Indexed OCR Text

Pages 41-60

و((الفضيلة)): المرتبة الزائدة على سائر الخلائق.
و((مقاماً محموداً) أي: مقاماً يحمده الأولون والآخرون، وهو مقام
ليس أحد إلا تحت لوائه وي، وهو مقام الشفاعة العظمى؛ حيث اعترف
الجميع بعجزهم، ويقال له وَّر: اشفع تشفع، فيشفع لجميع الخلائق في
إزاحة هول الموقف، وكشف كربة العرصات.
فإن قلت: ما وجه نصبه لامتناع أن يكون مفعولاً فيه؛ لأنه مكان غير
مبهم، فلا يجوز أن يقدَّر (في) فيه؟
قلت: يجوز أن يلاحظ في البعث معنى الإعطاء، فيكونَ مفعولاً
ثانياً، أو هو مشابه للمبهم فله حکمه، ثم إن النحاة جوّزوا (رميت مرمی
زید، وقتلت مقتل عمرو)، وهذا مثله(١).
((الكشاف)): هو منصوب على الظرف؛ أي: عسى أن يبعثك يوم
القيامة، فيُقيمَك مقاماً محموداً، أو ضُمِّن (يبعثك) معنى (يقيمك)، ويجوز أن
يكون حالاً بمعنى: يبعثك ذا مقامٍ محمود(٢).
(ط): ((الذي وعدته)) الموصول مع صلته إما بدل، أو نصبٌ على
المدح، أو رفع بتقدير أعني أو هو، ولا يجوز أن يكون صفة للنكرة؛ لأنه إنما
نكر لأنه أَفْخَمُ وأَجْزَلُ، كأنه قيل: مقاماً أيَّ مقام يغبطه الأولون والآخرون.
ثم أقول: إن قوله: ((الله أكبر)) إلى قوله: ((محمَّد رسول الله)) هي
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ١٣ - ١٤).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢ / ٦٤٢). وانظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني
(٥/ ١٤).
٤١

الدعوة التامة وكلمة التوحيد الباقية الدائمة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ
بَاقِيَةً فِىعَقِهِ،﴾ [الزخرف: ٢٨] أي: عقب إبراهيم.
وقوله: ((حي على الصلاة)) هو المشار إليه بقوله: ((الصلاة القائمة)) في
قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٣]، فإن المكلف إذا أقبل عليها بكلِّيته،
وحافظ على تعديل أركانها وفرائضها، وسننها وآدابها؛ كانت قائمة مستقيمة
مِنْ أقام العود [إذا](١) قومها، فهاتان الكلمتان وسيلتان إلى طلب الفلاح،
والفوز في العقبى بالدرجات العالية المشار إليها بقوله: ((آت محمَّداً الوسيلة
والفضيلة»(٢)، انتهى.
قال الحافظ إسماعيل التميمي الأصفهاني: في هذا الحديث الحضّ
على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبوابُ السماء للرحمة، وقد جاء:
((سَاعَتَانِ لاَ يُرَدُّ فِيْهِمَا الدُّعَاءُ: حَضْرَةُ النِّدَاءِ بِالصَّلاَةِ، وَحَضْرَةُ الصَّفِّ فِي
سَبيلِ الله)(٣)، فدلهم وَّر على أوقات الإجابة.
واللام هاهنا بمعنى (على)، بمعنى: حلَّتْ عَليه.
والربُّ بمعنى المستحِق؛ أي: يستحق أن يوصف بها.
١٠٤١ - وَعَنْ أَنَسِ عَه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((الدُّعَاءُ
(١) في الأصل: ((و))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٩١٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩١٣).
(٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٧٦٤)، من حديث سهل بن سعد نَُّته، بنحوه
وهو حديث منكر. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٧٤).
٤٢

لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذانِ وَالإِقَامَةِ) رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقال:
حديثٌ حسنٌ.
* قوله: ((الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة)»: خرج أبو داود في
((سننه)) عن سهل بن سعد رُه قال: قال رسول الله وَّ: ((ثِنْتَانِ لاَ يُرَدَّان، أو
قَلَّمَا يُرَدَّان: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ البَأْسِ حِيْنَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً)(١).
(ط): قرن الدعاء بين الأذانين عند حضور الشيطان بعد الأذان؛
لارتفاع الخطرات والوسواس، ودفع المصلي إياه بالالتجاء والاستعانة،
كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ إلى آخرها = بالدعاء عند التحام
البأس، والمحاربة مع أعداء الدين؛ لكونهما مجاهَدَين في سبيل الله(٢).
(١) رواه أبو داود (٢٥٤٠) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٦٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩١٩/٣).
٤٣

١٨٧- باب
فضلِ الصلواتِ
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اُلضَّلَوْةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَّرِ﴾
[العنكبوت: ٤٥].
(الباب العاشر بعد المئة)
(في فضل الصلاة)
١٠٤٢ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﴿به، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهُ
يَقُولُ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابٍ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ
مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَبِهِ شَيْءٌ؟))، قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَبِهِ شَيْءٌ؛
قالَ: ((فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا))،
متفقٌ عليه.
١٠٤٣ - وعَنْ جَابِرٍ ◌َُهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَثَلُ
الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلى بَابٍ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ
كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ»، رواه مسلمٌ.
٤٤

((الغَمْرُ)) بفتح الغين المعجمةِ: الکثیرُ.
١٠٤٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه: أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ
قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
طَرَفَِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: ١١٤]،
فقالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هذا؟ قال: ((لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ))، متفقٌ عليه.
١٠٤٥ - وعَنْ أَبي هُرِيرةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ:
((الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ،
ما لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ))، رواه مسلمٌ.
(غب): ((الصلاة)): هي العبادة المخصوصة، أصلها الدعاء، وسمِّيتْ
هذه العبادةُ بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، والصلاة من العبادات
التي لم تنفك شريعة منها وإن اختلفت صورها بحسب شَرع فَشَرْع، ولذلك
قال: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِشَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال
بعضهم: الصلاة من الصلاء، وهو الاتقاد بالنار، ومعنى صلى الرجل؛ أي:
إنه أذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة الصلاء الذي هو نار الله الموقدة(١)،
انتھی .
قال شيخ الإسلام عمر السُّهْرَوردي رحمه الله: اشتقاق الصلاة قيل :
من الصلاء وهي النار، والخشبة المعوجَّةُ إذا أرادوا تقويمها تعرَض على
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٨٥).
٤٥

النار ثمَّ تقوم، وفي العبد اعوجاجٌ؛ لوجود نفسه الأمَّارة بالسوء، وسبحات
وجهِ الله الكريم التي لو كشف حجابها؛ أحرقت من أدركته يصيب بها
المصلي من وهج سطوة الإلهية، والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه، بل
يتحقق به معراجه، فالمصلي كالمصطلي بالنار، ومن اصطلى بنار الصلاة،
وزال بها اعوجاجه لا يُعرض على نار جهنم إلا تَحِلَّةَ القَسَم، والصلاة صلة
بين العبد وبين الرب، وما كان صلة بينه وبين الله؛ فحق العبد أن يكون
خاشعاً لصولة الربوبية على العبودية.
* قوله تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ﴾
[العنكبوت: ٤٥] أي: المواظبة عليها تنهى عن الفواحش والمنكرات، خرّج
الطبراني عن ابن عباس ﴿4﴾ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ
عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلاَّ بُعْدا)(١) والموقوف على ابن
عباس أصح.
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي هريرة ظُ أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّ فقال:
إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: ((إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ))(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اُللَّهِأَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: وذكر الله في
الصلاة هو المطلوب الأكبر.
قال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في الصلاة، فأنت في معروف،
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١٠٢٥) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (٥٨٣٤).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٤٤٧) وهو حديث صحيح. انظر: ((تخريج
أحاديث المشكاة)) (١٢٣٧).
٤٦

وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر(١).
وقال ابن عباس ﴾: ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ذكرهم
إياه(٢). ورُوي هذا أيضاً عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وسلمان الفارسي،
وغيرهم، واختاره ابن جرير(٣).
(م): قولهم: الصلاة تنهى عنها ما دام العبد في الصلاة نقول: هذا
كذلك، لكن ليس المراد هذا، وإلا لا يكون مدحاً كاملاً للصلاة؛ لأن
غيرها من الأشغال كثيراً ما يكون كذلك، کالنوم في وقته، وغيره، ونحن
نقول: الصلاة الصحيحة شرعاً، وهي التي أتى بها المكلف الله، حتى لو
قصد بها الرياء، لا تصح صلاته شرعاً، ويجب عليه الإعادة، فهذه الصلاة
لما فيها من القراءة والقيام، والركوع والسجود، والخضوع والخشوع [تفيد
انكسار] القلب من هيبة الله سبحانه، وزوال التمرُّد عن الطبع، وحصول
الانقياد لأوامر الله، والانتهاء عن مناهيه من وجوه:
الأول: من كان يخدم ملكاً عظيم الشأن، كثير الإحسان، ويكون
عنده بمنزلة، ويرى عبداً من عباده قد طرده طرداً لا يتصور قبوله يستحيل
من ذلك المقرَّب عرفاً أن يترك خدمة ذلك الملك، ويدخل [في طاعة](٤)
المطرود.
الثاني: أنَّ مباشر القاذورات کالزبال والکناس قد یکون له لباس نظيف
(١) رواه الطبري في ((التفسير)) (٢٠ / ١٥٥).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((التفسير)) (٢٠ / ١٥٦).
(٣) انظر: ((تفسير الطبري)) (٢٠ / ١٥٨).
(٤) في الأصل: (تحت))، والتصويب من ((تفسير الرازي)) (٢٥ / ٦٤).
٤٧

إذا لبسه، لا یباشر معه القاذورات، وکلما کان ثوبه أرفعَ؛ یکون امتناعه أکبر،
فكذلك العبد إذا صلى، لبس لباس التقى، وهو خير لباس، نسبته أعلى من
نسبة الديباج المُذهَّب إلى الجسم فإذاً من لبس هذا اللبس؛ تستحيل منه
مباشرة قاذورات الفحشاء والمنكر، ثم الصلاة متكررةٌ واحدةً بعد واحدة،
فیدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع.
الثالث: من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد، فإذا دخل في خدمة
ملك، وأعطاه منصباً له مقام خالص؛ لا يجلس إلا في ذلك الموضع، فلو
أراد أن يجلس في صف النعال؛ لا يُترك، فكذا العبد إذا صلى، دخل في
طاعة الله، ولم يبق يحكم نفسه، وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني:
من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر.
والوجه الرابع: موافق لما وردت به الأخبار، وهو أن من يكون بعيداً
عن الملك، کالسوقي لا يبالي بما يفعل، یأکل في دكان الهراس والرواس،
ويجلس مع أجناس الناس، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك؛ لا تمنعه
تلك القربة من تعاطي ما يفعله، فإذا ازدادت قربته وارتفعت منزلته؛ لم
يمكنه مباشرة تلك الأفعال، فكذلك العبد إذا أسلم، ثم صلى وسجد؛
صار له قرب، فإذا كان ذلك القدر من القرب لا يمنعه من المعاصي
والمناهي، فيكرر الصلاة والسجود، ويزداد مكانه حتى يرى على نفسه من
آثار الكرامة ما يستبعد من نفسه الصغائر فضلاً عن الكبائر(١).
الحديث الأول والثاني والثالث من هذا الباب سبق شرحه في (الباب
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٢٤/٦) و(٦٤/٢٥ -٦٥).
٤٨

الحادي والخمسين) في (الرجاء)، والحديث الرابع منه سبق في (الباب الثالث
عشر) في (بيان كثرة طرق الخير).
١٠٤٦ - وعَنْ عُثْمان بْنِ عَفَّنَ ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
يقولُ: ((ما مِن امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ
وُضُوءَها، وَخُشُوعَهَا، وَرُكوعَها، إِلَّ كانَتْ كَفَّارَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ
الذُّنُوبِ ما لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ))، رواه مسلمٌ.
* قوله ێ: «فیحسن وضوءها»:
(ن): أي: يأتي تاماً بكمال صفته، وفي هذا الحديث الحث على
الاعتناء بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعمل بذلك، والاحتياط فيه،
والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء، ولا يترخص
بالاختلاف، فيأتي بالتسمية والنية، والمضمضة والاستنشاق، واستيعاب مسح
الرأس، ومسح الأذنين، ودلك الأعضاء، والتتابع في الوضوء وترتيبه، وغير
ذلك من المختلف فيه، وتحصيل ماء طھور بالإجماع(١)، انتھی.
* قوله: ((خشوعها وركوعها)»: لم يذكر السجود؛ إما اكتفاءً بذكر
أحدهما عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]،
أو لأنه أشهر أركان الصلاة، ولهذا يقال للركعة المشتملة على النية والقيام،
والفاتحة والركوع، والاعتدال والسجود: ركعة، ويقال: سجدة، أو لأنه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١١١).
٤٩

استغنى عنه بذكر الخشوع؛ فإن الخاشع لا بدّ أن يأتي بأعمال الصلاة على
أتم وجه وأكمله ونحوها.
* قوله: ((ما لم تؤتَ كبيرة»:
(ن): معناه أن الذنوب كلَّها تغفر إلا الكبائر، فإنها لا تغفر، وليس
المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر؛
فإن هذا ۔ وإن كان محتملاً ۔ فسیاق الحدیث یأباه.
قال القاضي عياض: غفران الذنوب ما لم يكن كبيرة هو مذهب أهل
السنة وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة، ورحمة الله تعالى وفضله(١)، انتهى.
الجواب عن السؤال المشهور أنه إذا كفر الوضوء الصغائر؛ فماذا
تكفر الصلاة فقد سبق في الحديث الرابع عشر من (الباب الثالث عشر).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١١٢).
٥٠

١٨٨- باب
صلاة الصبحِ والعصرِ
(الباب الحادي عشر بعد المئة)
(في فضل صلاة الصبح والعصر)
١٠٤٧ - عن أَبي موسى ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((مَنْ
صَلَّى البَرْدَيْنِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» متفقٌ عليه.
((البَرْدَانِ)): الصُّبْحُ وَالعَصْرُ.
* قوله ◌َّي: ((من صلى البردين دخل الجنة))، سبق في (الباب الثالث
عشر).
(تو): من المعلوم الواضح أن النبي ◌َّ لم يخصص هاتين الصلاتين
بالمحافظة؛ تسهيلاً للأمر في إضاعة غيرهما من الصلوات، أو ترخيصاً
لتأخيرها عن أوقاتها، وإنما أمرنا بأدائهما في الوقت المختار، والمحافظة
عليهما في جماعة؛ لما فيهما من الفضل والزيادة في الأجر؛ فإن صلاة
الفجر يشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار، وصلاة العصر هي صلاة
الوسطى، وتجتمع فيها أيضاً ملائكة الليل، وملائكة النهار، ثم إحداهما
تثاقل [فيها] النفوس؛ لتراكم الغفلة، واستحلاء النوم، والأخرى تقام عند
٥١

قيام الأسواق في البلدان، واشتغال الناس بالمعاملات، فنبه المكلّفين على
هذه المعاني بزيادة تأكید.
١٠٤٨ - وعن أَبِي زُهَيْرٍ عَمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلَوعِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ غُرُوبِهَا))؛ يَعْني: الفَجْرَ، وَالعَصْرَ. رواه مسلمٌ.
* قوله ير: ((لن يلج النار)):
(ط): لن لتأكيد النفي في المستقبل وتقريره، وفيه دليل على أن
الورود في قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١] ليس بمعنى
الدخول، وهذا أبلغ من أن لو قيل: يدخل الجنة، وخصَّ الصلاتين
بالذكر؛ لأن الصبح وقتُ لذيذ الكرى، وفي الأخرى: يَحمى سوق البيع
والشراء، فيما يَتَلهَّى عنه إلا من كمل دينه، قال تعالى: ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا
بَعُ عَن ذِكْرِ اللّهِ﴾ [النور: ٣٧](١).
١٠٤٩ - وعن جُنْدُبِ بْنِ سُفيَانَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ:
((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَانْظُرْ يَا بْنَ آدَمَ، لا يَطْلُبَنَّكَ اللهُ
مِنْ ذِمَّتِهِ بِشيْءٍ))، رواه مسلم.
(١) انظر: ((مشكاة المصابيح)) للطيبي (٣/ ٨٩٤ - ٨٩٥).
٥٢

* قوله {يَّ: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله))، سبق في (الباب
الثامن والأربعين).
١٠٥٠ - وعَنْ أَبي هُريرةَ ◌َ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌ٍِّ:
(يَتَعَاقَبُونَ فِيَكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في
صَلاةِ الصُّبْحِ وَصَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمُ
اللهُ - وَهُوَ أَعْلِمُ بِهِمْ -: كَيفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ
يُصَلُّون، وأَيَّاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّون))، متفقٌ عليه.
* قوله {اقر: ((يتعاقبون فيكم ملائكة»:
(ن): الضمير في (يتعاقبون) ضمير الفاعل، وهو لغة بني الحارث،
وحكَوا فيه قولهم: أكلوني البراغيث، وعليه حمل الأخفش قوله تعالى:
﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣]، وقال سيبويه وأكثر النحويين: لا يجوز
إظهار الضمير مع تقدم الفعل، ويتأولون كل هذا، ويجعلون الاسم بدلاً من
الضمير .
ومعنى (يتعاقبون): تأتي طائفة بعد طائفة، وأما اجتماعهم في الفجر
والعصر؛ فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، وتكرمةً لهم أن جعل
اجتماع الملائكة عندهم في أوقات عبادتهم، واجتماعهم على طاعة ربهم،
فيكون شهادتهم لهم لما يشهدون من الخير، وأما السؤال عنهم وهو أعلم
بهم، فهو على ظاهره، وهو تعبُّدٌ منه لملائكته، كما أمرهم بكتب الأعمال
٥٣

للعباد، وهو أعلم بالجميع. قال القاضي: الأظهر وقول الأكثر: أن هؤلاء
هم الحَفَظة، وقيل: يحتمل أن يكونوا غير الحفظة(١).
(ك): كرر الملائكة [و] جيء بها نكرةً؛ دلالة على أن الثانية غير
الأولى، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ [سبأ: ١٢] (٢) .
(ق): هؤلاء الملائكة إن كانوا هم الحفظة ــ وعليه الأكثر - فيكون
السؤال عما أُمِروا به من حفظهم لأعمال العباد، وكتبهم إياها عليهم، وإن
كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي - فالسؤال إنما هو على جهة التوبيخ لمن
قال: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهار لما سبق في معلومه؛ إذ قال لهم:
﴿إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذه حكمة اجتماعهم في صلاتي
الفجر والعصر، أو یکون سؤاله لهم استدعاءً بشهادتهم لهم، ولذلك قالوا:
أتيناهم وهم يصلون، وهذا من خفيٍّ لطفه تعالى، وجميل ستره؛ إذ لم
يطلعهم على خلواتهم بلذاتهم، وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم،
فسبحانه من كريم حليم جليل، سَتَر القبيح، وأظهر الجميل(٣).
(ك): فإن قلت: سألهم عن كيفية الترك، فما الفائدة في ذكر الجزء
الثاني من الجواب وهو ((وأتيناهم))؟ قلت: زادوا على الجواب؛ إظهاراً لبيان
فضيلتهم، وحرصاً على ذكر ما يوجب مغفرتهم، كما هو وظيفتهم فيما أخبر
الله عنهم بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾[غافر: ٧] وأما تعاقبهم في هذين
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٣٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٩٩ - ٢٠٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٦١).
٥٤

الوقتين؛ فلأنهما وقتا الفراغ من وظيفتي الليل والنهار، ووقت رفع [أعمال](١)
العباد إلى الله تعالى فإن قلت: ما وجه التخصيص بالذين ((باتوا)) وترك (الذين
ظلوا)؟ قلت: إما للاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ
تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وإما لأن الليل مظِنَّةُ المعصية، ومظنة الاستراحة،
فلما لم يعصوا، واشتغلوا بالطاعة، فالنهار أولى بذلك، وإما لأن حكم طرفي
النهار يُعلم من حكم طرفي الليل، فذِكْرُه يكون تكراراً.
فإن قلت: قالت الشافعية: للعصر خمسة أوقات: وقت الفضيلة: وهو
أول الوقت، ووقت المختار: وهو مصير ظل الشيء مثليه، ووقت الجواز بلا
كراهة: وهو قبل الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر: وهو وقت الظهر عند
الجمع بينهما، فالفضيلة الواردة في حق صلاة العصر هي مختصة بمن صلاها
أول الوقت، أو عامة لجميع أحوالها؟
قلت: لما كانت هي أداء إلى المغرب صادقاً عليها صلاة العصر في
جميع أحوالها، كانت عامَّةً(٢).
١٠٥١ - وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَحَلِيِّ ◌َهِ، قالَ: كُنَّا عِنْدَ
النبيِّ وَّهِ، فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فقال: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا
تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا
(١) في الأصل: ((أعلام))، وهو خطأ.
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٢٠٠).
٥٥

عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِها، فافْعَلُوا))، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
* قوله : ((إنكم سترون ربكم)):
(ن): اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة في
الدنيا، غير مستحيلة عقلاً، وأجمعوا أيضاً على وقوعها في الآخرة، وأن
المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين، وزعمت طوائف أهل البدع المعتزلة
والخوارج، وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته
مستحيلة عقلاً، وهذا الذي قالوه خطأ صريح، وجهل قبيح، وقد تظاهرت
أدلة الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات
رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواه نحو من عشرين صحابياً عن
رسول الله وَّ، وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعين عنها
أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة.
وأما رؤية الله تعالى في الدنيا؛ فقد قدَّمنا أنها ممكنة، ولكن الجمهور
من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم أنها لا تقع في الدنيا، وحكى
الإمام أبو القاسم القشيري في ((رسالته المشهورة)) عن الإمام أبي بكر بن
فورك أنه حكى فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري :
أحدهما: وقوعها .
والثاني: لا يقع.
ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه،
٥٦

ولا يشترط فيها اتصال الأشعة، ولا مقابلة المرئي، ولا غير ذلك، لكن
جرت العادة في رؤية بعضنا بعضاً بوجود ذلك على جهة الاتفاق، لا على
سبيل الاشتراط، وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجلية، ولا يلزم
من رؤية الله سبحانه إثبات جهةٍ لله، تعالى عن ذلك، بل يراه المؤمنون
لا في جهة، كما يعلمونه لا في جهة(١).
(حس) سئل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ﴿ إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]
فقيل: يقولون قوم إلى ثوابه، فقال مالك: كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى:
﴿كَّ إِنَهُمْ عَن رَّتِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؟ قال مالك: الناس ينظرون إلى
الله يوم القيامة بأعينهم، وقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعيِّر الله
الكفار بالحجاب(٢).
* قوله تعالى: ((كما ترون هذا القمر)):
(ن): هذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، والرؤية مختصة
بالمؤمنين، وأما الكفار فلا يرونه سبحانه، وقيل: يراه منافقو هذه الأمة،
وهذا ضعيف(٣).
(ق): تأولت المعتزلة الرؤية في هذا الحديث بالعلم، فقالوا: معنى
رؤيته تعالى أنه يُعْلَمُ في الآخرة ضرورةً، وهذا خطأ لفظاً ومعنىّ، أما اللفظ،
فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥/٣ - ١٦).
(٢) المرجع السابق (١٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٣٤).
٥٧

أحدهما دون الآخر، وهي تعدَّت هنا إلى مفعول واحد، فهي للإبصار،
ولا يصح أن يقال: الرؤية هنا بمعنى المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت
بمعنى عرفت، ولكن بمعنى علمت أو أبصرت، وأما المعنى؛ فمن وجهين:
أحدهما: أنه ◌َ ل # شبه رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصح إلا
بالمعاينة .
وثانيهما: أن الكفار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فتُرفع
خصوصية المؤمنين بالكرامة، وبلذة النظر(١).
(ق): هذا تشبيه للرؤية، ولحالة الرائي لا المرئي، معناه: إنكم تستوون
في رؤية الله تعالى من غير مضارَّةٍ ولا مزاحمة، كما تستوون في رؤية الشمس
والبدر عياناً(٢).
(ن): ((تضامون)) روي بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شدَّدها فتَحَ التاء،
ومن خفَّفها ضمَّ التاء، ومعنى المشدَّدة: هل تتضامون وتتلطفون في التوصل
إلى رؤيته؟ ومعنى المخففة: هل يلحقكم ضيم، وهو المشقة والتعب(٣)؟
انتھی .
قال في ((جامع الأصول)): ((تضامون)) روي مخفَّفَ الميم، من الضَّيم
والظلم، المعنى: أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته، فيراه
البعض دون [البعض]، ويتشديد الميم: من الانضمام والازدحام؛ أي:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤١٥ - ٤١٦).
(٢) المرجع السابق (١ / ٤١٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٨).
٥٨

لا يزدحم بكم في رؤيته، ويضم بعضكم إلى بعض من مضيق، كما يجري
عند رؤية الهلال مثلاً دون القمر، إنما يراه كل منكم موسعاً عليه منفرداً
به (١) .
(قض): ترتيب قوله: ((إن استطعتم)) على قوله: ((سترون)) بالفاء يدل
على أن المواظب على إقامة الصلوات والمحافظة عليها خليق بأن يرى
ربه(٢).
: وقوله: ((وتغلبون)):
معناه: لا تصيروا مغلوبين بالاشتغال عن صلاتي الصبح والعصر.
(ق): قال المُهلَّب: لا تُغلبوا؛ أي: على شهودها في الجماعة(٣).
(ك): فإن قلت: ما المراد بلفظ (افعلوا)؛ إذ لا يصح أن يقال: افعلوا
الاستطاعة، أو افعلوا عدم المغلوبية؟
قلت: عدم المغلوبية كناية عن الإتيان بالصلاة، فكأنه قال: فأتوا
بالصلاة فاعلين لها (٤).
١٠٥٢ - وعَنْ بُرَيْدَةَ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ
تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ))، رواه البخاريُّ.
(١) انظر: ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١٠ / ٥٥٧).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣ / ٤٣١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٦١).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٩٩).
٥٩

* قوله: ((من ترك صلاة العصر حبط عمله)) :
(نه): يقال: حبط عمله يحبطه وأحبطه غيره: إذا أبطله، وهو من
قولهم: حبطت الدابة حبطاً بالتحريك إذا أصابت مرعى طيباً، فأفرطت في
الأكل حتى تنتفخ فتموت(١).
(تو): ليس ذلك من إحباط العمل الذي عمله قبل ذلك في شيء؛ لأن
ذلك غير جائز في حق المسلم؛ لما قد تبين لنا من أصول الشرع، وليس هذا
موضعَ إيرادِهِ، وإنما يحمل الهبوط على نقصان عمل يومه ذلك بترك العصر
التي هي الصلاة الوسطى، وخاتمة فرائض النهار؛ فإنه لو أقام تلك الفريضة،
رُفع عمل نهاره ذلك مكملاً، فأثيب عليه ثواباً موفوراً، فلما ترك صلاة العصر
نقص ثواب عمله، ونظائر هذا القول في طرق المجاز كثيرة.
وتحتمل - والله أعلم - وجهاً آخر وذلك أن نقول: أهل الإيمان متفاوتون
في درجات الثواب؛ فمنهم: من إذا عمل حسنة، جوزي عليها عشراً، وذلك
أدناهم، ومنهم: من يرتفع عن هذه المرتبة إلى أضعاف كثيرة لا يعلم عددها إلا
الله، فالذي ترك صلاة العصر إذا عمل حسنة بعد ذلك؛ لا يثاب عليها إثابة من
يقوم بها إذا عمل مثل تلك الحسنة، بل يتأخر عنه في مراتب الثواب حيث
لا يلحق شأوه، فذلك هو المراد من حبوط العمل في هذا الحديث.
(ط): إحباط ما سبق من العمل مخصوص بالمرتد؛ لقوله تعالى :
﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾
[البقرة: ٢١٧] والدليل على ذلك: أن (من) شرطية، وكان من حق الظاهر أن
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٣١).
٦٠