Indexed OCR Text

Pages 381-400

١٤٠ -باب
الاستئذانِ وآدابه
* قال الله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَقَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧].
* وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ فَلْيَسْتَخْذِنُواْ كَمَا
أُسْتَْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور:
(باب في الاستئذان وآدابه)
* قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَاتَدْ خُلُواْ بُيُوتًا غَيّرَ بُيُوتِكُمْ حَّ
تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]، سبق في (الباب الرابع والأربعين).
* قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ فَلْيَسْتَقْذِنُواْ﴾ [النور: ٥٩]؛ أي:
الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العَوْرات الثلاث إذا بلغوا الحُلُمَ؛
وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال؛ يعني: بالنسبة إلى أجانبهم،
[وإلى] الأحوال التي يكون الرجل مع أهله، وإن لم يكن في الأحوال
الثلاث.
قال الأوزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رُباعياً؛ فإنه
٣٨١

يستأذن العَوْرات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الخُلُم؛ فليستأذن على كل
حال(١).
٨٧٠ - وعن أَبِي موسى الأَشْعَرِيِّ ﴿به، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى :
(الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّ فَارْجِعْ)) متفقٌ عليه.
* قوله ريقال: ((الاستئذان ثلاث)):
(ق): حاصل هذا الحديث: أن دخول منزل الغير ممنوعٌ، سواء كان
ذلك الغير بها، أو لم يكن، إلا بعد الإذن، وهذا الذي نصَّ الله في كتابه
بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧] الآية،
وهذا لا بدَّ منه؛ لأن دخول منزل الغير تصرُّف في ملكه، ولا يجوز بغير
إذنه؛ لأنه يَطّلع منه على ما [لا] يجوز الاطلاع عليه من عَوْرات البيوت،
فكانت هذه المصلحة في أعلى رُتَب المصالح الحَاجِية (٢) .
(ن): تظاهرت دلائل القرآن والسُّنَّة والإجماع على مشروعية
الاستئذان، والسُّنَّة أن يُسلِّم ثلاثاً، ويستأذن ثلاثاً، فيجمع بين السلام
والاستئذان؛ كما صرح به القرآن.
واختلفوا في أنه هل يستحب تقدیم السلام، ثم الاستئذان، أو تقديم
الاستئذان، ثم السلام؟ فالصحيح الذي جاءت به السنة، وقاله المُحقِّقون:
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٢٧١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٧٣).
٣٨٢

أنه تقديم السلام، فيقول: السلام عليكم، آأدخل؟
الثاني: تقديم الاستئذان.
والثالث - وهو اختيار المَاورديِّ -: إن وقعت عين المستأذن على
صاحب المنزل قبل دخوله؛ قدم السلام، وإلا؛ قدم الاستئذان، وصح عن
النبي ◌َ﴿ حديثان في تقديم السلام، انتهى(١).
روى البيهقي في ((الشعب)) عن جابر: أن النبيَّ ◌َِّ قال: ((لاَ تَأْذَنُوا
لمَنْ لَمْ يَبْدَأُ بِالسَّلامِ))(٢).
وفي ((سنن الترمذي)) عن جابر أيضاً قال: قال رسول الله وَله:
((السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ))(٣)، حديث ضعيف.
(ن): إذا استأذن ثلاثاً، فلم يُؤْذَن له، وظن أنه سمعه؛ ففيه ثلاثة
مذاهب، أظهرها: أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان، والثاني: يزيد،
والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المُتقدِّمَ؛ لم يعده، وإن كان بغيره؛
أعاده، فمَن قال بالأظهر؛ فحُجَّته هذا الحديث، ومَن قال بالثاني؛ حمل
الحديث على مَن علم أو ظنَّ أنه سمعه، فلم يأذن(٤).
(ق): الأَوْلى أن لا يزيد على الثلاث؛ لنص هذا الحديث، وإنما خصَّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٣١).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٨١٦). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)» (٧١٩٠).
(٣) رواه الترمذي (٢٦٩٨). وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٣٣٧٣).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٣١).
٣٨٣

الثلاث بالذِّكر؛ لأن الكلام إذا كُرِّر ثلاثاً؛ سُمع وفُهِم، فإذا لم يُؤذن له بعد
ثلاث؛ ظهر أن ربَّ المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب ما لا
يمكنه قطعُه، فينبغي للمُستأذن أن ينصرف؛ لأن الزيادة على ذلك، والإلحاح
قد يوقع ربَّ المنزل فيما يضرُّه، وينقطع عمَّا كان مشتغلاً به؛ كما قال
النبي ◌َّ لأبي أيوب حين استأذن عليه، فخرج مُستعجلاً: (لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ)(١).
٨٧١ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌ِّى:
(إِنَّمَا جُعِلَ الاستئذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)) متفقٌ عليه.
* قوله : ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)):
(ن): معناه: أن الاستئذان مشروعٌ ومأمور به، وإنما جُعل؛ لئلا يقع
البصر على الحرام، فلا يَحِلُّ لأحد أن ينظر في جُحْر باب، ولا غيره ممَّا
هو مُتعرِّض فيه لوقوع بصره على امرأة أجنبية، انتهى(٢).
أول هذا الحديث: عن سهل بن سعد قال: اطّلع رجلٌ من جُحْرٍ في
حُجَرِ النبيِّ وَّهِ، ومع النبي ◌َّهِ مِدْرىّ يَحُكُّ به رأسَه، فقال: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ
تَنْظِرُ إِلَيَّ؛ لَطَعَنْتُ بهِ فِي عَيْنِكَ؛ إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ))، هذا
لفظ البخاري(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٧٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٣٨).
(٣) رواه البخاري (٥٨٨٧).
٣٨٤

وفي رواية أبي داود عن هُزَيْل قال: جاء سَعْدٌ فوقف على باب النبي ◌َّل
يستأذن، فقام على الباب - قال عثمان: مُستقبلَ البابَ - فقال له النبي ◌ّ :
((هَكَذا عَنْكَ، أَوْ هَكَذا؛ فإنَّمَا الاسْتِذَانُ منَ النَّظَرِ))(١).
(ن): ((المدرى)) بكسر الميم وإسكان الدال المهملة، وبالقَصْر: هي
حديدة يُسوَّى بها شعر الرأس، وقيل: هي شبه المُشْط، ويؤيده ما في رواية
مسلم: ((يُرَجِّلُ بهِ رَأْسَهُ)).
وأما قوله: (يحك به): فلا ينافي هذا، فكان يَحُكُّ به، ويُرَجِّل به،
وترجيل الشعر: تسريحه، ومَشْطُه.
فيه: استحباب الترجيل، وجواز استعمال المِذْرى، والترجيل
مُستحبٌّ للنساء مطلقاً، وللرجال بشرط أن لا يفعله كلَّ يوم، أو كلَّ
يومين، ونحو ذلك، بل بحيث يَجفُّ الأول(٢).
(ق): إصلاح الشعر وإكرامه مُستحَبٌّ؛ كما قال ◌َ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ
جُمَّةٌ؛ فَلْيُكْرِمْها))(٣)، ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرج إلى الترقُّه
والسَّرَف المَنهيِّ عنه في حديث فَضَالة بن عُبيد قال: نهانا رسولُ الله ◌َِّ عن
(١) رواه أبو داود (٥١٧٤). وعثمان هو ابن أبي شيبة أحد شيخي مسلم في هذا
الحديث، والحديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٠١٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٣٧).
(٣) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٩٤٩)، والنسائي (٥٢٣٧)، من حديث أبي
قتادة ظُه بنحوه. وهو حديث لا يصح لانقطاع إسناده واضطراب متنه. انظر:
((تمام المنة في التعليق على فقه السنة)) (ص: ٧٠).
٣٨٥

كثير من الإِرْنَاه(١).
(ن): في هذا الحديث: [جواز] رَمْي عينيه بشيء خفيف، إذا كان
نظرَ في بيت ليس فيه مَحْرَمٌ له(٢).
(ق): وفيه: دليلٌ على صِحَّة التعليل القياسي، فهو حُجَّة للجمهور
على نُفاة القياس(٣).
٨٧٢ - وعَنْ رِبْعِيٍّ بِنِ حِرَاشِ، قالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَني
عَامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َه، وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فقالَ: أَأَلِجِ؟ فقالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ لِخَادِمِهِ: ((اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ
لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُم، أَدْخُلُ؟))، فَسَمِعَهُ الرَّجُلِ، فقالَ:
السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَدَخَلَ. رواه أبو
داود بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله: ((فقال ◌َّ لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان»:
ذكر ابن كثير في ((تفسيره)) عن عمرو بن سعيد الثَّقَفي: أن رجلاً استأذن
(١) رواه أبو داود (٤١٦٠)، وانظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٤٨٠). والحديث صحيح.
انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢ / ٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٣٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٠).
٣٨٦

على النبي ◌َّهِ، فقال: أَلِجُ؟ فقال النبيُّ نَّهِ لأَمَةٍ له، يقال لها: رَوْضَةُ: ((قُومِي
إِلَى هَذا فعَلِّمِيهِ»، وذكر تمام الحديث، انتهى(١).
٨٧٣ - عن كِلْدَةَ بنِ الحَنْبل ◌ُ، قَالَ: أَيَّتُ النبيَّ ◌َِ﴾
فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: «ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلاَمُ
عَلَيْكُمْ، آأَدْخُل؟))، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.
أول الحديث: عن كَلَدَةَ بن الحَنْبل: أن صفوان بن أُميّة بعثه بلبن
وجَدَايَة وضَغَابِيسَ إلى النبيِّهِ، والنبيُّ نَّهِ بأعلى الوادي، قال: فدخلت
عليه، ولم أُسَلِّم، ولم أستأذن.
ففيه: الرِّفق بتعليم الجاهل، وفيه: أن التعليم بالقيام بالمأمور بالفعل
أقوى من مُجرَّد القول.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٢٨١).
٣٨٧

١٤١- باب
بيانٍ أن السنَّةَ إِذا قيلَ للمستأذنِ: من أنتَ؟
أن يقولَ: فلان، فيسمِّي نفسَه بما يُعرف به
من اسم أو كنيةٍ، وكراهةٍ قولهِ: ((أنا)، ونحوَها
٨٧٧ - وعن جابرٍ ◌َُه، قالَ: أَتَيْتُ النبيَّ نَّهِ، فَدَقَقْتُ الْبَابَ،
فقال: ((مَنْ ذا؟))، فقلتُ: أَنَا، فقال: ((أَنَا أَنَا؟!))؛ كَأنَّهُ كَرِهَهَا. متفق
علیه.
قوله: («أنا أنا، كأنه کرهه»:
٠
(خط) لأن ((أنا)) ليس بجواب لقوله: ((من هذا؟))؛ لأن الجواب هو
ما كان بياناً للمسألة، وإنما يكون (أنا) جواباً، أو بياناً عند المُشاهدة، لا مع
المُغايبة، وإنما كان قوله: (من هذا؟) استكشافاً للإبهام، فأجابه بقوله:
(أنا) فلم يُزِل الإبهام، وكان وجهُ البيان أن يقول: أنا جابر؛ ليقع به
التعريف، ويزول معه الإشكال والإبهام، وقد يكون ذلك من أجل تركه
الاستئذان (١).
(ن): إن قال: أنا فلان؛ فلا بأسَ؛ کقولها : (أنا أم هانئ )، ولا بأس
أن يصف نفسه بما يعرف به إذا لم يكن بُدُّ، وإن كان فيه صورة تبجيل
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٥٣).
٣٨٨

وتعظيم له؛ بأن يكني نفسَه، أو يقول: أنا المفتي فلان، أو القاضي فلان،
أو الشيخ، والأحسن: أن يقول: أنا فلان المعروف بكذا(١).
(ق): وقيل: إنما کره ذلك؛ لأنه دقَّ على الباب، كما روي في غير
((كتاب مسلم))، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه إنما فُهمت الكراهة من قوله: (أنا أنا)، ولم
یذکر الدَّقَّ ولا نبّه علیه، فكيف يُعدل عما نطق به وکرره مُنکراً له، ویصار
إلى ما لم يجر له ذكرٌ؟!(٢)
(ط): ذهبت طائفة من أهل العلم، وفرقةٌ من الصوفية إلى كراهة إخبار
الرجل عن نفسه بقوله: (أنا) حتى قال بعضُ الصوفية: كلمة (أنا) لم تزل
مَشُومةً على أصحابها(٣)، وأشار هذا القائل بأن إبليس إنما لُعِن؛ لقوله: أنا،
وليس الأمر على ما قال(٤)، بل الذي نقض عليه أمرَه هو النظر إلى نفسه
بالخيرية، ونحن لا ننكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم وإشاراتهم في
التبرِّي عن الدعاوي الوجودية، ولكنا نقول: إن الذي(٥) أشاروا [إليه] بهذا
القول راجعٌ إلى مَعانٍ تعلقت بأحوالهم، دون ما فيه من التعلق بالقول، كيف؟
وقد ناقض قولُهم هذا نصوصاً كثيرة، وهم أشدُّ الناس فراراً عن جميع
ما يخالف الكتاب والسُّنَّة، ولم يأت القوم في الكراهة بمُتمسّك من الحديث
إلا بحديث جابر هذا، ولو أخذنا بظاهر الحديث؛ كنا كمن حفظ باباً وضيّع
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٣٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٧٨).
(٣) طمس في الأصل.
(٤) طمس في الأصل.
(٥) طمس في الأصل، بعده: ((إشارة وبهذا)).
٣٨٩

أبواباً كثيرة، وأنى يصح القول بظاهر هذا الحديث؟ وقد وجدنا فيما حُكي عن
أنبياء الله في كتابهم أنهم كانوا يستعملونها في كلامهم، ولاسيَّما فيما أمر الله به
رسولَ الله بَّه؛ نحو قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿وَأَنَأْ أَوَّلُ
اٌلْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، وقوله: ﴿وَمَآ أَنَأْمِنَ الُّْكَلِفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقوله: ﴿وَلَآَ أَنَاْ
عَاِدٌ مَّا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤]، وقد قال رَّهِ: ((أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وأنا أوَّلُ مَنْ
تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، وأنا أوَّلُ شَافِع، وأنا مُحَمَّدٌ، وأَنَا أَحْمَدُ، وأَنَا الحَاشِرُ،
وأَنَا المَاحِي، وَأَنَا المُقَفِّي))(١).
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، وقد تلفظ بها السابق بالخيرات
صِدِّيق هذه الأمة بين يدي رسول الله وَّهِ كَرَّة بعد أُخرى في قوله: ((مَنْ
أَصْبَحَ بَيْنَكُم اليومَ صَائِماً؟)) فقال أبو بكر: أنا، قال: ((فمَنْ أَطْعَمَ اليومَ
مِسْكِيناً؟)) قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمَنْ عَادَ مِنْكُم اليومَ مَرِيضاً؟)) قال أبو
بكر: أنا، الحديثَ(٢)، فلم يُنْكِرْ عليه، فلا وجهَ إذاً للذهاب إلى كراهة
ذلك.
ونظرنا إلى حديث جابر، فوجدناه قد ذكر الكراهة على سبيل
الحِسْبان، ثم إنه لم يصرح بالأمر المكروه، والظاهر أن إنكاره أنه لم يأت
بجواب يفيده المعرفةَ، فكُرِه لهذا، لا لتلفظه بتلك الكلمة، فلو قال: أنا
جابر؛ لم يكن وَّ ليكره قولَه، أو يُنكرَ عليه، ولعل ذلك بتفاوت الأحوال
والمقامات، فمَن كان مُتردِّداً في الأحوال، أو مُتحوَّلاً في الفَناء والتلوين،
(١) رواه مسلم (٢٢٧٨)، من حديث أبي هريرة حصته.
(٢) رواه مسلم (١٠٢٨ / ٨٧)، من حديث أبي هريرة
٣٩٠

ينافي حالَه أن يقول: أنا، وأما إذا ترقَّى إلى مقامات البقاء بالله، وتصاعد
إلى درجات التمكين: فلا يضرُّه أن يقول: أنا، ومقامات الأنبياء والصدِّيقين
مقاماتُ تكميل للناقصين(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤٢).
٣٩١

3
١٤٣- باس
استحبابِ تشميتِ العاطسِ إذا حَمِدَ اللهَ تعالى
وكراهةٍ تشميته إذا لم يحمد الله تعالى،
وبيانِ آدابِ التشميتِ والعطاسِ والتثاؤبِ
(باب تشميت العاطس إذا حمد الله)
(ن): يقال: شمت بالشين المعجمة والمهملة، لغتان مشهورتان،
المعجمة أفصح، قال ثعلب: معناه بالمعجمة أبعدَ اللهُ عنك الشَّمَاتةَ،
وبالمهملة: هو من السَّمْت، وهو القَصْدُ والهَدْيُ(١).
(ك): التفعيل للسلب؛ نحو جَلَّدت البعير؛ أي: أزلت جِلدَهُ، فاستُعمل
للدعاء بالخير، وبالمهملة بكونه على حُسْنِ سَمْت(٢).
(ق): قال ابن الأعرابيّ: كل داعٍ إلى الخير مُسْمِّت(٣).
و ((التثاؤب)» مصدر تثاءب مهموزاً ممدوداً، ولا يقال بالواو، ومضارعه
يتثاءب، والاسم الثُّؤَبَاءُ، كل ذلك بالهمزة، وقال ابن دُرَيّد: أصله من ثُب
الرجل بالتشديد (٤)؛ فهو مَثْؤُوبٌ: إذا استرخی وکسل.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٠).
(٢) انظر: ((الكواكب الداراي)) للكرماني (٢٢ / ٦٧).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٥).
(٤) قوله: ((بالتشديد)) كذا قال، وليست في ((المفهم)) (٦ / ٦٢٥)، والذي في =
٣٩٢

٨٧٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ النبيَّ ◌َهِ قالَ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، وَحَمِدَ اللهَ تَعالى،
كانَ حَقّاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَأَمَّا
التََّاؤُبِ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرُدَّهُ
ما اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ)) رواه
البخاريُّ.
* قوله : ((إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب)):
(خط): صار العطاس محموداً؛ لأنه يعين على الطاعات، والتثاؤب
مذموماً؛ لأنه يثنيه عن الخيرات، فالمحبة والكراهية تنصرف إلى الأسباب
الجالبة لهما، وإنما أضيف إلى الشيطان؛ لأنه هو الذي يُزيِّن للنفس
شهوتَها، فإذا قال: [ها]؛ يعني: بالغ في التثاؤب؛ ضحك الشيطان؛ فرحاً
بذلك، قيل: ما تثاءب نبيٌّ قطُّ (١).
(ن): أضاف التثاؤب إلى الشيطان؛ لأنه هو الذي يدعو إلى الشهوات،
والمراد: التحذير من السبب الذي يتولَّد منه ذلك، وهو التوسُّع في الأكل(٢).
(قض): ((التثاؤب)) بالهمزة: التنفّس الذي ينفتح منه الفم، وهو إنما ينشأ
((جمهرة اللغة)) لابن دُرَيد، وغيره من كتب اللغة: ثُثِب كعُني، والمشدد
=
قولهم: تتأَب الرجل، والله أعلم.
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٤١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٢).
٣٩٣

من الامتلاء، وثِقَل النفس، وكُدورة الحَواسِّ، ويُورث الغَفْلة، والكسل،
وسُوء الفَهْم؛ ولذلك كرهه الله تعالى، وأحبه الشيطان، وضحك منه،
والعُطاس لمَّا كان سبباً لخِفَّة الدِّماغ واستفراغ الفَضَلات عنه، وصفاء الروح
النفساني، وتقوية الحَواسِّ؛ کان أمرُه بالعكس(١).
[ن]: أجمعت الأمة على أن التشميت مشروعٌ، ثم اختلفوا في
إيجابه، فأوجبه أهل الظاهر، وابن مريم من المالكية على كل مَن سمعه؛
الظاهر قوله وَله: ((فحَقٌّ على كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُشَمَّتَهُ)) (٢).
قال القاضي: والمشهور من مذهب مالك: أنه فرض على الكفاية،
قال: وبه قال جماعة من العلماء كردِّ السلام، ومذهب الشافعي وأصحابه
وآخرين: أنه سُنَّة وأدبٌّ، ليس بواجب، ويحملون الحديث على النَّذْب
والأدب؛ كقوله وَله: ((حَقٌّ علَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ))(٣).
قال القاضي: واختلف العلماء في كيفية الحَمْد والردِّ، واختلفت فيه
الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل
حال، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد لله، وأما لفظ المُشَمِّت: فقيل: يقول:
يرحمك الله، وقيل: يقول: الحمد لله، يرحمكم الله، وقيل: يقول: يرحمنا
الله وإياكم.
قال: واختلفوا في رَدِّ العاطس على المُشمِّت، فقيل: يقول: يهدیکم
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢١٩/٣).
(٢) رواه البخاري (٥٨٦٩)، من حديث أبي هريرة عظته.
(٣) رواه البخاري (٨٥٦)، ومسلم (٩/٨٤٩)، من حديث أبي هريرة روايته.
٣٩٤

الله، ويُصلح بالَكم، وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم، قال مالك والشافعيُّ:
يتخير بين هذين، وهذا هو الصواب، فقد صَحَّت الأحاديثُ بهما، قال: ولو
تکرر العُطاس؛ قال مالك: يُشمِّته ثلاثاً، ثم یسکت، انتهى(١).
روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً: ((شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلاثاً،
فِمَا زَادَ، فَهُوَ زُكَامٌ))(٢).
وروى أيضاً عن عُبيد [بن] رِفاعة الزُّرَقيِّ، عن النبيِّ وَّه قال:
(تُشَمِّتُ العَاطِسَ ثلاثاً، فَإِنْ شِئْتَ فَشَمَّتْهُ، وإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ»(٣).
وروى أيضاً عن سَلَمةَ بن الأَكْوَعِ: أن رجلاً عطس عند النبيِّ ◌ِّ،
فقال: ((يَرْحَمُكَ اللهُ)، ثم عطس، فقال: ((الرَّجُلُ مَزْكُومٌ))(٤).
(ن): قال ابن العربيٍّ: لأن هذا الذي بك زُكامٌ ومرض، لا خِفَّة
العُطاس، فإن قيل: إذا كان مرضاً؛ فكان ينبغي أن يدعى له ويُشمَّت؛ لأنه
أحقُّ بالدعاء من غيره؛ فالجواب: أنه يُستحبُّ أن يدعی له، لكن غیر دعاء
العُطاس المشروع، بل دعاء المُسْلِم للمسلم بالعافية والسلامة، ونحو
ذلك، ولا یکون من باب التشميت(٥).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢١).
(٢) رواه أبو داود (٥٠٣٤). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٣٧١٥).
(٣) رواه أبو داود (٥٠٣٦) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٣٤٠٧).
(٤) رواه أبو داود (٥٠٣٧)، ورواه مسلم (٢٩٩٣).
(٥) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢١٥).
٣٩٥

* قوله : ((فإذا تثاءب أحدكم؛ فليرده ما استطاع)) :
(ن): في بعض نسخ مسلم: ((تثاءب)) بالهمزة مخففة، وفي أكثرها
(تثاوب) بالواو، قال القاضي عياضٌ: قال ثابت: لا يقال: تثاءب بالمد
مخففاً، بل تثأَب بتشديد الهمزة.
قال الجَوهريُّ: يقال: تثاءبت بالمد مُخففاً، على (تفاعلت)، ولا يقال:
تثاويت، والاسم منه: الُّؤَباء ممدودة، والأمر بكَظْم التثاؤب، ورَدِّه، ووضع
اليد على الفم؛ لئلا يبلغ الشيطان مُرادَه؛ من تشويه صورته، ودخوله فمَه،
وضحکه منه(١).
(ق): ضَحِكُ الشيطان منه سُخْرِية به؛ لأنه صدر عنه التثاؤب الذي
يكون عن الكسل، وذلك يُرضيه؛ لأنه يجد به طريقاً إلى التكسُّل عن الخيرات
والعبادات؛ ولهذا جاء في بعض طُرُق هذا الحديث: ((التَّثَاؤُبُ في الصَّلاةِ منَ
الشَّيْطَانِ))(٢)؛ لأن ذلك يدلُّ على كَسَله فيها، فيستعجل فيها، ويُخِلُّ بها.
وقوله: ((فليرده)) هو خطابٌ لمَن أحسَّ بمبادئ التثاؤب، و((فليكظم))
خطابٌ لمَن غلبه ذلك، فإنه يكسره بسدِّه فاه ما أمكنه، أو بوضع يده على
فمِه، انتھی(٣).
يحتمل أن يكون الأمر برد التثاؤب وكظمه على مذهب الطُّبُّ، ودفع
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٣).
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٣٥٩)، من حديث أبي هريرة ﴿ه. وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٠١٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٥).
٣٩٦

الضرر عن البدن؛ فإن الاسترسال في التثاؤب، وترك النفس على مقتضى
الحَيَوانية رُبَّما أفرط فيه، وتحرك أحدُ مِفْصَل الفَكَّين عن موضعه قليلاً،
فيبقى الفم مفتوحاً على هيئة المُتثائب، لا يمكنه الردُّ على هيئته المستقيمة
إلا بعد مُقاساة أوجاع، ووقع لبعض الناس هذا الذي ذكرناه، فامتثال
الأوامر النبوية، والتأُّب بالآدب الواردة منه فيه سلامة الدِّين والدنيا.
(ق): في رواية لمسلم: ((فَلْيَكْظِمْ ما استَطَاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ))(١)،
قيل: إنه يتقيأ في فمه، قال القاضي: ولهذا أُمر المُتثائِبُ بالَّفْل؛ ليطرح
ما ألقى الشيطانُ في فمه، وكل هذا يُشعر بكراهة التثاؤب، وكراهة حال
المُتثائب، إذا لم يَكْظِم، وأوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى محاسن
الأحوال، ومكارم الآداب(٢).
٨٧٩ - وعنهُ، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ،
فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لِلهِ؛ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ. فَإِذَا
قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ)) رواه
البخاري.
* قوله : «ولیقل له أخوه أو صاحبه: یرحمك الله)):
(ن): قول السامع: (يرحمك الله) سُنَّةٌ على الكفاية، لو قال بعض
(١) رواه مسلم (٢٩٩٤ / ٥٦)، من حديث أبي هريرة
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٦).
٣٩٧

الحاضرين؛ أجزأه عنهم، لكن الأفضل: أن يقول كل واحد منهم؛ لظاهر
قوله: ((كانَ حَقّاً على كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ))(١).
(نه): ((البال)»: الحال والشَّأْن(٢).
(ك): العطسة تدل على قوة طبيعة الدِّماغ، وصِحَّة مِزاجه، فهي نعمة،
وكيف لا؟ وإنها جالبة للخِفَّة المؤدية إلى الطاعات، فأُمر بالحمد عليها، ولمَّا
كان ذلك تغييراً لوضع الشخص(٣)، وحصولَ حركات غير مضبوطة [بغير]
اختياره ولهذا قيل: إنها زلزلة البدن؛ أزيل ذلك الانفعال عنه بالدعاء له،
والاشتغال بجوابه، ولمَّا دُعي له؛ كان مقتضى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْثُم بِشَحِيَّةٍ فَحَيُواْ
◌ِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]، أن يكافئه بأكثر منها؛ فلهذا أمر بالدعوتين، الأولى
لفلاح الآخرة، وهو الهداية، والثانية لصلاح حاله في الدنيا، وهو إصلاح
البال، فهو دعاء بخير الدارين، وسعادة المنزلين، وعلى هذا قِسْ سائر أحكام
الشريعة وآدابها، صلى الله وسلم على صاحبها (٤).
٨٨٠ - وعَنْ أَبَي موسى ◌َظُهِ، قالَ: سمعتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يَقولُ: (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ
(١) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢١٣)، والحديث رواه البخاري (٥٨٦٩)، من
حديث أبي هريرة ﴾ .
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٦٤).
(٣) في الأصل: ((يغير وضع الشيء)).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ٧٠).
٣٩٨

اللهَ، فَلا تُشَمِّتُوهُ)) رواه مسلم.
* قوله وقال: ((فإن لم يحمد لله فلا تشمتوه)) :
(ن): هذا تصريح بالنهي عن تشميته إذا لم يحمد، فيكره التشميت
إذا لم يحمد، فلو حمد ولم يسمعه الإنسان؛ لم يُشمِّته، وقال مالك:
لا يُشمِّت حتى يسمعَ حمده، فإن رأیت مَن یلیه شمَّته؛ فشَمِّته.
قال القاضي: إنما أُمر العاطس بالحمد؛ لما حصل له من المنفعة
بخروج ما اختنق في دماغه من الأَبْخِرَة(١).
(ق): [هذا] نهيٌّ عن التشميت إذا لم يحمد، وأقل درجاته أن يكون
[الدعاء له] مكروهاً؛ عقوبة له على غفلته عن نعمة الله عليه في العُطاس(٢).
(قض): إنما يستحِقُّ العاطسُ التشميتَ إذا عرف نعمة الله عليه،
وعلم أنه يدفع عنه الأذى ويعافيه(٣).
(خط): يحكى عن الأوزاعيِّ أنه عطس رجل بحضرته، فلم يحمد
الله، فقال له الأوزاعي: كيف تقول إذا عطست؟ [فقال: أقول: الحمد
الله](٤)، فقال له: يرحمك الله، وإنما أراد بذلك أن يستخرج منه الحمد،
انتھی(٥).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٣).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٢٠).
(٤) ما بين معكوفتين زيادة من ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٤١).
(٥) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٤١).
٣٩٩

ذكر الترمذي الحكيم عن موسى بن طلحة قال: أوحى الله تعالى إلى
سليمان عليه السلام: إن عطس عاطسٌ من وراء سبعة أَبْحُر؛ فاذكرني.
(حس): قال مكحول: كنت إلى جنب ابن عمر، فعطس رجل من
ناحية المسجد، فقال: يرحمك الله، إن كنت حمدت الله.
وقال الشَّعْبيُّ: إذا سمعت الرجل يعطس من وراء جدار، فحمد الله؛
فشَمِّته.
وقيل: قال إبراهيم: إذا عطست، فحَمِدت، وليس عندك أحدٌ؛ فقل:
يغفر الله لي ولكم؛ فإنه يُشمِّتك مَن سمعك(١).
(ن): إذا عطس في صلاته؛ يستحب أن يقول: الحمد لله، ويسمع
نفسَه، ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال، أحدها: هذا، واختاره ابن العربيِّ،
والثاني: يحمد في نفسه، والثالث: لا يحمد جهراً، ولا في نفسه، قاله
سُحْنُون(٢).
٨٨٢ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ه، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِذَا
عَطَسَ، وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ - أَوْ غَضَّ - بِهَا
صَوْتَهُ. شَكَّ الرواي. رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ.
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٣١٣).
(٢) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢١٤).
٤٠٠