Indexed OCR Text

Pages 481-500

قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، والإشارة بهذا
ترجيحُ الأعمال في الحياة، والإيمان عند الممات، وهذه مرتبة العوامِّ.
وثانيهما: الاستسلام، وإخلاص العمل لله، وهو فوق الإيمان، قال
تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، و﴿قَالَ لَهُرَبُّهُ:
أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وهذه مرتبة الخواصِّ، ومِن
هاهنا قال يوسف عليه السلام: ﴿َتَوَقَِّ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف:
١٠١]، والرواية الثانية مُشيرة إلى هذا المعنى(١).
*
٩٣٧ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِصَّه
يقولُ: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» رواه أبو
داود.
(مظ): ((فأخلصوا له الدعاء)» دليلٌ للشافعي في إيجابه الدعاء للميت
بعد التكبيرة الثالثة؛ إذ ظاهر الأمر للوجوب(٢).
٩٣٩ - وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﴾، قالَ: صَلَّى بِنَ رَسُولُ اللهِ وَّ
عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((اللّهُمَّ إِنَّ فُلاَ بْنَ فُلانٍ
في ذِمَّتِكَ، وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ، وَأَنْتَ
(١) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٤ / ١٤٠٠).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٤٤٣).
٤٨١

أَهْلُ الوَفاءِ والحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فاغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، إِنَكَ أَنْتَ الغَفُورُ
الرَّحِیمُ» رواه أبو داودَ.
* قوله ميلفي: ((وحبل جوارك)):
(نه): كان من عادة العرب أن يُخيف بعضُهم بعضاً، وكان الرجل إذا
أراد سفراً؛ أخذ عهداً من سيد كل قبيلة وأمن به ما دام في حُدودها حتى
ينتهيَ إلى الآخر، فيأخذ مثل لك، فهذا حَبْلُ الجِوار؛ أي: ما دام مُجاوراً
أرضه، أو هو من الإجارة والأمان(١).
(ط): الثاني أظهر، ((وحبل جوارك)) بيان لقوله: (ذمتك)؛ نحو:
أعجبني زيد وكرمُه، وقوله: ((في ذمتك))؛ أي: إن فلاناً في عَهْد جوارك،
والأصل في عهدك، فنسب إلى الجوار ما كان منسوباً إلى الله تعالى، فجعل
للجوار عهداً؛ مُبالغة في كمال حمايته ونُصْرته، فالحبل مُستعار للعهد؛ لما
فيه من التَّوْثِقة، وعَقْد القول بالأَيْمان المؤكدة، ومن ثَمَّ قيل فيمَن خان العهد:
نقض عهده ونكث؛ فإن النَّقْضَ والنَّكْث من صفات الحَبْل ولوازمه .
وقوله: ((أنت أهل الوفاء)»: تجريد لاستعارة الحبل للعهد؛ لأن الوفاء
صفة ملائمة للعهد المُستعار له، لا للحبل المُستعار، ولو أُريد الترشيح؛
لقيل: أنت أهل الإكرام(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٣٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٠١).
٤٨٢

١٥٨- باب
الإسراع بالجنازة
٩٤١ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ﴿هَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ، قال: ((أَسْرِعُوا
بِالجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى
ذَلِكَ، فَشَرِّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ)) متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ: ((فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْه)).
قوله : ((أسرعوا بالجنازة»:
(ن): فيه: الأمر بالإسراع، ويُستحبُّ الإسراع بالمشي بها ما لم ينته إلى
حدٍّ يُخاف انفجارُها ونحوه، وحمل الجنازة فرض كفاية، قال أصحابنا:
ولا يجوز حملها على الهيئة المُزْرِيَة، ولا هيئة يُخاف منها سُقوطها، ولا
يحملها إلا الرجال، وإن كانت الميتة امرأةً، ونقل عن بعضهم أن المراد
بالإسراع تجهيزُها إذا تحقَّق موتُه، وهذا باطل مردود؛ لقوله ◌َّهِ: ((فشر تضعونه
عن رقابكم))، ومعناه: أنها بعيدة من الرحمة، فلا مصلحة لكم في مُصاحبتها،
فيؤخذ منه تركُ صحبة أهل البِطالة غير الصالحين، وجاء عن بعض السلف
كراهة الإسراع، وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها،
أو خروج شيء منها(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢).
٤٨٣

(مظ): ((فإن تك صالحة))؛ أي: الجنازة، وهي بكسر الجيم: الميت،
والسرير الذي يحمل عليه الميت، ويفتح الجيم: السرير لا غير، فعلى هذا:
أسند الفعل إلى الجنازة، وأراد الميت.
((فخير تقدمونها إليه))؛ يعني: حاله في القبر يكون حسناً وطيباً،
فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة، وجعلت الجنازة التي هي
مكان الميت مُقدَّمةً إلى ذلك الخير، فكنى بالجنازة عن العمل الصالح؛
مُبالغة في هذا المعنى؛ كما في قول ابن المنذر:
ما دَرَى نَعْشُهُ ولا حَامِلُوهُ
ما عَلَى النَّعْشِ مِنْ عَفَافٍ وجُودِ
ولما لاحظ في جانب العمل الصالح هذا؛ قابل قرينتها بوضع الشرِّ
عن الرِّقاب، وكان أثر عمل الرجل راحةً له، فأمر بإسراعه إلى ما يستريح
إليه، وأثر عمل الرجل الطالح مشقةٌ، فأمر بوضع جيفته عن رقابهم،
فالضمير في (إليه) راجع إلى الخير باعتبار الثواب، أو الإكرام.
وروى المالكي في ((التوضيح)): (إليها) بالتأنيث، وقال: المذكر
يجوز تأنيثه إذا أُوِّل بمُؤنَّث؛ كتأويل الخير الذي تقدَّم إليه النفسُ الصالحة
بالرحمة، أو بالحُسنى، أو بالبشرى، انتهى(١).
*
٩٤٢ _ وعَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّه
يَقُولُ: ((إذا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ،
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٤٢٩).
٤٨٤

فَإِنْ كَانَتْ صَالحةً، قالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالحَةٍ،
قَالَتْ لِأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ
إلَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإنْسَانُ، لَصَعِقَ)) رواه البخاريُّ.
حديث أبي سعيد سبق في (الباب الثالث والخمسين) في (الجمع بين
الخوف والرجاء).
٤٨٥

3
١٥٩- باب
تعجيلٍ قضاءِ الدينِ عن الميتِ،
والمبادرة إلى تجهيزه، إلا أن يموت فجأةً،
فيتركُ حتى يُتيقْن موتُه
O
٩٤٣ - عن أبي هُريرةَ ، عَنِ النبيِّوَِّ، قالَ: ((نَفْسُ
المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رواه الترمذي، وقالَ: حديثٌ
حسنٌ.
قوله: ((معلقة بدینه)» :
٠
(مظ): أي: لا تدخل الجنةَ [ولا تدخل ] روحُه بين أرواح الصالحين،
أو لا تجد روحه لذَّةَ ما دام عليه دَیَنٌ حتى يقضى عنه، انتهى(١).
وفي ((شرح السنة)) عن البراء بن عازب به قال: قال رسول الله وَله:
((صَاحِبُ الدَّيْنِ مَأْسُورٌ بِدَيْنِه يَشْكُو إِلَى رَبِّهِ الوَحْدَةَ يَوْمَ القِيَامَةِ»(٢).
وعن سَمُرَة بن جُنْدُب ◌َّه قال: خطبنا رسول الله ◌َ ◌ّه فقال: ((هَلْ هَاهُنا
أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ؟)»، فقام رجل، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ((إِنَّ
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٤٦٩).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٨/ ٢٠٣)، والحديث رواه الطبراني في ((المعجم
الأوسط)» (٨٩٣)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٤٥٧).
٤٨٦

صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بدَيْنِهِ))، فلقد رأيته أدى عنه، حَتَّى ما بقي أحدٌ يطلبه بشيء،
رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم مُصَحِّحاً على شرط الشيخين، ولفظه:
(إنَّ صَاحِبَكُمْ حُبِسَ على بَابِ الجَنَّةِ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْدُوهُ، وإِن
شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلى عَذَابِ اللهِ)، فقال رجل: فعليَّ دينُه، فقضاه(١).
وعن أبي موسى ربه أن رسول الله وَّه قال: ((إنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ
اللهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بعدَ الكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وعَلَيْهِ دَیّنٌ
لا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً»، رواه أبو داود، والبيهقي(٢).
وعن شُفَيِّ بن مَاتِعِ الأَصْبَحِيِّ: أن النبيَّ ◌َِّ قال: «أَرْبَعَةٌ يُؤْذُونَ أَهْلَ
النَّارِ عَلى مَا بِهِمْ مِنَ الأَذَى، يَسْعَوْنَ ما بَيْنَ الحَمِيمِ والجَحِيمِ، يَدْعُونَ بِالوَيْلِ
والثُّبُورِ، يَقُولُ بعضُ أَهْلِ النَّارِ لبَعْضٍ: ما بَالُ هَؤُلاءِ قَدْ آذَوْنا عَلى مَا بِنا مِنَ
الأَذَى؟ قال: فرَجُلٌ عَلَيْهِ تَابُوتٌ مِنْ جَمْرٍ، ورَجُلٌ نحرَ أَمْعَاءَهُ، ورَجُلٌ يَسِيلُ
فُوهُ قَيْحاً، ورَجُلٌ يَأْكُلُ لَحْمَهُ، فيُقالُ لصَاحِبِ التابوت: ما بَالُ الأَبْعَدِ قَدْ آذَانا
عَلى ما بِنَا مِنَ الأَذَى؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الأَبْعَدَ قَدْ مَاتَ، وفي عُنُقِهِ أَمْوَالُ النَّاسِ
لا يَجِدُ لِهَا قَضَاءً أَوْ وَفَاءً» الحديثَ، رواه ابن أبي الدُّنيا، والطبرانيُّ(٣).
(١) رواه أبو داود (٣٣٤١)، والنسائي في ((السنن الكبرى))، والحاكم في ((المستدرك))
(٢/ ٣٠)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٨١٠).
(٢) رواه أبو داود (٣٣٤٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٥٤١) وهو حديث
ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١١٣٢).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٨٦)، والطبراني في ((المعجم
الكبير)» (٧٢٢٦)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(١٢٢).
٤٨٧

وعن جابر ﴿ه قال: تُوفِّي رجل، فأتينا به رسولَ الله ◌َێ يُصلِّ عليه،
فخطا خطوة، ثم قال: ((أَعَلَيْهِ دَيَّنٌ؟))، قلنا: ديناران، فانصرف، فتحمَّلها
أبو قتادة، فقال: الديناران عليَّ يا رسولَ الله، فقال رسول الله وَّهِ: ((قَدْ
أَوْفَى اللهُ حَقَّ الغَرِيمِ، وبَرِئَ مِنْها المَيِّتُ؟))، قال: نعم، فصلى عليه، ثم
قال بعد ذلك بيوم: ((ما فعل الديناران؟))، قلت: إنما مات أمسٍ، قال:
فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله وَله: ((الآنَ بَرَّدْتَ
جِلْدَتَهُ))، رواه أحمد، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، والدار قطنيُّ،
وأبو داود، وابن حِبَّان في ((صحيحه)) باختصار(١).
وروي عن علي ه قال: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا أتي بالجنازة؛ لم يسأل
عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دَيَّنه، فإن قيل: عليه دَيِّنٌ؛ كَفَّ عن
الصلاة عليه، وإن قيل: ليس عليه دَيْنٌ؛ صلى عليه، فأتي بجنازة، فلما قام
لُكبِّرِ؛ سأل رسولُ اللهِ: ((هَلْ عَلى صَاحِبِكُمْ دَيَّنٌ؟)) قالوا: ديناران،
فعدل عنه رسول الله وَّةِ، وقال: ((صَلُّوا عَلى صَاحِبِكُمْ))، فقال عليٌّ: هما
عليَّ يا رسول الله، بَرِئ منهما، فتقدَّم رسول الله بٍَّ، فصلى، ثم قال لعليّ
بن أبي طالب: ((جَزَاكَ اللهُ خَيْراً، فَكَّ اللهُ رِهَانَكَ؛ كمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ؛
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ وعَلَيْهِ دَيَّنٌ؛ إلا وهو مُرْتَهَنٌ بدَيْنِهِ، ومَنْ فَكَّ رِهَانَ
مَيِّتٍ، فَكَّ اللهُ رِهَانَهُ يومَ القِيَامَةِ»، فقال بعضُهم: هذا لعليٍّ خاصَّة، أم
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٣٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢ / ٦٦)،
والدارقطني في «سننه)) (٢٩١)، وأبو داود (٣٣٤٣)، وابن حبان في «صحيحه))
(٣٠٦٤)، وهو حديث صحيح.
٤٨٨

للمسلمين عامَّة؟ فقال: ((بَلْ للمُسْلِمِينَ عَامَّةً))، رواه الدار قطنيُّ(١).
وعن أنس ﴿ه قال: كُنَّا عند النبيِّ وَِّ، فأُتي برجل يصلي عليه، فقال:
(هَلْ عَلى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ؟))، قالوا: نعم، قال: ((فمَا يَنْفَعُكُمْ أَنْ أُصَلِّيَ على
رَجُلٍ رُوحُهُ مُرْتَهَنٌ فِي قَبْرِهِ، لا تَصْعَدُ رُوحُهُ إِلى السَّمَاءِ، فَلَوْ ضَمِنَ رَجُلٌ
دََّهُ؛ قُمْتُ فَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ؛ فإنَّ صَلاِي تَنْفَعُهُ))، رواه الطبراني(٢).
قال الحافظ عبد العظيم المُنذِريُّ: قد صحَّ عن النبي وَّ أنه كان
لا يُصلِّي على المَدِين، ثم نُسخ ذلك، ففي ((صحيح مسلم)) وغيره: أن
رسول الله ◌َّ﴿ كان يُؤتى بالرجل المَيِّت عليه الدَّيْنُ، فيسأل: ((هَلْ تَرَكَ لدينه
قَضاءً؟)) فإن حُدِّثَ أنه تَرك وفاء؛ صلى عليه، وإلا؛ قال: ((صَلُّوا عَلى
صَاحِبِكُمْ))، فلما فتح الله عليه الفُتوحَ؛ قال: ((أَنَا بالمُسْلِمِينَ أَولَى مِنْ
أَنَّفُسِهِمْ، فمَنْ تُوفِّي وعَلَيْهِ دَيَّنٌ؛ فعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، ومَنْ تَرَكَ مَالاَ؛ فَلِوَرَثَّتِهِ)(٣).
قال شيخنا الإمام أبو الفتح المَدَنيُّ المَراغيُّ فسح الله في مُدَّته: كان
النبيُّ ◌َّه يترك الصلاة على المَديون؛ ليحرص الناس على قضاء الدُّيون في
حياتهم، والتوصُّل إلى البراءة منها؛ لئلا يفوتَهم صلاة النبيِّ ◌ٍَّ.
قيل: إنه ێ کان یقضیه من مال المصالح، وقيل: من خالص مال نفسه،
واختلفوا هل كان القضاء واجباً عليه، أم يتبرع به؟ على قولين، واختلفوا هل
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥٢٥٣)، وهو حديث ضعيف. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٨٨٤).
(٣) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٢ / ٣٧٨)، والحديث رواه مسلم
(١٦١٩ / ١٤)، من حديث أبي هريرة ظ ◌ُه.
٤٨٩

يجب قضاء ديّن من مات وعليه دين من بيت المال، أو لا يجب؟
وعن ابن عباس مَ﴾ قال: كان النبيُّ ◌َِّ لا يصلي على مَن مات وعليه
دَيِّن، فمات رجل من الأنصار، فقال النبيُّ نَّهِ: ((أَعَلَيْهِ دَيَّنٌ؟))، قالوا: نعم،
قال: ((صَلُّوا عَلى صَاحِبِكُمْ، فنزل جبريل فقال: إن الله وَّ يقول: إنَّما الظَّالِمُ
عِنْدِي في الدُّيُونِ التي حُمِلَتْ في البَغْي، والإِسْرَافِ، والمَعْصِيَة، وأما
المُتَعَفِّفُ ذُو العِيَالِ: فَأَنَا ضَامِنٌ أُؤْدِّي عَنْهُ)) فصلى عليه النبيُّ ◌ٍَّ وقال بعد
ذلك: (مَنْ تَركَ ضِيَاعاً، أَوْ دَيَّناً؛ فَإِليَّ أَوْ عَلَيَّ، ومَنْ تركَ مِيرَاثاً؛ فلأهله))،
وصلى عليه، أخرجه الإمام أبو بكر الحازميُّ، انتهى (١).
وعن أبي أُمامة ◌ُه قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَنْ تَدَاينَ بِدَيْنٍ في
نَفْسِهِ وَفَاؤُهُ، ثمَّ ماتَ؛ تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ، وأَرْضَى غَرِيمَهُ بمَا شَاءَ، ومَنْ تَدَايَنَ
وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ وَفَاؤُهُ، ثُمَّ ماتَ؛ اقتَصَّ اللّهُ لِغَرِيمِهِ يومَ القِيَامَةِ))، رواه
الحاكم (٢)، والطبرانيُّ في ((الكبير)) أطولَ من هذا، ولفظه: ((مَنِ اسْتَدَانَ دَيِّناً
وَهُوَ لا يَنْوِي أَنْ يُؤَدَِّهُ، فَمَاتَ؛ قالَ اللهُ وَّ لَهُ يومَ القِيَامَةِ: ظَنَّنْتَ أَنِّي
لا آخُذُ لِعَبْدِي بِحَقِّهِ؟ فَيُؤْخَذُ حَسَنَتُه، فَتجعَلُ فِي حَسَنَاتِ الآخَرِ، فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ؛ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الآخَرِ، فَتُجعَلُ في عُنُقِهِ)(٣).
(١) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (٤ / ٤٧٨)، وقال الحافظ عن حديث ابن عباس:
وهو حديث ضعيف، وقال الحازمي: لا بأس به في المتابعات.
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٢٠٦) وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (١١٢٤).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٩٤٩) وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر:
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١١٢٤).
٤٩٠

وعن أبي هريرة ﴿به قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِ
النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَها؛ أَذَّى اللهُ عَنْهُ، ومَنْ أَخذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِثْلَافَها؛ أَتْلَفَهُ
اللهُ)، رواه البخاريُّ في ((صحيحه))، وابن ماجَهْ(١).
وعن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تُدَاينُ، فقيل لها: ما لك وللدَّيْن،
ولك عنه مَنْدُوحٌ؟ قالت: سمعت النبيَّ ◌َّهِ يقول: ((مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي
أَدَاءِ دَِّهِ؛ إلاَّ كانَ لَهُ مِنَ اللهِ عَوْنٌ فأنا ألْتَمِسُ ذلكَ العَوْنَ)، رواه أحمد(٢).
قال المُنذِريُّ: ورجاله مُحتَجِّ بهم في الصحيح، إلا أن فيه انقطاعاً.
وعن مَيْمونةَ رضي الله عنها: أنها كانت تداين فتكثر، فقال لها أهلُها في
ذلك، ولاموها، فقالت: لا أترك الدَّيْنَ، وقد سمعت خليلي وصَفِيِّي وَلـ
يقول: ((مَا مِنْ أَحَدٍ تَدَايَنَ دَيّاً يَعْلَمُ اللهُ أنَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَهُ؛ إِلاَّ أَذَّى اللهُ عَنْهُ فِي
الدُّنيا»، رواه النسائي، وابن ماجَهْ، وابن حبَّان في ((صحيح) (٣).
: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ البَراءِ ظُه
٩٤٤ ۔ وعَنْ حُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ
مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َهِ يَعُودُهُ، فَقَالَ: (إِنِّي لا أُرَى طَلْحَةَ إِلَّ قَدْ
(١) رواه البخاري (٢٢٥٧)، وابن ماجه (٢٤١١).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٧٢) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)) (١٨٠١).
(٣) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٦٢٨٥)، وابن ماجه (٢٤٠٨)، وابن حبان في
((صحيحه)) (٥٤٠١)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٥٦٧٧).
٤٩١

حَدَثَ فِيهِ المَوْتُ، فَآَذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِيفَةِ
مُسْلِمٍ أَنْ تُخْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ) رواه أبو داودَ.
* قوله : ((فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس)):
(نه): (الجيفة): جُنَّة الميت إذا أنتن، يقال: جافت الميتة، وجَيَّفت
واجتافت، انتھی(١).
فعلى هذا سُمِّي بدن الميت جيفة؛ باعتبار ما يؤول إليه؛ يعني: تأخير
الدفن يؤدِّي إلى هَتْك سِتْرِ الميت، وصيرورته جيفةً مُنتنة يستقدرها الناس،
وینفرون منها، فأمر بالمبادرة إلى تجهيز الميت ودفنه؛ لئلا يُری منه ما یَشِین
منظره بقبح أثره.
والقبر ممَّا أُكرم به الإنسان، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَانَهُ. فَقْبَهُ﴾ [عبس: ٢١]،
ولم يجعله ممَّا يُلقى للطير، والسِّباع، والعَوَافي.
وفيه: دليلٌ لما ذهب إليه أصحابُ الشافعي من تحريم نقل المَيِّت
إلى بلد آخر، قالوا: لأن في نقله تأخّرَ دفنه، وتعريضَه لهتك حرمته من
وجوه، قالوا: ولو أوصى بنقله؛ لم تنفَّذ وصيتُه، واحتجوا أيضاً بحديث
جابر ﴿ه: حملنا القتلى يومَ أُحُد، فجاء مُنادي رسول الله وَّهِ، فقال: إن
رسول الله يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم، فدفنًاهم، رواه أصحاب
((السنن)) الأربعة، وصححه الترمذيُّ(٢)، قالوا: إلا أن يكون بقرب مكة، أو
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٢٥).
(٢) رواه أبو داود (٣١٦٥)، والترمذي (١٧١٧)، وابن ماجه (١٥١٦)، والنسائي =
٤٩٢

المدينة، أو بيت المقدس، النقل إلى هذه المواضع لفضلها.
قال الشيخ مُحِبُّ الدِّين الطبريُّ: وكذا لو كان بقرب قرية أهلها
صالحون، ونُقُل ليدفن بجوارهم؛ لا يبعد إلحاقُه بها، هذا كله قبل الدفن،
وأما بعد الدفن: فلا.
= في ((السنن الكبرى)) (٢١٣١)، وهو حديث صحيح. انظر: ((أحكام الجنائز))
(ص: ١٤).
٤٩٣

3
١٦٠- با
الموعظةِ عندَ القبرِ
(باب الموعظة عند القبر)
٩٤٥ - عَنْ عَلِيٍّ ◌َ﴿ه، قالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ،
فَأَتَانَ رَسُولُ اللهِ، فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ،
وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَّتِهِ، ثُمَّ قالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ
مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّة)»، فَقالوا: يَا رَسُولَ الله! أَفَلاَ
نَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا؟ فقال: ((اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ))، وَذَكَرَ
تَمَامَ الحديث. متفقٌ عليه.
(نه): ((الغرقد)»: ضَرْبٌ من شجر العِضَاه، وشجر الشَّوك، الواحدة
غَرْقَدَةُ، سُمِّت مقبرة المدينة بقيعَ الغَرْقد؛ لأنه كان فيه غَرْقَدٌ وقُطِعَ (١).
(ن): ((المخصرة)) بكسر الميم: ما أخذه بيده واختصره من عصاً لطيفة،
وعُكَّازة لطيفة، وغيرهما، و((نكس)) بتخفيف الكاف وتشديدها، لغتان
فصیحتان، يقال: نَكَسَهُ یَنْكُسُه، فهو ناکس؛ كقتله يقتله، فهو قاتل، ونگَّسَه
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٦٢)
٤٩٤

يُنَكِّسُه تنكيساً، فهو مُنَكِّس؛ أي: خفض رأسه، وطأطأه على [هيئة]
المهموم.
وقوله: ((ينكت)) بفتح الياء وضم الكاف وآخره مثناة فوق؛ أي: يخُطُّ
به خَطّاً يسيراً مرة بعد أُخرى، وهذا فعل المَهموم، وفي الحديث: دلالةٌ
ظاهرة لمذهب أهل السُّنَّة في إثبات القَدَر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله
وقدره، خيرها وشرِّها، نَفْعِها، وضَرِّها، قال تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فهو مُلك الله تعالى، يفعل ما يشاء، ولا اعتراض على
المالك، ولأن الله تعالى [لا عِلَّةَ] لأفعاله.
قال الإمام أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ: سبيل معرفة هذا الباب التوفيقُ من
الكتاب والسنة، دون مَحْض القياس، ومُجرَّد المعقول، فمَن عدل عن
التوفيق فيه؛ ضَلَّ وتاه في بحار الحَيْرة، ولا يبلغ شفاءَ النفس، ولا يصل إلى
ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سِرّ من أسرار الله، ضُربت دونه الأستارُ،
اختصَّ الله تعالى به، وحجَبَه عن عُقول الخلق، ومعارفهم؛ لما علمه من
الحكمة، وإحسانٌ أن نقف حيث حدَّ لنا، ولا نتجاوزه، وقد طوی الله تعالی
علم القَدَر عن العالَم، فلا يعلمه نبيٌّ مُرسل، ولا ملَكٌ مُقرَّب.
وقيل: إن سِرَّ القَدَر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم
قبل دخولها .
وفيه: النهي عن ترك العمل، والاتِّكال على ما سبق به القَدَر، بل
يجب الأعمال بالتكاليف التي ورد الشرع بها، وكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له،
ولا يقدر على غيره، فمَن كان من أهل السعادة؛ يسَّر الله تعالى عليه عملَ
٤٩٥

أهل السعادة، ومن كان من أهل الشَّقاوة؛ يسَّر الله تعالى عليه عملَه (١).
* قوله: ((أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟» :
(ق): هذا أعظم شُبَه النافين للقَدَر، ووجه الانفصال: أن الله أمرنا
بالعمل، فلا بد من امتثال أمره، وغَيَّب عنا المقاديرَ؛ لقيام حُجَّته وزَجْره،
ونصَب الأعمال علامةً على ما سبق في مشيئته، وحكمته، وعِزِّه، ﴿لَا يُْشَلُ
عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ومَوْرِدُ التكليف فعل الاختيار، وليس ذلك مناقضاً
لما سبقت به الأقدار(٢) .
(خط): إن قول الصحابي هذا مُطالبةٌ بأمر يُوجِبُ تعطيلَ العُبودية،
فأعلمهم النبيُّ ◌َّهِ أن هاهنا أمرين مُحْكَمين، لا يُبطل [أحدُهما] الآخرَ:
باطن، وهو الحِكمةُ المُوجِبة في حُكم الرُّبوبية، وظاهرٌ، وهو السِّمة
اللازمة في حق العبودية، وهو أَمَارَةٌ مَخيلَةٌ غير مفيدة حقيقةَ العلم.
ويشبه أن يكون - والله أعلم - إنما عوملوا بهذه المعاملة، وتُعُبِّدوا
بهذا التعبُّد، ليتعلَّق خوفهم ورجاؤهم بالباطن، وذلك من صفة الإيمان،
وبيَّن ◌َلِ﴿ أن كُلاَّ مُيسَر لما خُلق له، وأن عمله في العاجل دليلُ مصيره في
الآجل، وتلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَا مَنْ أَعْطَى وَالنََّى﴾ [الليل: ٥]، وألقى الآيتين، وهذه
الأمور في حكم الظاهر، ومن وراء ذلك حُكْمُ الله فيهم، وهو الحكيم
الخبير ﴿لَا يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
واطلب نظيرَه من أمرين: من الرِّزق المقسوم مع الكَسْب، أو من الأجل
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٥٨).
٤٩٦

المَضروب مع المُعالجة بالطُّبِّ؛ فإنك تجد المغَيَّبَ فيهما عِلَّةٌ مُوجِبة،
والظاهر البادي سبباً مُخيَّلاً، وقد اصطلح الناسُ خواصُّهم وعوامُّهم على أن
الظاهر منهما لا يترك بالباطن، وقوله: ((فكل ميسر))؛ أي: مُهَيَأْ مصروفٌ
إليه(١).
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٣١٨).
٤٩٧

١٦٠- بال
الدعاء للميتِ بعدَ دفنِه، والقعودِ عندَ قبره
ساعةً للدُّعاءِ لهُ، والاستغفار، والقراءة
O
٩٤٦ - عن أَبِي عَمْرِو - وقيلَ: أَبو عبدالله، وقيل: أَبَوِ لَيْلِى -
عُثْمَانَ بنِ عَقَّنَ ﴿﴾، قالَ: كَانَ النَّبِيُّلَهَإِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ،
وَقَفَ عَلَيْهِ، وقال: ((اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ
الآنَ يُسْأَلُ)) رواه أبو داودَ.
* قوله تعالى: ((وسلوا له التثبيت)):
(مظ): أي: اطلبوا من الله أن يثبت لسانه بجواب مُنْكَرٍ ونَكِير، فيه :
دليل على أن دعاء الحيٍّ ينفع الميت، وعلى أنه يُستحبُّ للأحياء أن يدعوا
للأموات، وعلى أن المسلمين بعضُهم إخوة بعض، وليس فيه دلالةٌ على
التلقين عند الدفن، كما هو العادة، ولا نجد فيه حديثاً مشهوراً.
وأورد الغزالي في ((الإحياء))، والطبراني في كتاب ((الدعاء)) حديثاً في
تلقين الميت عند الدفن، ولم يُصحِّحه المُحدِّثون(١).
(١) رواه الطبراني في (الدعاء)) (١٢١٤)، من حديث أبي أمامة ظُه، وهو حديث
ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (٧٥٣).
٤٩٨

وأما قوله: (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إِلَهَ إِلَّ الله)(١): فالمراد بهذا عند الموت،
أما لو لُقِّن بعد الدفن؛ لم يكن فيه حرجٌ؛ لأنه ليس [فيه إلا ذكر الله، وعَرْضُ
الاعتقاد على الميت، ويكون فيه إرغام لمنكري](٢) الحشر والبعث، وكل
ذلك حسن(٣).
(ن): اتفق كثير من أصحابنا على استحباب التلقين، منهم القاضي
حُسين، في (تعليقه))، وصاحبه أبو سعيد المُتولِّي في ((التتمة))، والشيخ أبو
الفتح نصر المقدسيُّ، والإمام الرافعيُّ، وغيرهم، قال النصر في كتابه
((التهذیب)): إذا دفن الميت؛ يقف على رأس القبر، ويقول: يا فلان بن فلان؛
اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن
الله يبعث من في القبور، قل: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد
صلوات الله عليه نبياً، وبالكعبة قِبلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخواناً،
ربي الله لا إله إلا هو ربُّ العرش العظيم.
وروى الخراسانيون فيه حديثاً عن أبي أمامة ليس بالقائم إسنادُه،
ولكن اعتضد بشواهدَ، منها الحديث المذكور، وأهل الشام يعملون به
قديماً، وقال: لا يُلقَّن الصغير حتى يبلغ الحِنْثَ، انتهى(٤).
(١) رواه مسلم (٩١٦/ ١)، من حديث أبي سعيد الخدري
(٢) في الأصل: ((حرج لأنه ليس الحشر))، والتصويب من ((المفاتيح في شرح المصابيح))
للمظهري (١ / ٢٣٥).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٢٣٥).
(٤) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ١٢٩).
٤٩٩

قال الشيخ أبو محمد عبدالله بن قُدامة المَقْدِسيُّ في كتاب ((المغني)):
قال القاضي وأبو الخَطَّاب: يُستحبُّ التلقين، ورويا ما فيه عن أبي أمامة
الباهليِّ: أن النبيَّ وَِّ قال: ((إذا ماتَ أَحَدُكُمْ، فَسَوَّيْتُمْ عَلَيهِ التُّرابَ؛ فَلْيَقُمْ
أَحَدُكُمْ عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِهِ، ثمَّ ليَقُلْ: يا فُلانُ بنَ فُلانٍ؛ فإنه يَسْمَعُ ولا يُجِيبُ،
ثم ليَقُلْ: يا فُلانُ بنَ فُلانِ الثَّانِيَةَ، فَيَسْتَوِي قَاعِداً، ثم لِيَقُلْ: يا فُلانُ بنَ
فُلانٍ؛ فإنه يقول: أَرْشِدْنا يَرْحَمَكَ اللهُ، ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ، فِيَقُولُ: اذْكُرْ ما
خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنيا: شَهَادَةَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُه،
وأَنَّك رَضِيتَ باللهِ رَبّاً، وبالإِسْلامِ دِيناً، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيّاً وبالقُرآنِ إِمَاماً؛ فَإِنَّ
مُنْكَراً ونَكِيراً يَتأخّرُ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما، فيَقُولُ: انْطَلِقْ فمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هَذا،
وقَدْ لُقْنَ حُجَّتَهُ؟! ويَكُونُ اللهُ تَعالى حُجَّتَهُ دُونَهُما))، فقال رجل: يا رسولَ
الله؛ فإن لم يَعرف اسمَ أُمُّه؟ قال: ((فَلْيَتْسُبْهُ إلى حَوَّاءَ))، ورواه ابن شاهين
في کتاب «ذکر الموت» بإسناده(١).
٩٤٧ - وعن عَمْرٍو بنِ العاصِ ﴿ُهِ، قالَ: إِذَا دَفَنْتُمُوني،
فَأَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ؛ وَيُقَسَّمُ لَحْمُها؛ حَتَّى
أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. رواه مسلمٌ. وقد
سبق بطولهِ.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ
(١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٢ / ١٩١).
٥٠٠