Indexed OCR Text
Pages 581-600
مبالغة في التبليغ؛ أي: ولو كان المبلَّغ والمؤدى فعلاً، أو إشارة باليد، أو الأصابع، وها هو محمد بن إسماعيل البخاري عقد باباً طويلاً في هذا المعنى(١). (مظ): في الآية معان كثيرة، منها: أن يراد بها الكلام المفيد، نحو ((من صمَتَ نجا))(٢)، و((الدين النصيحة))(٣)؛ أي: بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة، ومنها: التحريض على نشر العلم، ومنها: جواز تبليغ بعض الحدیث، کما هو عادة صاحب ((المصابیح)) و ((مشارق الأنوار))، ولا بأس به؛ إذ الغرض تبليغ لفظ الحديث مفيداً، سواء كان تاماً أو لا، فإن قيل: لمَ حرَّضَ النبي ◌َّه على تبليغ الأحاديث دون القرآن؟ قلنا: لوجهين: أحدهما: أنه أيضاً داخل في هذا الأمر؛ لأنه وَّ مبلغهما، وثانيهما: أن طباع المسلمين مائلةٌ إلى قراءة القرآن، وتعليمه، وتعلمه، ونشره، ولأنه قد تكفَّل الله بحفظه واشتهاره، فلا يحتاج إلى التحريض. * قوله: ((ولا حرج)): (الحرج): الضيق والإثم، رخص صلوات الله عليه في التحدث عن بني إسرائيل وإن لم يعلم صحته بالإسناد والراوي؛ لبعد الزمان بينهم، فإن قيل: قد ورد النهيُ عن الاشتغال بما جاء عنهم، وقيل فيه: ((أَمتهوِّكُونَ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢/ ٦٥٩). (٢) رواه الترمذي (٢٥٠١)، من حديث عبدالله بن عمرو ﴾، وهو حديث صحيح. انظر: «صحیح الترغيب والترهيب)» (٢٨٧٤). (٣) رواه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري . ٥٨١ أنتم؟))(١) ورخص هنا، فكيف التوفيق؟ قلنا: المراد بالتحدث [هنا: التحدث] بقصصهم؛ من قتلهم أنفسهم لتوبتهم من عبادة العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، ونحو ذلك؛ لأن في ذلك عبرةً وموعظةً لأولي الألباب، وأما النهي فوارد على كَتْب التوراة وما يتعلق بالعمل من الأحكام؛ لأن جميع الشرائع والأديان والكتب منسوخةٌ بشريعة نبينا صلوات الله عليه(٢) . (تو): ويحتمل أنهم تعجبوا بما حدِّثوا به عن بني إسرائيل من جلائل الأمور وعظائم الشؤون، حتى تحرَّجوا عن التحدث به؛ خشية أن يفضي بهم ذلك إلى التفوه بالكذب، فقال: ((حَدِّثُوا عن بَنِي إسرَائِيلَ ولاَ حَرَجَ، فقد كانَ فيهمُ الآيَاتُ الغَرِيبةُ))، وهو مثل قولهم: حدث عن البحر ولا حرج. (قض): قال: ((ولو آية)) ولم يقل: حديثاً إما لشدة اهتمامه بنقل الآيات؛ لأنها هي الباقية من بين سائر المعجزات، ولأن حاجتها إلى الضبط والنقل أمس؛ إذ لا مندوحة لها عن تواتر ألفاظها، وإما للدلالة على تأكد الأمر بتبليغ الحديث؛ فإن الآيات مع اشتهارها، وكثرة حملتها، وتكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها عن الضياع والتحريف، واجبةُ التبليغ مأمورة النقل فكيف الأحاديث؟ فإنها قليلة الرواة، قابلة للإخفاء والتغيير (٣). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٨٧) من حديث جابر ظُه. وهو حديث حسن. انظر: ((إرواء الغليل)) (١٥٨٩). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٢٩٧ - ٢٩٩). (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٤٥ - ١٤٦). ٥٨٢ (حس): ليس فيه إباحة الكذب على بني إسرائيل، بل معناه الرخصة في الحديث عنهم، على معنى البلاغ من غير أن يصح ذلك بنقل الإسناد؛ لأنه قد تعذّر في أخبارهم لطول المدة ووقوع الفترة، وفيه إيجاب التحرز عن الكذب على رسول الله وَّ؛ بأن لا يحدَّثَ عنه إلا بما يصحُ بنقل الإسناد والتثبت فيه، قال عبدالله بن المبارك: الإسنادُ منَ الدينِ ولولا الإسنادُ؛ لقالَ مَن شَاءَ ما شَاءً(١). (قض): قول القائل: افعل ولا حرج يفيدُ الإباحة عرفاً، ورفع الحرج المفهوم من قوله: ((أمتهوكون أنتم)) ونحوه، وإنما يجوز التحدث عنهم إذا لم يُرَ كذبُ ما قالوه علماً أو ظناً؛ لقوله ◌َّهِ: ((مَنْ يُحدِّثُ بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فهوَ أحدُ الكَاذِبِينَ))(٢)، (يُرى) بضم الياء بمعنى يظن، وبفتحها من قولهم: فلان يرى من الرأي كذا، وإنما سماه كاذباً؛ لأنه يعين المفتري ويشاركه بسبب نشره وإشاعته(٣). * قوله وقال: ((ومن كذب علي متعمداً؛ فليتبوأ مقعده من النار)): (ن): هذا حديث عظيم في نهاية من الصحة، وقيل: إنه متواتر. ذكر أبو بكر البزار في ((مسنده)): أنه رواه عن رسول الله وَّ ل نحو أربعين نفساً من الصحابة، وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي أنه روي عن أكثر من ستين صحابياً مرفوعاً، وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده عدد رواته فبلغ بهم (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٢٤٤). (٢) رواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (١/ ٨)، والترمذي (٢٦٦٢) من حديث المغيرة بن شعبة ڼڤته . (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٤٦). ٥٨٣ سبعة وثمانین، ثم قال: وغيرهم، وذكر بعض الحفاظ [أنه روي عن اثنين وستين صحابياً]، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا نعلم حديثاً أجمع على رواية العشرة إلا هذا، ولا حديثاً يروى عن أكثر من ستين صحابياً إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مئتان من الصحابة، ثم لم يزل في ازدياد. ومعنى ((فليتبوأ)): فلينزل، وقيل: معناه فليتخذ منزلة من النار، قال الخطابي: وأصله من مَبّاءة الإبل، وهي أعطانها، ثم قيل: إنه دعاء بلفظ الأمر؛ أي: بوَّاهُ اللهُ ذلك، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر معناه فقد استوجب ذلك، فليوطن نفسه عليه، ويدلّ عليه رواية: ((يلجُ النَّارَ)(١)، وفي رواية: (ُِّي لهُ بيتٌ فِي النَّارِ))(٢)، ثم معنى الحديث أن هذا جزاؤه، وقد يُجازى به وقد يعفو اللهُ الكريمُ عنه، ولا يقطع عليه بدخول النار، وهذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، ثم إن جُوزِيَ وأُدخِلَ النار؛ فلا يخلَّدُ فيها إذا مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها بين أهل السنة، وأما الكذب؛ فهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمداً كان أو سهواً، وقالت المعتزلة: شرطه العَمْدية، ودليله خطاب هذه الأحاديث لنا؛ فإنه وَله قيده بالعمدية؛ لكونه قد يكون عمداً، وقد يكون سهواً، مع أن الإجماعَ والنصوصَ المشهورة في الكتاب والسنة [متوافقة متظاهرة] على أنه لا إثم على الناسي والغالط، فلو أطلق ◌َي الكذب؛ لتوهم أنه يأثم الناسي أيضاً فقيده، والروايات المطلقة محمولة على المقيدة. (١) رواه مسلم (١) من حديث علي څبه. (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٢٢) من حديث عمر ﴿ه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٦٩٤). ٥٨٤ وفي هذا الحديث تعظيمُ تحريم الكذب على رسول الله وَّته، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر إلا أن يستحلَّهُ. وقال الشيخ أبو محمد الجُويني والد إمام الحرمين: من كذب عليه وَله عمداً؛ كفر وأريق دمه، وضعف إمام الحرمين هذا القول، ثم إن من كذب عليه وَ﴿ في حديث واحد، فسِّقَ وردّت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب وحسنت توبته، قبلت؛ إذ لا فرق بين الشهادة والرواية، وقال أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحُميدي شيخ البخاري، وأبو بكر الصَّيرفي وأصحاب الوجوه منهم، ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تقبل روايته أبداً، بل يتحتم جرحه دائماً، ولم أر دليلاً لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظاً وزجراً بليغاً عن الكذب عليه بَّ؛ لعظم مفسدته؛ فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة؛ فإن مفسدتهما قاصرة. واعلم أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه وَّ بين ما كان في الأحكام وفيما لا حكم فيه؛ كالترغيب والترهيب والمواعظ، فكله حرام من [أكبر] الكبائر بإجماع من يعتدُّ بهم، خلافاً للكَرَّامية الطائفة المبتدعة أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثير من الجهلة، وشبهتهم أنه جاء في رواية: ((مَنْ كَذَبَ علَيَّ مُتَعمِّداً ليُضِلَّ بِهِ)(١)، وزعم بعضهم أن هذا كذب له ◌َ # لا كذب عليه، وهذا الذي انتحلوه غاية (١) رواه البزار في ((مسنده)) (١٨٧٦) من حديث ابن مسعود رُه. وهو حديث منكر بهذه الزيادة. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٠١١). ٥٨٥ الجهالة، ونهاية الغفلة، وأدلُّ دليل على بُعدِهم عن معرفة شيء من قواعد الشرع؛ فإن ذلك كله عندهم كذب عليه وَلچر . والجواب عما جاء في رواية: (ليُضِلَّ النَّاسَ)) أن هذه زيادة باطلة اتفق الحفاظ على إبطالها، وأيضاً لو صحت؛ لكانت للتأكيد؛ كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِّبًا لِيُضِلَّ اَلنَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. والجواب الثالث: أن اللام في ((ليضل)) ليست لام التعليل، بل هي لام الصيرورة والعاقبة، ومعناه أن عاقبة كذبه ومصيره إلى الإضلال به؛ كقوله تعالى: ﴿َِكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فمعناه: فقد يصير أمر كذبه إضلالاً . وعلى الجملة فمذهبهم أرٌ من أن يُعتَنَى بإيراده، وأفسد من أن يُحتاج إلى إفساده(١). (ق): الجواب الرابع: أن وضعَ الخبر الذي يقصد به الترغيب كذبٌ على الله تعالى في وضع الأحكام؛ فإن المندوب قسم من أقسام الأحكام الشرعية، وإخبارٌ [عن] أن الله تعالى خصَّ ذلك العمل بذلك الثواب، وكل ذلك كذبٌ وافتراءٌ على الله تعالى، فيتناوله عموم قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقد استجاز بعض فقهاء العراق نسبةَ الحكم الذي دلَّ عليه القياسُ إلى رسول الله وَِّ نسبةً قوليةً وحكايةً نقليةً، ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديثَ مرفوعةٍ تشهدُ متونها بأنها موضوعةٌ؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تشبه بجزالة كلام سيد الأنبياء، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٦٨ - ٧١). ٥٨٦ فقد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشملهم ذلك الذم والوعيد(١). (ك): ((فليتبوأ)) بكسر اللام هو الأصل، وبالسكون هو المشهور، قال ابن بطال: التبُؤ إن کان إلی الكاذب؛ فلا شك أنه لا یبوِّئ نفسه وله إلى ترکه سبیل، وإن کان إلی الله تعالی؛ فأمرُ العبد بما لا سبيل له غيرُ جائزٍ؟ الجواب: أنه بمعنى الدعاء؛ أي: بوَّاهُ [الله](٢). (ط): الأمر بالتبوؤ تهكم وتغليظ؛ أي: لو قيل: كان مقعده في النار؛ لم يكن كذلك، وأيضاً فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه؛ أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوؤ(٣). (ك): ويحتمل أن الأمر على حقيقته؛ بأن يكون معناه: من [كذب] فيأمر نفسه بالتبوؤ، ويلزم عليه (٤). (حس): الكذب على النبي وير أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافر على الله تعالى، ولذلك كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن رسول الله وَل؛ خوفاً من الزيادة والنقصان والغلط فيه، حتى إن [من] التابعين مَن كان يهابُ رفعَ المرفوع، فيوقفه على الصحابي ويقول: الكذبُ عليه أهونُ من الكذب على رسول الله وَّر، انتهى(٥). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١١٥). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢/ ١١٢ - ١١٣). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٥٩). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ١١٣). (٥) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٢٥٥). ٥٨٧ روي أن رجلاً جاء إلى قوم فقال: إن رسول الله ولي أمرني أن أحكم فيكم برأيي، وكان هذا الرجل في الجاهلية خطب منهم امرأة فلم يزوجوه، فذهب حتى نزل على أهل الدار، فبعث القوم إلى النبي والله يعلمونه بذلك، فقال: (كَذَبَ عدوُّ اللهِ»، ثم أرسل رجلاً فقال: ((إِنْ وَجَدْتَهُ حرّاً؛ فاضرِبْ عُنقَهُ، ومَا أَراكَ تَجِدُهُ، وإِنْ وَجَدتَهُ مَيتاً؛ فاحْرِقِهُ))، فانطلق الرجل فوجده قد لدغ فمات، فقال رسول الله وَج: ((من كذب علي متعمداً ... )) الحديث، رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَنْ تَقَوَّلَ عليَّ ما لَمْ أَقَلْ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدهُ منَ النَّارِ))، وذلك أنه بعث رجلاً فكذب عليه، فدعا عليه رسول الله وَّهِ، فَوجِدَ ميتاً قدِ انشقَّ بطنُهُ ولم تقبلهُ الأرضُ(١). ١٣٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ» رواهُ مسلمٌ. * قوله ◌َّ: ((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً))، سبق في (الباب التاسع والعشرين). (١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦/ ٢٤٥). والمرفوع منه صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦١٦١). ٥٨٨ ١٣٨٢ - وَعَنْهُ أيضاً ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إلى هُدَى، كانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئاً) رواهُ مسلمٌ. * قوله وَّر: ((من دعا إلى هدى))، سبق في (الباب العشرين). ١٣٨٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلِدٍ صَالِحٍ يَدْعُولَهُ)) رواهُ مسلمٌ. * قوله ◌َّفي: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله))، سبق في (الباب الخامس بعد المئة). ١٣٨٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ ما فِيهَا، إِلَّ ذِكْرَ اللهِ تَعَالى، وَمَا والاهُ، وَعَالِماً، أَوْ مُتَعَلِّماً)) رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حسنٌ. قولهُ: ((وَمَا وَالاهُ)): أي: طَاعَةُ الله. * قوله ريج: ((الدنيا ملعونة))، سبق في (الباب الخامس والخمسين). ٥٨٩ ١٣٨٥ - وَعَنْ أَنَسِ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَرجِعَ) رواهُ التِرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ. * قوله : ((في سبيل الله)): (مظ): يعني من خرج من بيته في طلب العلم، فله أجرُ من خرج للجهاد مع الكفار، ووجهُ مشابهةِ طلبِ العلمِ بالجهاد، أنه إحياءٌ للدين، وإذلالٌ للشيطان، وإتعابٌ للنفس، وكسرٌ للهوى واللذة، انتهى(١). قال بعضهم: حقيقٌ لمن قصرت نفسه على تعلم العلوم الدينية مُشِتًّا عينيه بالسهر، شاغلاً قلبه بالفكر، كاداً يديه بالنسخ، معيياً رجليه بالطواف على أبواب أهل العلم، أن يُسمَّى مجاهداً في سبيل الله. (ط): يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَاَفَّةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، حضَّ المؤمنين على التفقه في الدين، وأمرهم أن ينفر من كل منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى طائفة يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، وفي قوله: ((حتى يرجع)) إشارةٌ إلى أنه بعد الرجوع وإنذار القوم له درجةٌ أعلى من تلك الدرجة؛ لأنه حينئذٍ وارثُ الأنبياء في تکمیل الناقصین، انتھی(٢). ويحتمل أن تكون فائدة ((حتى يرجع)) أن المجاهد في جميع أحواله (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٢٠). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٧٩). ٥٩٠ مجاهدٌ، حتى أوقات اشتغاله بضروريات بدنه؛ من الأكل، والشرب، والنوم، والاستراحات الضرورية، كذلك طالب العلم، وأما بعد الرجوع؛ فليس فيه تعرض لحاله. ١٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﴿هِ، عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ، قالَ: ((لَنْ يَشْبَعَ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْرِ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ» رواهُ الترمذيُّ، وَقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ. * قوله: ((لن یشبع): (ط): شبه استلذاذه بالمسموع باستلذاذه بالمطعوم؛ لأنه أرغب وأشهى، وأكثر إتعاباً لتحصيله، و((حتى)) للتدرج في استماع الخير [والترقي] في استلذاذه، والعمل به إلى أن يوصله إلى الجنة، ويبلغه إليها؛ لأن سماع الخير سبب العمل، والعمل سبب دخول الجنة ظاهراً، ولمَّا كان قوله: ((لن يشبع)) فعلاً مضارعاً يكون فيه دلالة على الاستمرار؛ تعلَّق حتى به (١). (مظ): ((منتهاه))؛ أي: غايته ونهايته، وهو ظرف خبر (يكون)، و(الجنة) [اسمه]؛ يعني يكون المؤمن حريصاً على طلب العلم، ولا يشبع منه ومن لوازم الإيمان. ولهذا كان أئمة الإسلام إذا قيل لأحدهم: إلى متى تطلب العلم؟ قال: من المحبرة إلى المقبرة؛ أي: إلى الممات. (١) المرجع السابق (٢ / ٦٨٠). ٥٩١ وقيل لعبدالله بن المبارك: إلى متى تسمع؟ قال: إلى الموت. وقال أحمد بن حنبل: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر(١). ١٣٨٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴿له: أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ((فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَكُمْ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى: (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وأَهْلَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الَّمْلَةَ في جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ) رواهُ الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ. * قوله : ((كفضلي)): (ط): هذا التفضيل موافق لقوله وَله: ((كَفْضلِ القَمرِ على سَائرِ الكَواكبِ))(٢) من حيث المبالغة؛ فإن المخاطبين بقوله: ((أدناكم)) هم الصحابة، وقد شبهوا بالنجوم في قوله: ((أَصحَابي كالنُّجُومِ)) (٣)، الحديث حسَّنهُ الصنعاني، وشبه صلوات الله عليه بالقمر ليلة البدر؛ كما قال جابر بن سمرة: رأيت رسول الله وَ له في ليلة أضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله وَله وإلى القمر وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن من القمر. (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٢٠). (٢) رواه أبو داود (٣٦٤١) من حديث أبي الدرداء ظه. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٧٠). (٣) حديث موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥٨). ٥٩٢ والمبالغة التي تعطيها ((أدناكم)) يقربُ منها في قوله ◌َّ: ((على سَائرِ الكَواكبِ))؛ لأن فضل القمر على بقية الكواكب [أجمع يستلزم ذلك التفاوت العظيم بين البدر وبين كوكب هو أدنى الكواكب] في الضوء كالسُّها، وهذا التشبيه ينبِّهكَ على أنه لا بدّ للعالم من العبادة، وللعابد من العلم؛ لأن تشبيههما برسول الله ◌َيهر [والصحابة] يستدعي المشاركة فيما فضلوا به من العلم والعمل، وكيف لا والعلم مقدمة للعمل، وصحة العمل متوقفة على العلم. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِ كَتَهُ,﴾ [الأحزاب: ٥٦] جملةٌ مستأنفةٌ لبيان التفاوت العظيم بين العالم والعابد، وأن نفع العابد مقصورٌ على نفسه، ونفعُ العالم متجاوزٌ إلى الخلائق، حتى النملة، وتخصيصها مشعرٌ بأن صلاتها لحصول البركة النازلة من السماء، فإن دأب النملة القنية وادخار القوت في جُحْرها، ثم التدريجُ منها إلى الحيتان وإعادةُ كلمة الغاية للترقي. وأما عطف ((أهل السماوات)) على ((الملائكة))؛ [فتخصيصٌ للملائكة] بحملة العرش وسكان أمكنة خارجة من السموات والأرض من الملائكة المقربين، كما ثبت في النصوص، وفي ((يصلون)) تغليب للعقلاء على غيرهم واشتراك، فإن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الغير الدعاء وطلب الخير(١). (ش): لما كان تعليمُه للناس الخيرَ سبباً لنجاتهم وسعادتهم وزكاة (١) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٢ / ٦٧٤ - ٦٧٥). ٥٩٣ نفوسهم، جازاه الله من جنس عمله؛ بأن جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته وأهل الأرض ما يكونُ سبباً لنجاته وسعادته وفلاحه، وأيضاً فإن معلمَ الناس الخيرَ لمَّا كان مظهراً لدين الله وَ وأحكامه وشرعه، ومعرِّفاً لعباد الله بصفاته وأسمائه، جعل الله من صلاته وصلاة أهل سمواته وأرضه عليه ما يكون تنويهاً به، وتشريفاً له، وإظهاراً للثناء عليه بين أهل السماء والأرض، وذلك للودِّ المجعول له من الرحمن(١). ٠٠ ١٣٨٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴾ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً إلى الجنَّةِ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِما يَصْنَعُ، وَإِنَّ العَالِمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائرِ الكَوَاكِبِ، وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءَ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيناراً وَلا دِرْهماً، وَإِنَّمَا وَرَُّوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ، أَخَذَ بِحَظُّ وَافِرٍ)) رَوَاهُ أَبو داودَ، والترمذيُّ. * قوله ◌َّقى: ((من سلك طريقاً)، سبق في (الباب التاسع والعشرين). * قوله ري: ((وإن الملائكة لتضع أجنحتها»: (ط): وضع الأجنحة يحتمل أن يكون حقيقة وإن لم يشاهد؛ أي: (١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٣). ٥٩٤ تكف أجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع الذكر، كما في الحديث: ((وحَفَّتْ بِهِمُ الملائكةُ))(١)، وأن يكون مجازاً عن التواضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وقيل: معناه المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم. وقوله: ((رضاً لطالب العلم))، مفعول له، ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل، فيقدر مضاف؛ أي: إرادَة رضا (٢). (ش): وضعُ الملائكة أجنحتها لطالب العلم تواضعاً [له]، وتوقيراً وإكراماً لما يحملهُ من ميراث النبوة ويطلبُه، وهو يدلُّ على المحبة والتعظيم له؛ لأنه طالبٌ لما به حياة العالم ونجاته، ففيه شبه من الملائكة، وبينه وبينهم تناسب؛ لأن الملائكة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم؛ لأنهم يستغفرون لمسيئهم، ويثنون [على] مؤمنيهم، ويعينونهم على أعدائهم من الجن والإنس، ويحرصون على مصالح العبد أضعاف حرصه على مصلحة نفسه. قال الإمام مالك بن أنس: معنى ((تضع أجنحتها)): تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلاً من الأيدي. قال الطبراني: سمعت يحيى بن زكريا الساجي يقول: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين، وكان معنا رجل ماجن، متهم في دينه، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها، كالمستهزئ بالحدیث، فما زال عن موضعه حتی جفت رجلاه ووقع إلی الأرض. (١) رواه الترمذي (٣٣٧٨) من حديث أبي هريرة عليه، وهو عند مسلم (٢٦٩٩) بلفظ: ((وحفتهم الملائكة». (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٧٢ - ٦٧٣). ٥٩٥ وروي أن بعض المعتزلة لما سمع هذا الحديث؛ قال: لأطرقنَّ غداً نعلي [بمسامير] فأطأ بها أجنحةَ الملائكة، ففعل ومشى في النعلين، فجفت رجلاه جمیعاً، ووقعت الآكلة في رجليه(١). * قوله : ((وإن العالم)): (ط): أثبت لهم العلمَ وجعلهم معلمينَ بعد أن كانوا متعلِّمين ترقياً، ووصفَهم بما هو أعلى مما وصفَهم أولاً، حيث جعل الموجودات من الملائكة والثقلين وغيرهم حتى الحيتان في البحر مستغفرين لهم، طالبين لتخليتهم مما لا ينبغي ولا يليق لهم من الأوضار والأدناس؛ لأن بركةً علمهم وعملهم وإرشادهم وفتواهم سببٌ لرحمة العالمين. وقوله: ((ليستغفر له)): مجاز من إرادة استقامة حال المستغفر له من طهارة النفس، ورفعه المنزلة، ورخاء العيش؛ لأن الاستغفار من العقلاء حقيقة، ومن الغير مجاز، وذكر الحيتان بعد ذكر الملائكة والثقلين تتميمٌ لاستيعاب جميع الحيوانات، وتخصيصُ الحيتان بالذكر للدلالة على أن إنزالَ المطر وحصولَ الخير والخصب ببركتهم، كما قال: ((بِهمْ يُمْطَرُونَ، وبِهِم يُرزَقُونَ))، حتى الحيتان التي لا تفتقر إلى الماء افتقار غيرها؛ لكونها في جوف الماء، تعيشُ أيضاً ببركتهم(٢). (ش): لما كان العالم سبباً في حصول العلم الذي به راحةُ النفوس ونجاتُها من أنواع المهلكات، وكان نجاة العباد وفوزهم وفلاحهم على (١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٣ - ٦٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٧٣ - ٦٧٤). ٥٩٦ يديه؛ جُوزِيَ من جنس عمله، حتى جعل مَن في السموات ومَن في الأرض ساعياً في أسباب نجاته من المهلكات أيضاً باستغفارهم له، وإذا كانت الملائكة تستغفر للمؤمنين؛ فكيف لا يستغفر لخاصتهم وخلاصتهم وهم العلماء؟ وقيل: سبب هذه الاستغفارات أن العالم يعلِّمُ الخلقَ من الصياد وغيره مراعاةَ هذه الحيوانات، ويعرِّفُهم ما يحلُّ منها وما يحرمُ، ويعلِّمهم كيفيةَ تناولها واستخدامها، وركوبها والانتفاع بها، وكيفيةَ ذبحها على أحسن الوجوه وأرفَقَها بالحيوان، وينهاهم عن ذبحها عبثاً [من] غير حاجة، وعن المثلة بها، والعالم أشفق الناس على الحيوانات، وأقومهم ببيان ما خلق له، وبالجملة فالرحمة والإحسان الذي خلق بهما ولهما الحيوان إنما يُعرَفُ ذلك بالعلم، والمعلِّم معرفٌ لذلك، فاستحقَّ بذلك أن تستغفر له البهائم(١). * قوله يسير: ((وفضل العالم)): (ط): لمَّا ذكر ما يحصل به التخلية عن النقائص؛ عقَّبهُ بما يحصلُ به التخلیة من إثبات النور . (قض): العبادةُ كمالٌ ونورٌ يلازِمُ ذاتَ العابد لا يتخطَّاه، فشابهَ نورَ الكواكب، والعلمُ کمالٌ يوجِبُ للعالم في نفسه شرفاً وفضلاً، ويتعدى منه إلى غيره، فيستضيء بنوره ويكمل بواسطته، لكنه كمالٌ ليس للعالم من ذاته، بل نورٌ يتلقَّاهُ من النبي ◌ََّ، فلذلك شبه بالقمر(٢). (١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٤ - ٦٥). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٥٣). ٥٩٧ (ش): هذا تشبيهٌ مطابقٌ لحال القمر والكواكب؛ فإن القمر يضيء الآفاق، ويمتدُّ نورهُ في أقطار العالم، وهذا حالُ العالم في انتشار علمه، وأما الكوكب فنورهُ لا يجاوز نفسهُ أو ما قرُبَ منه، ومن هذا الأثر المروي: أنه إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله للعابد: ((ادخُلِ الجنَّةَ؛ فإنَّما كانت منفعتُكَ لنفسِكَ، ويقال للعالم: اشفَعْ تشفَّعْ؛ فإنَّما كانت منفعتُكَ للنَّاسِ)(١)، وروى ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس نحوه، وفي التشبيه المذكور لطيفةٌ أخرى، وهي أن الجهل كالليل في ظلمته وحِنْدِسه، فالعلماء والعباد بمنزلة القمر والكواكب الطالعة في تلك الظلمة، وفضل نور العالم فيها على نور العابد كفضل نور القمر على الكواكب، وأيضاً فالدينُ قوامُه وزينتُه وأمنُه بعلمائه وعباده، فإذا ذهبوا؛ ذهب الدين، كما أن السماء أمنتُها وزينتُها بقمرها وكواكبها، فإذا خسف قمرها وانتثرت كواكبها؛ أتاها ما توعد . فإن قيل: فكيف وقع تشبيه العالم بالقمر دون الشمس وهي أعظم نوراً منه؟ قیل : فیه فائدتان : أحدهما: أن نور القمر لمَّا كان مستفاداً من غيره؛ كان تشبيه العالم الذي نورُهُ مستفادٌ من شمس الرسالة أولى. الثانية: أن الشمس لا يختلف حالُها في نورها، ولا يلحقها محَاقٌ ولا تفاوتٌ في الإضاءة، وأما القمر؛ فإنه يقلُّ نورهُ ويكثرُ ويمتلئُ وينقصُ، (١) رواه الخطيب البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) (١ / ١١١)، من حديث أنس ظـ ٥٩٨ كما أنَّ العلماء في العلم كذلك؛ فإنهم فيه على مراتب من كثرته وقلَّتِهِ، فيفضل كلٌّ منهم في علمه بحسب كثرته وقلَّتِهِ، وظهوره وخفائه، كما يكون القمر كذلك، فعالم كالبدر ليلة [تمامه]، وآخرون دونه بليلة، وثانية، وثالثة، وما بعد ذلك إلى آخر مراتبه، وهم درجات عند الله. فإن قيل: تشبيه العلماء بالنجوم أمرٌ معلومٌ، [فكيف وقع تشبيهُهُم هنا بالقمر؟ قيل: أما تشبيهُ العلماء بالنجوم]؛ فلأن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وكذلك العلماء، والنجم زينة للسماء، وكذلك العلماء زينة للأرض، والنجوم جعلت رجوماً للشياطين، حائلةً بينهم وبين استراق السمع؛ لئلا يلبسوا بما يسترِقُونه الوحيَ الوارد إلى الرسل على أيدي الملائكة، وكذلك العلماء جعلوا رجوماً لشياطين الإنس الذي يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غروراً، ولولا العلماء؛ لطمِسَتْ معالمُ الدین بتلبيس المضلين، ولكنَّ الله سبحانه أقامَهم حرَّاساً وحفظةً لدينه؟ وأما تشبيهُهُم بالقمر؛ فذلك إنما كان في مقام تفضيلهم على أهل العبادة المجردة(١) . (ط): لا تظنَّ أن العالمَ المفضل عاطلٌ عن العمل، ولا العابدَ عن العلم، بل إنَّ علمَ ذلك غالبٌ على عمله، وعملُ هذا غالبٌ على علمه، وكذلك جعِلَ العلماءُ ورَّاتَ الأنبياء الذين فازوا بالحسنيين: العلم والعمل، وحازوا الفضيلتين: الكمال والتكميل. (١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٥ -٦٦). ٥٩٩ كتب شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين عمر السُّهرَوَرْدِي إلى الإمام فخر الدين الرازي رحمهما الله: إذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى؛ أمدّته كلمات الله التي تنفد البحار دون نفادها، ويبقى العلم على كمال قوته لا يضعفه ترددُّهُ في تجاويف الأذكار، فتجريه الأفكار، وبسعيه وقوته يتلقى الفهوم المستقيمة، وهذه رتبة الراسخين في العلم، المتوسمين بصورة العمل، وهم ورَّاث الأنبياء عليهم السلام، كبر [عملهم] على العلم، وعلمهم على العمل فتناوب العلم والعمل فيهم حتى صفت أعمالهم ولطفت، فصارت مسامراتٍ سريةً، ومحاوراتٍ روحيةً، فتشكَّلت الأعمالُ بالعلوم؛ لمكان لطافتها، وتشكلت العلوم بالأعمال؛ لقوة فعلها، وسرايتها إلى الاستعدادات، وفي اتباع الهوى إخلادٌ إلى الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّةٌ ﴾ [الأعراف: ١٧٦](١). * قوله وسلم: ((العلماء ورثة الأنبياء)»: (ش): هذا من أعظم المناقب لأهل العلم؛ فإن الأنبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم، ولمَّا كان العلماء يقومون مقام الرسل في تبليغ ما أرسلوه؛ كانوا أحقَّ الناس بميراثهم، وهذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم؛ فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس، وهو العلم، وفيه إرشاد وأمر للأمة بطاعتهم وتعظيمهم وتوقيرهم؛ فإنهم ورثة من هذه الأمور كلها في بعض حقوقهم على الأمة، وفيه تنبيةٌ على أن محبَّتهم من الدين، وبغضهم منافٍ للدين كما هو مورِّثهم، قال علي ◌َظُه: محبة (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٧٣ - ٦٧٤). ٦٠٠