Indexed OCR Text

Pages 621-640

الافتتاح الذي لا انقطاع له على ما ورد في حديث الحَالِّ المُرتَحِل؛ كذلك
لا انقطاع لهذه القراءة، ولا للرُّقِيِّ، ولا للمنازل، فهو كما قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وهذه القراءة لهم كالتسبيح
للملائكة، لا تشغلهم عن سائر مُسْتَلَذَّاتهم، بل هو المُسْتَلَدُّ الأعظم، ودونَهَ
كلُّ مُسْتَلَدِّ (١).
(نه): ((ترتيل القراءة)): التأني فيها، والتمهُّل، وتبيين الحروف
والحركات؛ تشبيهاً بالثَّغْرِ المُرَتَّل، وهو المُشبَّه بنَوْر الأُمْحُوان، انتهى (٢).
في قوله وَّج: (كما كنت ترتل في الدنيا) تحريضٌ على الاعتناء
بالترتيل، فمَن كان ترتيله القرآن في الدنيا أتمَّ وأكملَ؛ كان ارتقاؤه وعُروجه
في الدرجات أعلى وأفضلَ.
قال في ((المسند)) من حديث أبي سعيد عن النبيِّ وَّهِ قال: ((إنَّ للجَنَّةِ
مِئْةَ دَرَجَةٍ، ولو أنَّ العَالَمِينَ اجْتَمَعُوا في إحْدَاهُنَّ وَسِعَتْهُمْ))(٣).
وفي ((المسند)) عنه أيضاً، عن النبي ◌َّهِ قال: ((يُقالُ لصَاحِبِ القُرآنِ
إذا دَخلَ الجَنَّةَ: اقْرَأْ واصْعَدْ، فِيَقْرَأُ ويَصْعَدُ بَكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً، حتَّى يَقْرأَ آخِرَ
شَيْءٍ مَعَهُ))(٤)، وهذا صريحٌ في أن دَرَجَ الجَنَّة تزيد على مئة درجة.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٥٤).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١٩٤).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٢٩) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (١٩٠١).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٠) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٨١٢١).
٦٢١

وأما حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري: ((إنَّ في الجَنَّةِ مِئةَ دَرَجةٍ،
أعدَّها الله للمُجَاهِدينَ في سَبيلِهِ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ))(١)
الحديثَ: فإما أن تكون هذه المئة درجةٍ من جملة الدَّرَج، وإما أن تكون
نهايتُها هذه المئةَ، وفي ضِمْن كل درجة دَرَجُ دونها.
وروى الترمذيُّ من حديث أبي سعيد المُتقدِّم بلفظ: ((إنَّ في الجَنَّةِ
مِئَةَ دَرَجَةٍ))(٢).
وفي ((المسند)) بدون هاء(٣)، فإن كان المحفوظ ثبوتَها؛ فهي من جملة
دَرَجها، وإن كان المحفوظ سُقوطَها؛ فهي الدَّرَج الكبار المُتضمِّنة للدَّرَج
الصِّغار، ولا تناقض بين تقدير ما في الدرجتين بالمئة وتقديرها بالخمس مئة؛
لاختلاف السير في السرعة والبطء، والنبي ◌َّ ذكر هذا تقريباً للأفهام.
(١) رواه البخاري (٦٩٨٧).
(٢) رواه الترمذي (٢٥٣٢)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(١٩٠١).
(٣) في الأصل: ((بدونها)).
٦٢٢

١٨١- باب
الأمرِ بتعهُّدِ القرآنِ والتحذيرِ من تعريضِه للنسيانِ
١٠٠٢ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ه، عَنِ النَّبيِّ ◌َّهِ، قالَ: ((تَعَاهَدُوا
هَذَا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإِيِلِ
في عُقُلِهَا)) متفقٌ عليهِ.
* قوله وَلفي: ((تعاهدوا القرآن»:
(ن): (التعهد) و(التعاهد): هو التحقُّظ بالشيء، وتجدید العهد به،
ومعناه هاهنا: التوصية بتجديد العهد بقراءته؛ لئلا يذهب عنه، وفي معناه:
(اسْتَذْكِرُوا القُرآنَ بالذِّكْرِ))؛ أي: تفقدوا القرآن بالذكر، وهو عبارة عن
استحضاره في القلب، وحفظه عن النسيان بالتلاوة، وهو في رواية ابن
مسعود(١).
(نه): (التفلت)، و(الإفلات)، و(الانفلات): التخلّص من الشيء
فجأة من غیر تمكُّن، انتهى(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٧٧).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣ / ٤٦٧).
٦٢٣

في رواية لمسلم: ((أَشْدُّ تَفَصِّياً)، والتغصِّي من الشيء: التخلُّص منه(١).
(تو): (عقل) جمع عقال؛ مثل كتاب وكُتُب، يقال: عقلت البعير
أَعْقِلُهُ عَقْلاً، وهو أن يثنيَ وَظِيفَه مع ذراعه، فيشدَّهما جميعاً في وسط
الذراع، وذلك الحبل هو العِقال، ويجوز تخفيف الحرف الأوسط في
الجمع مثل گُتب وکتاب، والرواية فيه من غير تخفيف، وتقدير الكلام: هو
أشدُّ من الإبل تَفَصِّياً من عُقُلها، والمعنى: أن صاحب القرآن إذا لم يتعهَّدْه
بتلاوته، والتحفظ به، والتذكر حالاً فحالاً؛ كان أشدَّ ذهاباً من الإبل إذا
تخلَّصت من العِقال؛ فإنها تفلت حتى لا تكاد تُلْحَق.
(ط): شبَّه القرآن وكونَه محفوظاً عن ظهر القلب بالإبل الآبدة
النافرة، [وقد عُقل عليها] وشد بذراعيها بالحبل المتين، وذلك أن القرآن
ليس من كلام البشر، بل كلام خالق القِوى والقُدَر، وليس بينه وبين البشر
مناسبةٌ قريبة؛ لأنه حادث، وهو قديم، والله سبحانه بفضله العميم، وكرمه
القديم مَنَّ عليهم ومنحهم هذه النِّعمةَ العظيمة، فينبغي له أن يتعاهدَه
بالحِفظ والمواظبة عليه ما أمكنه(٢).
١٠٠٣ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: (إِنَّمَا مَثَلُ
صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبلِ المُعَقََّةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا، أَمْسَكَهَا، وَإِنْ
(١) رواه مسلم (٧٩٠/ ٢٢٨)، من حديث عبدالله بن مسعود ﴾
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٨٠).
٦٢٤

أَطْلَقَهَا، ذَهَبَتْ)) متفقٌ عليه.
(ن): قال القاضي: ((صاحب القرآن))؛ أي: الذي ألفه، والمصاحبة:
المُؤالفة، ومنه فلان صاحب فلان، وأصحاب الجنة، وأصحاب الحديث،
وأصحاب الرأي، وأصحاب الصُّفَّة، وفيه: الحَثُّ على تلاوة القرآن، والحذر
من تعریضه للنسیان، انتھی(١).
وقد ورد الحديث [في] ذم نسيان لفظ القرآن؛ كما في ((سنن أبي
داود))، و(الترمذي)): عن أنس ظُ قال: قال رسول الله وَّهُ: ((عُرِضَتْ عليّ
أُجورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُها الرَّجُلُ منَ المَسْجِدِ، وعُرِضَتْ عليَّ ذُنُوبُ
أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظمَ من سُورةِ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوِيهَا رَجُلٌ، ثمَّ نَسِيَهَا))(٢).
وعن سَعْد بن عُبادة عن النبيِّينَ﴿ه قال: ((مَنْ قرَأْ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ؛ لَقِيَ
اللهَ وَ يومَ القِيامَةِ أَجْذَمَ))، رواه أبو داود، والدارمي(٣).
(ق): ترك معاهدة القرآن، وتعريضُه للنسيان ذنبٌ عظيم، كما سبق
من حديث الترمذي، ومُتَعلَّق الذمّ تركُ ما أُمر به من استذكار القرآن
وتعاهده، لا يقال: حفظ جميع القرآن ليس واجباً على الأعيان، فكيف يُذَمُ
مَن تغافل عن حفظه؟
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٧٧).
(٢) رواه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (٣٧٠٠).
(٣) رواه أبو داود (١٤٧٤)، والدارمي (٣٣٤٠)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير» (٥١٥٣).
٦٢٥

لأنا نقول: مَن جمع القرآن؛ فقد علت رُتبتُه ومَزِيَّتُه، وشَرُف في
نفسه وقومه شرفاً عظيماً، وكيف لا يكون كذلك؟ ومَن حفظ القرآن؛
وكأنما أدرجت النبوة [بين] كتفيه، وقد صار ممَّن يقال فيه: هو من أهل الله
وخاصَّته، وإذا كان كذلك؛ فمن المناسب تغليظُ العقوبة على مَن أخلَّ
بمرتبته الدِّينية، ومُؤاخذتُه بما لا يُؤاخَذ به غيره؛ كما قال تعالى: ﴿َنِسَآءَ
النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ [الأحزاب:
٣٠]، لاسيما إذا كان الذنب مما يَحُطُّ تلك المنزلة ويُسقطها؛ كترك معاهدة
القرآن المُؤدِّي إلى الرجوع إلى الجهالة.
ويدل على صحة هذا التأويل ما رواه مسلم: عن عبدالله قال: قال
رسول الله وَّجُ: ((بِْسَمَا لِأَحَدِهم أَنْ يقولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وکَیْتَ، بل هو
نُشِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرآنَ فلهُوَ أَشَدُّ تفصِّياً من صُدورِ الرِّجَالِ منَ الإِبِل
بِعُقُلِها))(١)، روينا (نسي) مشدداً مبنياً للمفعول؛ أي: عوقب بتكثير النسيان
عليه لمَّا تمادى في التفريط، ورويناه مُخَفّفاً؛ أي: تُرِك غيرَ مُلْتَفت إليه،
ولا مُعتنىّ به، ولا مرحومٍ؛ كما قال الله: ﴿فَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛
أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة(٢).
(١) رواه مسلم (٧٩٠ / ٢٢٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٤١٩).
٦٢٦

١٨٣- باب
استحبابِ تحسينِ الصَّوْتِ بالقرآنِ،
وطلبِ القراءةِ من حَسَنِ الصوتِ، والاستماعِ لها
١٠٠٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴾
يَقُولُ: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ
يَجْهَرُ بِهِ» متفقٌ عليه.
مَعْنى ((أَذِنَ الله): أَي: اسْتَمَعَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلى الرِّضَا وَالقَبُولِ.
* قوله يلي: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي» :
(نه): أي: ما استمع لشيء كاستماعه لنبيٍّ يتغنى بالقرآن؛ أي: يتلوه
ویجھر به(١).
(حس): يقال: أَذِنْتُ للشيءٍ أَذَناً بفتح الألف والذال: إذا استمعتَ
له(٢).
(ن): هو بفتح الهمزة والذال مصدر أَذِن يَأْذَن أذَناً؛ كفرح يفرح
فرَحاً، وفي رواية لمسلم بكسر الهمزة وإسكان الذال، قال القاضي: هو
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٣).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٤ / ٤٨٥).
٦٢٧

على هذه الرواية بمعنى الحَثِّ على ذلك والأمر به(١).
(ط): المراد بـ (شيء) المسموعُ، فلا بدّ من تقدیر مضاف عند
قوله: ((لنبي))؛ أي: لصوت نبي، والنبي جنسٌ شائع في كل نبي، فالمراد
بالقرآن القراءة(٢).
(ن): لا يجوز أن يحمل الاستماع على الإصغاء؛ لأنه مُستحيلٌ على
الله تعالى، بل هو مجازٌ، ومعناه: الكناية عن تقريبه القارىءَ، وإجزال
ثوابه؛ لأن سماع الله تعالى لا يختلف(٣).
(ق): ((أذن))؛ أي: استمع وأَصْغَى، وأصله: أن المستمع يميل بأُذنه
إلى جهة المُسْتَمَع، وهذا من باب التوسُّع على ما جرى في عُرف
التخاطب؛ إذ الإِصْغاءُ إلى الشيء قَبُولٌ له، واعتناءٌ به، وفائدة هذا الخبر:
حَثُّ القارئ على إعطاء القراءة حقَّها من ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها
بالصوت الحَسَن ما أمكن(٤).
(ن): ((يتغنى بالقرآن)): معناه عند الشافعي وأصحابه، وأكثر العلماء من
الطوائف، وأصحاب الفنون: يُحَسِّن صوتَه به، وعند سفيان بن عيينة: يستغني
به، قيل: يستغني به عن الناس، وقيل: عن غيره من الأحاديث والكتب.
قال القاضي : يقال: تغنَیت وتغانیت بمعنى استغنيت.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٧٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٨٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٧٨).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٢١).
٦٢٨

قال الشافعي وموافقوه: تحزين القراءة، وترقيقها، واستدلوا بالحديث
الآخر: ((زَیِّنوا القُرْآنَ بأَصْوَاتِگُم»(١)، قال الأزهرُّ: معنی (یتغنی به): یجھر
به، وأنكر أبو جعفر الطبريُّ على مَن قال: يستغني به، وخَطَّأه من حيث اللغةُ
والمعنى، والصحيح: أنه من تحسين الصوت، ويؤيده قوله: ((يتغنى بالقرآن
یجهر به))(٢).
(ط): يريد أن قوله: (يجهر به) جملة مُبَيِّةٌ لقوله: (يتغنى بالقرآن)،
فلن يكون المُبَيَّن على خلاف البيان، كذلك (يتغنى بالقرآن) بيانُ قوله: (ما
أذن لنبي)؛ أي: لصوته، فكيف يُحمل على غير حُسْن الصوت؟! على أن
الاستماع يَنْبُو عن الاستغناء.
ويؤيده ما ورد في الصحيح: ((مَا أَذِنَ لنبيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ
يَجْهَرُ بهِ))(٣) .
(تو): هذه الزيادة - يعني: (حسن الصوت) - لا أراها وردت مَوْرِدَ
الاشتراط لأَذَنِ الله، بل وردت مَوْرِدَ البيان لكون كل نبيِّ حسنَ الصوت،
ومنه الحديث: ((ما بعثَ اللهُ نَبِيّاً إلا حَسَنَ الوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ)).
(حس): منهم مَن يجعل قوله: (يجهر به) تفسيراً للتغنِّي، وكلُّ مَن رفع
(١) رواه أبو داود (١٤٦٨)، من حديث البراء بن عازب ظه، وهو حديث صحيح.
انظر: «صحیح سنن أبي داود)) (١٣٢٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)): للنووي (٦ / ٧٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٨٢)، والحديث رواه البخاري (٧١٠٥)،
ومسلم (٧٩٢/ ٢٣٣)، من حديث أبي هريرة
٦٢٩

صوته بشيء مُعْلِناً به؛ فقد تغنَّى، ومنهم مَن لم يجعله تفسيراً، فمعنى التغني:
تحسين الصوت وتحزينُه؛ لأنه أوقع في النفوس وأَنْجَعُ في القلوب.
وفيه دليلٌ على أن المسموع من قراءة القارئ هو القرآن، وليس
بحكاية، وسُئل ابن الأعرابي عن هذا، فقال: كانت الأعراب تتغنى إذا
ركبت الإبل، وإذا جلست في الأفنية، وعلى أكثر أحوالها، فلمَّا نزل
القرآن؛ أحبَّ رسول الله ﴿ أن يكون القرآن هِجِّيراهم مكانَ التغنِّي(١).
قال الشافعيُّ: لو كان معنى (تغنى بالقرآن) على الاستغناء؛ لكان
يتغانى، وتحسين الصوت: هو يتغنّى، قال: ولا بأس بالقراءة بالألحان،
وتحسين الصوت بأيٍّ وجه كان، وأَحبُّ ما يُقرأ إليَّ حَدْراً وتحزيناً، وقرأ
رجلٌ عند أنس بلحن من هذه الألحان، فكره ذلك أنسرٌ، قال محمد بن
سيرين: كانوا يرون هذه الألحانَ في القرآن مُحدَثةً.
(ق): تمسك بهذا الحديث مَن يُجوِّز قراءة القرآن بالألحان، وهو أبو
حنيفة، وجماعة من السلف، وقال به الشافعي في التحزين، وكرهه مالك،
وأكثر العلماء، قال مالك: ينبغي أن تُنزَّه أذكارُ الله، وقراءة القرآن عن التشُّه
بأحوال المُجون والباطل؛ فإنها حقٌّ وجَدٌّ وصِدْقٌ، والغناء هَزْل ولَهْوٌ ولَعِبٌ،
وهذا الذي قاله مالك هو الصحيح؛ لما ذُكر، ولأدلة أخرى، منها: أن كيفية
قراءة القرآن قد بلغتنا مُتواترةً عن كافَّة المشايخ جيلاً فجيلاً إلى العصر الكريم
إلى رسول الله وَّ﴾، وليس فيها تلحينٌ ولا تطريبٌ، مع كثرة المُتعمِّقين
والمُتنطّعين في مخارج الحروف، وفي المَدِّ والإظهار والإدغام.
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٤ / ٤٨٥).
٦٣٠

ومنها: أن النبي ◌َ ﴿ قد قال: (لَسْتُ منَ الدَّدِّ ولا الدَّدُّ مِنِّي))(١)،
و((الدد)»: هو اللعب واللهو، ومعنى ذلك: أن اللعب لا يليق بأحواله، فكيف
بقراءته وقرآنه؟!
ومنها: أن التطريب والترجيع يؤدي إلى الزيادة في القرآن، والنقص
منه، وهما ممنوعان، فالمُؤدِّي إليهما ممنوعٌ.
ومنها: أنه يؤدي إلى تشبيه القرآن بالشعر، وقد نزَّهه الله تعالى عن
الشعر وأحواله؛ حيث قال: ﴿وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١](٢).
١٠٠٥ - وعن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ هِ: أَنَّ رَسُولَ الله وَجول
قالَ لهُ: ((لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قالَ لَهُ: ((لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا
أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ البَارِحَةَ».
* قوله ﴿ لأبي موسى: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)»:
(ن): المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن، وأصل الزَّمْر: الغناء،
و((آل داود)»: هو نفسُه، وكان عليه السلام حسنَ الصوت جداً(٣).
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠ / ٢١٧)، من حديث أنس بن مالك
وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٦٧٣)
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٤٢٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٠).
٦٣١

(ق): ((المِزمار))، و((المَزْمُور)): الصوت الحسن، وبه سُمِّيت آلةُ الزَّمْر
مِزماراً، والمزمار هنا مُستعارٌ للصوت الحَسَن، والنَّغْمة الطيِّبة؛ أي: أُعطيتَ
حُسْنَ صوت يشبه بعضَ الحُسْن الذي كان لصوت داود عليه السلام، و(الآل)
مُفْحَم؛ إذ لم يكن لداود آلٌ مشهور بحُسْن الصوت، بل هو المشهور له
بنفسه(١) .
* قوله لي: «وأنا استمع على قراءتك البارحة»:
(الجوهري): ((البارحة)): أقرب ليلة مضت، تقول: لقيته البارحةَ،
ولقيته البارحةَ الأُولى، وهو مِن راح؛ أي: زال، انتهى(٢).
فيه: فضيلة استماع القرآن، وشواهده من الكتاب والسنة مشهورةٌ.
منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ﴾
[الأعراف: ٢٠٤]، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته؛ إعظاماً له واحتراماً، لا كما
كان يتعمَّدُه كفار المشركين في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُواْلِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْافِيهِ﴾ [فصلت:
٢٦]، لكن يتأكَّد ذلك في المكتوبة إذا جهر الإمام، وفي حال الخُطبة .
وذكر أحمد في ((مسنده)): عن الحسن، عن أبي هريرة ظه: أن
رسول الله وٌَّ قال: ((مَنِ اسْتَمِعَ إلى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله كُتِبَتْ لهُ حَسَنَةٌ
مُضَاعفةٌ، ومَنْ تَلَاها كَانَتْ لهُ نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ))، تفرَّد به أحمد(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٢٣).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٣٥٥)، (مادة: برح).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٤١)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (٥٤٠٨).
٦٣٢

(ق): في غير هذه الرواية: قال أبو موسى للنبيِّ وَّ: لو علمتُ أنك
تستمع لقراءتي؛ لحَبَّرتُه لكَ تحبيراً، قيل: معناه لحَسَّنتُه، ولجَمَّلته،
و((الحِبْر): الجمال، وهذا محمولٌ على أنه يزيد في رفع صوته في تحسين
ترتيله حتى يسمعه النبيُّ نَّهِ، ويعلمَ أنه قَبِل عنه كيفيةَ أداء القراءة، فيدعوَ
له، فيحصلَ له فضيلةٌ ومَنْقَبّةٌ، ويحتمل أن يكون ذلك؛ ليبالغ في حالة
يُطيِّب بها القرآنَ له؛ فإن الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أُموره، ويعتني بها
عند مشاركة غيره، وإن كان مُخْلِصاً في أصل عمله(١).
١٠٠٧ - وعَنْ أَبِي لُبَابَةَ بَشِيرِ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ : أَنَّ النبيَّ ◌َحيل
قالَ: ((مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ، فَلَيْسَ مِنّ)) رواه أبو داود بإسنادٍ جيدٍ.
ومَعنى ((يَتَغَّنَّى)): يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ.
* قوله : ((من لم يتغن بالقرآن؛ فليس منا):
(تو): ذهب بعضُهم في معناه إلى تزيين الصوت بالنغمات، وهذا وإن
اقتضاه هذا اللفظ؛ فإن أول الحدیث یمنع عنه؛ لأن قوله: «لیس منا» من باب
الوعيد؛ أي: ليس من أهل مِلَّتنا، وممَّن يَتَّبِعُنا في أمرنا، ولا خلاف أن قارئ
القرآن مُثابٌ على قراءته من غير تحسين صوته، فكيف يجعله مُستحِقّاً
للوعيد، وهو مُثابٌ مأجور؟!
فمعنى التغني: إما الإعلان والإفصاح به، ويجعله تبعاً للإقرار بتوحيد
الله، ونبوة أنبيائه، ويُجعل الجهر به والإشادة بذكره في شعار الإسلام وإقامته
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٢٣).
٦٣٣

كالإعلان بالشهادتين في صِحَّة الإيمان، وإما الاستغناء؛ فإن التغنِّيَ ورد
بمعنی الاستغناء، قال الأعشى:
وكُنْتُ امْرَأَ زَمَناً بالعِرَاقِ
عَفِيفَ المُنَاخِ طَوِيلَ الثَّغَنِّي
(نه): كلُّ مَن رفع صوته ووالاه؛ فصوتُه عند العرب غناء(١).
(ط): يمكن أن يحمل على معنى التغنّي؛ أي: ليس منا معشرَ الأنبياء
ممَّن يُحَسِّن صوتَه بالقراءة، ويستمع الله منه، بل يكون من جملة مَن هو نازلٌ
عن مرتبتهم، فيثاب على قراءته كسائر المسلمين، لا على تحسين صوته
کالأنبياء ومن تابعهم فیه، انتھی(٢).
في ((سنن أبي داود)): ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا عبدُ الجبار بن الورد
قال: سمعت ابن أبي مُلَيْكةَ يقول: قال عُبيد الله بن أبي يزيد: مرَّ بنا
أبو لُبابة عُه، فاتبعناه حتى دخل بيتَه، فدخلنا عليه؛ فإذا رجل رَُّ البيت،
رَثُّ الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((ليسَ مِنَّا مَنْ لم
يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ))، قال: فقلت لابن أبي مُلَيْكَة: يا أبا مُحَمَّد؛ أرأيتَ إن لم يكن
حسنَ الصوت؟ قال: يُحَسِّنه ما استطاع(٣).
فظاهر حال أبي لُبابة، ورثاثة بيته وهيئته يُرجِّح معنى الاستغناء، كأنه
يقول: يا عُبيدَالله؛ لا يَحْزُنْك ما ترى من رثاثة بيتي وهيئتي، وكل مَن آتاه
الله [القرآن]، فلم يستغن به عن غيره؛ فليس من خيار أُمّة محمد وَاتِ؛
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٩١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٨٣).
(٣) رواه أبو داود (١٤٦٩)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح سنن أبي داود))
(١٣٢٢).
٦٣٤

وذلك لأنه الشافي للصدور، الكافي لنوائب الدهور.
قال الحسن: والله؛ ما دون القرآن من غِنّى، ولا بعده من حاجة.
وروي عنه ◌َ﴿ أنه قال: ((مَنْ قَرَّأَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أَحَداً أُوتِيَ أَفْضَلَ ممَّا
أُوِيَ؛ فَقَدِ اسْتَصْغَرَ مَا عَظّمَهُ الله)، خرّجه الطبرانيُّ .
وقال عمرو بن العاص: مَن قرأ القرآن؛ فقد أُدرجت النبوة بين
جَنْبيه، إلا أنه لا يوحى إليه(١).
وقال الفُضَيْل: ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى أحد حاجةٌ،
ولا إلى الخلفاء فمَن دُونَهم(٢).
وأما ابن أبي مُلَيْكةَ: فحمل الحديث على تحسين الصوت على
حسَب الاستطاعة، وأما إذا لم يستطع؛ فهو معذور، ويثاب على قراءته، لا
على حُسْن صوته؛ إذ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ذكر ابن أبي حاتم في ((تفسيره))، والبخاري في «صحيحه»: عن الزُّهريِّ
في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَايَشَآءٌ﴾ [فاطر: ١]، قال: هو الصوت الحسن(٣)،
وكذلك قاله ابن جُریج.
قال ابن كثير: وقُرئ في الشاذة: (يزيد في الحلق) بالحاء المهملة (٤).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٩٥٣)، والحاكم في ((المستدرك))، (٢٠٢٨).
(٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٨ / ٩٢).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٠ / ٣١٧٠)، والبخاري في ((التاريخ الكبير))
(٤ / ٢٩٢).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ٣٠٥).
٦٣٥

(تو): قد اغترَّ بأمثال هذه الأحاديث أقوامٌ عدل بهم الهوى عن منهج
الحق، فتدرجوا من تحسين الصوت مع التجويد إلى الترديد بالألحان،
والأخذ بكتاب الله مأخذَ الأغاني والموسيقى، حتى لا يكاد السامع يفهمُه
من كثرة النغمات والتقطيعات، وذلك من أشنع البدع، نرى أدنى الأقوال
وأهونَ الأحوال فيه أن يُوجِبَ على السامع النكير، وعلى التالي التعزير،
وأما القراءة على الوجه الذي يُهِيِّج الوَجْدَ في قلوب السامعين، ويُورث
الحزن، ويَجلِبُ الدمع: مُستحبٌّ ما لم يخرجه التغنِّي عن التجويد، ولم
يخرجه عن مراعاة النظم في الكلمات والحروف.
١٠٠٨ - وعَنِ ابْنِ مسعودٍ ﴿ه، قالَ: قالَ لي النَّبِيُّ ◌َّ:
((اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ))، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله! أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ
أُنْزِلَ؟! قالَ: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي))، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ
سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إلى هذه الآية: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ
أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قال:
((حَسْبُكَ الآنَ))، فَالتَّفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان. متفقٌ عليه.
* قوله ◌َي لابن مسعود: ((اقرأ علي القرآن))، سبق في (الباب الرابع
والخمسين).
٦٣٦

١٨٣- باب
في الحثّ على سُورٍ وآياتٍ مخصوصةٍ
١٠٠٩ - عَنْ أَبي سَعيدٍ رافِعِ بْنِ المُعَلَّى ﴿ه، قالَ: قالَ لي
رَسُولُ اللهِوَهِ: ((أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ
مِنَ المَسْجِدِ؟))، فَأَخَذَ بَيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ:
يا رَسُولَ الله! إِنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ؟ قال:
((الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي
أُوتِيتُهُ)) رواه البخاريُّ.
* قوله وقله: ((ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟))، في ((مسند
أحمد)»: «أَتْحِبُّ أن أُعَلِّمَكَ سُورَةٌ لَمْ يَنْزِلْ فِي الثَّوْرَاةِ ولا فِي الإِنْجِيلِ، ولا
في الزَّبُورِ، ولا في القُرْآنِ مِثْلُها)» إلى أن قال: ((والذي نَفْسِي بِيَدِه؛ ما أُنزِلَ
في التَّوْرَاةِ، ولا فِي الإِنْجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في القُرْآنِ مِثْلُها(١)».
(حس): هذا حديث صحيح (٢).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٤١٢) من حديث أبي هريرة ﴾ ..
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ١٥٨).
٦٣٧

(تو): ((السورة)): كل منزلة من البناء، ومنها سُوَر القرآن؛ لأنها منزلة
بعد منزلة، ومقطوعة عن الأخرى، أو قطعة مفردة من جملة القرآن، أو
كأنها أَخْذٌ من سُور المدينة تشبيهاً بها؛ لكونها محيطةً بها إحاطةَ السُّور
بالمدينة .
وقول النابغة :
ترَى كُلَّ مَلْكِ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
أَلَمْ ترَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سُورَةً
يريد شرفاً ومنزلة، ولعلها سُمِّيت بذلك؛ لأنها المنزلة الرافعة، وإنما
قال: ((أعظم سورة))؛ اعتباراً بعِظَم قَدْرها، وتفرُّدها بالخاصِّية التي لم
يشاركها فيها سورةٌ، ثم لاشتمالها على فوائدَ ومعانٍ كثيرة، مع قِصَرها،
ووَجَازة ألفاظها؛ ولذلك سُمِّيت أُمَّ القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي
في القرآن؛ من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبُّد بالأمر والنهي،
والوعد والوعيد، ثم إنها فاتحة الكتاب، وفاتحة القراءة في الصلاة،
وسورة الحَمْد، والحمد أعلى مقامات العبودية، وإلى هذا أشار ◌َّ بقوله:
(بيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ))، وإنما أوتي ذلك؛ لأنه أَحْمَدُ الحامدين، ولا منزلةً
فوق ذلك، ومنه اشتُقَّ اسمُه، وبه فُتِح كتابُه، وبه خُتِم حالُه، ووصف
مَقامُه، وهو المَقام الذي لا يقوم فيه أحدٌ غيره.
(خط): يعني بالعظم: عظمَ المَثُوبة على قراءتها؛ وذلك لما تجمع
هذه السورة من الثناء والدعاء والسؤال.
(ش): قيل: أنزل الله تعالى مئة كتاب، وأربعة كتب، جمع معانيها في
٦٣٨

التوراة، والإنجيل، والقرآن، وجمع معانيَ هذه الكتب الثلاثة في القرآن في
المُفصَّل، ومعاني المُفَصَّل في (الفاتحة)، ومعاني (الفاتحة) في ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾ [الفاتحة: ٥](١).
وهذه السورة الكريمة اشتملت على أُمَّهات المَطالب العالية أتمَّ
اشتمال، وتضمنتها أكملَ تضمُّن، فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك
وتعالى بثلاثة أسماء رجع الأسماء الحسنى والصِّفات العُليا إليها، ومدارُها
عليها، وهي: الله، والربُّ، والرحمن، وبُنيت هذه السورة على الإلهية،
والرُّبوبية، والرحمة، فـ ﴿إِيَّكَ نَعْبُدُ﴾ مبنيٌّ على الإلهية، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَغِيرٌ﴾
على الرُّبوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة، والحمد
يتضمّن الأُمورَ الثلاثة، فهو المحمود في إلهيته، ورُبوبيته، ورحمته،
والثناء والمجد كمالان لحمده.
وتضمَّنت إثباتَ المَعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، حَسَنِها وسيِها،
وتفرد الربّ تعالی بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وکون حکمه بالعدل، و کل
هذا تحت قوله: ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الّذِينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، وتضمَّنت إثباتَ النبوَّات
من جهات عديدة، واشتملت على الشفاءين؛ شفاء القلوب، وشفاء
الأبدان، واشتملت على الردِّ على جميع المُبطلين من أهل المِلَل والنِّحَل،
والردِّ على أهل البِدَع والضلال من هذه الأمة، وقد ذكر تفاصيلَها
مُسْتَقْصَى في كتاب ((مدارج السالكين في شرح منازل السائرين)).
(١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١ / ٧٤).
٦٣٩

* قوله: «قال: الحمد لله رب العالمين» :
(قض): هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي السورة التي مُستهلُّها
(الحمد لله)(١) .
• قوله تقرير: ((هي السبع المثاني)):
(تو): قد علمنا من هذا القول أن المراد من قول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ
ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ [الحجر: ٨٧]: هو التعريفُ بموقع منَّ الله عليه بهذه
السورة، وقد سلك المفسرون في بيان الآية مسالكَ شتَّى، أَقْوَمُها وأَسَدُّها ما
ورد بمِصْدَاقه الحديثُ.
فإن قيل: ففي الحديث: ((هي السبع المثاني))، والقرآن: ﴿سَبْعًامِّنَ
الْمَثَانِىِ﴾ [الحجر: ٨٧].
قلنا: لا اختلاف بين الصيغتين إذا جعلنا (مِن) للبيان.
فإن قيل: فإن كثيراً من المُفسِّرين ذهبوا إلى أنها للتبعيض، يؤيده
قول الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِيَ ﴾ [الزمر: ٢٣]، والمراد
منها سائر القرآن.
قلنا: الحديث الصحيح الذي نحن فيه يحكم بهم بخلاف ما ذهبوا
إليه، والبيان إذا صدر من صاحب التنزيل؛ لم يبق للمُفسِّر قولٌ، وليس
مفهوم الآية منافياً لمعنى الحديث؛ إذ من الجائز أن يقال للقرآن: مثاني
جملة واحدة، وللفاتحة مثاني، كما قيل لها: القرآن، وهي من جملته.
فإن قيل: كيف يصح عطف القرآن على السبع المثاني، وعطف
الشيء على نفسه ممَّا لا یکاد يصح؟
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٥٢١).
٦٤٠