Indexed OCR Text
Pages 61-80
* قوله: ((وأنا معه إذا ذكرني))؛ أي: بالتوفيق والمعونة، أو أسمع ما
يقوله.
(ق): أصلُ الذكر التنبيهُ بالقلب للمذكور والتيقظُ، ومنه قوله تعالى:
﴿أَذْكُرُ واْ نِعْمَتِىَ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ نَمَ عن صَلاَةٍ
أو نَسِيَها؛ فَلْيُصلِّها إذا ذَكرَها))(١)؛ أي: إذا تذكرها بقلبه، وهو كثير،
وسُمِّي الفعلُ باللسان ذكراً؛ لأنه دالٌّ على الذكر القلبي، غيرَ أنه قد كثرُ
اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق للفهم، وأصل مع
الحضور والمشاهدة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:
٤٦]؛ أي: أحفظكما ممَّن يُريد كيدَكُما، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
كُتُمْ ﴾ [الحديد: ٤]؛ أي: مطّلعٌ عليكم، ومحيطٌ بكم، فمعنى: ((أنا معه إذا
ذكرني)): أن مَن ذكر الله في نفسه مفرَّغةً مما سواه؛ رفع اللهُ عن قلبه
الغفلاتِ والموانعَ، وصار كأنه يرى الله ويشاهده، وهي الحالة العليا التي
هي أن تذكُرَ الله كأنك تراهُ، فإن لم تصل إلى هذه الحالة؛ فلا أقلّ من أن
يذكره وهو عالم بأنه يسمعه ويراه، ومَن كان هكذا، كان اللهُ أنيساً له إذا
ناجاه، ومجيباً له إذا دعاه، وحافظاً له من كل ما يخشاه، ورفيقاً به يوم
يتوقّاه، ومُحِلاًّ له من الفردوس أعلاه(٢).
* قوله: ((فإن ذكرني في نفسه»:
(قض): أي سراً وخفية، وإخلاصاً وتجنباً عن الرياء، ((ذكرته في
(١) رواه الدارمي (١٢٢٩)، من حديث أنس ظه، ورواه البخاري (٥٧٢)، ومسلم
(٦٨٤) بلفظ: ((مَن نسي صلاة فليصها إذا ذكرها ... )).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٦ - ٧).
٦١
نفسي))؛ أي: أُسِرُّ بثوابه على منوال عمله، وأتولى بنفسي إثابته، ولا أَكِلُهُ
إلى أحد من خلقي.
وقوله: ((في ملأ خير منه))؛ أي: في ملأ من الملائكة المقربين
وأرواح المرسلين، والمراد منه مجازاة العبد بأحسن مما فعله وأفضل مما
به(١) .
(ط): إنما قيَّده بقوله: (أرواح المرسلين)؛ لئلا يُستدَلَّ بهذا الحديث
على أن الملائكة أفضلُ من البشر، على أن المراد من الملأ الملائكة
فحسب .
واعلم أن (الفاء) في قوله: ((فإن ذكرني في نفسه .. . إلى آخره)) تفصيلٌ
للسابق، فينبغي للحاذق الماهر أن يجعل السابق محلاً للتفصيل ومتضمناً معناه
على سبيل الإبهام، فمعنى المفصل: أنه تعالى عالمٌ بسرِّ العبد وعلانيتِهِ
وإخلاصِهِ في العمل وريائِهِ فيه، وأنه مجازيه بأعماله بأفضلَ وأكملَ ممَّا عملُهُ،
إذا تقرَّر هذا؛ ينبغي أن يُحمل الظنُّ على الاعتقاد الجازم بأنه تعالی کریمٌ
جوادٌ، يُجازِي العبدَ بأفضلَ وأحسنَ مما عمِلَ، وأنه معه رقيبٌ عليه، حافظٌ
لما أسرَّهُ وما أعلنَهُ، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وقوله:
((في نفسي)) جاء على سبيل المشاكلة؛ لأن المراد من قوله: ((في نفسه)» قلبهُ
وسرُّهُ، ولأنه جعل النفس ظرفاً لله، تعالى الله أن يتصف بهما(٢).
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٢٣).
٦٢
١٤٣٦ - وعَنْهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ))،
قالوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيراً
والذَّاكِرَاتُ» رواه مسلمٌ.
رُوي ((المُفَرِّدُونَ)) : - بتشديد الراءِ وتخفيفها -، وَالمَشْهُورُ
الَّذِي قَالَهُ الجُمْهُورُ: التَّشْديدُ.
* قوله {وَله: ((سبق المُفرِّدُونَ))، أول هذا الحديث كان رسول الله وَله
يسير في طريق مكة، فهو على جبل يقال له: جُمْدان، فقال: ((سِيُروا، هذا
جُمْدَانُ، سبق المفرِّدون)) الحديث.
(ن): ((جُمْدان)) بضم الجيم وإسكان الميم، و((المفرِّدون)) بفتح الفاء
وكسر الراء المشددة، هكذا نقله القاضي عن متقني الشيوخ، وذكر غيره أنه
روي بتخفيفها وإسكان الفاء، يقال: فرَد الرجل وفرَّد بالتشديد والتخفيف،
وأفرد، قال ابن قتيبة وغيره: أصل المفرِّدون: الذين هلك أقرانهم وانفردوا
عنهم، فبقوا يذكرون الله، وقال ابن الأعرابي: فرَد الرجلُ: إذا تفقَّه واعتزلَ،
وخلا بمراعاة الأمر والنهي(١).
(ق): في غير ((كتاب مسلم)): ((همُ المُستَهتَرونَ بِذِكْرِ اللهِ، يضَعُ
الذِّكرُ عنهم أَثْقَالَهُم، فَيَرِدُونَ يومَ القِيامَةِ خِفَافً)(٢)، وإنما ذكر النبي ◌َّ هذا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٩٦)، من حديث أبي هريرة ظُه. وهو حديث ضعيف. انظر:
(ضعيف الجامع الصغير)) (٣٢٤٠).
٦٣
القول عقيب قوله: ((هذا جمدان))؛ لأن جمدان جُبيل بين قُدَيد وعسفان
منفردٌ بنفسه هنالك، ليس بحذائه جبل، فكأنه تفرد هنالك، فشبه بهؤلاء
المفرّدين، والله أعلم، وهؤلاء القوم سبقوا في الدنيا إلى الأحوال السنية،
وفي الآخرة إلى المنازل العلية (١).
(تو) و(قض): إنما قالوا: ((وما المفرِّدون؟)) ولم يقولوا: مَن هم؛
لأنهم أرادوا فَسْرَ اللفظ وبيانَ ما هو المراد منه لا تعيينَ المتصفين به وتعريفَ
أشخاصهم، فعدل رسول الله صل﴿ في الجواب عن بيان اللفظ إلى حقيقة ما
يقتضيه؛ توفيقاً للسائل بالبيان المعنوي على المعنى اللغوي إيجازاً، فاكتفى
فيه بالإشارة المعنوية إلى ما استبهم عليهم من الكناية اللفظية.
(ط): هؤلاء كانوا قَافِلين من سفرٍ قَاصِدين المدينة، وقربوا منها
واشتاقوا إلى الأوطان، فتفرَّد جماعةٌ منهم مهترين سابقين وبقي بعضهم
غير ناشطين، فقال النبي ◌َّ لهؤلاء المتخلِّفين: سِيرُوا وقد قَرُب الدارُ،
وهذا جُمْدان، وسبقَكُم المُفَرِّدُون، وأما جواب رسول الله وَّر عن قولهم:
((ما المفردون)) بقوله: ((الذاكرين الله كثيراً)؛ فمن الأسلوب الحكيم الوارد
على سبيل الاستطراد؛ أي: دعوا سؤالكم هذا؛ لأنه ظاهر مكشوف،
واسألوا السابقين إلى الخيرات، والمُتَبتلين إلى الله بمداومة الذكر،
المفردين الله عمن سواه، هذا وأما المطابقةُ بين السؤال والجواب لفظاً:
فهي حاصلة؛ لأن (ما) كما يسأل [بها] عن حقيقة الشيء يسأل بها عن
وصفه أيضاً، كأنهم سألوا ما وصف هؤلاء المفردين(٢)؟
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٧٢٢).
٦٤
(ن): و((الذاكرات)) [تقديره]: والذاكراته، فحذف الهاء هنا كما
حذفت في القرآن؛ لمناسبة رؤوس الآي، أو لأنه مفعول يجوز حذفه (١).
(ق): ((الذاكرين الله كثيراً): هذه الكثرة المذكورة هنا هي المأمور بها
في قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وهذا
المساقُ يدلّ على أن الذكر الكثير واجبٌ؛ لأنه لم يكتفِ بالأمر حتى أكَّدهُ
بالمصدر، ولم يكتف بالمصدر حتى أكَّده بالصفة، ومثل هذا لا يكون في
المندوب، قال ابن عباس: ليس شيءٌ من الفرائض إلاَّ ولهُ حدٌّ ينتهي إليه
إلا ذكرُ الله، ولم يقل هو ولا أحدٌ بوجوب الذكر اللساني دائماً، فتعين أن
يكون ذكر القلب كما قاله مجاهد، وإذا ثبت هذا؛ فذكر القلب لله تعالى إما
على جهة الإيمان والتصديق بوجوده وصفات كماله وأسمائه، فهذا يجب
استدامتُه بالقلب ذكراً، أو حكماً في حال الغفلة؛ لأنه لا ينفكُّ عنه إلا
بنقيضه، وهو الكفر، والذكر الذي ليس راجعاً إلى الإيمان هو ذكرُ الله عند
الأخذ في الأفعال، فيجب على كل مكلف أن لا يُقدم على فعل ولا قول
ظاهراً وباطناً حتى يعرف حكم الله في ذلك الفعل أو القول على طريق
الاجتهاد أو التقليد، لإمكان أن يكون الشرع منعه منه، ولا ينفك المكلف
عن فعل أو قول دائماً، فذكر الله يجب عليه دائماً، ولذلك قال بعض
السلف: اذكر الله عند همِّك إذا همَمْتَ، وحكمك إذا حكمْت، وقَسْمِكَ
إذا قسمْتَ، وما عدا هذين الذكرين لا يجب استدامته [ولا كثرته](٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠ - ١١).
٦٥
١٤٣٧ - وعَنْ جَابِرٍ ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
((أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ. رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
· قوله ◌َّي: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)):
(ط): قال بعض المحققين: إنما جعل التهليل أفضل الذكر؛ لأن له
تأثيراً في تطهير الباطن عن الأوصاف الذميمة، التي هي معبودات في باطن
الذاكر، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنّهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فيفيدُ نفيَ
عموم الآلهة بقوله: ﴿لَّ إِلَهَ﴾ ويثبت الواحد بقوله: ﴿إِلَّا اللّهَ﴾، ويعود
الذكر من ظاهر لسانه إلى باطن قلبه، فيتمكن فيه ويستولي على جوارحه،
وجد هذا من ذاق(١).
(مظ): إنما كان (لا إله إلا الله) أفضلَ الذكر؛ لأن في هذه الكلمة
إثبات الأُلوهية لله تعالى ونفيها عن غيره، وليس هذا المعنى في ذكر سوى
(لا إله إلا الله)، ولأنه لا يصحُّ الإيمانُ إلا به(٢).
١٤٣٨ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرِ حَبهِ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ
الله! إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ
بهِ، قَالَ: ((لاَ يَزالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ الله)).
رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٨٢٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣ / ١٦٤).
٦٦
* قوله: ((إنَّ شرائع الإسلام)):
(نه): (الشريعة): مورد الإبل على الماء الجاري، وهو أيضاً ما شرع
الله لعباده من الدين؛ أي: سنَّهُ لهم وافترضَهُ عليهم(١).
(ط): التنكير في ((شيء)) للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم، كقوله
تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، معناه أخبرني بعمل يسير
مستجلب لثواب كثير، فألازم عليه وأعتصم به، ولم يرد بقوله: ((كثرت
علي)) أنه يترك ذلك رأساً ويشتغل بغيره فحسب، وإنما أراد أنه بعد أداء ما
افترض عليه يتشبث بما يستغني به عن سائر ما لم يفترض عليه، وعدَّى
(كثرت) بـ (على)؛ تضميناً لمعنى غلَبتِها إياه وعجزِهِ عنها(٢).
(نه): الشبث بالشيء: التعلق به، يقال: شبِث يشبَث شيئاً، ورجل
شبِثٌ: إذا كان من طبعه ذلك(٣) .
(ط): (رطوبة اللسان) عبارة عن سهولة جريانه، كما أنَّ يبسه عبارةٌ
عن ضده، ثم جريان اللسان حينئذٍ عبارةٌ عن مداومة الذكر قبل ذلك، كأنه
قيل: خيرُ الأعمال مداومةُ الذكر، فهو من أسلوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] (٤).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٦٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ /١٧٣٩).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٦٠).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٧٣٩/٥).
٦٧
١٤٣٩ _ وعَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النبيِّ وَهِ، قَالَ: ((مَنْ قَالَ:
سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ».
رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله ميل: ((غرست له نخلة في الجنة)):
(مظ): إنما خصّ النخل من الأشجار؛ لأنها أنفعُ الأشجار وأطيبُها،
وهو مشبّةٌ بالمؤمن من بين سائر الأشجار(١).
١٤٤٠ _ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ وَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فقالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقْرِئْ أُمَّتَكَ
مِنِّي السَّلاَمَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الماءِ؛ وَأَنَّهَا
قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَها: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ،
واللهُ أَكْبَرُ)) رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
* قوله ◌َله: ((وإنها قيعان)):
(تو): (القاع): المستوي من الأرض، والقيعة مثله، والجمع أقوع
وأقواع، وقيعان صارت الواو ياء الكسرة ما قبلها، و((الغراس)) جمع غرس،
وهو ما يغرس، والغراس أيضاً: وقت الغرس، والغرس إنما يصلح في
التربة الطيبة، وينمو بالماء العذب، وأحسن ما يتأتَّى في القيعان، المعنى
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٦٣).
٦٨
أعلمهم أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة، وتفيده مخارفتها، وأن
الساعي في اكتسابها هو الذي لا يضيع سعيه؛ لأنها المغرس الذي لا يتلف
ما استودع فيه(١).
(ط): فيه إشكال؛ لأن هذا الحديث يدل على أن أرض الجنة خالية
عن الأشجار والقصور، ويدل قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَاَلْأَنْهَرُ﴾ [آل
عمران: ١٩٥]، وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] على أنها غير
خالية؛ لأنها إنما سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلمة بالتفاف
أغصانها، وتركيب الجنة دائر على معنى الستر، وأنها مخلوقة معدّة
للمتقين، والجواب: أنها كانت قيعاناً ثم إن الله تعالى أوجد بفضله وسعة
رحمته فيها أشجاراً وقصوراً على حسب أعمال العاملين، لكلِّ [عامل] ما
يختص به بحسب عمله، ثم إن الله تعالى لمَّا يسَّره لما خُلِقٍ له من العمل؛
لينال به ذلك الثواب؛ جعلَهُ كالغارس لتلك الأشجار على سبيل المجاز،
إطلاقاً للسبب على المسبب، مثاله في الشاهد: الوالد إذا ألَّف كتاباً جامعاً
للآداب فقال: هذا لولدي إذا تعلَّم ونشأ أديباً، فإذا حصل له [ولدٌ] بعد
برهة على ما أراد منه، فقال له: أنت صاحب ذلك الكتاب، وأنت الذي
حصَّلته وجمعتَ ما فيه؛ لأنك أنت الغرض منه، ولمَّا كان سببُ اتخاذ الله
الأشجار عملَ العامل؛ أسند الغرس إليه(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣١).
٦٩
١٤٤١ _ وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّن:
(أَلَا أُنَُّكُمْ بِخَيْرٍ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِها في
دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ
أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُم، وَيَضْرِبوا أَعْنَاقَكُمْ؟))، قَالُوا:
بَلَى، قَالَ: ((ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)).
رواهُ التّرمذيُّ. قال الحاکمُ أبو عبدالله : إسناده صحيحٌ.
* قوله : ((وأزكاها عند ملیککم)» :
(مظ): أي: وأطهرها، و(المليك): الملك، وهو الله سبحانه(١).
(ط): و((خير)) مجرور عطف على (خير أعمالكم) من حيث المعنى؛
لأن المعنى ألا أنبئكم بما هو خير لكم من بذل أموالكم ونفوسكم، قال
الشيخ عبد السلام في كتاب ((القواعد)): هذا الحديث مما يدلُّ على أن
الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات، بل قد يأجُرُ الله
تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجُرُ على كثيرها، فإذاً الثواب يترتب
على تفاوت الرتب في الشرف(٢).
(شف): لعل الخيريَّةَ والأرفعيَّةَ في الذكر لأجل أن سائر العبادات من
إنفاق الذهب والفضة، ومن ملاقاة العدو والمقابلة معهم، إنما هي وسائل
ووسائط يتَقرَّب العبادُ بها إلى الله تعالى، والذكر إنما هو المقصود
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٤٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٧٣٣).
٧٠
الأسمى، والمطلوب الأعلى، وناهيك عن فضيلة الذكر قوله تعالى:
﴿ فَذَكُونِ أَذْكُرَّكُمْ ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقوله: ((أَنَا جَلِيسُ مَن ذَكَرَنِي، وأنَا معَهُ،
إذا ذكَرَنِي فِي نَفَسِهِ؛ ذَكرْتُهُ فِي نَفَسي)) الحديث(١).
(ط): ولا ارتياب أن أفضل الذكر قول: (لا إله إلا الله) هي الكلمة
العليا، وهي القطب التي تدور عليها رحى الإسلام، وهي القاعدة التي بني
عليها أركان الدين، وهي الشعبة التي هي أعلى شعب الإيمان، بل هي الكل
وليس غيره، ﴿ قُلْ إِنَّمَايُوحَى إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]؛
أي: الوحي مقصور على استئثار الله تعالى بالوحدانية؛ لأن المقصود الأعظم
من الوحي هو التوحيد، وسائر التكاليف تتفرع عليه: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الله
يُخْلِصِينَ لَّهُ اُلْدِينَ﴾ [البينة: ٥]، ولأمرٍ ما تجدُ العارفينَ وأربابَ القلوب يستأثرونها
على سائر الأذكار؛ لما رأوا فيها خواصَّ ليس الطريق إلى معرفتها إلا الوجدان
والذوق، رزقنا الله وإياكم(٢).
١٤٤٢ _ وعَنْ سَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ه: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ عَلَى امْرَأَةٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوَّى - أَوْ: حَصِّى - تُسَبِحُ
بِهِ، فَقالَ: ((أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا، أَوْ: أَفْضَلُ))،
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٢٢٤). ورواه البخاري (٦٩٧٠)، ومسلم
(٢٦٧٥) بلفظ: ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في
نفسه ... )).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٣٣).
٧١
فَقالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ في السَّماءِ، وسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا
خَلَقَ في الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذلِكَ، وَسُبْحَانَ اللهِ
عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ. واللهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالحَمْدُ للهِ مِثْلَ ذَلِكَ،
وَلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلاَ حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ مِثْلَ ذَلِكَ)).
رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
* قوله: ((وبين يديها نوى أو حصى تسبح به)): يمكن أن يُستدَلَّ بهذا
على استحباب اتخاذ السبحة .
(ط): ((أو أفضل)) شك من الراوي، ويمكن أن يكون (أو) بمعنى
(بل)، وإنما كان أفضل؛ لأنه اعتراف بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحصى
ثناؤه، وتسبيحُه على العدِّ بالنواة إقدامٌ على أنه قادر على الإحصاء؛ كما
قال: ((لا أُحصِي ثناءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ علَى نفسِكَ))(١)، وفي (ما) في
قوله: ((عدد ما خلق في السماء)) وجهان: أحدهما: أنه عام في الأجناس
كلها، سواء كانت ذوات العلم أم لا، وثانيهما: جعل ذو العلم بمنزلة غيره
على تأويل المعدود، و((ما هو خالق))؛ أي: ما هو خالقه، إجمالٌ بعد
التفصيل؛ لأن اسم الفاعل إذا أسند إلى الله يفيدُ الاستمرارَ من بَدْء
الخلق إلى الأبد.
(الكشاف): ﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] ما هو بمعنى المضي،
وإنما هو دالٌّ على جعل مستمر في الأزمنة المختلفة؛ كما تقول: الله قادر
(١) رواه مسلم (٤٨٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
٧٢
عالم، فلا تقصد زماناً دون زمان، ومثل ذلك منصوب نصب (عدد) في
القرائن السابقة على المصدر (١).
١٤٤٣ - وعَنْ أَبِي مُوسى ﴿ُ، قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله ◌ِ:
(أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزِ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟))، فقلتُ: بلى يا رسولَ الله،
قَالَ: ((لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)) متفقٌ عليه.
* قوله عليه: ((لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)) :
(تو): الأصل في الحول تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فيفسر
بالحيلة، وهو ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية، وقيل: الحيلة هي
الحول، قُلِبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها، والمعنى لا يوصل إلى تدبير أمر
وتغيير حال إلا بمشيئتك ومعونتك، وقيل: الحول الحركة، يقال: [حال]
الشيء إذا تحرَّك، فالمعنى: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، ومعنى
((كنز من كنوز الجنة)): أنه يُعدُّ لقائله ويُدَّخر له من الثواب ما يقع له في
الجنة موقع الكنز في الدنيا؛ لأن من شأن الكانزين أن يَستعدُّوا به
ويَستظهروا بوجدان ذلك عند الحاجة.
(ط): قد سبق في مثل هذا التركيب أنه ليس باستعارة؛ لذكر المشبه،
وهو الحولقة، والمشبه به، وهو الكنز، ولا التشبيه الصرف؛ لبيان الكنز
بقوله: ((من كنوز الجنة))، بل هو من إدخال الشيء في جنس وجعله أحد
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٨٢٩).
٧٣
أنواعه على التغليب، ونحوه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٣٥) إِلََّمَنْ أَنَ
اللََّبِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، فالكنز إذاً نوعان: المتعارف، وهو المال
الكثير يجعل بعضه فوق بعض، ويحفظ، وغير المتعارف: وهو هذه
الكلمة الجامعة المكتنزة بالمعاني الإلهية كما أنها محتوية على التوحيد
الخفي؛ لأنه إذا نُفِيَت الحيلةُ والحركةُ والاستطاعةُ عما من شأنه ذلك
وأُثبِتَت لله على سبيل الحصر، وبإيجاده واستعانته وتوفيقه = لم يخرج
شيءٌ من ملكه وملكوته، ومن الدلالة على أنها دالةٌ على التوحيد الخفي
قولُ رسول الله وَل لأبي موسى: ((ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟))، مع
أنه كان يذكرها في نفسه، والدلالة إنما تستقيم على ما لم يكن عليه، وهو
أنه لم يعلم أنه توحيدٌ خفيٍّ وكنزٌ من الكنوز، ولأنه لم يقل: ما ذكرته كنز
من الكنوز، بل صرّح بها وقال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))؛ تنبيهاً على هذا
السرِّ (١).
(ن): قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله
تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا رادَّ لأمره، وأن العبد
لا يملك شيئاً من الأمر، ومعنى الكنز هاهنا: أنه ثواب يُدَّخر، وهو ثواب
نفيس كالكنز، والحول: الحركة والحيلة؛ أي: لا حركة ولا استطاعة ولا
حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، قيل: معناه لا حولَ في دفع شرٍّ ولا قوةَ على
تحصيل خيرٍ إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله، إلا بعصمة الله ولا قوة
على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود، وكلُّه متقاربٌ، ويعبر
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٢٤).
٧٤
عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة، وبالأول جزم الأزهري والجمهور،
وبالثاني الجوهري، ويقال أيضاً: لا حيل ولا قوة في لغة عربية حكاها
الجوهري(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٦).
٧٥
٢٣٩- با
ذكرِ اللهِ تعالى قائِماً وقاعِداً ومُضْطجعاً،
مُحْدِثاً وجُنُباً وحائِضاً، إِلاَّ القرآنَ،
فلا يحلُّ لجنبٍ ولا حائضٍ
قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لَّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًاوَعَلَى
جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
(باب في ذكر الله قائماً أو قاعداً
أو مضطجعاً ومحدثاً وجنباً وحائضاً إلا القرآن فلا يحل لجنب ولا لحائض)
* قال الله تعالى: ﴿ إِنّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ اُلَيْلِ وَالنَّهَارِ
لَيَتٍ لَّأُوْلِ الْأَلْبَبٍ ﴾ [آل عمران: ١٩٠]:
سبق في (الباب التاسع) في قوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٩١]
الآية قولان :
أحدهما: أن الإنسان دائمُ الذكر لربه؛ فإن الأحوال ليست [إلا] هذه
الثلاثة، ثم وصفهم بكونهم ذاكرين فيها، فدلَّ على كونهم مواظبين على
الذكر غيرَ فاترين عنه ألبتة .
الثاني: أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى: أنهم يصلون في حال
٧٦
-
القيام، فإن عجزوا؛ فحال القعود، فإن عجزوا؛ فحال الاضطجاع، والمعنى:
أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال، والحمل على الأول أولى؛ لأن
الآيات الكثيرة ناطقةٌ بفضيلة الذكر، روي أنه بَِّ قال: ((مَنْ أَحبَّ أَنْ يَرَتَعَ في
رِيَاضِ الجَنَّةِ؛ فَلَيُكْثِرْ ذِكْرَ اللهِ»(١).
ويحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر الذكر باللسان، وأن يكون بالقلب،
والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين.
وفي قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: ١٩١] دقيقة، وهي أنه ثبت في
المباحث الطبية أن كون الإنسان مستلقياً على قفاه، مانع من استكمال
الفكر والتدبر، وأما كونه مضطجعاً على الجنب: فإنه غير مانع منه، وهذا
المقام يراد فيه التدبر والتفكر، وكان هذا الوضع أولى؛ لأنه أقرب إلى
اليقظة والاشتغال بالذكر؛ فإن الاضطجاع على الجنب يمنعُ من النوم
المغرق، ومحل (على جنوبهم) نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه
قال: قياماً وقعوداً ومُضَّجِعین(٢).
(ش): الذكر رأس أموال سعادة الذاكرين التي بها يتّجرون، وریاض
جنتهم التي فيها ينقلبون، يدع القلب الحزين ضاحكاً مسروراً، ويوصل الذاكر
إلى المذكور، بل يدع الذاكر مذكوراً، وعلى كل حال جارحة من الجوارح
عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة، بل هم
مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم،
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٠/ ١٥٧)، من حديث معاذ بن جبل نظ ◌ّته.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٧٥): وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩ / ١١١).
٧٧
وكما أن الجنة قيعان - وهو غراسها - فكذلك القلوب بورٌ وخرابٌ، وهو
عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها،
وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقاً؛ ازداد لمذكوره محبةً، وإلى لقائه
اشتياقاً، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته،
وبالذكر يصرع العبدُ الشيطانَ كما يصرعُ الشيطان أهلَ الغفلة، انتهى(١).
١٤٤٤ - وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ
رَسُولُ اللهِّهِ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رواه مسلمٌ.
* قولها: ((كان رسول الله ﴿ ﴿ يذكر الله على كل أحيانه))؛ لأن ذكر الله
سبحانه قوتُ القلوب وغذاءُ الأرواح، فهو للقلب بمنزلة الماء للحوت،
فما فارقه لم يلبث القلب أن يموت.
١٤٤٥ _ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، قَالَ: ((لَوْ أَنَّ
أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبٍ
الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ)) متفقٌ عليه.
* قوله ريج: «لو أن أحدهم إذا أتى أهله)):
(ط): (لو) هذه يجوز أن تكون شرطية وجوابها محذوفاً، وأن تكون
(١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢/ ٤٢٣).
٧٨
للتمني، و(إذا) يجوز أن يكون ظرفاً، و(قال) خبر (أن)؛ أي: قال ذلك
حين أتى، ويجوز أن تكون شرطية وجزاؤها (قال)، والجملة خبر (أن)،
وإنما نكر (شيطان) آخراً بعد تعريفه أولاً؛ لأنه أراد في الأول الجنس وفي
الآخر أفراده على سبيل الاستغراق والعموم(١).
* قوله ◌َّي: ((لم يضره شيطان أبداً):
(ن): قال القاضي: قيل: المراد به أنه لا يصرعه شيطان، وقيل:
لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته بخلاف غيره، قال: ولم يحمله أحد على
العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء(٢).
(ق): أما قصره على الصرع وحده؛ فليس بشيء؛ لأنه تحكّم بغير
دليل مع صلاحية اللفظ له ولغيره.
وأما القول الثاني؛ ففاسد، بدليل قوله بَّه: ((كُلُّ مَولُودٍ يَطعَنُ
الشَّيطانُ في خَاصِرَتِهِ إلَّ ابنَ مريمَ؛ فإنَّهُ جَاء يريد أن يطعنه فطعن في
الحجاب))(٣)، وهذا يدل على أن الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى
وحده، وذلك لخصوصية دعوة أم مريم عليها السلام حيث قالت: ﴿وَإِنِّ
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
ولا يفهم من هذا نفي وسوسته وتشعیثه وصرعه، فقد یکون کل ذلك
بحفظ الله ذلك الولد من ضرره في قلبه ودينه وعاقبة أمره، انتهى (٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٩٠ - ١٨٩١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٥).
(٣) رواه البخاري (٣١١٢).
(٤) انظر: ((المفهم)) (٤ / ١٦٠).
٧٩
قال ابن أبي جمرة الأزدي: فانظر إلى هذا الخبر العظيم [ما أعظمه
وذلك] بقليل من الفعل لكن مع ذلك ما أقل فاعله، فما ينفع البيان إذا وقع
الحرمان؟!
ومتى تكون التسمية؟ ذكر بعضهم أنها تكون عند الإيلاج.
وفيه أن أنجح الأسباب في دفع المضارِّ في الدارين ذكر الله، قال
بعضهم في هذا الحديث: لمَّا آثر العبدُ ذكرَ الله على حظِّ نفسه؛ أثمرت له
هذه الفائدة العظيمة، هذا في لحظ من الزمان، فكيف من آثر ذكره ◌َمن
دائماً؟ كيف يكون حاله؟ ولهذا جاء في التوراة: قل لأهل محبتي يكثرون
من ذكري؛ فإن لهم في الدنيا أُنْساً وفي الآخرة جزاء.
وفيه أن من أدب الشريعة حسن الكناية؛ لقوله: ((أتى أهله))، فكنَّى
بالإتيان عن الجماع، وفيه دليل على حسن بلاغته، وفيه دليل على أنه إذا
صلح الأصل؛ صلح الفرع؛ إذ ورد في غير هذا الحديث أن العظام
والعصب من ماء الرجل، واللحم والشعر من ماء المرأة، فلمَّا صلح حال
الرجل الذي ماؤه أصل هذه البنية؛ لم يلتفت إلى المرأة؛ لأنها في حكم
التبع، وفيه دليل على أنه إذا صلح الراعي؛ صلحت الرعية؛ إذ لمَّا صلح
حالُ الرجل بامتثال ما أمر به من التسمية؛ صلح حال الولد(١).
(١) انظر: ((بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة (٣/ ٢٣٦).
٨٠