومعناه كثيراً، جمع خير الدنيا والآخرة، نحو: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَاَ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: ٢٠١](٢). (ط): ((يدع ما سوى ذلك))، [(ذلك)] إشارة إلى معنى ما يراد من الجوامع، فيختلف معنى ((سوى ذلك)) باختلاف تفسير الجوامع انعكاساً (٣). ١٤٦٧ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿ه، قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النبيِّ ◌َّ: (اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً؛ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» مُتَفَقٌ عَلیهِ. زادَ مُسلِمٌ في رِوَايِتِهِ، قَالَ: وكَانَ أَنَسٌ إِذا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ، دَعَا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ، دَعَا بِهَا فِيهِ . * قوله: ((آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة». (ن): أظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية، (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٩٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٢٩). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧١٥). ١٢٢ وفي الآخرة: الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة نعم الدنيا والآخرة. وإنما كانت أكثرَ دعاء النبي ◌َِّ؛ لما جمعت من خير الدنيا والآخرة (١). (ط): هذا الدعاء من الجوامع التي تحوز جميع الخيرات الدنيوية والأخروية، وبيانه: أنه ◌َّه كرّر الحسنة وبَّرها تنويعاً، وقد تقرَّر في علم المعاني أن النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غيرَ الأولى، فالمطلوب في الأولى الحسنات الدنيوية، من الاستعانة، والتوفيق، والوسائل إلى اكتساب الطاعات والمبرَّات، بحيث تكون مقبولة عند الله تعالى، وفي الثانية ما يترتب عليها من الثواب والرضوان في العقبى(٢). وقوله: ((وقنا عذاب النار))، تتميمٌ؛ أي: إن صدر منَّا ما يُوجبها من التقصير والعصيان؛ فاعفُ عنّا وقنا عذاب النار. (ق): اختلف أقوال المفسرين في الآية اختلافاً يدلُّ على عدم التوقيف(٣)، وعلى قلة التأمل لموضع الكلمات، فقيل: هي المال وحسن المآل. وقيل: هي المرأة الصالحة والحور العين، والصحيح: الحمل على العموم، وذلك أن (حسنة) نكرة في سياق الطلب، فكانت عامة، انتهى(٤). في ((صحيح مسلم)): أن رسول الله وَالر عاد رجلاً من المسلمين قد (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٩٢٥). (٣) في الأصل: ((عدم التوفيق)). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٠). ١٢٣ خفَتَ فصار مثل الفرخ، فقال رسول الله وَّهُ: ((هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيءٍ أو تَسأَلُهُ [إياه]؟)) قال: نعم، كنتُ أقولُ ما كنتَ مُعاقبي [به] في الآخرة فعجِّلْهُ لي في الدنيا، فقال رسول الله وَّهِ: ((سُبحَانَ اللهِ! لاَ تُطِيقُهُ، أو لا تَسْتَطِيعَهُ، هَلَّ قُلْتَ: اللهمَّ، آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، قال: فدعا اللهَ له فشفاهٌ(١). ١٤٦٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى، وَالتّقَى، وَالعَفَافَ، والغِنَى)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله ريفي: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)): (ق): ((الهدى))؛ يعني إلى الصراط المستقيم، و((التقى))؛ يعني الخوف من الله تعالی والحذر عن مخالفته، انتهى . هذا حاصل معناه، وقد سبق تحقيق اشتقاق لفظه في الباب. (ط): أطلق الهدى والتقى، ليتناول كلَّ ما ينبغي أن يهتدى إليه من أمر المعاش والمعاد، ومكارم الأخلاق، وكلَّ ما يجبُ أن يُتقى من الشرك والمعاصي، ورذائل الأخلاق، وطلب العفاف. و((الغنى)): تخصيص بعد التعميم، وهذا أيضاً من الجوامع(٢). (١) رواه مسلم (٢٦٨٨ / ٢٣)، من حديث أنس (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٢٤). ١٢٤ ١٤٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ﴿﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ! صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله: [((اللهم، مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك))]: (ق): في غير ((كتاب مسلم)): ((يا مقلب القلوب؛ ثبت قلوبنا على طاعتك)) (١)، وهما بمعنى واحد، وحاصله: أن أحوال القلوب متنقلة غير ثابتة ولا دائمة، فحقُّ العاقل أن يَحذر على قلبه من قلبه، ويَفرُغ إلى ربه [في حفظه](٢). (قض): نسبَ تقلُّب القلوب إلى الله تعالى، إشعاراً بأن الله تعالى إنما تولَّى بنفسه أمرَ قلوبهم ولم يَكِلْهُ إلى أحد من ملائكته(٣). (ط): في إسناد القلوب إلى ضمير الجمع، إشعار برأفته ورحمته على الأمة، صلوات الله وسلامه عليه، وخصّ نفسه بالتضرع والابتهال، إعلاماً بأنَّ نفسَهُ القدسيةَ الطاهرةَ المصطفويةَ إذا كانت مفتقرة إلى اللجوء منه إليه، كان غيرُهُ أولى وأحرى، كما قال: ((أعوذ بك منك))(٤). (١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠١٣٦). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٧٣). (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٩٩). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٤٥)، والحديث رواه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة رضي الله عنها . ١٢٥ ١٤٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هِ، عَنِ النَّبِّ ◌َهِ، قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» مُتَّفقٌ علیهِ. وفي روايةٍ: قالَ سُفْيَانُ: أَشُقُّ أَنِّي زِدْتُ وَاحِدَةً مِنها. * قوله ويلي: ((من جهد البلاء)): (ن): بفتح الجيم وضمها، الفتح أشهر وأفصح، روي عن ابن عمر ظ أنه فسره: بقلة المال وكثرة العيال، وقيل: هي الحالة الشاقة (١). (حس): هي الحالة التي يُمتحن بها الإنسانُ وتشقُّ عليه، بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها(٢). (ن): ((درك الشقاء)): المشهور فيه فتح الراء، حكى القاضي وغيره: أن بعض رواة مسلم رواها ساكنة، وهي لغة(٣) . (ق): فبالفتح: الاسم، وبالإسكان: المصدر، وهما متقاربان. والمُتعوَّذ منه: أن يلحقَهُ شقاءٌ في الدنيا يتعبُهُ ويثقله، وفي الآخر يعذبُهُ(٤). (نه): ((الدرك)»: اللحاق والوصول إلى الشيء، يقال: أدركته (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣١). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٥ / ١٦١). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٠). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٥). ١٢٦ إدراكاً ودر کاً(١). (ط): ((سوء القضاء)): هو ما يسوءُ الإنسان ويوقعُهُ في المكروه، على أن لفظ السوء منصرف إلى المقضي عليه دون القضاء(٢). (ن): يدخل فيه سوء القضاء في الدين والدنيا، والبدن والمال والأهل، ويكون ذلك في الخاتمة . ((وشماتة الأعداء)): هي فرح العدو ببلية تنزل بعدوِّه، يقال منه: شمت بکسر المیم، یشمت بفتحها، فهو شامت(٣). (ق): ((شماتة الأعداء)): هي ظفرهم به، أو فرحهم بما يلحقه من الضرر والمصائب، وقد جاء هذا الدعاء مسجعاً كما ترى، لأن السجع لم يكن متكلفاً، وإنما المذموم المتكلَّف، وتعوُّذه وَّه بهذه التعوذات، إظهار للعبودية وبيان للمشروعية (٤). (ك): هذا الدعاء من الجوامع، لأن المكروه إما أن يلاحظ من جهة المبدأ، وهو سوء القضاء، أو من جهة المعاد، وهو درك الشقاء؛ إذ شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي، أو من جهة المعاش، وذلك إما من جهة غيره، وهو شماتة الأعداء، إذ هي مما يَنكأُ في القلب، ويُؤثِّر في النفس تأثيراً شديداً، أو من جهة نفسه، وهو جهد البلاء، نعوذ بالله من ذلك(٥) . (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١١٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٢). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣١). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٥). (٥) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٥١). ١٢٧ * قوله: ((قال سفيان: أشك أني زدت واحدة» : (ك)(١): فإن قلت: كيف جاز أن يخلط كلامه بكلام رسول الله وَليه؟ قلت: اشتبه عليه تلك الثلاثة بعينها، وعرف أنها كانت ثلاثة من هذه الأربعة، فذكر الأربعة تحقيقاً لرواية تلك الثلاثة قطعاً؛ إذ لا مخرج عنها، وروى البخاري في (كتاب القدر) الحديث(٢)، وذكر فيه الأربعة مسنداً إلى رسول الله وَ﴿ جزماً بلا ترددٍ، ولا شكِّ، ولا قولٍ بزيادة(٣). ١٤٧٢ - وعنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي ◌ُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيادَةً لي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرِّ» رَوَاهُ مسْلِمٌ. * قوله: ((ديني الذي هو عصمة أمري)»: (ق): أي: رباطه وعماده، والأمر بمعنى الشأن، ومعنى هذا: أن الدين إن فسد، لم يصلح للإنسان دنيا ولا آخرة، فحقَّ على كل سامع له أن يحفظه ويدعوَ به آناءَ الليل والنهار، لعلَّه يُوافِقُ ساعةَ إجابةٍ، فيحصل على خير الدنيا والآخرة. (١) في الأصل: ((ق))، والصواب المثبت . (٢) رواه البخاري (٦٢٤٢) من حديث أبي هريرة بصُه. (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٥١). ١٢٨ (ط): ((عصمة أمري)): هو من قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]؛ أي: بعهد الله جميعاً؛ أي: بعهد الله، وهو الدین، وإصلاح الدنيا عبارة عن الكفاف فیما یحتاج إليه، وأنه یکون حلالاً ومعيناً على الطاعة، و((إصلاح المعاد)»: اللطف والتوفيق على طاعة الله وعبادته، و((طلب الراحة بالموت)) إشارة إلى قوله بٍَّ: ((إذا أَرَدْتَ فِتنةً في قَوم، فَتَوقَّنِي غَيرَ مَفتُونٍ))، وهذا الدعاء من الجوامع(١). ١٤٧٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ◌َهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ اهْدِني، وَسَدِّدْني)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى، وَالسَّدَادَ) رواه مسلمٌ. * قوله: ((اللهم اهدني وسددني))، تمام الحديث: ((واذكُر بالهدى هدايتَك الطريقَ، وبالسداد سدادَ السَّهم)). (ن): معنى ((سددني)): وفِّقني واجعلْنِي منتصباً في جميع أموري مستقيماً. وأصل السداد: الاستقامة والقصد في الأمور، وأما الهدى هاهنا، فهو: الرشاد، يذكَّر ويُؤْنَّث(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٩٢٤)، والحديث رواه الترمذي (٣٢٣٣) عن ابن عباس حِوًَّا. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٤٠٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤٣). ١٢٩ قوله: ((واذكر بالهدى هدايتك الطريق))؛ أي: تذكَّر في حال دعائك بهذين اللفظين؛ لأن هادي الطريق لا يَزيغ عنه، ومُسدِّد السهم يَحرِصُ على تقويمه، ولا يَستقيم رميهُ حتى يُقوِّمهُ، فكذا الداعي ينبغي أن يَحرِصَ على تسديد عمله، وتقويمه، ولزومه السنة، وقيل: ليتذكر بهذا اللفظ الهدى والسداد؛ لئلا ینساه. (ق): هذا الأمر منه وي يدل على أن الداعي ينبغي أن يهتم بدعائه، فيستحضر معنى دعواته في قلبه، ويبالغ في ذكرها بلفظه بضرب الأمثال وتأكيد الأقوال، فإذا قال: اهدني الصراطَ المستقيمَ وسدِّدني سدادَ السهم الصائب، كان أبلغ من قوله: اهدني وسددني فقط، هذا واضح(١). (قض): أمره أن يسأل اللهَ الهدى والسدادَ، وأن يكون في ذكره مخطراً بباله أن المطلوبَ هدايةٌ كهداية مَن ركب مَتن الطريق وأخذ في المنهج المستقيم، وسدادٌ يشبه سدادَ السهم نحو الغرض، والمعنى: أن يكون في سؤاله طالباً غاية الهدى ونهاية السداد(٢). (ط): وفيه معنى قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، ﴿أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الفاتحة: ٦]؛ أي: هداية لا أميل بها إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط(٣). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٥٤). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١١١). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٢٥). ١٣٠ ١٤٧٤ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿ه، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ، وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ)). وفي روايةٍ: (وَضَلَعِ الذَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله وقيل: ((اللهم؛ إني أعوذ بك من العجز)): (نه): هو ترك ما يجب فعله بالتسويف، وهو عام في أمور الدنيا والدين، و((ضلع الدين))؛ [أي: ثقله]، و(الضلع): الاعوجاج؛ أي: يُتقلُهُ حتى يُميلَ صاحبَهُ عن الاستواء والاعتدال(١). (تو): ((غلبة الرجال)): يريد به هيجان النفس من شدة الشبق، وإضافته إلى المفعول؛ أي: يغلبهم ذلك، إلى هذا المعنى سبق فهمي، وما أجد في تفسيره نقلاً. (ط): يحتمل أن تكون الإضافة إلى الفاعل؛ أي: غلبة الدائن [إياه، وغلبتهم] عليه بالتقاضي، وليس له ما يقضي دينه، أو إلى المفعول، بأن لا يكون له أحد يعاونه على قضاء ديونه من رجاله وأصحابه، ومن المسلمين من يزكي عليه، انتهى. وأما الكسل، والبخل، والجبن، والهرم، وفتنة المحيا والممات، فسبق في الباب قبله. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣ / ٩٦). ١٣١ ١٤٧٥ - وَعَن أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَبِهِ: أَنَّه قَالَ لِرَسولِ الله ◌ِ: عَلِّمْنِي دُعَاءَ أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي، قَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)) متَّفَقٌ عليهِ. وفي روايةٍ: ((وفي بيتي)). وَرُويَ: ((ظُلْماً كَثِيراً). وَروِيَ: ((كبيراً)) بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَيُقَالُ: كَثِيراً كبيراً. · قوله: ((أدعو به في صلاتي)): (ق): إنما خص الصلاة؛ لأنها بالإجابة أجدر، وقد استحبَّ بعضُ العلماء أن يُدعى بهذا الدعاء في التشهد قبل التسليم، والصلاةُ كلُّها عند علمائنا محلُّ الدعاء، غير أنه يُكره الدعاء في الركوع، وأقربهُ للإجابة السجودُ. ويجوز أن يُدعى في الصلاة بكل دعاء كان؛ بألفاظ القرآن، أو بلفظ السنة وغيرها، خلافاً لأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، فإنهما منعا ذلك إذا كان بألفاظ الناس . و((الظلم)»: وضع الشيء في غير موضعه، وظلم الإنسان نفسه: هو تركُها مع هواها حتى يَصدرَ عنها من المعاصي ما يوجبُ عقوبتَها . و ((غفران الذنوب)): هو سترها بالتوبة منها، أو بالعفو عنها (١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٣٢). ١٣٢ (ط): ((مغفرة))؛ أي: غفراناً، ودلّ التنكيرُ على أنه غفرانٌ لا يُكتَنْهُ كُنْهُهُ، ثم وصفَهُ بقوله: ((من عندك)) يريد بذلك التعظيم؛ لأن ما يكون من عند الله ومِن لَدُنْه لا يحيط به وصف واصف، كقوله: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥](١) . (ق): أي: تفضلاً من عندك وإن لم أكن لها أهلاً، وإلا فالمغفرة والرحمة وكل شيء من عنده تعالى، وقد أكد ذلك بقوله: ((إنك أنت الغفور الرحيم))؛ أي: لأنك كثير المغفرة والرحمة، لا لأني أستحق ذلك(٢). * قوله: ((يجمع بينهما فيقال: كثيراً كبيراً»: (ش): ذهب بعض العلماء إلى أنه يستحب هاهنا، وفي الصلاة على النبي ◌َُّ بعد التشهد، وفي الاستخارة ونحو ذلك= الجمعُ بين الروايات؛ ليصيب ألفاظ النبي ◌ّ يقيناً، ونازعه في ذلك آخرون، وقالوا: هذا ضعيف لوجوه : أحدها: أن هذه الطريقة مُحدثَةٌ لم يَسبق إليها أحدٌ من الأئمة المعروفين . الثاني: أن صاحبها إن طردها لزمه أن يستحب للمصلي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات، وكذلك في أذكار الركوع والسجود، وهذا باطل قطعاً، لم يستحبهُ أحدٌ من أهل العلم، وهو بدعةٌ، وإن لم يطردها؛ تناقض وفرَّق بين متماثلين. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٥١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٢). ١٣٣ الثالث: أن صاحب هذا ينبغي له أن يستحبَّ للتالي في الصلاة وخارجها أن يجمع بين القراءات المتنوعة، ومعلوم أن ذلك لا يُستحب إذا قرأ قراءةَ عبادةٍ وتدبرٍ، وإنما يفعلُها القراء أحياناً ليمتحن بذلك حفظ القارئ، فذلك تمرينٌ وتدريبٌ لا تعبُّد مستحبٌّ، فكذا الداعي [إذا] قال مرة: ظلماً كثيراً، ومرة: كبيراً، جاز ذلك، و[كذلك] إذا صلى على النبي ◌َِّ مرةً بلفظ واردٍ، ومرةً بلفظ آخر، وكذا إذا تشهد بتشهد ابن مسعود [مرة]، ومرة أخرى بتشهد ابن عباس، وكذا في الاستخارة. الرابع: أن النبي ◌َّ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آنٍ واحد، [بل إما أن يكون قال هذا مرة وهذا مرة، كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرهما](١)، فاتباعه يقتضي أن لا يجمع بينها، وإما أن يكون الراوي قد شك [في الألفاظ، قال]: فإن ترجّح عند الراوي بعضُها؛ صار إليه، وإن لم يترجَّح؛ كان مخيراً بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يروَ عن النبي ◌َّ، والداعي يطلب المتابعة، وهذا عكس مطلوبه قطعاً. الخامس: أن المطلوبَ إنما هو المعنى والتعبيرُ عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبَّر بإحدى العبارتين؛ حصل المقصودُ، فلا يجمع بين العبادات المتعددة. السادس: أن أحد اللفظين يدل عن الآخر، فلا يجمع بين البدل والمبدل معاً(٢). (١) ما بين معكوفتين من ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٣٢٤). (٢) انظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٣٢٠) وما بعدها. ١٣٤ ١٤٧٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ◌َُِ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ: أَنَّ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّم، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)) متَّفَقٌ عليهِ. ، قوله: ((وإسرافي)): (ن): (الإسراف): مجاوزة الحد(١). (ك): ((في أمري)»: يحتمل: أن يتعلق بالإسراف خاصة، وأن يتعلق بغيره أيضاً على سبيل التنازع بين العوامل، و((العمد)): ضد السهو والخطأ، والجهل ضد العلم، والهزل ضد الجدِّ، وعطفُ العمد على الخطأ إما من عطف الخاص على العام باعتبار أن الخطيئة أعم من المتعمَّد، أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر، بأن يحمل الخطيئة على ما وقع على سبيل الخطأ(٢) . (ن): ((وكل ذلك عندي))؛ أي: أنا متصف بهذه الأشياء فاغفرها لي، [قيل]: قاله تواضعاً، وعدَّ على نفسه فواتَ الكمال ذنوباً، وقيل: أراد ما كان عن سهو، وقيل: ما كان قبل النبوة، وعلى كل حالٍ فهو ◌َّ مغفورٌ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤٠). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ /١٧٩). ١٣٥ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، فدعا بهذا وغيره تواضعاً، ولأن الدعاء عبادة(١) . (ق): الأنبياء معصومون كما تمهّد في الأصول دلائلُهُ، ونزيد هاهنا نکتتین : إحداهما: أنَّا وإن قلنا: إن الذنوب لم تقع منهم، غيرَ أنهم يتوقعون وقوعها، فإن ذلك ممكن، وكانوا يتخوَّفون من وقوع الممكن [المتوقَّع]، ويقدرونه واقعاً فيتعوذون منه، وعلى هذا فیکون قوله: «وكل ذلك عندي))؛ أي: ممكن الوقوع عندي، ودليل صحة ذلك: أنهم مكلفون باجتناب المعاصي كلها [كما كلَّفه غيرهم]، فلولا صحة إمكان الوقوع؛ لما صح التكليف. الثانية: أن هذه الدعوات والتضرعات والاستعاذات قيامٌ بحق وظيفة العبودية، واعترافٌ بحق الربوبية، ليقتديَ بهم مذنبو أممهم، ويسلكوا مناهج سبلهم، فتُستجاب دعوتهم، وتُقبل توبتهم، وقد أطنب الناس في ذلك، وما ذكرناه خلاصته(٢). (ن): ((أنت المقدم))، يُقدِّمُ مَن يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه، ويُؤخِّر مَن يشاء عن ذلك بخذلانه(٣). (ق): الأولى أن يقال: إنه تعالى مُقدِّم كلَّ مُقدَّم في الدنيا والآخرة، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٧ - ٤٨). (٣) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٧ / ٤٠). ١٣٦ ومُؤخِّر كلَّ مُؤخَّر في الدنيا والآخرة، وهذان الاسمان من أسماء الله تعالى المزدوجة، كالأول والآخر، والقابض والباسط، والمبدئ والمعيد، والخافض والرافع، والضار والنافع، فهذه الأسماء لا تقال إلا مزدوجةً كما جاءت في الكتاب والسنة ولم يجز أن يقال: يا خافض حتى يضمَّ إليه يا رافع، كذا قاله بعض العلماء(١). ١٤٧٧ - وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله : ((من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)): (ن): معناه: من شر ما اكتسبتهُ مما قد يقتضي عقوبةً في الدنيا أو يقتضي في الآخرة وإن لم أكن قصدته، ويحتمل أن المراد تعليم الأمة (٢). (ق): قد يعمل الإنسانُ العملَ لا يقصِدُ به إلا الخيرَ ويكون [في باطن أمره] شراً لا يعلمه، فاستعاذ منه، ويؤيد هذا أنه روي في غیر ((کتاب مسلم)): (مِنْ شَرِّ ما عَلِمتُهُ وشَرِّ مَا لَمْ أَعلَمْ))(٣)، ويحتمل أن يريد به ما عمل غيرهُ فيما (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٩). (٣) رواه ابن ماجه (٣٨٤٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٢٧٦). ١٣٧ يظنُّ أن يقتدي به فيه(١). (شف): قيل: استعاذ من أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله؛ فإنه لا مأمن لأحد من مكر الله، وقيل: من أن يصير معجباً بنفسه في ترك القبائح، وسأله أن یری ذلك من فضل ربه. ١٤٧٨ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، قَالَ: كَانَ مِنْ دُعاءِ رَسُولِ الله وَّ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَئِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ؛ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله: ((من تحول عافيتك)»: (مظ): أي: من تبدل ما رزقتني من العافية إلى البلاء(٢). (ط): فإن قلت: ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلت: (الزوال) يقال في شيء كان ثابتاً في شيء ثم فارقه، و(التحول): تغير الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير قيل: حال الشيء تحول حولاً، وباعتبار الانفصال قيل : حال بيني وبين كذا، وحوَّلتَ الشيءَ فتحوَّل: غيرته إما بالذات أو بالحكم، فمعنى زوال النعمة: ذهابها من غير بدل، وتحويل العافية: إبدال الصحة بالمرض، والسلامة بالبلاء(٣). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٦). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٣٥). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٤). ١٣٨ وقوله: ((فجاءة نقمتك))، خصت الفجاءة بالذكر؛ لأن البلاء إذا نزل بغتةً، كان أشدَّ على المصاب من إصابة على هيئةٍ . ١٤٧٩ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴿ه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَايجي يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالهَرَمِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا، اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله ◌َ: ((اللهمَّ إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل))، سبق في هذا الباب والذي قبله. * قوله ◌َّيج: ((اللهمَّ آت نفسي تقواها)): (ط): ينبغي أن تفسر التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالى: ﴿فَأَهْمَهَا ◌ُورَهَا وَتَقْوَنهَا﴾ [الشمس: ٨]، وهي الاحتراز عن متابعة الهوى، وارتكاب الفجور والفواحش؛ لأن الحديث كالتفسير والبيان للآية، فدلَّ قوله: ((آت)) على أن الإلهام في الآية: هو خلق الداعية الباعثة على الاجتناب عن المذكورات. وقوله: ((زكها أنت خير من زكاها))، على أن إسناد التزكية إلى النفس في الآية هو نسبة الكسب إلى العبد لا خلق الفعل كما زعمت المعتزلة؛ لأن الخيرية تقتضي المشاركة بين كسب العبد وخلق القدرة فيه. ١٣٩ وقوله: ((أنت وليها ومولاها)) استئناف على بيان الموجب، وأن إيتاء التقوى وتحصيل التزكية فيها إنما كان لأنه متولِّي أمرها، وربها ومالكها، فالتزكية إن حملت على تطهير النفس عن الأفعال والأقوال والأخلاق الذميمة؛ كانت بالنسبة إلى التقوى مظاهر ما كان ممكناً في الباطن، وإن حملت على الإنماء والإعلاء بالتقوى؛ كانت تحليةً بعد التخلية؛ لأن المتقي شرعاً: من اجتنب النواهي وأتى بالأوامر. وعن بعض العارفين: تقوى البدن: الكفُّ عما لا يتيقن حلَّهُ، وتقوى القلب: عما سوى الله في الدارين، وعدم الالتفات إلى غيره(١). (ن): ((زكها)) معناه: طهِّرها، ولفظة ((خير)) ليست للتفضيل، بل معناه لا مُزكِّي لها إلا أنت، كما قال: ((أنت وليها))(٢). * قوله : ((أعوذ بك من علم لا ينفع)): (مظ): أي: من علم لا أعمل به ولا أعلمه، ولا يبدل أخلاقي وأقوالي وأفعالي، أو علم لا أحتاج إليه في الدين، ولا في تعلمه إذن شرعي (٣). (ط): أنشد بعضهم : ليسَ التَّفاخُرُ بالعُلُومِ الزَّاخِرةُ يا مَنْ تَقَاعَدَ عَن مَكَارِمِ خُلْقِهِ لَم يَنْتَفِعْ بِعُلُومِهِ في الآخِرَةْ مَن لم يُهذِّبْ عِلْمُهُ أَخْلاَقَهُ قال أبو طالب المكي: قد استعاذ ◌ُّ من نوع من العلوم كما استعاذ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٧ / ٤١). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٣٤). ١٤٠