Indexed OCR Text
Pages 21-40
أو جه البر، أو الخير، وإلا فالدنیا من حيث هي دنیا؛ لا تعدل عند الله جناح
بعوضة، وكذلك هي عند أنبيائه وأهل المعرفة، فکیف تکون أحبّ إلیه من
ذكر أسمائه وصفاته؟(١)
١٤١٠ - وعنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ
وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِيرٌ، في يَومٍ مِنَّةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرٍ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِثَّةُ
حَسَنَةٍ، وَمُحِيت عنهُ مِئَةُ سَيْئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَان يَومَهُ
ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّ رَجُلٌ عَمِلَ
أَكْثَرَ مِنْهُ))، وقال: ((مَنْ قالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ
مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ)) متفقٌ عليهِ.
* قوله پيچار: «كانت له عدل عشر رقاب»:
(ق): يعني أن ثواب هذه الكلمات بمنزلة ثواب من أعتق عشر
رقاب، وقد ورد: أن مَن أعتق رقبةً واحدةً أعتق اللهُ بكل عضو منها عضواً
من النار، ثم يراد مع ذلك كتب له مئة حسنة، ومحو مئة سيئة، يُجمَع ذلك
كلُّه له، وكلُّ واحدة من هذه الحسنات مضاعفةٌ بعشر كما قال: ((مَنْ جَاءَ
بالحَسَنَةِ؛ فَلَهُ عَشْرُ أَمَثالِها»، وهذا الحديث وجميع ما في الباب من
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٢).
٢١
الأحاديث تدلُّ على أن ذكر الله تعالى أفضلُ الأعمال كلِّها، وقد صرّح بهذا
قوله: ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك))،
وأنصُّ ما في هذا الباب ما خرَّجه مالكٌ من حديث أبي الدرداء قال: ((أَلاَ
أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيككُمْ، وأَرفَعِها فِي دَرَجَاتِكُمْ،
وخَيْرٌ لَكُمْ من إعطاءِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخَيرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلَقَوا عَدُوَّكُمْ
فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُم، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟)) قالوا: بلى، قال: ((ذكْرُ اللهِ)، وقد
رواه الترمذي مرفوعاً.
* وقوله: ((وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي))؛
يعني: أن الله يحفظه من الشيطان في ذلك، فلا يقدر منه على زَلَّة ولا
وَسْوسة ببركة تلك الكلمات، وهذه الأجور العظيمة إنما تحصل كاملة لمن
قام بحق هذه الكلمات فأحضر معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتَع
زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين، وإن لم يكن؛ فإلى علم اليقين،
وهذا هو الإحسان في الذكر؛ فإنه من أعظم العبادات، كما في حديث:
(الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) .
* قوله: «إلا رجل عمل أکثر منه»:
(ن): فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مئة مرَّةٍ في اليوم؛
كان له هذا الأجرُ المذكور والزيادةُ عليه، وليس هذا من الحدود التي نهي
عن اعتدائها والمجاوزة عن أعدادها، وأن زيادتها لا فضل فيها أو يبطلها؛
كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، يحتملُ أن يكون المرادُ
بالزيادة ما أتى [به] من أعمال الخير لا من التهليل، ويحتملُ أن يكون
٢٢
المراد مطلقَ الزيادة، سواء كانت من التهليل، أو من غيره، أو منه ومن
غيره، وهذا الاحتمالُ أظهر والله أعلم(١).
وظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور لمن قال
هذا التهليل مئة مرة، سواء قاله متواليةً، أو متفرقةً في مجالس، أو
بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في
أول النهار، فيكون حرزاً له في جميع نهاره، وقوله: ((ومحيت عنه مئة
سيئة))، وفي حديث التسبيح: ((حُطَّتْ خَطَايَاهُ وإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدٍ
البَحْرِ))، ظاهره أن التسبيح أفضل، وقد قال في حديث التهليل: ((وَلم
يأتِ أحدٌ بأفضل ممَّا جَاءَ بهِ))، قال القاضي في الجواب [عن هذا]: إن
التهليل المذكور في الحديث أفضلُ، ويكون ما فيه من زيادة الحسنات
ومحو السيئات، وما فيه من فضل عتق الرقاب، وكونه حرزاً من الشيطان
زائداً على فضل التسبيح وتكفير الخطايا، لأنه قد ثبت أن من أعتق
رقبةً، أعتقَ اللهُ بكل عضوٍ منها عضواً منه من النار(٢)، وقد حصل بعتق
رقبة واحدة تكفير جميع الخطايا مع ما يبقى له [من] زيادة عتق الرقاب
[الزائدة على الواحدة] و[مع] ما فيه من زيادة مئة درجة، وكونه حرزاً
من الشيطان، ويؤيده الحديث الصحيح: ((أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ
مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ)) (٣) الحديث، وقيل: إنه اسم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧ - ١٨).
(٢) رواه البخاري (٢٣٨١) من حديث أبي هريرة
(٣) رواه الترمذي (٣٥٨٥) من حديث عبدالله بن عمرو العاص حوله. وهو حديث
حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٥٣٦).
٢٣
الله الأعظم، وهي كلمة الإخلاص(١).
(ط): الاستثناء في قوله: ((إلا أحد)) منقطعٌ، فالتقدير: لم يأت أحد
بأفضل مما جاء به، لكن قال رجل بمثل ما قاله، فإنه يأتي بمساوٍ له،
ولا يستقيم أن يكون متصلاً إلا على التأويل، نحو قول الشاعر:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ
إِلَّ اليَعَافِيرُ وَإِلاَّ العِيْسُ
١٤١١ - وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ◌َ﴿هِ، عَنِ النبيِّ ◌ِلََّ،
قالَ: ((مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ
الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ: كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ
أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنَ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ)) متفقٌ عليهِ.
* قوله وقيفي: ((كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل)):
(ق): لمَّا كان الذاكرون في إدراكاتهم [و]فهومهم مختلفين؛ كانت
أجورُهم على ذلك بحسب ما أدركوا، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور
والثواب المذكور في أحاديث الأذكار؛ فإنك تجدُ في بعضها ثواباً عظيماً
مضاعفاً، وتجدُ تلكَ الأذكارَ بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقل؛ كما في
حديث أبي هريرة وأبي أيوب؛ فإنه قال: ((مَنْ قَالَ ذَلكَ في يوم مئة مرَّةٍ؛ كانَتْ
له عدْلَ عَشْرِ رقَابٍ))(٢)، وفي حديث أبي أيوب: ((من قالها عشرَ مرات؛ كانت
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٥٩).
(٢) رواه البخاري (٣١١٩).
٢٤
له عدْلَ أربع رِقَابٍ))(١)، وعلى هذا فمن قال ذلك: مئة مرة؛ كانت له عدل
أربعين رقبة، فيرجع الاختلاف الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذاكرين،
وبهذا يرتفع الاضطراب بين أحاديث هذا الباب، والله الموفق للصواب (٢).
١٤١٢ - وعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴿ه، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَا
أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلامِ إلى الله؟ إِنَّ أَحَبَّ الكَلَامِ إِلَى الله: سُبْحَانَ اللهِ
وَبِحَمْدِهِ) رواه مسلمٌ.
* قوله {ێ: «أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده) :
(ن): هذا محمول على كلام الآدمي، وإلا؛ فالقرآن أفضل، وكذا
قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأما المأثور في وقت، أو
حال، أو نحو ذلك؛ فإن الاشتغال به أفضل(٣) .
(ق): هذا الحديث موافق لقوله ◌َله وقد سئل أي الكلام أفضل؟
قال: ((مَا اصطَفَى اللهُ لملائكتِهِ أو لعبَادِهِ سبحانَ الله وبحمدِهِ))(٤)، لكن
يعارضه حديث أبي هريرة في فضل التهليل: ((وَلَمْ يَأتِ أحدٌ بأفضلَ ممَّا
(١) رواه الترمذي (٣٥٥٣). وهو حديث حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب
والترهيب)» (٤٧٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٠ - ٢١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤٩).
(٤) رواه مسلم (٢٧٣١ / ٨٤)، من حديث أبي ذر ظ
٢٥
جاءَ بهِ)) الحديث(١)، وقوله: ((أَفَضَلُ ما قلتُ أنا والنبيُّونَ من قبلي: لاَ إلهَ
إلاَّ الله)(٢)، وقد روى سمرة بن جندب أن رسول الله وَّ﴾ قال: ((أَحبُّ
الكلامِ إلى اللهِ سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلاَّ اللهُ واللهُ أكبرُ، لا يضرُّكَ
بأيِّهنَّ بدأْتَ))، رواه مسلم (٣)، فقد قضى هذا الحديث بأن الأربعة متساوية
في الأفضلية والأحبية من غير مراعاة تقديم بعضها [على بعض]
ولا تأخيره، وأن التسبيح وحده لا ينفرد بأفضلية، ولا التهليل أيضاً ينفرد
بها، وإذا ثبت ذلك؛ فحيث أطلق أن أحد هذه الأذكار الأربعة أفضل
الكلام أو أحبه، فإنما يريد إذا انضمت إلى أخواتها الثلاث المذكورة في
هذا الحديث، إما مجموعة في اللفظ أو في القلب بالذكر؛ لأن اللفظ إذا
دلّ على واحد منها بالمطابقة؛ دلَّ على سائرها باللزوم، وبيان ذلك: أن
معنى ((سبحان الله)): البراءة له من كل النقائص، والتنزه عما لا يليق
بجلاله، ومن جملتها تنزيهه عن الشركاء والأنداد، وهذا معنى لا إله إلا
الله، وهذا مدلول اللفظ من حيث مطابقته، ولما وجب تنزيهه عن صفات
النقص؛ اتصف بصفات الكمال، ووجبت له العظمة والجلال، وهو معنى
الله أكبر، فقد ظهر لك أن هذه الأربعة الأذكار متلازمة في المعنى، وأنه
شملها لفظ الأحبية كما جاء في الحديث، فمن نطق بجميعها؛ فقد ذكر الله
بأحب الكلام إلى الله لفظاً ومعنىّ، ومن نطق بأحدها؛ فقد ذكر الله ببعض
(١) رواه البخاري (٣١١٩).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٨٥)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. وهو حديث
حسن. وقد سلف قريباً.
(٣) رواه مسلم (٢١٣٧ / ١٢).
٢٦
أحب الكلام نطقاً وبجميعها معنیّ من جهة اللزوم الذي ذكرناه، فتدبر هذه
الطريقة؛ فإنها حسنة، وبها يرتفعُ التعارضُ المُوهِم من تلك الأحاديث،
والله أعلم، ولم أجد في كلام المشايخ ما يُقنع، وقد استخرت الله فيما
ذكرته، انتھی(١).
لم يتعرض الشارح لدلالة التسبيح على الحمد بالالتزام لظهوره؛ إذ
(الحمد): هو الثناء على الجميل الاختياري على وجه التعظيم، وكلُّ مَن
سبَّح الله؛ فقد حمدَهُ.
١٤١٣ - وعَنْ أَبِي مالِكِ الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴿ُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ :
((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ، وَالحَمْدُ لِلهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ،
وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأَانِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) رواهُ
مسلم.
قوله وَل: ((الطهور شطر الإيمان))، سبق فى (الباب الثالث).
١٤١٤ _ وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ه، قَالَ: جاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى
رَسُولِ اللهِوَّهِ، فقالَ: عَلَّمْنِ كَلاماً أَقُولُهُ، قَالَ: ((قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ
وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وسُبْحَانَ اللهِ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ /٥٩ - ٦٠).
٢٧
رَبِّ العَالَمِينَ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ))، قالَ:
فَهَؤُلاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْني،
وَاهْدِنِي، وَارْزُقْني)) رواهُ مسلمٌ.
* قوله : ((الله أكبر كبيراً):
(ن): ((كبيراً) منصوب بفعل محذوف؛ أي: كبَّرتُ كبيراً، أو ذكرتُ
کبیراً(١).
(ط): يجوز أن يكون حالاً مؤكدة؛ كقولك: زيدٌ أبوك عطوفاً(٢).
(ق): ((الحمد لله كثيراً) نصب على أنه مصدر لمفعول محذوف؛
كأنه قال: حمداً كثيراً.
وقوله: ((فهؤلاء لربي))؛ أي: هؤلاء الكلمات هي حق الله تعالى؛ إذ
هي أوصافه، ((فما لي)؛ أي: فما الذي أذكره لحقي وحظي، فدلَّهُ مَّز على
دعاء شمل له مصالح الدنيا والآخرة فقال: ((قل: اللهمَّ؛ اغفر لي ... إلى
آخره))؛ أي: اغفر ذنوبي السالفة، وارحمني بنعمك المتوالية، واهدني إلى
السبيل الموصل إليك، وارزقني ما أستعين به على ذلك تغنيني عن غيرك،
وعافني عما ينقص لي شيئاً من ذلك أو ينقصه، انتهى(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٣).
٢٨
١٤١٥ - وعَنْ ثَوبَانَ ﴿هَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِذَا انْصَرَفَ
مِنْ صَلاَتِهِ، اسْتَغْفَرَ ثَلاَثاً، وقالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ
السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ)).
قِيلَ لِلأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ رُواِ الحَديثِ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟
قالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ الله. رواهُ مسلمٌ.
* قوله: ((استغفر ثلاثاً): روى الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في
((الترغيب)) في أداء الأمانة: عن ابن عباس رضيها قال: قال رسول الله وَله:
((أَيُّ عبدٍ صلَّى الفَرِيضةَ واستغفرَ اللهَ رَ عشرَ مراتٍ؛ لم يقُم من مقامه حتى
يَغْفِرَ الله له ذنوبَهُ، ولو كانت مثلَ رملٍ عالجٍ وجبال تِهَامةَ؛
لغفرها(١))، استغفارُ العبد [بعد] سلامه من الصلاة؛ لاستشعار قلبه الحياءَ
والوجلَ من تقصيره في أداء عبادته، وخوفاً أن تكون صلاته غير مقبولة
بسبب ذنب سبق منه، وقد ورد الاستغفار في نهاية كثير من العبادات،
منها: الصلاة، ومنها: الحج، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ الله ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ومنها: آخر عبادات الليل، قال
تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال تعالى: ﴿كَانُواْ
قَلِيلًا مِنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ (٢) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ -١٨]، قال الحسن:
مدُّوا الصلاةَ إلى الأسحار، ثم أخذُوا بالأسحار في الاستغفار، وختم سورة
قيام الليل بقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ الله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]،
(١) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للأصفهاني (١ / ١٧٤).
٢٩
ومنها: آخر العمر، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ Q وَرَأَيْنَ
النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَسَيِّحْ بَحَمْدِرَبِّكَ وَاسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ كَانَ
تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]، أنزلت عليه وَ ﴿ بعدما بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ،
ونصح الأمةَ، وجاهد في الله حقَّ جهاده، ولقِيَ من أذى المشركين ما لقِيَ،
فهو في آخر عمره مأمورٌ بالاستغفار، فكيف بالمذنب المخلِّط؟
ومنها: آخر الجهاد، قال تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَاَلْمُهَجِينَ وَاُلْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ
اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، نزلت في غزوة تبوك، وهي آخر
غزواته بَّه، ومنها: آخر المجلس، قال ◌َّ: ((مَنْ جَلَس مَجلِساً كثُر فيه لغطُهُ
فقال قبل أن يقوم من مجلسِهِ ذلك: سبحانك اللهمَّ وبحمدكَ، أشهدُ أن لا إله
إلا أنت، أستغفرُكَ وأتوبُ إليك إلا غُفِر له ما كان في مجلسِهِ ذلك))، رواه أبو
داود والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب(١).
* قوله مَّ: ((أنت السلام)):
(تو): أي: أنت السالم من المعائب، والحوادث، والتغيُّر، والآفات،
و (منك السلام))؛ أي: منك يُرجَى ويُستَوهب ويُستفاد، وأرى قوله: ((ومنك
السلام)) وارداً مورد البيان لقوله: ((أنت السلام)»، وذلك أن الموصوف
بالسلامة فيما يتعارفه الناس لمَّا كان هو الذي وجد بعُرضَة آفة ممن يصيبه
بضرر، وهذا مما لا يتصور في صفات الله تعالى؛ بيَّن أن وصفَهُ سبحانه
بالسلام لا يشبه أوصاف المخلوقين؛ فإنهم بصدد الافتقار، وهو المتعالي عن
(١) رواه أبو داود (٤٨٥٧)، والترمذي (٣٤٣٣)، من حديث أبي هريرة بنظُه.
٣٠
ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها، ويبسطها ويقبضها، لا يبدأ
إلا منه، ولا يعود إلا إليه(١).
(ط): ((أنت السلام))؛ أي: أنت المختص [به] لا غيرك؛ لتعريف
[الخبر] و((منك السلام)) [معناه أن غيرك في معرض النقصان والخوف، مفتقرٌ
إلى جنابك بأن تؤمِّنه، ولا ملاذ له غيرك](٢)، فدل على التخصيص تقدیمُ
الخبر على المبتدأ، وفي بعض الروايات: ((وإليكَ يَعودُ السَّلامُ))؛ يعني إذا
شُوهد في الظاهر أن أحداً آمنَ غيرَهُ؛ فهو في الحقيقة راجعٌ إليك وإلى توفيقك
إياه، وأنه غير مستقلّ به، ومن ثمَّ قُدِّم المعمول على عامله(٣).
(تو): ((تبارك)) تفاعل من البركة، والمعنى: كثرت خيراتك الإلهية،
واتسعت، وذهب بعضهم في معناه إلى البقاء والدوام، وذهب بعضهم إلى
الجلال والعظمة، وقيل: باسمِهِ وذكرِهِ تنالُ البركة، ومعنى ((ذو الجلال
والإكرام)»: المستحق لأن يُهاب لسلطانه، ويُثنى عليه بما يليق بعلو شانه
و(الجلال) مصدر الجليل، يقال: جليل بيِّنُ الجلالة والجلال، والجلالة:
عظم القدر، والجلال: التناهي في ذلك، (الإكرام) مصدر أكرم يكرم،
فالمعنى: أن الله تعالى يستحق [أن] ◌ُجَلَّ ویکرم، ویحتمل أن يراد به إكرام
أهل ولايته بالتوفيق لطاعته في الدنيا، وإجلالهم بقبول الأعمال ورفع
الدرجات في الآخرة، ويحتمل أن يكون الجلال مضافاً إلى الله تعالى بمعنى
الصلة، والإكرام مضافاً إلى العبد بمعنى الفعل منه، ونظيره في التنزيل:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٥٧).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٣٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٣٣).
٣١
﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فأحد الأمرين ينصرف إلى الله على
معنى الصفة، وهو المغفرة، والآخر إلى العباد بمعنى الفعل، وهو التقوى.
١٤١٦ - وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ِ كَانَ إِذا
فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ
المُلْكُ، ولَهَ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا
أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» متفقٌ
علیه .
* قوله ◌َّ: ((اللهمَّ لا مانع لما أعطيت)):
(ن): هذا الدعاء له فضيلة ظاهرة، فينبغي للعبد أن يحافظ عليه؛ لأنه
قد أخبر الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحق ما قاله العبد؛ لما فيه من
التفويض إلى الله والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول
ولا قوة إلا بالله، وأن الخير والشر منه، والحث على الزهادة في الدنيا،
والإقبال على الأعمال الصالحة، و«الجدُّ»: المشهور فيه فتح الجيم، وروي
بالكسر وضعَّفه الطبري، ومعناه على ضعفه الاجتهاد؛ أي: لا ينفع ذا
الاجتهاد منك اجتهادُه، إنما ينفعه وينجيه رحمتك، وقيل: المراد
السعي التام في الحرص على الدنيا، وقيل: معناه الإسراع في الهرب؛ أي:
لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هربه؛ فإنه في قبضتك وسلطانك،
والصحيح المشهور الجَد بالفتح، وهو الحظُّ، والغنى، والعظمة،
والسلطان؛ أي: لا ينفع ذا الحظّ في الدنيا بالمال والولد والسلطان منه حظّ ؛
٣٢
أي: لا ينجيه حظُّ: منك، وإنما ينفعه وينجيه العملُ الصالح؛ كقوله تعالى:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الكهف:
٤٦](١) .
(تو): يعني [بـ] ((منك)) عندك؛ إذ معنى الجد الغنى، انتهى.
قال في ((الفائق)): ((منك الجد)): (من) فيه مثله في قولهم: هو من
ذاك؛ أي: بدل ذاك، ومنه قوله:
فَلَيْتَ لنَا مِنْ مَاءِ زَمَزَمَ شَرْبةً
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَّةً فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾
[الزخرف: ٦٠]، والمعنى: أن المحظوظ لا ينفعه حظّه بذلك؛ أي: بدل
طاعتك وعبادتك(٢).
(غب): المعنى لا يتوصل إلى ثواب الله تعالى في الدار الآخرة
بالجد، وإنما ذلك بالجد في الطاعة، وقيل: أراد بالجد أبا الأب؛ أي:
لا ينفع أحداً نسبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١](٣).
(ط): الحظُّ أمرٌ، ونفعهُ أمرٌ، فلما قال ◌َّ: ((لا مانع لما أعطيت،
ولا معطي لما منعت))، وفهم أن معطي الحظ ومانعه هو الله تعالى ليس
غيرهُ؛ أتبعهُ بقوله: ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد))؛ إشعاراً بأن ذلك الحظّ
المُعطَى لا ينفعُ المُعطَى له إذا لم يُمكنه الله تعالى من استيفاء النفع، فكم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٩٥).
(٢) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (١ / ١٩٣).
(٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص٨٩).
٣٣
ترى من عالمٍ وغنيٍّ ذي حظّ عظيمٍ في علمه وماله، لا ينتفعُ به إذا لم يوفقه
اللهُ للعمل والإنفاق(١).
١٤١٧ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا -:
أنَّهُ كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: ((لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ
لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، لَهُ
النِّعْمَةُ، وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثََّاءُ الحَسَنُ. لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ)). قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
يُقَلِّلُ بِهِنَّ دُبْرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكتوبة. رواه مسلمٌ.
* قوله {قال: «مخلصين له الدین»:
(ط): ((مخلصين)) حال عامله محذوف، وهو الدال على مفعول
(كره)؛ أي: نقول: لا إله إلا الله حال كوننا مخلصين [له الدين] ولو كره
الكافرون قولنا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]، و((الدين)) مفعول به لـ ((مخلصين))، ((وله)) ظرف
له، قدِّم للاهتمام(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠١٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٥٨).
٣٤
١٤١٨ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ : أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا
رَسُولَ اللهِّهِ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ بِالذَّرَجَاتِ العُلاَ، وَالَّعِيمِ
المُقِيمِ: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ
أَمْوَالٍ: يَحُجُّونَ، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ. فَقَالَ:
(أَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ،
وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُم؟))، قالوا:
بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: ((تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ. وَتُكَبِّرُونَ، خَلْفَ
كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثاً وثَلاثِينَ)).
قَالَ أَبُو صَالِحِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةٍ
ذِكْرِهِنَّ، قالَ: يَقُولُ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، والله أَكْبَرُ، حَتَّى
يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلاثَاً وَثَلاَئِينَ. متفقٌ عليه.
وزادَ مُسْلمٌ في روايتِهِ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى
رَسُولِ اللهِّهِ، فَقالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنا، فَفَعَلُوا
مِثْلَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)» .
١٤١٩ - وَعَنْهُ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ قَالَ: ((مَنْ سَبَّحَ اللهَ في دُبُرِ كُلِّ
صَلاةٍ ثَلَاثاً وثلاثين، وحَمِدَ اللهَ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ ثلاثاً وثلاثينَ،
وقالَ تمَامَ المئةِ: لا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، لهُ المُلكُ، ولهُ
الحمْدُ، وهوَ على كل شيءٍ قديرٌ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وإنْ كانت مثلَ
زَبَدِ البَحْرِ ))، رواه مسلمٌ.
٣٥
((الدُّنُورُ)): جَمعُ دَثْر - بفتحِ الدّالِ وإسكانِ الثاءِ المثلَّثَةِ -،
وهو : المَالُ الکثیرُ.
قوله: ((ذهب أهل الدثور بالأجور))، سبق في (الباب الرابع
والستين).
* قوله: «ثلاثاً وثلاثين مرة» :
(ط): يحتمل أن يكون المجموع هذا المقدار، وأن يكون كلٌّ منهما
يبلغ هذا العدد(١).
(ن): ذكر [بعد] هذه الأحاديث من طرق غير [طريق] أبي صالح،
وظاهرها أنه يسبح ثلاثاً وثلاثين مستقلة، ويحمد كذلك، وأما قول سهيل:
((إحدى عشرة إحدى عشرة))؛ فلا ينافي رواية الأكثرين: ((ثلاثاً وثلاثين))،
بل معهم زيادة يجب قبولُها(٢).
(ق): فيه أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة للدعاء والأذكار، يُرتجى
فيها القبولُ، ويُبلَغُ ببركة التفرغ لذلك إلى كل مأمول(٣).
١٤٢٠ - وعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ◌َُهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ،
قَالَ: ((مُعَقِّبَاتٌ لاَ يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ: فَاعِلُهُنَّ - دُبْرَ كُلِّ صَلاةٍ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٦٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٩٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٢١٥).
٣٦
مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثاً وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعاً
وَثَلاَئِينَ تَكْبِيرَةً)) رواه مسلمٌ.
* قوله واحد: ((معقبات)):
(تو): أي: بعضها يعقب بعضاً، والمعقبات: اللواتي يقمن عند
أعجاز الإبل، المعتركات على الحوض، وإذا انصرفت ناقة؛ دخلت
مكانها أخرى، وهي الناظرات العقب، فلذلك هذه التسبيحات كلَّما مرَّت
کلمةٌ؛ باتت مكانها أخرى.
(نه): سميت [معقبات]؛ لأنها عادت مرة بعد مرة، أو لأنها عقب
الصلاة، والخيبة: الحرمان والخسران، وقد خاب يخيب ويخوب(١).
(قض): قد يقال للقائل: فاعلاً؛ لأن القول فعل من الأفعال(٢).
(ط): لا يستعمل الفعل مكان القول إلا إذا صار القول مستمراً ثابتاً
راسخاً رسوخ الفعل، كما قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ
بِهٌِ﴾ [الزمر: ٣٣]؛ أي: تكلم بالصدق، وصدَّقه بتحرِّي العمل به، و(معقبات)
يحتمل أن يكون صفةً مبتدأ أقيمت مقام الموصوف؛ أي: [كلمات] معقبات،
و(لا يخيب) خبرهُ، و(دبر) ظرف، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون
متعلقاً بـ (قائلهن لا يخيب)، ويحتمل أن يكون ([لا يخيب] قائلهن) صفة
(معقبات)، و(دبر) صفة أخرى، أو خبراً آخر، أو متعلقاً بـ (قائلهن)(٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٦٧)، (٢ / ٩٠).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣١٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٦٠).
٣٧
(ق): لم يذكر في هذه الرواية تمام المئة، وذكره في رواية أخرى
وعيَّن أنه التهليل، وفي رواية [كعب]: أن زيادة تكبيرة كملت المئة، وهذا
يدلّ على عدم تعين ما تُكمَّل به المئة، بل أي شيء قال من ذلك؛ حصل له
ذلك الثواب، انتھی(١).
قال جماعة من العلماء: شرطُ حصول ما رتَّبه الشرع على هذه
الأذكار، عدمُ الزيادة عليها والنقص منها، فلو زاد أو نقص لم يحصل له
ثواب هذا الذكر، ومما يدلّ على ذلك قوله ◌َّهِ: ((فَلا يكُونُ أحدٌ أفضلَ
منكُم إلاَّ ما صنَعَ مثلَما صنَعتُم)(٢)، ولم يقل لهم: أو زاد كما في الحديث
المتفق على صحته: «مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلكُ،
ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يوم مئة مرةٍ؛ كانت له عدلَ عَشْر
رِقَابٍ)) الحديث، إلى أن قال: ((ولَم يأتِ أحدٌ بأفضلَ ممَّا جاءَ بهِ إلَّ رجلٌ
عمِلَ أكثرَ منهُ))(٣)، فأما ما لم يرد فيه أن يزيد: فلا ينبغي الزيادة عليه لأمرين
أحدهما: الأدب مع الله ورسوله في الاقتصار على العدد المذكور،
والثاني: لأجل الثواب المترتِّب على ذلك، ولعل أن يكون في ذلك العدد
سرٌّ من الأسرار التي لا يعلمُها إلا الله ورسوله، فيفوتُ ذلك السُّ بالزيادة،
ولا يتخيَّلُ متخيِّلٌ أنه كلما أكثر العمل أو التعب؛ كثرُ الأجر، فهذا في غير
المقيد من الشرع بعدد، وقد يكون القليل أفضل من الكثير؛ كقصر الصلاة
في السفر الطويل، والجمعة في حق أرباب الأعذار، والطواف بقرب البيت
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢١٤).
(٢) رواه مسلم (٥٩٥ / ١٤٢)، من حديث أبي هريرة طه.
(٣) رواه البخاري (٦٠٤٠)، من حديث أبي هريرة ◌ُه.
٣٨
إن كان البعيد أكثر عملاً وأعظم مشقة، ومما نحن فيه قول الرجل:
يا رسول الله؛ ما لقيت من عقرب لدغتني، [فقال له رسول الله ( صليوم]: ((أمَا
لو قُلتَ حينَ أمسيتَ: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ من شرِّ ما خَلَق ثلاثاً لم
يَضُركَ))(١)، فلو زاد القائل على الثلاث؛ فاته ذلك، ولو تتبع الشخص
الأحاديث؛ وجد من هذا كثيراً، فهذه أسرارٌ في هذه الأذكار مخصوصةٌ
بالأعداد التي عيَّنها الشارعُ تفوتُ بالزيادة كما تفوت بالنقصان، ومن العقل
لو أن مخبراً عدلاً أخبر أنك لو مشيتَ في الموضع الفُلاني إلى جهةٍ عيَّها؛
وجدت كنزاً، إن كان يَسوُغ للعاقل الزيادةُ على الخطوات، فكلام الشارع
أولى وأحرى، أفاده الشيخ جمال الدين محمد بن ظهيرة المخزومي
القرشي في بعض تعالیقه.
١٤٢١ - وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
كَانَ يَتَعَوَّذُ دُبْرَ الصَّلَوَاتِ بِهِؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: ((اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ
مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَةَ إِلَى أَرْذَل العُمُرٍ، وَأَعُوذُ
بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ)) رواه البخاريُّ.
* قوله: ((من الجبن)) :
(ط): الجود إما بالنفس وإما بالمال، ويسمى الأول: شجاعةً،
ويقابلها الجبنُ، والثاني: سخاوةً، ويقابلُها البخلُ، ولا تجتمع الشجاعة
(١) رواه مسلم (٢٧٠٩ / ٥٥)، من حديث أبي هريرة.
٣٩
والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا تنعدمان إلا من متناهٍ في النقص(١).
(نه): ((أرذل العمر)): آخره؛ أي: في حال العجز والخرف، والأرذل
من كل شيء الرديءُ منه (٢).
(ط): المطلوب عند المحققين من العمر التفكر في آلاء الله ونعمائه
تعالى من خلق الموجودات، فيقيموا بموجب الشكر بالقلب والجوارح،
والخرف الفاقد لهما، فهو كالشيء الرديء الذي لا ينتفع به، فينبغي أن
يُستعاذ منه(٣).
(ك): ((أرذل العمر)): الهرم، حيث ينكس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ
تُعَمِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِ الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، قال تعالى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى
أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئًاً﴾ [الحج: ٥](٤).
فإن قلت: المرادُ بطوله الممدوحِ ما لم ينكس، وقد ثبت في
الحديث: ((السعادةُ كلُّ السعادةِ طولُ العمُرِ في طاعة الله))(٥).
قلت: المراد بطوله الممدوح ما لم يُنَكَّس، ويبقى على علمه،
ويقوى على طاعته.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٥٨).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢١٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٥٨).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٢ / ١٢١).
(٥) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣١٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٢٤٠٧).
٤٠