Indexed OCR Text

Pages 541-560

(ط): لأن الله تعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج العُشْب والكَلأ
لرَعْيها، فلا ينبغي أن يُهْضَم حقُّها منها، وخصَّ النِّقْيَ؛ دلالةً على أن المُخَّ
أيضاً من حقها، بخلاف اللحم؛ فإن السير سواء كان في الخِصْب أو في
القَحْط يَنْقُص من اللحم، فإذا كان المُخُّ الذي منه القُوَّةُ، وعليه قِوَامُها
باقياً؛ لا يتطرّق إليها ما يَنْقُص من حقها، وفي إذهابه الظلم(١).
(تو): ومن الناس من یرویه (نَقْبَها) بالباء الموحدة بعد القاف، ویری
الضمير فيه راجعاً إلى الأرض، ويفسر النَّقْبَ بالطريق، وليس ذلك بشيء،
وهو من التصحيفات التي زل فيها العالم فضلاً عن الجاهل.
(شف): قال في ((الصحاح)): نَقَب البعير بالكسر: إذا رقت أخفافُه،
وأنقب الرجل: إذا نقَب بعيرُه، ويمكن أن يجعل هذا اللفظ بهذا المعنى،
فلا يكون تصحيفاً.
(ط): ((نقيها)): على ما ضبطه الإمام النووي يحتمل الحركات الثلاث،
أن يكون منصوباً مفعولاً به، قال في ((أساس البلاغة)»: بدَر إلى الخير، وبادره
الغايةَ وإلى الغاية، جعل ذهابَ النِّي بمنزلة المُبادر إلى الغاية، وجاء
بالمفاعلة، و((بها)) حال منه؛ أي: بادروا نِقْيَها إلى المَقْصِد مُلتبساً بها، أو من
الفاعل؛ أي: ملتبسين بها، ويجوز أن تكون الباء سببية؛ أي: بادروا بسبب
سيرها نِفْيَها، وأن تكون للاستعانة؛ أي: بادروا نِقْيَها مُستعينين بسيرها، ومنه
الحديث: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ ستاً: الدَّجَّالَ، والدُّخَانَ)) الحديثَ(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٨٠).
(٢) رواه مسلم (٢٩٤٧/ ١٢٩)، من حديث أبي هريرة .
٥٤١

ويجوز أن يكون مرفوعاً فاعلاً للظرف، وهو حال؛ أي: بادروا إلى
المَقْصِد مُلتبسين بها نِقْيُها، أو مبتدأ، والجار والمجرور خبرُه، والجملة
حال؛ كقولهم: قُوهُ إلى فِيَّ، وأن يكون مجروراً بدلاً من الضمير المجرور،
والمعنى: سارعوا بنِقْيها إلى المَقْصِد باقيةَ النِّقْي، والجار والمجرور حال،
وليت شعري؛ كيف يستقيم المعنى مع إرادة نَقْب الخُفِّ؟!(١)
(ن): فيه: الرِّفق بالدوابٌ، ومُراعاة مصلحتها، فإن سافروا في
القَحْط؛ عَجَّلوا السير؛ ليصلوا المقصد، وفيها بقيّةٌ من قُوتها، فلا يُقلِّلوا
السير، فيلحقها الضرر؛ لأنها لا تجد ما ترعى، فتضعف ویذهب نِقْیُها،
وربما كَلَّت ووقعت، وقد جاء في أول هذا الحديث في ((الموطأ)): ((إنَّ اللهَ
رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ))(٢).
* قوله { ل: ((وإذا عرستم)):
(ن): (التعريس): النزول في أواخر الليل للنوم والراحة، وقيل: هو
النزول أيَّ وقت كان، من ليل أو نهار، والمراد في هذا الحديث هو الأول،
وهذا أدبٌّ من آداب السير والنزول، أرشد إليه ◌َّر؛ لأن الحشرات ودوابَّ
الأرض من ذوات السُّموم، والسِّباع، وغيرها تمشي في الليل على الطرق؛
لسهولتها، ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول أو نحوه، وما تجد فيها
من رِمَّة ونحوها، فإذا عرَّس الإنسان في الطريق؛ ربما مر به منها ما يؤذيه،
(١) انظر ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٨٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٩)، والحديث رواه البخاري (٦٥٢٨)،
ومسلم (٢٥٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها .
٥٤٢

فينبغي أن يتباعد عن الطريق(١).
٩٦٤ - وعن أَنَسِ عُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((عَلَيْكُمْ
بِالدُّلْجَةِ؛ فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ)) رواه أبو داودَ باسنادٍ حسنٍ .
((الذُّلْجَة)): السَّيْرُ في اللَّيْلِ.
* قوله رقيق: ((عليكم بالدلجة»:
(مظ): يعني: الزموا الدُّلْجة، و((الدلجة)) بضم الدال وسكون اللام:
اسم من أدلج القوم بسكون الدال: إذا ساروا أول الليل، و((الدلجة)» أيضاً:
اسم من ادَّلجوا بفتح الدال وتشديدها: إذا ساروا آخر الليل، والمراد
بالذُّلْجة هنا: السير آخر الليل؛ يعني: لا تقنعوا بالسير نهاراً، بل سيروا آخر
الليل أيضاً؛ فإن الأرض تُطوى بالليل؛ أي: يسهل السير في الليل؛ بحيث
يظن الماشي في الليل أنه سار قليلاً من المسافة، وقد سار مسافة كثيرة(٢).
(نه): ((تطوى))؛ أي: تقطع مسافتُها؛ لأن الإنسان في الليل أنشطُ منه
في النهار، وأقدر على المشي؛ لعدم الحَرِّ وغيره(٣).
(تو): منهم من جعل الإدلاج بالتخفيف لليل كله، وكأنه المعنيُّ به
في الحديث؛ لأنه عَقَّبه بقوله: ((فإن الأرض تطوى بالليل))، ولم يُفرِّق بين
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٨٢).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٤٦).
٥٤٣

أوله وآخره.
(حس): يكره سيرُ أول الليل؛ لما روي عن جابر به قال: قال
رسول الله وَل﴾: ((لا تُرْسِلُوا مَوَاشِيَكُم وصِبْيَانَكُم إذا غَابتِ الشَّمْسُ حتَّى
يذهبَ فَحْمَةُ العِشَاء؛ فإنَّ الشَّيْطَانَ يُبْعَثُ إذا غَابت الشَّمْسُ حتَّى تذهبَ
فَحْمَةُ العِشَاءِ))(١).
٩٦٥ _ وعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﴾، قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا
نَزَلُوا مَنْزِلاً، تَفَرَّقُوا في الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ:
(إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَان!))،
فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلَّ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلى بَعضٍ. رواه أبو
داود بإسنادٍ حسنٍ.
* قوله : ((إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من
الشيطان» :
(ط): (إنما ذلكم)) وقع موقع خبر ((إن))؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ ﴾ [آل عمران: ١٥٥]،
والتركيب من باب التَّرديد للتعليق؛ كقول الشاعر:
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٩/١١)، والحديث رواه مسلم (٢٠١٣ / ٩٨)،
من حديث جابر ـ
٥٤٤

لو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ
أي: لو مسَّها حجر؛ لسرته، فإن (إن) زيدت للتوكيد، وطول الكلام،
و(ما) لتكُفَّها عن العمل، وأصل التركيب: إن تفرقكم في هذه الشعاب ذلكم
من الشيطان(١).
(مظ): ((الشعاب)): جمع شِعْب بكسر الشين، وهو: الفُسْحَة بين
الجبلين، و((الأودية)): جمع الوادي وهو مَسِيل في الصحراء، انتهى (٢).
فائدة انضمام بعض الرُّفقة إلى بعض: أن لا يطمع فيهم كلُّ عدو،
ويعاون بعضهم بعضاً، ويتواسَوا بفُضول الأزواد، فإذا الواجد الغنيُّ إذا
رأى بجنبه فقيراً مُزْمِلاً؛ يرِق قلبُه، ويتعطّف عليه.
بقيّةُ هذا الحديث: فلم ينزلوا بعدَ ذلك مَنْزلاً؛ إلاَّ انضمَّ بعضُهم إلى
بَعْضٍ، حتَّى يُقالَ: لو بُسِط عليهم ثَوْبٌ لعَمَّهُم(٣).
٩٦٦ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ عَمْرٍو - وَقِيلَ: سَهْلِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ
عَمْرِو الأَنْصَارِيِّ المَعْرُوفِ بِابنِ الحَنْظَلِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ
﴿ه، قَالَ: مَّ رَسُولُ اللهِ لَّهِ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ
الرِّضوَانِ -
بِبَطْنِهِ؛ فَقالَ: ((اتَّقُوا اللهَ في هَذِهِ البَهَائِمِ المُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوها
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٨٦).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٨٥).
(٣) رواه أبو داود (٢٦٢٨)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح سنن أبي داود))
(٢٣٦٣).
٥٤٥

صَالِحَةً، وكُلُوها صَالحَةً)) رواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله ويتر: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة»:
(الجَوهري): (العجماء): البهيمة، وإنما سُمِّيت عَجْماءَ؛ لأنها لا
تتكلم، فكل مَن لا يقدر على الكلام أصلاً؛ فهو أعجمُ ومُستَعْجِمٌ، انتهى(١).
يعني: أن هذه البهائم سخَّرها لكم، وذَلَّلها؛ لتنتفعوا بها رُكوباً،
وحَمْلاً، وأَكْلاً، وأمركم بمُراعاة حقها من العَلْف، والسَّقْي، وغير ذلك،
وهي مُعْجَمَةٌ لا تقدِر على الإخبار عن حالها، فاركبوها قوية، مُطيعة،
صالحة للركوب، لا يكون بها إعياءٌ شديد، واذبحوها للأكل إذا كانت
صالحة له؛ بأن تكون حلالاً ينتفع بلحمها، فيكون في هذا النهي عن ذبح
الحيوان لا لغرض شرعيٍّ.
٩٦٧ _ وعَنْ أَبِي جَعْفَرِ عبدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَ﴾، قالَ: أَرْدَفني
رَسُولُ اللهِّهِ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، وَأَسَرَّ إِليَّ حَدِيثاً لا أُحَدِّث بِهِ أَحَداً
مِنَ النَّاسِ، وكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِنَّهِ، لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ،
أوْ حَائِشُ نَخْلٍ ؛ يَعْني: حَائِطَ نَخْلٍ. رواه مسلمٌ هَكَذا مختصَراً.
وزاد فِيهِ البَرْقانيُّ بإسنادِ مسلمٍ بعدَ قولِه: حَائِشُ نَخْلِ:
فَدَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأى
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥/ ١٩٨٠)، (مادة: عجم).
٥٤٦

رَسُولَ اللهِوَّهِ؛ جَرْجَرَ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النبيُّ ◌َّهِ، فَمَسَحَ
سَرَاتَهُ - أي: سنامَهُ - وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فقالَ: ((مَنْ رَبُّ هَذَا
الجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الجَمَلُ؟))، فَجَاءَ فَتَىّ مِنَ الأنصَارِ فقالَ: هَذَا
لي يا رَسُولَ الله، فقالَ: ((أَفَلا تَتَّقِ اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتي
مَلَّكَكَ اللهُ إِياهَا؟ فَإِنَّهُ يَشْكُو إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ)).
ورواه أبو داودَ کروایةِ البَرْقَانيّ .
قولهُ: ((ذِفْرَاهُ»: هو بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاءِ،
وهو لفظٌ مفردٌ مؤنثٌ. قالَ أَهْلُ اللُّغَة: الذِّفْرَى: المَوْضِعُ الذي
يَعْرَقُ مِنَ الْبَعِيرِ خَلْفَ الأُذْنِ.
وقوله: ((تُدْئِبُهُ)): أَيْ: تُتْعِبُهُ.
* قوله ◌َّخ: ((هدف)): هو بفتح الهاء والدال: ما ارتفع من الأرض،
و((الحائش)) فُسِّر بحائط النخل، وهو البستان، ويقال أيضاً: حُشٌ وحَشُ بفتح
الحاء وضمها .
فيه: استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط، أو وَهْدة، أو هَدَف،
ونحو ذلك؛ بحيث يغيب جميعُ شخص الإنسان عن أَعْيُن الناظرين، وهو سُنَّةٌ
مؤكدة .
* قوله: ((جرجر»:
(الجَوهريُّ): (الجَرْجَرة): صوت يردده البعير في حنجرته؛ فهو بعیر
٥٤٧

جَرْجَار، كما يقول: ثرثر الرجل؛ فهو ثرثار(١).
(نه): هي صوت البعير عند الضجر(٢).
قوله: ((فمسح سراته)» :
(نه): سَراة كل شيء: ظهره وأعلاه، انتهى (٣).
فيه: بيان كمال رأفته ورحمته وَّلفيه، وأنه بعث رحمة للعالمين، فانظر
كيف أتاه مَّفي بنفسه الكريمة، ومسح ظهره، وسَنامه، وسكّنه، وأمر صاحبه
بالإحسان إلیه .
وفيه: النهيُ عن أذى الحيوان، والأمر بالقيام بحقها، وفيه: معجزة
ظاهرة لرسول الله وَ﴿ في شكوى الحيوان الهمّ إليه.
روي عن أبي هريرة #ه قال: دخل النبيُّ نَّه حائطاً، فجاء بعير فسجد
له(٤) .
وعن ثعلبة بن مالك، وجابر بن عبدالله، ويعلى بن مُرَّة، وعبدالله بن
جعفر قال: كان لا يدخل أحدٌ الحائطَ؛ إلا اشتد عليه الجمل، فلما دخل
عليه النبيُّ نَّ؛ دعاه، فوضع مِشْفَرَه في الأرض، وبرك بين يديه، فَخْطَمَهُ،
وقال: ((ما بينَ السَّمَاءِ والأَرْضِ شيءٌ؛ إلا يعلم أني رَسولُ الله، إلا عَاصِي
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١٢٥٩)، (مادة: فعع).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٥٥).
(٣) المرجع السابق (٢ / ٣٦٤).
(٤) رواه البزار (٢٤٥١ - كشف الأستار)، ورواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٧٦)،
من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها .
٥٤٨

الجِنِّ والإِنْسِ))(١).
وفي حديث الجمل: أن النبي و لو سأل عن شأنه، فأخبروه أنهم أرادوا
ذبحه، وفي رواية: «إنه شكا إليَّ أَنَّكُم أَرَدْتُمْ ذَبْحَهُ بعدَ أنِ استَعْمَلْتُموهُ في
شَاقِّ العَمَلِ مِنْ صِغَرِهِ))، فقالوا: نعم(٢).
وذكر القاضي عياضٌ أنه ◌َّ﴿ قال لفرسه وهو في بعض الأسفار: ((لا تَبْرَحْ
- باركَ اللهُ فِيكَ - حَتَّى نَفْرُغَ مِن صَلاتنا)» وجعله قبلتَه، فما حرّك عُضواً منه حتى
صلَّى.
٩٦٨ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه، قالَ: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً، لا نُسَبِّحُ
حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَالَ. رواه أبو داودَ بإسنادٍ على شرطٍ مسلمٍ.
وقوله: ((لا نُسَبِّحُ)): أَيْ: لا نُصَلِّي النَّافِلَةَ، ومعناه: أنَّا مَعَ
حِرْصِنا عَلى الصَّلاةِ لا نُقَدِّمُها عَلى حَطِّ الرِّحالِ وَإِرَاحَةِ الذَّوابِّ.
* قوله: ((كنا إذا نزلنا منزلاً؛ لا نسبح حتى نحل الرحال)):
(خط): يريد لا نصلي سُبْحةَ الضحى حتى نحُلَّ الرِّحال، ونُجِمَّ
المَطِيّ، وكان بعض العلماء يستحب أن لا يَطْعَم الراكبُ إذا نزل المنزل
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣١٠)، من حديث جابر بن عبدالله خطًا، وهو
حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٤٠٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة بنحوه في ((المصنف)) (٣١٧٥٦)، من حديث عبدالله بن
جعفر څ .
٥٤٩

حتى يَعْلِفَ الدابة، وأنشد لي بعضُهم:
لا أُطْعِمُ الضَّيْفَ حتَّى أَغْلِفَ الفَرَسا
حَقُّ المَطِيَّةِ أَنْ يُبْدا بحَاجَتِها
انتھی(١).
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٢٤٨).
٥٥٠

١٦٩- باب
إعانةِ الرفيق
في البابِ أحاديثُ كثيرةٌ تقدّمتْ؛ كحديثٍ: ((واللهُ في عَوْنِ
العَبْدِ مَا كانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، وحديث: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ
صَدَقة))، وَأَشْبَاهِهِمَا.
٩٦٩ - وعَنْ أَبِي سَعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿ه، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ في
سَفَرٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَه بَمِيناً
وَشِمَالاً، فقالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ كانَ معَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ
عَلَى مَنْ لا ظَهْرَ له، وَمَنْ كانَ له فَضْلُ زَادٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا زَادَ
له»، فَذَكَرَ مِنْ أَصْنافِ المالِ ما ذَكَرَهُ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لِأَحَدٍ
مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلمٌ.
حديث أبي سعيد مضى شرحه في (الباب الثاني والستين في الإيثار).
٩٧٠ - وعَنْ جابرٍ ◌َُ، عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ: أنَّه أرَادَ أَنْ
يَغْزُوَ، فقالَ: يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ والأنصَارِ! إِنَّ مِنْ إِخْوانِكُمْ
٥٥١

قَوْماً لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ، وَلا عَشِيرَةٌ، فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ، أَوِ
الثَّلاثَةَ، فَمَا لِأَحَدِنَاَ مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلا عُقْبَةٌ؛ يعني: كَعُقْبَةٍ أَحَدِهِمْ.
قال: فَضَمَمْتُ إِلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، مَا لي إِلاَّ عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ أَحَدِهِمْ
مِنْ جَمَلي. رواه أبو داودَ.
٩٧١ - وعنه، قال: كانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يَتَخَلَّفُ في المَسِيرِ،
فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَیُزْدِفُ، وَيَدْهُو له. رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ .
* قوله: ((فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة كعقبة))؛ يعني: لم
يكن لأحدنا دابة ينفرد بركوبها، وإنما كان لاثنين وثلاثة منا مرکوبٌ نتعاقب
في الركوب [واحداً واحداً.
(الجَوهريُّ): عاقبت الرجل في الراحلة: إذا ركبتَ أنت مرَّةً، وركب
هو مَرَّةَ، والعُقْبة: النَّوْبةُ(١).
* قوله: ((فيزجي الضعيف)»: بالزاي والجيم.
(خط): أي: يسوق بهم، يقال: أزجيت المَطِيّة: إذا حَثْتها في السَّوْق(٢).
* قوله: ((ويردف)) قال أنس بن مالك: كان رسول الله وَّةٍ إذا غزا، أو
سافر؛ رَدِفَ كلَّ يوم رجلاً من أصحابه، رواه الحافظ أبو الشيخ الأصبهانيُّ(٣).
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ١٨٥)، (مادة: عقب).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٢٦٩).
(٣) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي وآدابه)) (٤ / ٤١).
٥٥٢

١٧٠- باب
ما يقولُ إذا ركبَ دابَتَهُ للسَّفرِ
. قالَ الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُرُ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ
١٢
لِتَسْتَوَأْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيَّتُمْ عَلَيْهِ وَتَّقُولُواْ سُبْحَانَ
الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ، مُقْرِنِينَ ، وَإِنّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
[الزخرف: ١٢ - ١٤].
(باب ما يقوله إذا ركب دابته للسفر)
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ الْفُلَّكِ وَاَلْأَنْعَمِ مَا تَرَكَبُونَ﴾ [الزخرف:
١٢ ]:
﴿الْفُلّكِ﴾: السفن؛ أي: ذَلَّل السفن والأنعام، وسخَّرها ويسَّرها؛
لأكلكم لُحومَها، وشُربكم ألبانَها، وركوبكم ظهورَها؛ ولهذا قال: ﴿ لِتَسْتَوُا﴾
مُتمكِّنين واقفين ﴿عَ ظُهُورِ﴾؛ أي: ظهور هذا الجنس، ﴿مُقْرِنِينَ﴾؛ أي:
مُقاومين، ولولا تسخير الله لنا هذا؛ ما قدرنا عليه.
قال ابن عباس ◌َ﴿﴾، وقتادة، والسُّدِّي، وابن زيد: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مُطيقين،
وقوله: ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر،
وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة؛ كما نَّه بالزاد الدُّنيوي على
٥٥٣

الزاد الأُخروي في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وباللباس
الدنيوي على الأخروي في قوله: ﴿وَرِيِشَّاٌ وَلِبَاسُ النَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦](١).
(م): السفر إما في البحر وإما في البَرِّ، فالحامل في الأول: هو
السفينة، وفي الثاني: الأنعام، قال أبو عُبيد: والتذكير في ﴿ظُهُورِهِ،﴾ لقوله:
﴿مَا﴾؛ أي: ظهور ما تركبونه، ومعنى ذكر نعمة الله: أن يذكروها في
قلوبهم، وهو أن يعرف أنه تعالى خلق وجه البحر، وخلق الرياح، وخلق جِزْم
السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أيٍّ جانب شاء،
[فإذا تذكروا أن خلق البحر، وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه
القابلة لتصريفات الإنسان وتحريكاته] ليس ذلك من الإنسان، وإنما هو من
تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة عظيمة من الله تعالى، فيحمله
ذلك على الانقياد لطاعته، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها.
وتحقيق القول في قوله: ﴿ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف:
١٣]: أن الدابة التي يركبها الإنسان لا بد وأن تكون أكثرَ قوة من الإنسان بكثير،
وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان، ولكنه سبحانه خلق تلك البهيمة
على وجه مخصوصة في خلقها الظاهر، وفي خلقها الباطن، يجعل فيها هذا
الانتفاع، فإذا تأمل الإنسان في هذه العجائب، وغاص بعقله في بحار هذا
الأسرار؛ عظم تعجبه من تلك القدرة القاهرة، فلا بُدَّ وأن يقول: ﴿سُبْحَنَ
الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣] ووجه اتصال قوله: ﴿ وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
[الزخرف: ١٤] بما قبله: أن ركوب الفلك والدابة تعريض للنفس على الهلاك،
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ٣٠١).
٥٥٤

فوجب على الراكب أن يتذكر الموت، وأنه مُنْقَلِبٌ إلى الله، غير مُنْقَلِب من
قضائه وقدره(١).
٩٧٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهَ كَانَ إِذا اسْتَوَى
عَلى بَعِيرِهِ خَارِجاً إلى سَفَرٍ؛ كَبَّرَ ثَلاثَاً، ثمَّ قالَ: ((سُبْحَانَ الَّذِي
سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِيِنَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. اللَّهُمَّ
إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِزَّ وَالتَّقَوى، وَمِنَ العَمَلِ ما تَرْضى.
اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَاَ هَذَا، وَاْوٍ عَنَّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ
في السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ. اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ
السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهْلِ وَالوَلِ»،
وَإِذَا رَجَعَ، قَالَهُنَّ، وزَادَ فِيهِنَّ: ((آيِبونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَاَ
حَامِدُونَ) رواه مسلمٌ.
معنى ((مُقْرِنِينَ)): مُطِيقينَ. ((والوَعْثاءُ): بفتح الواوِ وإِسكانِ
العين المهملة وبالثاءِ المثلثة وبالمد، وَهيَ: الشِّذَّة. وَ(الكَابَة)»
بِالمَدِّ، وَهِيَ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ مِنْ حُزنٍ وَنحوه. ((وَالمنقَلَبُ)): المَرْجِعُ.
* قوله: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]:
(قض): أي: مُطيقين مقتدرين، فيه: اعتراف بعجزه، وأن تمُّنَه من
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٧٠).
٥٥٥

الركوب عليه بإقدار الله تعالى، وتسخيره إياه، و﴿مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: راجعون
إليه، وفيه تنبيهٌ على أن السفر الأعظم الذي الإنسان بصدده هو الرجوعُ إلى
الله تعالی، فهو أحق بأن یھتمّ به، ویشتغل بالاستعداد له قبل نزوله(١).
(تو): وجه المناسبة بين القولين: أن نقول: لما لقن عبده شكر ما أنعم
عليه من التسخير والتمليك، وأمره بالاعتراف بكونه قاصراً عن تسخير
ما سُخِّر له من مراكب البَرِّ والبحر؛ جعل من تمام شكره أن يتذكر عاقبةً أمره،
ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سُخِّر له؛ لم يكن
في المبدأ مُطيقاً له، ولا يجد في المُنتهى بُدّاً من النزول عنه، ثم ليتذكر
بر کوب مراکب الأحیاء، وعنه معْدِلٌ رکوب مراکب الأموات، ولا محید عنه.
· قوله ليفي: ((البر والتقوى)):
(ق): ((البر)): العمل الصالح، أو الخلق الحسن، و((التقوى)): الخوف
الحامل على التحرُّز من المكروه(٢).
(ط): ((واطو عنا بعده): عبارة عن تيسير السير بمنح القوة له
ولمركوبه، وأن لا يرى ما يُزعجُه ويُوقِعُه في التعب والمَشقّة (٣).
(تو): ((الصاحب)): هو المُلازم، وأراد بذلك مُصاحبةَ الله إياه بالعناية
والحفظ، وذلك أن الإنسان أكثر ما يبغي الصُّحْبةَ يبغيها للاستئناس والاستظهار
به، والدفاع لما ينوبه من النوائب، فنبه بهذا القول على حُسْن الاعتماد عليه،
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٩٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٥٤/٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٩٣).
٥٥٦

وكمال الاكتفاء به من كل صاحب سواه، و((الخليفة)): هو الذي ينوب عن
المُسْتَخْلِف فيما يستخلفه فيه، والمعنى: أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في
غيبتي عن أهلي؛ أن تلمّ شَعْثَهم، وتُثَقِّفَ أَوَدَهم، وتُداويَ سَقِيمَهم، وتحفظ
عليهم دينهم وأمانتهم.
(ق): لا يسمى الله تعالى بالصاحب والخليفة؛ لعدم الإذن، وعدم
تكرارهما في الشريعة (١).
(نه): ((الكآبة)): تغير النفس بالانكسار من شِدَّة الهَمِّ والحُزن،
وقيل: المراد منه الاستعاذة من كل منظر يُعْقِبُ الكآبة عند النظر إليه(٢).
قال في ((الفائق)): ((سوء المنقلب)): أن ينقلب إلى وطنه، فيلقى ما يكتئب
منه من أمر أصابه في سفره، وما يَقْدَمُ عليه؛ مثل أن يعود غيرَ مَقْضِيٍّ
الحاجة، أو أصابت مالَه آفةٌ، أو يَقْدَم على أهله، فيجدهم مرضى، أو قد فقد
بعضهم(٣).
(ق): ((آيبون)): جمع آيب، وهو الراجع بالخير هنا، و((تائبون)):
جمع تائب من الذنب، وقد تقدم القول في توبة الأنبياء في الحديث الأول
من (باب التوبة)، و((عابدون))؛ أي: خاضعون مُتذلِّلون، و((حامدون))؛
أي: مُثنون علیه بصفات کماله وجلاله، وشاکرون عوارفَ إفضاله(٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٥٤).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٣٧).
(٣) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (٤ / ٧١).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٥٤).
٥٥٧

(ط): ((لربنا)) يجوز أن يتعلق بقوله: (عابدون)؛ لأن عمل اسم
الفاعل ضعيفٌ، فيَقْوَى به، أو بـ (حامدون)؛ ليفيد التخصيص؛ أي:
نحمد ربنا لا نحمد غيره، وهذا أولى؛ لأنه كالخاتمة للدعاء(١).
٩٧٣ _ وعَنْ عبدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ ﴿ه، قالَ: كانَ رَسُولُ الله ◌ِله
إِذَا سَافَرَ، يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَالحَوْرِ بَعْدَ
الكَوْنِ، وَدَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالمَال. رواه
مسلم .
هَكَذا هو في ((صحيح مسلِمٍ)): الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ بالنون،
وكذا رواه الترمذيُّ، والنسائيُّ.
قال الترمذي: ويُرْوَى: ((الكَوْر)) بِالراءِ، وَكِلاهُمَا لَهُ وَجْهٌ.
قالَ العلماءُ: ومعناه - بالنون والراءِ جميعاً -: الرُّجُوعُ مِنَ
الاسْتقامَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ إِلَى النَّقْصِ.
قالوا: ورِوايةُ الرَّاءِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَكْوِير العِمامةِ، وَهُوَ لَنُّهَا
وَجَمْعُها، وروايةُ النون، مِنَ الكَوْنِ، مَصْدَرُ ((كانَ يَكُونُ كَوْناً»: إذا
وُجدَ وَاسْتَقَرَّ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٩٣).
٥٥٨

* قوله: «الحور بعد الکون»:
(ن): هكذا في معظم النسخ من ((صحيح مسلم)): ((بعد الكون))،
بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحُفَّاظ
المتقنون.
قال إبراهيم الحربيُّ : یقال: صوابه (الکور)، قلت: ليس كما قال،
بل كلاهما روايتان ذكرهما التِّرمذيُّ، وخلائقُ من المحدثين، وأبو عُبيد
وخلائقُ من أهل اللغة والغريب، ورواية النون مأخوذة من الكَوْن، مصدر
کان یکون کوناً: إذا وُجِد واستقرَّ.
وسئل عاصمٌ عن معناه فقال: ألم تسمع قولهم: حار بعد ما كان؟ أي:
إنه کان علی حالة جمیلة، فرجع عنها.
قال الترمذيُّ بعد أن رواه بالنون: يروى أيضاً بالراء، وكلاهما له
وجه، قال: ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى
المعصية، ومعناه: الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، ورواية
الراء مأخوذة من تكوير العِمامة، وهو لَفُّها وجمعها.
قال المَازَريُّ: معناه عن الجماعة بعد أن كُنَّا فيها، يقال: كار عِمامتَه:
إذا لفَّها، وحارها: إذا نقضها، وقيل: نعوذ بك من أن تَفَسُد أمورُنا بعد
صلاحها؛ كفساد العِمامة بعد استقامتها على الرأس(١).
* قوله: ((ودعوة المظلوم)) :
(ن): أي: أعوذ بك من الظلم؛ فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم الذي
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١١).
٥٥٩

ليس بينه وبين الله حجاب، ففيه التحذير من الظلم ومن التعرُّض لأسبابه(١).
(ط): فإن قلت: دعوة المظلوم محترز عنها، سواء كانت في السفر
أو في الحضر.
قلت: كذلك الحَوْر بعد الكَوْر، لكن السفر مَظِنَّة البلايا والمصائب،
والمَشقَّة فيه أكثر، فخُصَّت به(٢).
٩٧٤ _ وعَنْ عَلِيٍّ بْنِ رَبِيعَةَ، قالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبَي
طالِبٍ ﴾ِ أُنِيَ بِدَابَةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكابِ، قال:
بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِها، قالَ: الحَمْدُ للهِ الذي سَخَّرَ
لَنَا هَذَا، ومَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّ إِلَى رَبِّنَا لِمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ قالَ:
الحَمْدُ للهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قال: الله أَكْبَرُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
قال: سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
إلاَّ أنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! مِنْ أَيِّ شَيْءٍ
ضَحِكْتَ؟ قال: رَأَيْتُ النبيَّ ◌َهِ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ،
فقلتُ: يا رسولَ الله! مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قال: ((إِنَّ رَّكَ
سُبْحَانَهُ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذا قالَ: اغْفِرْ لي ذنُوبي، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ
(١) المرجع السابق (٩ / ١١٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٩٤).
٥٦٠