Indexed OCR Text
Pages 541-560
باستحقاقه ثواب الإيمان به، ويدلُّ على ذلك رواية البخاري: ((آمنَ بعيسَى))
بدل (آمن بنبيه)، ويحتمل إجراؤه على عمومه؛ إذ لا يبعد أن يكون طريان
الإيمان به سبباً لقبول تلك الأعمال والأديان وإن كانت منسوخة، كما ورد
أن حسناتِ الكفار ومبراتِهم مقبولةٌ بعد إسلامهم(١).
(تو): النصراني الذي يقول: بالأقانيم الثلاثة، ويتقوَّلُ على نبيه ما لم
يقل، هو لا يستحق الأجرین .
(ط): فائدة (آمن بنبيه) مع كونه معلوماً من أهل الكتاب الإشعار
بعِلِّية الأجر؛ أي: سبب الأجرين الإيمان بالنبيين(٢).
(ك): المرأة الكتابية حكمُها حكمُ الرجل الكتابي بالتبعية كما هو
مطَّردٌ في جلِّ الأحكام(٣).
* قوله: ((والعبد المملوك)»:
(ك): وصفه بالمملوك؛ لأن جميعَ الأناسيِّ عبادُ الله، فأراد تمييزَهُ
بکونه مملوكاً للناس .
فإن قلت: هذا مخالفٌ لسابقه وللاحقه من وجهين: من جهة التنكير
والتعريف، ومن جهة زيادة كلمة (إذا)، والظاهرُ يقتضي أن يقال: عبد أو
رجل مملوك؟
قلت: المعرَّف باللام الجنسي مؤذَّاهُ مؤذَّى النكرة، و(إذا) للظرف،
و(آمن) حال في حكم الظرف؛ إذ معنى جاء زيد راكباً؛ أي: في وقت
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٢ / ٤٥٠).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) (٢ / ٨٨).
٥٤١
الرکوب وفي حاله.
أو نقول: خالف بينهما إشعاراً بفائدة عظيمة، وهي أن الإيمان بنبيه
لا يفيد في الاستقبال، بل لا بدّ من الإيمان في عهده حتى يستحق
الأجرين، بخلاف العبد؛ فإنه في زمان الاستقبال أيضاً يستحق الأجرين،
فجاء بلفظ (إذا) الدالة على معنى الاستقبال.
فإن قلت: لمَ عدل عن لفظ المولى إلى لفظ الموالي؟
قلت: لمّا کان المرادُ من العبد جنسَ العبيد؛ جمع حتی یکون عند
التوزيع لكل عبد مولى؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه، مفيدةٌ
للتوزيع، أو أراد العبدَ المشتركَ بين طائفة مملوكاً لهم(١).
* قوله وَله: «فأدبها»:
(مظ): (الأدب): حسن الأحوال في القيام والقعود، وحسن
الأخلاق، واجتماع الخصائل الحميدة، و((أحسن تأدييها))؛ أي: أدبها من غير
عنف وضرب، بل باللطف والتأني، و((علَّمها)) أي: علَّمها من أحكام الشريعة
ما يجب عليها، وإن زاد أكثر مما يجب عليها؛ کان خیراً، ((فأحسن تعليمها))؛
أي: علَّمها بالرفق وحسن الخلق، وهاهنا إشكال، وهو أنه ينبغي أن يقول: له
أربعة أجور: أحدها: بتأديبها، والثاني: بتعليمها، والثالث: بإعتاقها، والرابع:
بتزوجها، فلمَ قال: ((له أجران)»؟
قلنا: المراد بحصول الأجرين هاهنا بالإعتاق والتزوج؛ لأن التأديب
والتعليم موجبان للأجر في الأجنبي، والأولاد، وجميع الناس، فلم يكن
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٨٨).
٥٤٢
مختصاً بالإماء(١).
(ط): موجب الأجرين إعتاقها وتزوجها فحسب، والتأديب والتعليم
موجبان؛ لاستثهالها الإعتاق والتزوّج؛ لأن تزوُّجَ المرأة المؤدبة المعلمة أكثرُ
بركةً، وأقرب إلى أن تعينَ زوجها على دينه، والشاهد لفظة (ثم)، لكنها تفيد
أن الإعتاقَ والتزوجَ أفضلُ وأعلى رتبةً من التزوج والتعليم؛ لأنهما المقصود
من التأديب والتعليم، والأولى أن يقال: وإن التأديب بالعنف لا يوجب
الأجر؛ كما أن الوطء بدون العتق لا يثبت الأجر؛ لحصوله قبل ذلك في
رواية: ((كانَتْ عندَهُ أَمَةٌ يطَؤُّها))(٢)، و(الفاء) في (فأحسن) للترتيب أيضاً،
لكنها دون (ثم)، كما في قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل.
وقوله: ((فله أجران)) هذا تكرير لطول الكلام؛ اهتماماً بشأن الأمة
وتزوجها، مثله قول الحماسي :
وإنَّ امرأً دامَتْ مواثيقُ عهدِهِ على مثْلِ هذا إنَّهُ لَكَرِيمُ(٣)
(ك): فيه الحضُّ على نكاح عتيقته، وعلى ترك الغلو في أمور الدنيا،
وأن مَن تواضع لله في منكحهِ وهو يقدرُ على نكاح أهل الشرف، فإن ذلك مما
يرجى عليه جزيلُ الثواب(٤).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٧٦).
(٢) رواه البخاري (٩٧) من حديث أبي موسى ظُته.
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٥١).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٩٠).
٥٤٣
٣٠- با
فضل العبادة في الهَرْجِ،
وهو الاختلاطُ والفتنُ ونحوُها
١٣٦٦ - عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّوٍ:
(العِبَادَةُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ). رواهُ مُسْلِمٌ.
* قوله : ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)):
(ن): سبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشغلون
عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد (١).
(ق): والتمسك بالعبادة في الهرج مشابه للمهاجر؛ لأنه فرَّ بدينه
عمن يصده عنه إلى ملازمة النبي ◌ّ، وكذلك هذا المنقطع للعبادة فرَّ من
الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه،
وفرَّ من جميع خلقه(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٨٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٠٩).
٥٤٤
٢٣٧- باب
فضلِ السماحةِ في البيع والشراءِ، والأَخْذِ والعَطاءِ
وحسنِ القضاءِ والتقاضي، وإرجاحِ المكيالِ والميزان، والنهي
عن التطفيفِ، وفضلٍ إنظارِ الموسرِ المعسرَ، والوضع عنهُ
* قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢١٥].
* وقالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ
وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ [هود: ٨٥].
، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ ا الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ
يَسْتَوْفُونَ ﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َّزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ ( أَلَا يَظُنُّ أُوْلَبِكَ أَنَّهُمُ
مَّبْعُوتُونَ ن لِيَوْمْ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ١ -٦].
(الباب الأربعون بعد المئة)
(في فضل السماحة في البيع والشراء)
* قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]،
سبق في (الباب الحادي عشر)، ووجهُ مناسبته لهذا الباب: أنَّ من استعمل
٥٤٥
السماحةَ في هذه الأمور المذكورة في الباب، لا بدَّ أن يلقى ثوابه في
الآخرة كاملاً موفراً، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] لا يخفى عليه شيء،
ولا یضیع لدیه عمل عامل.
* قوله تعالى حكايةً عن شعيب عليه السلام: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُوا
اَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْالنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥]:
(قض): صرّح الأمرَ بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغةً وتنبيهاً على
أنه لا يكفيهم الكفُّ عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو
بزيادة لا یتأتی بدونها .
* وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ ﴾ [الرحمن: ٩]؛ أي: بالعدل والتسوية من غير
زيادة ونقصان؛ فإن الازدياد إيفاءٌ، وهو مندوبٌ غيرُ مأمورٍ به.
* وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ [الأعراف: ٨٥]، تعميمٌ
بعد تخصيصٍ ؛ فإنه أعمُّ من أن يكون في المقدار وفي غيره(١).
* قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]: المراد بالتطفيف
هاهنا البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس،
وإما بالنقصان إن قضاهم.
وقوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي: من الناس ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ ؛ أي:
يأخذون حقّهم بالوافي الزائد.
وقوله: ﴿يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أي: ينقصون، والأحسن أن يجعل
كالوا ووزنوا متعدياً، ويكون (هم) في محل النصب، ومنهم من يجعلها
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٢٥٢).
٥٤٦
ضميراً مؤكداً للمستتر في كالوا ووزنوا ويحذف المفعول؛ لدلالة اللفظ
عليه، وكلاهما متقارب.
ثم قال متوعداً لهم: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم ◌َّبْعُوتُونَ ﴾ [المطففين: ٤]؛ أي:
ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي مَن يعلمُ السرائرَ والضمائرَ في
يومٍ كثيرِ الفزعِ، جليلِ الخطبِ؛ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]؛
أي: يقومون حفاةً عراةً في موقفٍ ضيِّقِ حرجِ ضنكِ على المجرم،
ويغشاهم من أمر الله ما يعجز القوى والحواس عنه، وروي أنهم يقومون
سبعين سنة لا يتكلمون، وقيل: يقومون ثلاث مئة سنة، وقيل: يقومون
أربعين ألف سنة، ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة.
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ لبشير الغفاري:
((كَيفَ أَنْتَ صَانِعٌ في يومٍ يقومُ الناسُ فيه ثلاث مئة سنة لرب العالمين من
أيام الدنيا، لا يأتيهم فيه خبرٌ من السماء، ولا يؤمرُ فيهم بأمرٍ؟» قال بشیرٌ:
المستعانُ اللهُ، قال: ((إذا أويتَ إلى فِرَاشِكَ فتعوَّذْ باللهِ من كُرَبِ القِيامَةِ،
وسُوءِ الحِسَابِ))، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم(١).
(م): اعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم، وذلك لأن عامةَ الخلقِ
محتاجونَ إلى المعاملات، وهي مبنية على أمر المكيال والميزان، فلهذا
السبب عظّم اللهُ أمرَهُ فقال: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٢) أَلَّا تَظْغَوْاْ فِى
اُلْمِيزَانِ ، وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧ -٩]، قال:
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٣٠/ ٩٣)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره))
(١٠ / ٣٤١٠).
٥٤٧
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: ٢٥]، وعن قتادة: أوفِ يابنَ آدمَ كما تحِبُّ أن يُوفَى
لكَ، واعدِلْ كما تحِبُّ أن يعدَلَ لكَ، وعن الفضيل قال: بخسُ الميزان
سوادُ الوجهِ يوم القيامة، وقال أعرابي لعبد الملك بن مروان: قد سمعتَ ما
قال اللهُ في المطففين وهذا الوعيدَ العظيمَ في أخذ القليل، فما ظنكَ بنفسك
وأنت تأخذُ أموالَ المسلمين بلا كيلٍ ولا وزنٍ (١).
١٣٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴾: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَّهـ
يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((دَعُوهُ؛
فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالاً))، ثُمَّ قَالَ: ((أَعْطُوهُ سِنَاً مِثْلَ سِنِِّ»، قالوا:
يا رَسُولَ الله! لا نَجِدُ إِلاَّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِِّ، قال: ((أَعْطُوهُ؛ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ
أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» متفقٌ عليه.
قوله: ((فأغلظ له» :
(ن): هذا الإغلاظُ محمولٌ على التشدد في المطالبة ونحوِ ذلك من
غير كلامٍ فيه قدحٌ أو غيرهُ مما يقتضي الكفرَ، ويحتمل أنه كان كافراً من
اليهود(٢) .
(ق): اليهود كانوا أكثر من يعامل بالدّين، وحكي أن القول الذي قاله إنما
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣١/ ٨٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٣٨).
٥٤٨
هو: إنكم يا بني عبد المطلب مطْلٌ، وكذَبَ اليهودي، لم يكن هذا معروفاً من
أجداد النبي ◌َّه ولا أعمامه، بل المعروف منهم الكرم والوفاء والسخاء، وبعيدٌ
أن يكون هذا القائل مسلماً؛ إذ مقابلة النبي ◌َ له بذلك أذى، وأذاه كفر، وقوله:
فهمَّ به أصحابه؛ أي: بأخذه ليُقام عليه الحكم(١).
* وقوله وَلفي: «دعوه)): دليل على حسن خلقه وحلمه، وقوة صبره
على الجفاء مع القدرة على الانتقام.
(ن): فيه أنه يحتمل من صاحب الدَّين الكلام المعتاد في المطالبة(٢).
(ق): ((فإن لصاحب الحق مقالاً)؛ يعني به صولةَ الطلب وقوةَ
الحجة، لكن على من يمطل أو يسيء المعاملة، فأما من أنصف من نفسه،
فبذل ما عنده، واعتذر عما ليس عنده؛ فيقبل عذره، ولا يجوز الاستطالةُ
علیه، ولا گھْرُ،(٣).
(ن): في هذا الحديث جوازُ اقتراض الحيوان، وفيه ثلاثة مذاهب:
مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء أنه يجوز قرضُ جميع الحيوان،
إلا الجارية لمن يملك وطأها؛ فإنهُ لا يجوزُ إقراضُها، ويجوز إقراضُها لمن
لا يملكُ وطأها؛ كمحارمها والمرأة والخنثى، وذهب أبو حنيفة والكوفيون
إلى أنه لا يجوز قرضُ شيء من الحيوان، وهذه الأحاديث تردُّ عليهم، ولا
تقبل دعواهم النسخَ من غير دليل، وفيه جوازُ السَّلَم من الحيوان، وحكمُه
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٠٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١/ ٣٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٠٩ - ٥١٠).
٥٤٩
حكمُ القرض، وفيه أنه يستحبُّ لمن عليه دينٌ أن يردَّ أجودَ من الذي عليه،
وهذا من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرضٍ جرَّ منفعةً؛ لأن
المنهيَّ عنه ما كان مشروطاً في العقد، ومذهبنا أنه يستحب الزيادةُ في الأداء
عما عليه، ويجوز للمقرض أخذها، سواءٌ زاد في الصفة أو في العدد،
ومذهبُ مالك أن الزيادةَ في العدد منهيٌّ عنها(١).
(ق): منع مالك الزيادة في العدد والوزن عند أداء الدَّين في مجلس
القضاء؛ حَسْماً للذريعة، وأجازها ابن حبيب، ولم يختلف في جواز ذلك
إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء(٢).
(ن): حجةُ أصحابنا قولُه ◌َالقِ: ((خیرُكُمْ أَحسنُكُمْ قَضَاءً»، وفيه جواز
الاستدامة والاقتراض، واقتراضه بَّي ◌ّ كان للحاجة، وكان يستعيذ من
المَغْرَمِ، وهو الدَّين(٣).
(ق): فإن قيل: كيف شغلَ النبيُّ نَّهِ ذمتهُ بدينٍ وقد قال: ((إِيَّاكُمْ
والدينَ؛ فإنهُ شينُ، الدينُ همٌّ بالليل، ومذلةٌ بالنهار))(٤)، وقد كان كثيراً ما
يتعوذ منه حتى قيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال: ((إن الرَّجُلَ إذا
غَرِمَ؛ حدَّثَ فكذَبَ، ووعَدَ فأخلفَ))(٥)، لا يقال: إنما استقرض عند
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٣٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٠٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٣٧).
(٤) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٥٥٤) من حديث أنس ظه. وهو حديث
ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٠٣٣).
(٥) رواه البخاري (٧٩٨)، ومسلم (٥٨٩) من حديث عائشة رضي الله عنها .
٥٥٠
الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن له ضرورة إلى ذلك؛ فإن الله تعالى
خيَّرهُ بين أن يجعلَ لهُ بطحاءَ مكةَ ذهباً، ومن كانت هذه حالهُ؛ لم يكن في
ضرورةٍ ولا حاجةٍ، ولذلك قال [الله تعالى له] وَّ: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَ﴾
[الضحى: ٨].
قلت: أما الأخذ بالدين عند الحاجة وقصد الأداء عند الوجدان؛ فلا
يختلف في جوازه، وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات المتعينة،
ولا نقص علی طالبه، ولا تثریب ولا منَّة يلحق فیه، ولو كان فيه شيء من
ذلك؛ لما استلسف النبي ◌َّ؛ فإنهُ كان أنزهَ الناس وأبعدَهم عن تلك
الأمور، وأما النهي عن أخذه إن صحَّ؛ فإنما ذلك لمن لم تدعهُ إليه حاجة،
لما يطرأ في تحمله من الأمور التي ذكرناها؛ من الإذلال والمطالبة، وإنما
يخاف من الكذب في الحديث، والإخلاف في الوعد، وقد عصم الله نبينا وَّ
من ذلك كله، وأما قولهم: إنه لم يكن في ضرورة؛ فإن الله خيَّهُ؛ فجوابه أن
الله تعالى لما خيَّهُ فاختاره أن يجوع ثلاثاً ويشبع يوماً؛ أجرى الله عليه ما
اختاره لنفسه، وما أشار به صَفِيُّه ونصيحهُ جبريلُ، فسلك الله به من ذلك
أعلى السبيل؛ ليصبر على المشقات والشدائد كما صبر أولو العزم، [ولينال
أعلى المقامات] الفاخرة، ألا تسمع قوله [لعمر]: ((أما تَرضَى أن تكُونَ لهمُ
الدُّنيا ولنا الآخِرَةُ)(١)، ثم لمَّا أخلصَ الله له جوهرَهُ أغناه بعد العَيلةِ، وكثّرهُ
بعد القلَّةِ، وأعزَّهُ بعد الذِّلةِ، ومن تمام الحكمة في أخذه عليه السلام
بالديون ليقتدي به في ذلك المحتاجون(٢) .
(١) رواه البخاري (٤٦٢٩) من حديث ابن عباس
◌ُبًا .
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٠٨ - ٥٠٩).
٥٥١
* قوله: («إلا سناً أمثل من سنّه)»:
(نه): ((سنُّ الجارحة)) مؤنثة، ثم استعيرت للعمر؛ استدلالاً بها على
طوله وقصره، وبقيت على التأنيث(١)، ((والأمثل)) الأشرف والأعلى في
الرتبة والمنزلة، يقال: هذا أمثل من هذا؛ أي: أفضل وأدنى إلى الخير(٢).
١٣٦٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﴿هَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((رَحِمَ اللهُ
رَجُلاً سَمْحاً إِذا بَاعَ، وَإِذا اشْتَرَى، وَإِذا اقْتَضَى)) رواهُ البخاريُّ.
قوله: ((سمحاً)):
(تو): أي: سهلاً، ومنه حديث عطاء: اسمحْ يُسمَحْ لكَ؛ أي: سهّل
يسهَّل عليك، ومنه المسامحة.
(ط): ((سمحاً) صفة مشبهة تدل على الثبوت، فلذلك كرر أحوال البيع
والشراء والتقاضي، الجوهري: سمح به؛ أي: جاد، وسَمُحَ بالضم، فهو
سَمْحٌ، وامرأةٌ سَمْحةٌ(٣).
(قض): رتب الدعاء عليه؛ ليدل على أن السهولة والتسامح في المعاملة
سبب لاستحقاق الدعاء، ولكونه أهلاً للرحمة، والاقتضاء: التقاضي، وهو
طلب قضاء الحق(٤).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤١٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٩٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ /٢١١٥).
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢/ ٢١٩ -٢٢٠).
٥٥٢
(ك): فإن قلت: (رحم الله رجلاً) إخبارٌ أو دعاء؟ قلت: ظاهره
الإخبار عن حال رجل كان سمحاً، لكن قرينة الاستقبال المستفاد من (إذا)
تجعله دعاء، وتقدیره رحم الله رجلاً یکون سمحاً، وقد يستفاد العموم من
تقییده بالشرط ؛ انتھی(١).
قال الإمام الغزالي: هذا من الإحسان في المعاملة، وقد أمر الله تعالى
بالعدل والإحسان، فالعدلُ سببٌ للنجاة فقط، وهو يجري من التجارة مجرى
سلامة رأسِ المال، والإحسانُ سبب الفوز ونيلِ السعادة، وهو يجري من
التجارة مجرى الربحِ، ولا يعدُّ من الغفلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس
ماله، فكذا في معاملات الآخرة، فلا ينبغي للمتدين أن يقتصرَ على العدل
واجتنابِ الظلم ويدعَ أبوابَ الإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا
أَحْسَنَ اللهُإِلَيْكَ ﴾ [القصص: ٧٧]، وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[الأعراف: ٥٦]، ويعني بالإحسان فعلَ ما ينتفعُ به المعاملُ وهو غیرُ واجبٍ
عليه، ولكنه تفضلٌ منه، وينال مرتبة الإحسان بواحد من خمسة أمور:
الأول: في المغابنة، فينبغي أن لا يغبن صاحبهُ بما لا يتغابنُ به في
العادة .
الثاني: احتمالُ الغبن من الفقراء لا من الأغنياء.
الثالث: في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرةً بالمسامحة
وحطِّ البعض، ومرةً بالإمهال والتأخير، ومرة بالمساهلة في طلب جودة
النقد .
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩/ ٢٠٠).
٥٥٣
الرابع: في توفية الدين، ومن الإحسان فيه حسن القضاء، وليسلم
أجودَ مما شرطَ وأحسنَ.
الخامس: أن يستقيل من يستقيله كما في الخبر: (مَنْ أَقَالَ نادِماً؛
أقالَ اللهُ عَثرتَهُ يومَ القيامَةِ))(١)، وكل ما ذكرناه مندوبٌ إليه، ومحثوثٌ عليه،
وداخلٌ في قوله ◌َّهِ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَهْلَ البَيعِ، سَهْلَ الشِّراءِ، سَهْلَ
الْقَضَاءِ، سَهْلَ الاقتِضَاءِ))(٢)، فلتغنم دعاء رسول الله ◌َّيو(٣).
١٣٦٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ◌َ ◌َهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَه
يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجَِّهُ اللهُ مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ
مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ)) رواهُ مسلمٌ.
* قوله: ((من کرب الدنيا))(٤):
(ن): بضم الكاف وفتح الراء، جمع كُرْبة(٥).
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦ / ٢٧) من حديث أبي هريرة ظُه. وهو حديث
ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٤٦٤).
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده) (٦٨٣٠)، وفيه راوٍ لم يسمَّ. انظر: ((مجمع الزوائد))
للهيثمي (٤ / ٧٤).
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٧٩ - ٨٢).
(٤) كذا في الأصل، وفي الحديث: ((من كرب يوم القيامة)).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٢٢٧).
٥٥٤
(ق): ((كرب الآخرة)): شدائدها وأهوالها، و((المعسر)) هنا: هو الذي
يتعذَّر عليه الأداءُ في وقت دون وقت، فندب الشرع إلى تأخيره إلى
الوقت الذي يمكنُ له ما يؤدي، وأما المعسر بإفلاس؛ فيحرم مطالبته إلى أن
يتبين يسارُه، والتنفيس عن المعسر: تأخيرُه إلى الإمكان، والوضع:
الإسقاط(١).
(نه): ((فلينفّس))؛ أي: فليؤخِّر مطالبته، الأزهري: نفَّس ينفّس تَنْفِيساً
ونَفَساً؛ كما يقال: فرَّج يفرِّج تَفَرِيجاً وفَرَجاً، وهو مستعار من نفَس الهواء
الذي يردُّه التنفّس إلى الجوف، فيُرِدُ من حرارته ويعدِّلُها، أو من نفَس الريح
الذي يتنسَّمه فيستروح إليه، أو من نفَس الروضة، وهو طيب روائحها، فينفرج
به عنه، انتھی(٢).
هذا الحديث رواه مسلم عن أبي قتادة: أنه طلب غريماً له، فتوارى
عنه، ثم وجده، فقال: إني معسرٌ فقال: آلله؟ فقال: آلله، قال: فإني سمعت
رسول الله وَّيهم يقول: ((مَن سرَّهُ أن ينجيَهُ الله)) الحديث.
١٣٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قالَ: ((كَانَ
رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ
عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُ)) متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٣٨).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٩٣).
٥٥٥
قوله: ((قال لفتاه»:
٠
(ن): أي: غلامِه كما صرَّح به في الرواية الأخرى، و((التجاوز
والتجوز)): المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير،
انتھی(١).
سبق المراد بـ (المعسر) قريباً.
وفي قوله: ((لعل الله أن يتجاوز عنا)) يستفاد منه أن الإحسان وفعل
المعروف لم يكن يتعاطاه عادة على سبيل الجِبِلَّة، بل كان عمله خالصاً
لوجه الله الکریم، وادخره زاداً للمعاد، وتقرباً إلى رب العباد.
(ط): ((لعل)) هاهنا بمعنى (عسى)، ولذلك أتى بـ (أن)؛ أي: عسى
الله أن يتجاوز عنا؛ لأنه لا يقال: لعل الله أن يتجاوز، بل يتجاوز.
فإن قلت: کیف قال: (أن يتجاوز عنا) ثم (فتجاوز عنه)؟
قلت: أراد القائلَ نفسَهُ، ولكن جمع الضمير إرادة أن يتجاوز عمَّن
فعل مثل هذا الفعل؛ ليدخل فيه دخولاً أولياً، ولذلك يستحب للداعي أن
يعمّ الدعاء ولا يخصّ نفسه؛ لعل الله ببركتهم يستجيب دعاءه(٢).
١٣٧١ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ ﴿ه، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٢٢٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١٧٢).
٥٥٦
الخَيْرِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنَُّ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِراً، وَكَانَ يَأْمُرُ
غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ المُعْسِرٍ. قالَ الله ◌َّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذلكَ
مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ)) رواهُ مسلمٌ.
قوله: ((فلم يوجد له من الخير» :
(ق): هذا العموم مخصص قطعاً بأنه كان مؤمناً؛ فإن الله لا يغفر أن
يشرك به، وهل كان قائماً بفرائض دينه من الصلاة والزكاة وما أشبهها؟ هذا
هو الأليق بحاله؛ فإن هذا الحديث يشهد بأنه كان وُقِيَ شحَّ نفسه، فعلى
هذا معناه: لم يوجد له شيء من النوافل إلا هذا، ويحتملُ أن يكون له
نوافل أخرُ غير أن هذا كان الأغلب عليه، فجوزي به، ولم يذكر غيره اكتفاءً
بهذا، ويحتمل أن يكون المراد بالخير المال، فيكون معناه: لم يوجد له
فعلُ برِّ في المال إلا ما ذكر من إنظار المعسر.
وقوله تعالى: ((أنا أحقُّ بذلك)) صدقٌ وحقٌّ؛ لأنه تعالى متفضلٌ ببذلِ
ما لا يستحقُّ عليه، ومسقطٌ بعفوه عن عبده ما يجبُ له من الحقوق علیه،
ثم يتلافاه برحمته فيكرمه، ويقربه منه وإليه، فله الحمد(١).
١٣٧٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﴿ه، قَالَ: ((أُتِيَ اللهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ مِنْ
عِبَادِهِ آتاهُ اللهُ مَالاً، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٣٧).
٥٥٧
وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهِ حَدِيثاً، قَالَ: يَا رَبِّ! آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَابِعُ
النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقي الجَوَازُ، فَكُنْتُ أَنَسَّرُ عَلى المُوسِرِ، وَأَنْظِرُ
المُعْسِرَ. فَقَالَ تَعَالى: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي))،
فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَأَبَوِ مَسْعُودِ الأَنْصَارِيُّ ◌َ﴾: هَكَذا سَمِعْنَاهُ مِنْ
فِي رَسُولِ الله ◌ِصَّهِ. رواهُ مسلمٌ.
قوله ◌َ في «آتاه الله تعالى [مالاً])):
(ق): (المال): كل ما يتموَّل أو يتملَّك من عين، وعرض، وحيوان،
وغير ذلك، ثم قد يخصُّهُ أهل كل مال بما يكون غالبَ أموالهم، فيقول
أصحاب الإبلِ: المالُ الإبلُ، وأصحابُ النخلِ: النخل، وهكذا(١).
(مظ): ((فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟» هذا السؤال منه كان في
القبر(٢).
(ط): يحتمل أن يكون في القيامة (٣).
(ق): ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، أي: لا يستطيع أحد أن
یکتم يوم القيامة [شیئاً] من أعماله، فإن کتم؛ شهدت علیه جوارحه (٤).
(ن): هذه الأحاديث في فضل إنظار المعسر والوضع عنه إما كل
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٣٦).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٤٠٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١١٥).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٣٦).
٥٥٨
الدين وإما بعضه، من كثير أو قليل، وفضل المسامحة في الاقتضاء، وفي
الاستيفاء، سواء استوفى من موسر أو معسر، وفضل الوضع من الدین،
وأنه لا يحتقر شيء من أفعال الخير، فلعلَّهُ سببُ السعادة والرحمة، وفيه
جواز توكيل العبيد والإذن لهم في التصرف، وهذا قول من يقول: شرع من
قبلنا شرع لنا(١).
١٣٧٣ - وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ◌َّت:
(مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أظَلَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ
يَومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلَّهُ» رواه الترمذي، وقال : حديث حسن صحيح.
* قوله: «أظله الله في ظله)):
(ط): أي: وقاهُ الله من حرِّ يوم القيامة، على سبيل الكناية، أو أوقفَهُ
في ظلِّ عرشه على جواز الحقيقة (٢).
١٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي صَفْوَانَ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ﴾، قَالَ: جَلَبْتُ
أَنَا وَمَخْرَمَةُ العَبْدِيُّ بَزّاً مِنْ هَجَرَ، فَجَاءَنَا النَّبِيُّ ◌َهِ، فَسَاوَمَنَا
بِسَرَاوِيلَ، وَعِنْدِي وَزَّانٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَقَالَ النبيُّ ◌َهِ لِلْوَزَّانِ: ((زِنْ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٢٢٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢١٧٣).
٥٥٩
وَأَرْجِخْ)). رواهُ أَبو داودَ، والترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حسنٌ
صححٌ.
* قوله {* للوزان: ((زن وأرجح)):
(خط): فيه دليل على جواز هبة المَشاع، وذلك أن مقدار الرجحان
هبةٌ منه للبائع، وهو غیر متميز من جملة الثمن، وفيه دليل على جواز أخذ
الأجرة على الكيل أو الوزن، وفي معناهما أجرة القَسّام والحاسب، وكان
سعید بن المسیب ینھی عن أجرة القسام، و کرهه أحمد بن حنبل.
قلت: وفي مخاطبة النبي ◌َّ﴿ إياه بالوزن وأمره به، كالدليل على أن
أجرة وزن الثمن على المشتري، وإذا كان الوزن عليه؛ لأن الإيفاء لزمه،
فقد دلّ على أن أجرة الوزن عليه، وإذا كان على المشتري؛ فقياسه في
السلعة المبيعة أن یکون على البائع(١).
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٣/ ٦٠).
٥٦٠