Indexed OCR Text

Pages 461-480

أو من الأجر والغنيمة معاً، إن غنموا، وقيل: إنَّ ((أو)) هاهنا بمعنى الواو، وكذا
وقع في رواية أبي داود بالواو، وكذا وقع في ((مسلم)) في رواية يحيى بن
يحيى(١).
(ق): (أو) جاء بمعنى الواو على مذهب الكوفيين، وأنشد:
كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَی علی قَدَرِ
نالَ الخِلافَةَ أَوْ كانَتْ لهُ قدراً
وذهب بعضهم: إلى أن الحاصل أحدُ الأمرين، إما الأجر لمن لم
يغنم، وإما الغنيمة والأجر، وهذا ليس بصحيح؛ لما في ((صحيح مسلم)):
(ما مِنْ غَازِيةٍ تَغْزُو فَيُصِيبُوا ويَغْنَمُوا إِلاَّ تَعَجَلُواْ ثُلُثَي أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرةِ،
ويَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ)) (٢)، وهذا نص في أنه يحصل مجموع الأجر والغنيمة(٣).
(ك): فإن قلتَ: الأجرُ ثابت للشهيد الداخلِ [في] الجنة، فكيف يكون
السالم والشهيد مُفترقَينٍ في أن لأحدهما الجَنَّةَ، وللآخر الأجْرَ؟ مع أن الجنة
أيضاً أَجْرٌ، قلتُ: هذا أجرٌ خاصٌّ، والجنة أعلى منه، فهما متغايران، أو أن
القسمين هما: الرَّجْعُ والإدخال، لا الأجر والجنة (٤).
(ن): (الكلم) بفتح الكاف، وإسكان اللام، هو: الجرح، و(يكلم)
بإسكان الكاف، وفيه دليل أن الشهيد لا يُزال عنه الدمُ بغسل ولا غيره،
والحكمة في مجيئه يومَ القيامة على هيئته: أن يكون معه شاهدُ فضيلتِه وبذلِه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١).
(٢) رواه مسلم (١٩٠٦) من حديث عبدالله بن عمرو ظـ
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٠٦).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥٦).
٤٦١

نفسه في طاعة الله تعالى، هذا وإن کان ظاهرُه في قتال الكفار، فيدخلُ فیه من
◌ُرحَ في سبيل الله في قتال البُغاة، وقُطَّاع الطريق، وفي إقامةِ الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، والله أعلم(١).
(ق): قد يُستدل بهذا على أن تغيُّر ريح الماء بالمخالطِ النجسِ
لا يخرجه عن أصله، كما لم يخرج الدمَ عن كونه دماً استحالةُ رائحته إلی
رائحة المسك، وهو قول عبد الملك، وقد يُستدل به أيضاً على نقيض ذلك،
وهو أن تغيُّر الرائحة يخرجه عن أصله، كما هو مذهب الجمهور؛ لأن الدمَ
لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك؛ خرج عن كونه مستخبثاً نجساً، فإنه
صار مِسكاً.
فإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ
وكذلك الماء إذا تغيرت رائحته، وأخرج البخاري هذا الحديث في
(المياه)(٢).
[(ن)]: وفيه دليل على جواز اليمين وانعقادها بقوله: [(والذي نفسي
بيده)، ونحوِ هذه الصيغة من الحلف بما يدلُّ على الذات]، وقولُه ◌َّ: ((ما
قعدت خلاف سرية))؛ أي: خَلْفَها ويعدَها، وفيه: ما كان عليه وَّه من الشفقة
على المسلمين والرأفة بهم، وأنه كان يترك بعضَ ما يختاره؛ للرِّفق بالمسلمين،
وأنه [إذا] تعارضت المصالح بدأ بأهمها، وفيه: مراعاة الرفق بالمسلمين،
والسعيُّ في زوال المكروه عنهم، والشفقةُ عليهم، وفي قوله ◌َّ: ((لوددت أن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٠٧)، والحديث رواه البخاري (٢٣٥).
٤٦٢

أغزو في سبيل الله فأقتل ... )) إلى آخر الحديث فضيلةُ الغزو والشهادة،
وفيه: تَمَنِّي الشهادة والخير، وفيه: تمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات،
وفيه: أن الجهاد فرض كفاية(١).
(ك): قال ابن بطال: وفيه: أيضاً أن الأعمالَ إيمانٌ؛ لأنه لمّا كان
الإيمان بالله هو المُخرِجَ له في سبيله؛ كان الخروجُ إيماناً بالله لا محالةَ،
كما تسمي العرب الشيءَ باسم ما يكون من سببه، كما تسمي المطرَ سماءً؛
لأنه من السماء ينزل(٢).
(ط): ثم وإن دلّ على التراخي في الزمان هنا، لكن الحمل على
التراخي في الرتبة هو الوجهُ؛ لأن المُتَمَنَّى حصولُ درجاتٍ بعد القتل،
والإحياءُ لم يحصل قبل، ومن ثَمَّ كررها؛ لنيل مرتبة بعد مرتبة، إلى أن
ينتهي إلى الفردوس الأعلى.
انظر أيها المتأمل، وتفكر في إيثاره وَّ صحبةَ أولئك الكَمَلَة على هذه
المراتب العلية؛ لتعلم فضلَهم ومكانتَهم عند الله تعالى، ومن ثَمَّ نَكَّرَ ((رجالاً))
تعظيماً وتفخيماً، وهم أشهر الناس، ولأمرٍ مَا خُوطب حبيبُ الله وَّ بالجلوس
إليهم، والصبرِ معهم في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرُ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾
[الكهف: ٢٨]، وبالمفارقة عنهم بقوله: ﴿فَتَطَرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
الأنعام: ٥٢](٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٢).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)): (١ / ١٥٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٢٦).
٤٦٣

١٢٩٦ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﴿ِ، عَنِ النَّبِيِوَهَ، قَالَ: ((مَنْ قاتلَ في
سَبِيلِ الله مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُواقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ جُرِحَ
جُرْحاً في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً؛ فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ
كَأَغْزَرِ ما كَانَتْ: لَوْنُها الزَّعْفَرَانُ، وَرِيحُهَا كالمِسْكِ)).
رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
* قوله: «فواق ناقة»:
(نه): هو ما بين الحَلْبَتين من الراحة، يُضَمُّ فاؤه ويُفتح(١).
قال في ((الفائق)): هو في الأصل: رجوع اللبن إلى الضرع بعد الحَلْب،
سُمِّي فواقاً؛ لأنه نزول من فوق(٢).
(ط): ((كأغزر)) الكاف زائدة، و((ما)) مصدرية، والوقت مقدر، يعني:
حينئذ تكون غزارةُ دمه أبلغَ من سائر أوقاته، والضمير في ((فإنها)) راجعة إلى
((النكبة)) وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة(٣).
(نه): نكبت أصبعه، أي: نالتها الحجارةُ، والنكبة: دلالة [على]
ما يصيب الإنسان من الحوادث(٤).
(ط): وقد سبق بيان الجرح والنكبة، فأعاد الضمير إلى النكبة [دلالةٌ]
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٧٩).
(٢) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (٣/ ١٤٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤٥).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ١١٢).
٤٦٤

على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة؛ فما ظنك بالجرح بالسِّنان، أو
السيفِ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا
يُنْفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، انتهى(١).
بقية هذا الحديث: ((ومَنْ خَرِجَ به خُرَاجٌ في سَبيلِ اللهِ فإنَّ عَلَيهِ طَابَعَ
الشُّهداءِ» .
(تو): (خراج) بالضم: ما يخرج في البدن من القروح، و(الطابع)
بالفتح الخاتم، والکسرُ لغةٌ فیه.
(ط): أي: عليه أمَارة الشهداء وعلامتُهم، ونسبة هذه القرينة مع
القرينتين الأوليين للترقِّي في المبالغة من الإثابة [بآثار] ما يصيب المجاهد
في سبيل الله من العدو تارة، ومن غيره أخرى، وطوراً من نفسه (٢).
١٢٩٧ - وَعَنْ أَبي هُرِيرةَ ظُهِ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِوَهُ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِن مَاءٍ عَذْبَةٍ؛ فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: لَوِ
اعتَزَلْتُ النَّاسَ، فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعبِ، ولَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ
رَسُولَ اللهِلَّهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِهِ، فَقَالَ: ((لا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّ
مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَاماً،
أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ؟ اغْزُوا فِي سَبِيل
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦٤٥).
(٢) المرجع السابق، (٨ / ٢٦٤٥ - ٢٦٤٦).
٤٦٥

الله، مَنْ قَاتَلَ في سَبيلِ الله فُوَاقَ نَقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ)). رواهُ
الترمذيُّ، وَقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
(والفُوَاقُ)): مَا بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ.
، قوله: ((بشِعب فيه عُبينةٌ من ماءٍ»:
(مظ): (بشِعب)) بكسر الشين؛ أي: بطريق وفسحة بين الجبلين(١).
(ط): ((من ماء) صفة ((عُبِينٌ)) جيء بها مادحةً؛ لأن التنكير فيها يدل
على نوع من ماء صاف تروق به الأعين، وتبهج به الأنفس، و((عذبة)) صفة
أخرى مميّزة للطعم، ومن ثم أُعجب الرجلُ، وتمنَّى الاعتزالَ عن الناس،
ويجوز أن تكون ((لو)) امتناعيةً، وقوله: ((فأقمت)) عطف على ((اعتزلت))،
وجواب (لو)) محذوف؛ أي: لكان خيراً لي.
وقوله: ((ألا تحبُّون أن يغفر الله لكم؟)) يؤذِن بأن اعتزالَ الرجل،
والاشتغالَ بالعبادة في ذلك الشعب لا يوجب الغفرانَ، ولا إدخالَ الجنة،
وليس [بذلك]، والجواب: أن المارَّ بالشِّعْب كان في صُحبة رسولِ الله وَه
وأصحابه القاصدين للغزو، وقد وجب عليه الغزو، وكان اعتزالُه للتطوع
معصيةً؛ لاستلزامه تركَ الواجب، ولذلك عمَّمَ الخطابَ بقوله: ((ألا
تحبون)» تعریضاً بغیره ممن صحبه یومئذٍ، انتھی(٢).
وفي هذا الحديث دلالة على أن العبد إذا خطر [له] الاشتغالُ بنوع
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٥٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤٨).
٤٦٦

من العبادة يتهم رأيه، ولا يُقدِم عليه إلا بدليل قطعي من الكتاب والسنة.
*
١٢٩٨ - وَعَنْهُ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! ما يَعْدِلُ الچِهَادَ في
سَبيلِ الله؟ قَالَ: ((لا تَسْتَطِيعُونَهُ))، فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَتَيْنٍ، أَوْ ثَلاثَاً،
كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: ((لا تَسْتَطِيعُونَهَ!))، ثمَّ قالَ: (مَثَلُ المُجَاهِدِ في
سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِ القَائِ القَّانِتِ بِآيَاتِ الله، لا يَفْتُرُ مِنْ صَلاةٍ،
ولا صِيامِ، حَتَّى يَرْجِعَ المجَاهِدُ في سَبِيلِ الله)) متفقٌ عليه. وهذا
لفظُ مسلِمٍ.
وفي روايةِ البخاريٍّ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يا رَسُولَ الله! دُلَّنِي عَلى
عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ. قالَ: ((لا أَجِدُهُ»، ثمَّ قال: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا
خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ، فَتَقُومَ وَلا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ
ولا تُفْطِرَ؟))، فَقَالَ: ومَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟!
· قوله ريقال : ((لا تستطيعونه)):
(ن): هكذا هو في بعض النسخ بالنون، وهذا جارٍ على اللغة
المشهورة، وفي معظم النسخ ((لا تستطيعوه))، وهو صحيح أيضاً، وهي لغة
فصيحة: حذف النون من غير ناصب ولا جازم، ومعنى ((القانت)): المطيع،
وفي هذا الحديث عظيم فضل الجهاد؛ لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات الله
أفضلُ الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل مَن لا يفتر عن ذلك في لحظة من
٤٦٧

اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتّى لأحد، ولهذا قال ◌َّ: ((لا تستطيعوه)(١).
(ق): أي: لا تطيقوا أن تفعلوا ما يساوي ثوابَ الجهاد، ووجهُه: أن
كل ما يصدر من المجاهد في حالتي نومه ويقظته، وسكونه وحركته هو
عملٌ صالح، يكتبُ له ثوابُه دائماً بدوام أفعاله؛ إذ لا يتأتّى لغيره فيه؛ لأنه
على كل أحواله ملابِسٌ للجهاد، وذلك أن المجاهد إما أن ينالَ من العدو،
أو يغيظَه، أو يُروِّعَه، أو يكثِّرَ سوادَ المسلمين، أو يصيبَه نَصَبٌ أو
مَخْمَصَةٌ، وكل ذلك أعمال كثيرة لها أجور عظيمة، كما في التنزيل:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيةَ، ولهذا شَبَّه المستغرقَ
في أفضل العبادات الذي لا يفتر بالمجاهد(٢).
(نه): ((القنوت)) في الحديث يَرِدُ لمعانٍ متعددة، کالطاعة، والخشوع،
والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكون(٣).
(ط): يحتمل: أن يراد هاهنا بالقانت: القائمُ، فيكون تعلُّق الباء به
كتعلقه في قولك: قام بالأمر، إذا جدَّ فيه، وتَجَلَّد له، فالمعنى: القائم بما
يجب عليه من استفراغ الجُهد في معرفة كتاب الله، والامتثال لما أُمِرِ به،
والانتهاء عما نُهِيَ عنه، وأن يُراد به طولُ القيام، فيكون تابعاً للقائم؛ أي:
المصلي الذي يطوِّل قيامَه في الصلاة، ويُكْثِر قراءته فيها (٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٠٨ - ٧٠٩).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١١١).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٢٣ - ٢٦٢٤).
٤٦٨

١٢٩٩ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((مِنْ خَيرِ مَعَاشِ
النَّاسِ لَهُم رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلى
مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةٌ، طَارَ عَلَى مَتْنِهِ، يَبْتَغِي القَتْلَ أَوِ
المَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ أَو شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ، أَو
بَطْنٍ وادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ
رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِيْنُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّ فِي خَيْرٍ)) رواهُ مسلمٌ.
* قوله ◌َّفي: ((من خير معاش الناس لهم رجل)): سبق في (الباب
التاسع والستين).
١٣٠١ - وعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيَِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَال: ((مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً،
وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ»، فَعَجِبَ لِهَا أَبَوِ سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْها عَلَيَّ
يَا رَسُولَ الله، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِها العَبْدَ
مِئَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ»،
قالَ: وما هِيَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: ((الجِهادُ في سَبِيلِ الله، الجِهادُ
فِي سَبِيلِ الله)) رواهُ مُسلمٌ.
* قوله {قل: ((وجبت له الجنة)):
(ق): أي: من مات على ذلك فلا بدَّ [له] من دخول الجنة قطعاً،
٤٦٩

ولو أدخل النارَ في الكبائر؛ فمآلهُ إلى الجنة على كل حال، وقوله: ((وأخرى))؛
أي: خصلة أخرى، و((الدرجة)): المَنزِلة الرفيعة، ويراد بها: غُرَفُ الجنة،
ومراتبُها التي أعلاها الفردوسُ، ولا يُظَنَّ من هذا أن درجاتِ الجنة محصورةٌ
بهذا العدد، بل هي أكثر من ذلك، ولا يعلم حصرَها وعددَها إلا الله
تعالى، ألا تراه قد قال في الحديث الآخر: ((يُقالُ لصَاحِبِ القُرآنِ: اقْرَأْ
وارْقَ، فإنَّ مَنزِلَتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تَقْرؤُها))(١)، فهذا يدل على أن في الجنة
درجاتٍ على عدد آيِ القرآنِ، وهي تنيفُ على ستة آلاف آية، فإذا اجتمعت
للإنسان فضيلةُ الجهاد مع فضيلةِ القرآن؛ جُمِعَتْ له تلك الدرجاتُ كلُّها،
وهكذا مَن زادتْ أعمالُه؛ زادتْ درجاتُهُ(٢).
(ن): قال القاضي: يحتمل: أن هذا على ظاهره، وأن الدرجاتِ هنا
هي المنازلُ التي بعضُها أرفعُ من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازلِ أهلِ
الجنة، كما جاء في أهل الغُرَفِ: أنهم يتراءون كالكوكب الدُّرِّيِّ، قال:
ويحتمل أن المرادَ الرفعةُ بالمعنى من كثرة النعيم العظيم والإحسان، مما لم
يخطر على قلب بشر، ولا يَصِفهُ مخلوق، وأن أنواع ما أنعم الله عليه من
البرّ والكرامة كبيرٌ أو يكون تباعُده في الفضل كما بين السماء والأرض في
البُعد، قال: والاحتمال الأول أظهر وهو كما قال(٣).
(١) رواه أبو داود (١٤٦٤) من حديث عبدالله بن عمرو خلالها. وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٨١٢٢).
(٢) انظر: ((المفهم) للقرطبي (٣/ ٧١٠ - ٧١١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٨).
٤٧٠

١٣٠٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي ﴾، وَهُو بِحَضْرَةِ العَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ.
(إِنَّ أَبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))، فَقَامَ رَجُلٌ رَتُّ الهَيْئَةِ،
فَقَالَ: يَا أبَا مُوسَى! أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ يَقُولِ هَذَا؟ قالَ:
نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلى أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ
جَفْنَ سَيْقِهِ فَأَلْقَاهِ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى العَدُوِّ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى
قُتِلَ. رواه مسلمٌ.
* قوله : ((إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف»:
(خط): معنى ظلال السيوف: الدنو من القِرْن حتى يعلوه ظل سيفه،
لا يولي عنه ولا يفر منه، وكل شيء دنا منك فقد أظلك، قال:
ورَتَّقْتِ المنيَّةُ فِهِيَ ظِلٌّ
على الأَقْرَانِ دانيةَ الجَنَاحِ(١)
(ن): أي: الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة، وسبب
لدخولها (٢).
(ق): هذا من الاستعارة البديعة والألفاظ البليغة التي لا ينسج على
منوالها، ولا يقدر بليغ أن يأتي بمثالها؛ يعني بذلك: أن من خاض غمرات
الحروب، وباشر حال المسايفة، كان له جزاء الجنة، وهذا من باب قوله:
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٢٦٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٦).
٤٧١

((الجنة تحت أقدام الأمهات))؛ أي: من تذلل لهنّ وأطاعهنّ، وصل إلى الجنة
ودخلها(١).
(ن): ((جفن سيفه)) بفتح الجيم وإسكان الفاء وبالنون، وهو غمده(٢).
* قوله: ((ثم قاتل حتى قتل)»، سبق شرحه في (الحديث الثالث) من
(الباب العاشر).
١٣٠٣ - وَعَن أَبِي عَبْسٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبْرِ ﴾، قالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((ما اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ
النَّارُ)) رواهُ البُخاريُّ.
* قوله: «فتمسه النار)):
(ط): هذا مسبب عن قوله: ((اغبرت))، والنفي منصب على القبيلين
معاً، وفائدته أن غير المذكور محال حصوله، فإذا كان مس الغبار قدميه دافعاً
لمس النار، فكيف إذا سعى فيها، واستفرغ جهده، وألقى النفس عليها
بشراشره، فقتَل وقُتْل(٣).
* قوله ◌َّفر: ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله))، سبق في (الباب الرابع
والخمسين).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٣٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٦ - ٤٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٢٧).
٤٧٢

١٣٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴾
يَقُولُ: ((عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُما النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ
بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ الله)) رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله ﴾﴾: «عين بكت من خشية الله)):
(ط): كنى به عن عين المجاهد مع النفس والشيطان، والعين التي
تحرس هي [عين] المجاهد مع الكفار، فحصلت النسبة بين العينين(١).
وسبق في مزيد شرح لهذا الحديث.
*
١٣٠٦ - وعَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ ◌َهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ:
((مَنْ جَهَّزَ غَازِياً في سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في
أَهْلِهِ بِخَيْرِ، فَقَدْ غَزَا)) متفقٌ عليهِ.
* قوله وَل: ((من جهز غازياً))، سبق في (الباب الحادي والعشرين).
١٣٠٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ:
(أَفْضَلُ الصَّدَقاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ فِي سَبِيلِ الله، وَمَنيِحَةُ خادِمٍ في
سَبِيلِ الله، أَو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سَبِيلِ الله)) رواه الترمذيُّ، وقالَ:
(١) المرجع السابق (٨ / ٢٦٤٧).
٤٧٣

حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
* قوله: ((ظل فسطاط)):
(نه): هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق(١).
* [و ((طروقة فحل)]؛ أي: يعلو الفحل مثلها في سنها، وهي (فَعُولة)
بمعنى مفعولة؛ أي: مركوبة للفحل، و((منيحة الورق)) القرض، و((منيحة
اللبن)) أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها زماناً ويعيدها، وقد تقع المنيحة على
الهبة مطلقاً، لا قرضاً ولا عارية.
(ط): كان من الظاهر أن يقال: منيحة فسطاط، فوضع الظل موضعها؛
لأن غاية منفعتها الاستظلال بها(٢).
١٣٠٨ - وَعَنْ أَنَسِ هِ: أَنَّ فَتَىّ مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ الله!
إِنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ، وَلَيْسَ مَعِي ما أَنَجَهَّزُ بِهِ، قَالَ: ((ائْتِ فُلاناً، فَإنُّ
كانَ قَدْ تَجَهَّزَ، فَمَرِضَ))، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ يُقْرِتُكَ
السَّلامَ، ويقولُ: أَعْطِنِ الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ. قَالَ: يَا فُلانةُ! أَعْطِيهِ
الَّذِي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئاً، فَوَاللهِ! لا تَحْبِسِي
مِنْهُ شَيْئاً، فَيُبَارَكَ لَكِ فِهِ. رواه مسلمٌ.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٤٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤٦).
٤٧٤

* قوله: ((أن فتى من أسلم))، سبق في الباب (الحادي والعشرين)،
وکذلك حديث أبي سعيد.
١٣١٠ - وَعَنِ البَرَاءِ ﴿هِ، قالَ: أَتَى النَّبيَّ ◌َهُ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ
بِالحَدِيدِ، فَقَال: يا رَسُولَ الله! أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: ((أَسْلِمْ، ثُمَّ
قَائِلْ))، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ. فَقَالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((عَمِلَ قَلِيلاً،
وَأُجِرَ كَثِيراً).
* قوله: «مقنع بالحدید» :
(نه): هو المتغطي بالسلاح، وقيل: هو الذي على رأسه بيضة،
وهي الخوذة؛ لأن الرأس موضع القناع، ومنه الحديث: إن رسول الله وَيه
زار قبر أمّه في ألفِ مُقنَّع؛ أي: ألف فارس مغطى بالسلاح(١).
(ك): هذا الرجل اسمه الأصرم ـ بالمهملة -: عمرو بن ثابت، وحاله
من الغرائب؛ لأنه دخل الجنة ولم يسجد لله قط سجدة(٢).
١٣١١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﴿هِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قالَ: ((مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ
الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ ما عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١١٤).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٢ / ١١١).
٤٧٥

الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِما يَرَى
مِنَ الكَرَامَةِ».
وفي روايةٍ: ((لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهادَةِ» مُتفقٌ عليهِ.
* قوله وقال: ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على
الأرض»:
وفي رواية لمسلم: ((ما من نفس تموت لها عند الله خيرٌ يسرُّها أنها
ترجع إلى الدنيا، و[لا] أن لها الدنيا وما فيها))(١):
قال الإمام الغزالي رحمه الله: اعلم أن العبد ينكشف له عقيب الموت
من سعة جلال الله ما يكون بالإضافة إليه كالسجن والضيق، ويكون مثاله
كالمحبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف، لا يبلغ
إليها طرفه، فيها أنواع الأزهار، والأشجار، والطيور، والثمار، فلا يشتهي
العود إلى السجن المظلم، وقد ضرب رسول الله وَّر لهذا مثلاً فقال لرجل
مات: ((أَصَبحَ هذا منَ الدُّنيا مُرتَحِلاً وتركَها لأَهلِهَا، فإِنْ كانَ قَدْ رَضِيَ،
فلا يَسرُّهُ أَن يَرجِعَ إلى الدُّنْيَا كَمَا لاَ يَسْرُّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَرجِعَ إِلى بَطْنِ أُمِّهِ»،
فعرّفك بهذا أن نسبة سعة الآخرة إلى الدنيا كنسبة سعة الدنيا إلى ظلمة
الرحم .
وقال وََّ: ((إِنَّ مَثَلَ المُؤمِنِ في الدُّنيا كَمَثَلِ الجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؛ إِذَا
خَرَجَ مِن بَطنِهَا؛ بكَى عَلَى مَخْرِجِهِ، حتَّى إِذا رَأَى الضَّوْءَ؛ لَم يُحِبَّ أَنْ
(١) رواه مسلم (١٨٧٧)، من حديث أنس ظـ
٤٧٦

يَرجِعَ [إلى مكانه، وكذلك المؤمن يجزع من الموت، فإذا أفضى إلى ربه
لم يحب أن يرجع إلى] الدُّنيا كَمَا لاَ يُحِبُّ الجَنِينُ أَنْ يَرجِعَ إلى بَطْنِ أُمِّهِ»،
رواه ابن أبي الدنيا أيضاً مرسلاً عن سليم الجنائزي(١).
· قوله ◌َّل: ((إلا الشهيد)»:
(ن): هذا من صريح الأدلة في عظيم فضل الشهادة، والله المحمود
المشكور، وأما سبب تسميته شهيداً، فقال النضر بن شميل: لأنه حيٌّ؛ فإن
أرواحهم شهدت وحضرت دار السلام، وأرواح غيرهم إنما تشهدها یوم
القيامة .
وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة .
وقيل: إنه يشهد عند خروج روحه ما أعده الله له من الثواب والكرامة .
وقيل: لأن ملائكة الرحمة یشهدونه فيأخذون روحه.
وقيل: لأنه يشهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.
وقيل: لأنه عليه شاهد بكونه شهيداً، وهو الدم.
وقيل: لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة
إليهم، وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف(٢).
(نه): وقيل: لأنه حي لم يمت كأنه شاهد؛ أي: حاضر.
وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله تعالى حتى قتل، فهو (فَعِيل)
بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول على اختلاف التأويل(٣).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٤٩٦ - ٤٩٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٤).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٥١٣).
٤٧٧

(قض): بمعنى المفعول؛ لأن الملائكة تحضره وتبشره بالفوز والكرامة،
أو بمعنى فاعل؛ لأنه يلقى ربه ويحضر عنده كما قال: ﴿وَالشُّهَدَآءُ عِندَ
رَبِهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، أو من الشهادة؛ فإنه بين صدقه في الإيمان والإخلاص في
الطاعة ببذل النفس في سبيل الله(١).
١٣١٢ - وَعَنْ عَبدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ◌َ﴾: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((يَغْفِرُ اللهُ لِلشَّهيدِ كُلَّ ذَنْبٍ إِلَّ الدَّيْنَ)) رواه
مسلمٌ.
وفي روايةٍ له: ((القَتْلُ في سَبيلِ الله يُكَفِّرُ كُلَّ شَيءٍ إِلَّ الدَّيْنَ)).
١٣١٣ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴿لَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِّرِ قَامَ فِيهِمْ،
فَذَكَرَ أَنَّ الجِهادَ في سَبيلِ الله، وَالإِيمانَ بالله، أَفْضَلُ الأَعْمَالِ،
فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ الله،
أَتْكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَيِ: ((نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ في
سَبِيلِ الله وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ))، ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللهِِّ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟))، قالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ
الله، أَتْكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَاتِيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَعَمْ، وَأَنْتَ
صَابِرٌ مُخْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إلَّ الدَّيْنَ؛ فَإِنَّ حِبْرِيلَ عَلَيْهِ
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢/ ٥٨٨).
٤٧٨

السَّلامُ قالَ لِي ذَلِكَ» رواهُ مسلمٌ.
* قوله سي: ((يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين))، سبق في (الباب
السادس والعشرين)، وحديث أبي قتادة سبق في (الباب العاشر).
١٣١٥ - وعَنْ أَنَسِ ◌َ﴿ُه، قالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَه
وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ المُشْرِكُونَ، فقالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لا يَقْدُمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَ))،
فَدَنَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا
السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ))، قالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ ﴾:
يا رَسُولَ الله! جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قالَ: ((نَعَم))، قالَ:
بَخٍ بَخٍ !، فقالَ رَسُولُ اللهِ: ((ما يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟»،
قالَ: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ الله! إِلَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِها، قال: ((فَإِنََّكَ
مِنْ أَهْلِهَا))، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَِّهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قالَ:
لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ! فَرَمَى بِمَا
كانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رواهُ مسلمٌ.
(القَرَنَ)) بفتح القاف والراء: هو جَعْبَةُ التُّشَّاب.
٤٧٩

* قوله ێ: «لا یقدمن أحد منکم إلى شيء حتی أکون أنا دونه»:
(ن): أي: قدامه متقدماً في ذلك الشيء؛ لئلا يفوت شيء من
المصالح التي لا تعلمونها (١).
(ط): ((قوموا إلى جنة)) عدّاه بـ (إلى) لإرادة معنى المسارعة، كما
في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ووصف الجنة بالعرض مبالغة عرفاً، وتخصيص
العرض بها دون الطول دلالة على أن العرض إذا كان كذلك فما بال
الطول؟(٢)
(ق): هذا مخاطبة لنا بما شاهدناه؛ إذ لم نشاهد أوسع من السماء
والأرض(٣).
(ن): عُمَيرُ بن الحُمَام؛ بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم.
وقوله: ((بخٍ بخٍ)) فيه لغتان: إسكان الخاء، وكسرها منوناً، وهي
كلمة لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخبر(٤).
(ق): (إلا رجاء) رويته بتخفيف الهمزة من غير تأنيث على أن يكون
مفعولاً من أجله، والأولى فيه الرفع على أن يكون فاعلاً لفعل مضمر، يدل
عليه قوله: ((ما يحملك على قولك: بخ بخ؟))؛ أي: لا يحملني على
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٣٧).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٣٥).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٥).
٤٨٠