Indexed OCR Text

Pages 521-540

(التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)» جماعةً أخرَ من الشهداء، قال:
روى النسائي من حديث سويد بن مقرن قال: قال رسول الله وَله:
((مَن قُتِلَ دونَ مظلَمةٍ؛ فهوَ شَهِيدٌ))(١).
وروي عنه ◌ََّ: ((مَن مَاتَ مَرِيضاً ماتَ شَهِيدًا)(٢).
وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله وَ له: ((مَنْ قالَ
حينَ يُصبحُ ثلاثَ مرَّاتٍ: أَعوذُ باللهِ السَّميعِ العَليمِ منَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ،
وقرأَ ثلاثَ آيَاتٍ مِن آخرِ سُورةِ الحشرِ؛ وَكَّلَ اللهُ به سبعين ألفَ ملكٍ
يُصلُّونَ عليهِ حتَّى يمسيَ، وإِن ماتَ مِنْ يَومِهِ مَاتَ شَهِيداً، ومَنْ قَرأَها حينَ
يُمسِي؛ فكَذَلِكَ))، قال: حسن غريب(٣).
وخرّج الآجري من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله:
((يا أنسُ؛ إِن استطَعْتَ أَن تكُونَ أَبداً علَى وُضوءٍ فافعَلْ؛ فإِنَّ ملكَ المَوتِ
إذا قَبِضَ رُوحَ العَبدِ وهُو على وضوءٍ كُتِبَ لهُ شهادَةٌ)(٤).
روى الشعبي عن ابن عمر عن النبي ◌ِّ قال: ((مَن صلَّى الضُّحَى وصَامَ
ثلاَثَةَ أَيامٍ من كُلِّ شَهٍ، ولَم يَتَرُكِ الوِرَ فِي حَضَرٍ وَلاَ سَفَرٍ؛ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ
(١) رواه النسائي (٤٠٩٦). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(١٤١٣).
(٢) رواه ابن ماجه (١٦١٥) من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث ضعيف. انظر:
((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٨٥٠).
(٣) رواه الترمذي (٢٩٢٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٥٧٣٢).
(٤) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٧٨٣).
٥٢١

شَهِيدٍ))، خرّجه أبو نعيم(١).
وروي من حديث أبي هريرة وأبي ذر عن النبي وَل﴿ قال: ((إِذَا جَاءَ
المَوتُ طَالِبَ العِلْمِ وهُو عَلَى حالِهِ؛ ماتَ شَهِيداً)، وبعضهم يقول: ليس
بينه وبين الأنبياء إلا درجة واحدة، ذكره أبو عمر في كتاب ((بيان العلم)).
وخرّج مسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((مَن سأَلَ اللهَ
الشَّهادةَ بصِدْقٍ؛ بلَّغْهُ اللهُ منازِلَ الشُّهدَاءِ، وإن ماتَ عَلَى فِرَاشِهِ)(٢).
وخرّج الترمذي الحكيم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلّر:
(ليسَ مِن أَحدٍ إلاَّ ولهُ كرائمُ مِن مَالِهِ يَأْبَى لهمُ الذَّبِحَ، وإِنَّ للهِ خَلقاً مِن خَلِقِهِ
يَأْبَى لهمُ الذَّحَ، أقوامٌ يجعَلُ موتَهُم على فُرْشِهِم، ويقسِمُ لهمُ أُجُورَ
الشُّهداءِ»(٣).
(١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٤ / ٣٣٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب» (٣٣٨).
(٢) رواه مسلم (١٩٠٨).
(٣) انظر: ((التذكرة)) للقرطبي (١ / ٤٤٠ - ٤٤٣)، والحديث رواه الحكيم الترمذي
في ((نوادر الأصول)) (٤ / ٢٣٢).
٥٢٢

٢٣٣- باب
فضلِ العِثق
: قال الله تَعَالى: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ ) وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ } فَقُّ
رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣].
(الباب السادس والثلاثون بعد المئة)
(في فضل العتق)
(ن): ((العتق)) الحرية، يقال منه: عتَق يعتِقٍ عِتقاً بكسر العين، وعَتقاً
بفتحها، حكاها صاحب ((المحكم)) وغيره، عتاقاً وعتاقة، فهو عتيق وعاتق
أيضاً، حكاها الجوهري، وهم عتقاء، وأعتقه فهو معتق وعتيق، وهم
عتقاء، وأمة عتيق وعتيقة، وهو مشتق من قولهم: عتق الفرس: إذا سبق،
وعتق الفرخ: إذ طار واستقل؛ لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء.
قال الأزهري وغيره: إنما قيل لمن أعتق نسمة إنه أعتق رقبةً، وفك
رقبةً، فخُصَّتِ الرقبةُ دون سائر الأعضاء مع أن العتقَ يتناولُ الجميعَ؛ لأن
حكمَ السيد عليه وملكهُ له كحبلٍ في رقبة العبدِ، وكالغلِّ المانع من
الخروج، فإذا أعتقه؛ فكأنه أُطلِقَت رقبتهُ من ذلك، انتهى(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١٣٥).
٥٢٣

((المغرب)): ((العتق)) الخروج من المملوكية، ثم جعل عبارة عن الكرم
[وما يتصل به؛ كالحرية]، فقيل: فرس عتيق، وعتاق الطير كرائمها، وقيل:
مدار التركيب على التقدم، ومنه العاتق لما بين المنكب والعنق؛ لتقدمه،
والعتيق القديم(١).
* قوله تعالى: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]؛ أي: فلا سلك الطريق التي
فيها النجاة والخير، قال ابن عمر: هي حبل في جهنم أزلّ.
وقال كعب الأحبار: العقبة سبعون درجة في جهنم.
قال قتادة: إنها عقبة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله، ثم أخبر عن اقتحامها
فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ ) أَوْ إِطْعَمٌ﴾ [البلد: ١٣ - ١٤].
وفي ((مسند أحمد)) عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى
رسول الله وَّه فقال: يا رسول الله؛ علِّمني عملاً يدخلني الجنة، قال: (لَئِنْ
كُنتَ أَقصرْتَ الخُطبةَ لَقَد أَعرِضْتَ المسألةَ، أعتِقِ النسمَةَ، وفكَّ الرَّقَبَةَ»، فقال:
يا رسول الله، أوَليسَتَا بواحدةٍ؟ قال: ((لا، إنَّ عتقَ النَّسمةِ أَن تفرِدَ بعتقِهَا، وفكَّ
الرقَبةِ أن تُعيِنَ في عتقِهَا، والمنحَةُ الموكوفَةُ، والفَيُ على ذي الرَّحمِ الظَّالمِ،
فإنْ لم تُطِقْ ذَلِكَ؛ فأطعِمِ الجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمَآنَ، وَأَمُرْ بالمَعرُوفِ، وَانْهَ عنِ
المنكَرِ، فإن لم تُطِقْ ذلكَ؛ فكفَّ [لسانَكَ] إِلاَّ مِنَ الخَيرِ)(٢).
وقوله: ﴿زِى مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]؛ أي: مجاعة، وقال إبراهيم
(١) انظر: ((المغرب في ترتيب المعرب)) للمطرزي (٢ / ٤١).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ٢٩٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)) (٩٥١).
٥٢٤

النخعي: في يومِ الطعامُ فيه عزيزٌ، وقال قتادة: في يومٍ يشترى فيه الطعامُ.
وقوله: ﴿يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥]؛ أي أطعم في هذا اليوم يتيماً ذا قرابة
منه؛ كما في ((مسند أحمد)): عن سلمان بن عامر: ((الصَّدَقَةُ عَلَى المُسلِمِينَ
صدَقةٌ، وعلَى ذِي الرَّحِم ◌ِثنَانِ صَدَقةٌ، وصِلَةٌ)(١).
وقوله: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]، قال ابن عباس: هو المطروحُ بالطريق
الذي لا بيتَ له ولا شيءَ يَقيِهِ من الترابِ .
(م): (الاقتحام): هو الدخول في الأمر الشديد، يقال: قَحَم یقحُمُ
قحُوماً، واقتحمَ اقتِحَاماً: إذا ركب القحم، وهي المهالك والأمور العظام،
والعقبة الطريق في الجبل وغيره، وقال الواحدي: قول من زعم أنها عقبة
بين الجنة والنار فيه نظر؛ لأن أحداً لم يقتحم عقبة جهنم ولا تجاوزها،
فالأحسن أن يقال: هذا مثَلٌ ضربه الله بمجاهدة النفس والشيطان في أعمال
البر، وهذا قول الحسن ومقاتل، قال الحسن: عقبةُ اللهِ شديدةٌ، وهي
مجاهدةُ الإنسان نفسهُ وهواهُ وعدوهُ من شياطين الإنس والجن، وهذا
التفسير هو الحق، والعتق أفضل الصدقات عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه
الإطعام أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة؛ لتقدم نص العتق(٢).
١٣٥٨ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ رَهِ، قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللهِ وَلّى:
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ١٨)، وفيه: ((الصدقة على المسكين)). وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٨٥٨).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣١/ ١٦٧).
٥٢٥

(مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةٌ مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ
النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» متفقٌ عليهِ.
* قوله وَافي: ((أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار)):
(ن): فيه بيان فضل العتق، وأنه من أفضل الأعمال، ومما يحصل به
العتقُ من النار ودخولُ الجنة، وفيه استحبابُ عتق كاملِ الأعضاء، فلا
يكونُ خصياً، وفي الخصيِّ وغيره الفضلُ العظيمُ، لكنَّ الكامل أولى،
وأفضلهُ أغلاها ثمناً وأنفسهُ(١) .
وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم أن رسول الله وَله
قال: ((أَيُّمَا امرِى مُسلِمٍ أعتقَ امرأً مُسلَماً؛ كانَ فكاكَهُ منَ النَّارِ، يُجزِئُ كلُّ
عُضْوٍ منهُ عُضْواً منهُ، وأَيّما امرِئٍ مُسلِمٍ أَعتقَ امرأتَينِ مسلمَتَينٍ؛ كانتًا
فكاكَهُ منَ النَّارِ، يُجزِئُ كلُّ عُضوٍ منهُمَا عُضواً منهُ، وأيُّما امرأةٍ مُسلِمةٍ
أَعتقَتِ امرأةً مسلِمةً؛ كانَت فكاكَهَا منَ النَّارِ، يُجزِئُ كلُّ عُضوٍ منها [عُضْواً
منها])»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(٢).
وفيه دليل على أن عتق العبد أفضل من عتق الأمة؛ لما فيه من
المنفعة التي لا توجد في الإناث؛ من الشهادة، والجهاد، والقضاء، وغير
ذلك مما يختصّ بالرجال إما شرعاً وإما عادةً، ولأن من الإماء من لا ترغب
في العتق، وتضيع به، بخلاف العبيد.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١٥١).
(٢) رواه أبو داود (٣٩٦٧)، والترمذي (١٥٤٧) من حديث أبي أمامة ظه، والنسائي
في ((السنن الكبرى)) (٤٨٨١) من حديث كعب بن مرة لحظاته.
٥٢٦

وقيل: عتق الإناث أفضل؛ لأنها إذا عتقت كان ولدها حراً سواء
تزوجها حر أو عبد.
وأما التقييد في الرقبة بكونها مسلمة؛ فيدلّ على أن هذا الفضل الخاص
[إنما هو] في عتق المؤمنة، وأما غيرها؛ ففيه فضل بلا خلاف، ولكن دون
فضل المؤمنة .
وحكى القاضي عن مالك أن الأغلى ثمناً أفضل وإن كان كافراً،
وقال: خالفه غير واحد من أصحابه [وغيرهم]، وهذا أصح.
(ق): نظراً إلى حرية المؤمن وإلى ما يحصل منه من المنافع الدينية،
ومقتضى قوله ◌َّه: ((من أعتق رقبة مؤمنة)) الحديث، التسويةُ بين الذكر
والأنثى، والصحيح والمعيب بحكم عموم (رقبة)؛ فإنها نكرة في سياق
الشرط، وقد صح في ذلك تفصيل كما خرّجه الترمذي وغيره، وقد صح
أيضاً حديث، أيُّ الرقابِ أفضلُ؟ قال: ((أَنَفسُها عندَ أَهلِها، وأَغلاَها
ثَمَنا))(١)، وهذا يدلّ على أن المعيب ليس كالصحيح، ولا الكبير مثل
الصغير، ولا القليل الثمن مثل الكثير؛ لتفاوت ما بينهم، وإنما فضل عتق
الذكر على الأنثى؛ لأن جنس الرجال أفضل، ولأن قوام الدين والدنيا إنما
هو بالرجال، والنساء محل شهواتهم، ومقر الأنسال(٢).
(شف): إنما خصَّ الفرج بالذكر؛ لأنه محلٌّ أكبر الكبائر بعد الشرك،
وهو كقولهم: مات الناسُ حتَّى الكرامُ، فيفيد قوةً.
(١) رواه البخاري (٢٣٨٢)، ومسلم (٨٤) من حديث أبي ذر
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٤٢).
٥٢٧

(مظ): ذكر الفرج للتحقير بالنسبة إلى باقي الأعضاء(١).
(خط): يستحب أن لا يكون العتيقُ ناقصَ العضوِ؛ ليكونَ معتقهُ قد
نالَ الموعودَ في عتق أعضائهِ كلِّها من النار بإعتاقهِ إِياهُ من الرقُّ في
الدنيا(٢).
١٣٥٩ - وَعَنْ أبي ذَرِّ ◌َ﴿ه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ
الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالچِهَادُ في سَبيلِ اللهِ»، قالَ:
قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْفَسُها عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُها ثَمَناً)
متفقٌ علیهِ.
* قوله: ((أنفسها عند أهلها))، سبق في (الباب الثالث عشر).
ولما بلغ حديثُ أبي هريرة عليَّ بن الحسين ◌َ ◌ًّا؛ عمدَ إلى عبدٍ لهُ قد
أعطاهُ بهِ عبدُالله بنُ جعفرٍ عشرةَ آلافِ درهمٍ، أو ألفَ دينارٍ فأعتقَهُ، رواه
البخاري ومسلم(٣).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ١٥٣).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٨١).
(٣) رواه البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٠٩ / ٢٤).
٥٢٨

٢٣٤- باب
فضلِ الإحسانِ إلى المملوكِ
· قال الله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ
اُلْجُنُبٍ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَِّ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
[النساء: ٣٦].
(الباب السابع والثلاثون بعد المئة)
(في فضل الإحسان إلى المماليك)
* قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، سبق
في (باب بر الوالدين وصلة الأرحام).
١٣٦٠ - وَعَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرِّ ◌َله،
وعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلى غُلامِهِ مِثْلُهَا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ سَابَّ
رَجُلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّكَ
امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ
٥٢٩

أَيَدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ؛ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، ولْيَلْبِسْهُ
مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فَأَعْيُنُوهُمْ،
متفقٌ عليه.
* قوله: «وعليه حلة» :
(نه): (الحلَّةُ) واحدة الحلَلِ، وهي برود اليمن، ولا تسمَّى حلَّةٌ إلا
أن تکون ثوبین من جنس واحد(١).
(ك): ((وعلى غلامه مثلها)) إشارة إلى تساويهما في لبس الحلَّةِ، وإنما
سأله؛ لأن العادة أن تكون ثياب المملوك دون سيّده، و«عيَّرتهُ»؛ أي: نسبته
إلى العار؛ أي: عيَّتُهُ، فإن قلت: هذا التعبير كان نفس السبِّ، وشرطُ
المعطوفين تغايرهما؟ [قلت: هما] متغايران بحسب المفهوم من اللفظ، ومثل
هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِبِكُمْ فَاقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، حيث قالوا: القتل نفس التوبة(٢).
* وقوله: ((امرؤ))، وهو من نوادر الكلمات؛ إذ حركة عين كلمته
تابعة للامها في الأحوال الثلاث، ومعناه: رجل.
* قوله ريرافي: ((فيك جاهلية))، قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية:
الجاهليةُ قد تكون اسماً للحال، وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد تكون
اسماً لذي الحال، فمنَ الأول هذا الحديثُ، وقولُ عمر ◌ُه: إني نذرتُ في
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٣٢).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١/ ١٣٩).
٥٣٠

الجاهلية أَن أعتكفَ ليلةً، وقولُهم: يا رسول الله؛ كنَّا في جاهليةٍ وشرٍّ؛ أي:
في حال جاهلية، وطريقة جاهلية، ونحو ذلك، فإن الجاهلية وإن كان في
الأصل صفةً لكن غلب عليه الاستعمالُ حتى صار اسماً، ومن الثاني قولهم:
طائفةٌ جاهليةٌ، وشاعرٌ جاهليٍّ، وذلك نسبةً إلى الجهل الذي هو عدمُ العلم،
أو عدمُ اتباع العلم؛ فإن من لم يعلم الحقَّ، فهو جاهلٌ جهلاً بسيطاً، فإن
اعتقدَ خلافَهُ؛ فهو جاهلٌ جهلاً مركباً، والناسُ قبل مبعث النبي ◌َّ كانوا في
جاهلية عامَّةٍ، وأما بعد مبعثهِ؛ فالجاهليةُ المطلقةُ قد تكون في مصرٍ دون
مصرٍ، وقد تكون في شخصٍ كالكافر دون شخص، والجاهليةُ المقيدةُ قد
تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال
النبيِ نَّهِ: ((أَرَبَعٌ في أُمَّتِي من أَمرِ الجَاهِلّة)(١)، وقوله لأبي ذر: ((إِنَّكَ امرؤٌ
فيكَ جَاهِليةٌ))، ونحو ذلك، ففي هذا الحديث أن الرجلَ مع فضله وعلمه
ودينه قد يكونُ فيه بعضُ هذه الخصال المسمّاةِ بجاهليةٍ ويهوديةٍ ونصرانيةٍ،
ولا يوجبُ ذلك كفرهُ ولا فسقهُ (٢).
(ن): أي: هذا التعبير من أخلاق الجاهلية، ففيك خلق من أخلاقهم،
وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم، ففيه النهي عن التعبير
بنقص الآباء والأمهات، وأنه من أخلاق الجاهلية، وقد قيل: إن هذا الرجل
المنسوب هو بلال المؤذن، څه، انتهى(٣).
قال الإمام الغزالي: التكبُّرُ بالنَّسب عرقٌ دفينٌ في النفس لا ينفك عنه
(١) رواه مسلم (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعري ـ
(٢) انظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (ص: ٧٧ - ٧٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٣٢ - ١٣٣).
٥٣١

نسيبٌ وإن كان عاقلاً وصالحاً، إلا أنه قد لا يترشحُ عند اعتدال الأحوال،
فإن غلب عليه غضبٌ، أطفأ ذلك نورَ بصيرتهِ، فقد يترشحُ منه، كما يقول
لغيره: يا نبطيُّ، يا هنديُّ، ومَن أبوكَ؟ كما روي عن أبي ذر ◌َلُه أنه قال:
قاوَلْتُ رجلاً عند النبيِ نَّه، فقلت له: يا بنَ السوداءِ؛ فقال النبي ◌َّ:
((طفتَّ الصَّاعُ، طفَّ الصَّاعُ، ليسَ لابْنِ بيضَاءَ عَلَى ابن سَودَاءَ فضلٌ»، قال
أبو ذر: فاضطجَعتُ وقلتُ للرجل: قُم فطَأْ على خدِّي، فانظر كيف نبهَهُ
رسولُ اللهِ وَّةِ، وانظر كيف تابَ وقلعَ من نفسه شجرةَ الکبریاءِ بأخمصٍ قدمِ
من تكبََّ عليهِ؛ إذ عرفَ أن العزَّ لا يقمعُهُ إلا الذلُّ.
ومن ذلك ما روي: أن رجلين تفاخرا عند رسول الله وَله، فقال أحدهما:
أنا فلان بن فلان، فمن أنت لا أم لك؟ فقال رسول الله وَالَ: ((افتَخَرَ رجُلانِ عندَ
موسى علَيهِ السَّلامُ، فقالَ: أنا فلانُ بن فلانٍ حتى عدَّ تسعةً، فأَوحى الله تعالى
إلى مُوسَى: قُلْ للَّذِي افتخَرَ: بل التسعةُ من أَهلِ النَّارِ، وأنتَ عاشِهُمْ))(١)،
وقال رسول الله ◌َّرَ: (لَيَدَعَنَّ قَوْمُ الفَخْرَ بآبائهِمْ وقد صَارُوا فَحْماً في جَهَنَّمَ، أَو
لَيَكُونُنَّ أَهوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الجِعْلاَنِ))(٢).
وعلاج مَن يعتريه الكبرُ من جهة النَّسبِ معرفةُ أمرينِ :
أحدهما: أن هذا جهل من حيث إنه تعزَّز بكمال غيره، ولذلك قيل :
لَئِنْ فخَرتَ بَآبَاءِ ذَوِي شَرَفٍ
لَقَد صدَقْتَ ولكِنْ بئسَ ما وَلدُوا
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ١٢٨) من حديث أبي بن كعب رظُه. وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٤٩٢).
(٢) رواه أبو داود (٥١١٦) من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث حسن. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (١٧٨٧).
٥٣٢

فالمتكبر بالنسب إن كان خسيساً في صفات ذاتهِ فمِن أين يجبرُ خسَّتَه
بكمال غیرہ؟
الثاني: هو أن يعرف نسبه الحقيقي، فيعرف أباه وجده، فإن أباه القريبَ
نطفةٌ قذرةٌ، وجدَّهُ البعيدَ ترابٌ ذليلٌ، وقد عرَّفهُ الله تعالى نسبَهُ فقال: ﴿الَّذِىّ
أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ (٢) ثُمَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّاءٍ
مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨]، فمَن أصلُهُ من الترابِ المَهينِ الذي يُدَاسُ بالأقدامِ
كيف يتكبّرُ بأخسِّ الأشياء؟ فإن كان كونهُ من أبيه أقربَ من كونه من التراب؛
فنقول: افتخَرَ بالقريبِ دون البعيدِ، فالنطفةُ والمضغةُ أقربُ إليه من الأب،
فالأصلُ يوطأُ بالأقدام، والفصلُ تغسلُ منه الأبدانُ، فهو النسب الحقيقي
للإنسان، ومن عرف هذا لم يتكبر بالنسب، ويكون مثاله بعد هذه المعرفة
كرجل لم يزل عند نفسه من بني هاشم وقد أخبره بذلك والداه، فلم يزل فيه
نخوة ذلك الشرف، فبينا هو كذلك إذ أخبره عدولٌ لا يشكُّ في قولهم: أنه ابن
عبد هندي حجَّام يتَعاطَى الصَّنائعَ الخسيسةَ والقاذوراتِ، وكشفوا له وجهَ
التلبيس عليه، فلم يبق شكٌّ في صدقهم، أفترى أن ذلك يُبقِي شيئاً من كبرهِ
أصلاً؟ فهكذا حالُ البصير إذا تفكّر في أصله وعلم أنه من النطفة والمضغة
والتراب؛ إذ لو كان أبوه ممن يتعاطى نقلَ التراب، أو يتعاطى علمَ الدم
والفصدِ والحجامةِ وغيرَ ذلك؛ لكان يعلم به خسّةَ نفسه؛ لمماسَّةِ أعضاء أبيه
الترابَ، وفمه الدمَ، فكيف إذا عرف أنه في نفسه من التراب والدم والأشياء
القذرة التي يتنزهُ عنها هو في نفسِهِ وغيرِهِ؟(١)
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٣٥٢، ٣٦١).
٥٣٣

(ق): والجاهلية كانوا يعيِّرُون بالآباء والأمهات، وذلك شيء أذهبه
الإسلام بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وبقوله ◌َّ:
((إنَّ اللهَ أذهَبَ عنكُمْ عِبِّةَ الجَاهِلِيَّةِ وفَخرَها بالآباءِ، النَّاسُ كلُّهم بنو آدمَ،
وآدمُ خِلِقَ من ترابٍ)»(١).
(ن): ((هم إخوانكم)) الضمير يعود إلى المماليك(٢).
(نه): (الخول): حشم الرجل وأتباعه، واحدهم: خائل، وقد يكون
واحداً، ويقع على العبد والأمة، وهو مأخوذ من التخويل: التمليك، وقيل:
من الرعاية، وقيل: الخول الخدم، وسموا به لأنهم يتخوَّلون الأمر؛ أي:
يصلحونه(٣).
(ط): وفي رواية: «إخوانگُم جعلھمُ اللهُ تحتَ أیدیگُم))، ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: مماليككم إخوانكم،
واعتبار الأخوة إما من جهة آدم؛ أي: إنكم متفرعون من أصل واحد، أو
من جهة الدين، فيكون قولُه: ((جعلهم الله)) حالاً؛ لما في الكلام من معنى
التشبيه .
ويجوز أن يكون مبتدأ و((جعلهم الله)) خبره، فعلى هذا (إخوانكم)
مستعار لطيٍّ ذكرِ المشبهِ، وفي تخصيص الذكر بالأخوة إشعارٌ بعلة المواساة
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٥١)، والحديث رواه أبو داود (٥١١٦) من حديث
أبي هريرة . وهو حديث حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٩٢٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٣٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٨٨).
٥٣٤

في الارتفاق، وأن ذلك مستحب؛ لأنه وارد على سبيل التعطف عليهم، وهو
غير واجب، وناسب لهذا أن يقال: فَلْيُعِنُه؛ لأن الله تعالى في عون العبد
ما كان العبد في عون أخيه المسلم(١).
(ك): (التكليف): تحميل الشخص شيئاً معه كلفة، وقيل: هو الأمر
بما يشق، ((وما يغلبهم))؛ أي: تصير قدرتهم فيه مغلوبة، وقوله: ((فليطعمه))
بضم الياء، وكذا («ليلبسه))، فإن قلت: ما الفائدة في العدول عن المطابقة
حيث لم يقل: مما يطعم كما قال: مما يلبس؟ قلت: الطعم جاء بمعنى
الذوق، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنَّ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ أي: من لم
يذقه، فلو قال: مما يطعم؛ لتوهم أنه يجب الإذاقة مما يذوق، وذلك غير
واجب(٢) .
(ن): الأمر بالإطعام مما يطعم وإلباسهم مما يلبس محمولٌ على
الاستحباب لا على الإيجاب بإجماع المسلمين، وأما فعل أبي ذر؛ فعمل
بالمستحب، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب
البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه، أو دونه، أو
فوقه، حتى لو قَثَّر السيدُ على نفسه إما زهداً وإما شحاً؛ لا يحلُّ له التقتيرُ على
المملوك وإلزامهُ موافقتَهُ إلا برضاه، وأجمع العلماءُ على أنه لا يجوزُ أن يكلِّفهُ
من العمل ما لا يطيقُهُ، فإن كلَّفهُ؛ لزمهُ إعانتهُ بنفسه أو بغيره، وفيه أن الدواب
ينبغي أن يحسن إليها، ولا تكلَّفَ من العمل ما لا تطيقُ الدوامَ عليه، وفيه
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٣٧٩).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٤٠).
٥٣٥

النهيُ عن الترفُّع على المسلمِ وإن كان عبداً، وفيه المحافظةُ على الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك(١).
(ق): هذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى الإحسان وإلى
سلوك طريق التواضع، حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده؛ إذ الكل
عبيدالله، والمال مال الله، لكن سخّر بعضَهم لبعضٍ؛ إتماماً للنعمةِ،
وتنفيذاً للحكمة (٢).
١٣٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ◌َُهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، قالَ: ((إِذَا أَتَى
أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ
لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ)) رواه البخاريُّ.
(الأُكلَةُ)) بضم الهمزة: هِيَ اللُّقْمَةُ.
* قوله آله: «فلیقعده معه» :
(ن): هذا حثٌّ على مكارم الأخلاق والمواساة في الطعام، لاسيما في
حق من حمله أو صنعه؛ لأنه وليَ حرَّهُ ودخانه، وتعلقت به نفسه وشم
رائحته(٣).
(ق): كان خلقه وَ ﴿ أن يأكل مع العبيد، ويطحن مع الخادم، ويشاركه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٣٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٥٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٣٥).
٥٣٦

في عمله، ويقول: ((إِنَّمَا أَنَا عبدٌ آكلُ كما يأكُلُ العَبدُ، وأَجلِسُ كما يَجلِسُ
العبدُ))(١)، ونقيض ذلك أخلاق البخلاء أهل النَّهم والجشع، و(أُكلَة) بضم
الهمزة: هي اللقمة في الفم(٢).
(تو): ((ولي)) يجوز أن يكون من الولاية؛ أي: تولَّى ذلك، وأن يكون
من الوَلْي، وهو القرب والدنو، والمعنى أنه قاسى كلفة اتخاذه وحملها عنك،
فينبغي أن يشاركه في الحظ منه.
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٩٧٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة
الصحيحة» (٢ / ٧٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٥٣).
٥٣٧

٢٣٥- باب
فضلِ المملوكِ الذي يؤدّي حقَّ الله وحقّ موالیهِ
١٣٦٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِهِ قالَ: ((إِنَّ العَبْدَ
إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ)) مُتَّفَقٌ
علیهِ .
١٣٦٣ - وعن أبي هريرةَ ﴿ُ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((لِلْعَبْدِ
المَمْلُوكِ المُصْلِحِ أجْرَانٍ))، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَوْلاَ
الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي؛ لأَحْيَيْتُ أنْ أَمُوتَ وَأنَاَ
مَمْلُوٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.
١٣٦٤ - عن أبي موسى الأشعريِّ طُ قَالَ: قَالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((المَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى
سَيِّدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وَالنَّصِيحَةِ، وَالطَّاعَةِ لهُ أجْرَانِ)) رواه
البخاري.
* قوله رقيق: «إذا نصح لسيده)):
(ط): يقال: نصحته ونصحت له، واللام في (سيده) للمبالغة،
٥٣٨

ونصيحة العبد لسيده امتثال أمره، والقيام بما عليه من حقوق سيده(١).
(ن): فيه فضيلة ظاهرة للمملوك المصلح، وهو الناصح لسيده،
والقائم بعبادة ربه المتوجهة عليه، وأن له أجرين؛ لقيامه بالحقين، وانكساره
برقٌّ.
وقول أبي هريرة: (لولا الجهادُ والحجُّ وبرُّ أمي؛ لأحببتُ أن أموتَ
وأنا مملوٌ) فيه أن المملوك لا جهادَ عليهِ ولا حجَّ؛ لأنه غير مستطيع،
والمراد ببرِّ أمه القيامُ بمصلحتها في النفقة والمؤن والخدمة، ونحو ذلك
مما لا يتأتى من الرقيق(٢).
(خط): وعليه امتحان الله أنبياءه، ابتلي يوسف عليه السلام بالرق،
ودانيال حين سباه بختنصر، وكذا ما روي عن الخضر حين سئل بوجه الله، فلم
يكن عنده ما يعطيه، فقال له: لا أملك إلا رقبتي، فبعني واستنفق ثمني(٣).
(ق): يفهم أن أبا هريرة فضل العبودية على الحرية؛ لمضاعفة أجر العبد
الصالح، وهذا لا يصح مطلقاً؛ فإن المعلوم من الشرع خلافه؛ إذ الاستقلال
بالدين والدنيا إنما حصل بالأحرار، والعبد كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة
المصرفة بالقهر، والبهيمة المسخرة بالجبر، ولذلك سلب مناصب الشهادات
ومعظم الولايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار؛ إشعاراً بخسة
المقدار، وكونه له أجره مرتين؛ لتعدد الجهتين، ومع ذلك فالحرُّ وإن طولب
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٨٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٣٥ - ١٣٦).
(٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٢ / ٦٥٣).
٥٣٩

من جهة واحدة، فوظائفه فيها أكثر، وعناؤه أعظم، فثوابه أكبر، وقد أشار أبو
هريرة بقوله: لولا الجهادُ وبرُّ أمي؛ أي: لولا النقص الذي يلحق العبد؛ لقوة
هذه الأمور (١).
١٣٦٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((ثلاثةٌ لَهُمْ
أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بمُحَمَّدٍ، وَالعَبْدُ
المَمْلُوكُ إِذَا أَذَى حَقَّ الله، وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ،
فَأَذَّبَها، فَأَحْسَنَ تَأْدِيِيهَا، وَعَلَّمَها، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمِهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا،
فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ)) مُتَّفَقٌ عليهِ.
* قوله مقلية: ((ثلاثة لهم أجران»:
(ك): ((ثلاثة)) مبتدأ تقديره: ثلاثة رجال، أو رجال ثلاثة، و((لهم
أجران)) جملة خبره، و((رجل)) بدل (ثلاثة)، إذا نظرنا إلى كل رجل؛ يكون
بدل البعض، وإن نظرنا إلى المجموع؛ يكون بدل الكل، أو الجملة صفته
و(رجل) وما عطف عليه خبره(٢).
(قض): المراد بالكتابي: النصرانيُّ الذي تنصَّر قبل المبعثِ وبلوغ
الدعوة إليه، وظهورِ المعجزة لديه، ويهوديٌّ تهوَّد قبل ذلك إن لم تجعل
النصرانية ناسخة لليهودية؛ إذ لا ثواب لغيره على دينه، فيضاعف
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٥٥).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٨٧).
٥٤٠