Indexed OCR Text

Pages 341-360

(إنََّكَ لَمْ تَدَعْ شَيْئاً، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِِّثُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]، فرَدَدْنا عَلَيْك)(١).
وعن ابن عباس ﴿﴾ قال: مَن سلَّم عليك مِن خلق الله فاردُدْ وإن كان
مَجُوسِيّاً، وذلك بأن الله يقول: ﴿فَحَيُواْبِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾، رواه ابن أبي
حاتم(٢).
وقال قتادة: ﴿فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآَ﴾ للمسلمين، ﴿أَوْ رُدُّوهَاً﴾؛ يعني:
لأهل الذِّمَّةِ (٣).
(م): عادة العرب قبل الإسلام إذا لقي بعضُهم بعضاً: أن يقول:
حَيَّاك الله، واشتقاقه من الحياة، كأنه يدعو له بالحياة، فلما جاء الإسلام؛
أبدل الله ذلك بالسلام، وجعلوا التحية اسماً للسلام، قال الله تعالى:
ج
﴿َِّيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، سَلَمٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، والسلام أتمُّ وأكمل من قولهم:
حَيَّاك الله، وبیانه من وجوه:
الأول: أن الحيَّ إذا كان سليماً؛ كان حياً لا محالةَ، وليس إذا كان
حياً؛ كان سليماً، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبَلِيَّات.
الثاني: أن السلام من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله وبصفة من
صفاته الدَّالَّة على أنه يريد إبقاء السلامة على عباده أكملُ من حَيَّاك الله.
الثالث: أن قول الإنسان لغيره: السلام عليك بشارةٌ له منه بالسلامة،
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٥/ ١٩٠). وهو حديث منكر. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٥٤٣٣).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٧٢٩). وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٧٠٤).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٥٣٢).
٣٤١

وحيَّاك الله لا يفيد ذلك، فهذا أكمل، وكان تحية النصارى وضعَ اليد على
الفم، وتحية اليهود بعضهم لبعض الإشارةَ بالأصابع، وتحيتهم للمؤمنين :
السَّامُ عليكم، وتحية المَجُوس: الانحناء، وتحية العرب ما قدمناه،
وتحيتهم المملوك(١): أَنْعِمْ صباحاً، وتحية المسلمين بعضهم لبعض: أن
يقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا شك أن هذه التحيةَ أشرفُ
التحيَّات، وأكملُها، وأكرمُها(٢).
* قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ﴾ [الذاريات: ٢٥]، سبق في (الباب
الرابع والتسعين)، ووجه مناسبته للآية التي قبلها: أن الرفع دلالة على
الثبات، والدَّوام، واللزوم، كأن الخليل عليه السلام قصد أن يُحيِِّهُم
بأحسنَ مما حَيَّوه بها .
٨٤٥ - وعن عبدِ الله بن عمرو بنِ العاصِ ﴾: أَنَّ رجلاً سَأَلَ
رَسُولَ اللهِوَ﴿ِ: أَيُّ الإسْلامِ خَيْرٌ؟ قالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ
السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَّمْ تَعْرِفْ)) متفقٌ عليه.
سبق في (الباب الستين).
(١) في ((تفسير الرازي)): ((الملوك)).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠ / ١٦٧).
٣٤٢

٨٤٦ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿له، عن النبيِّ وَّهِ، قالَ: ((لمَّا خَلَقَ
اللهُ تَعَالَى آدَمَ نَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلى أُولَئِكَ؛ نَفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ
جُلُوس، فَاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحِيُّكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقالَ:
السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ
الله)) متفقٌ عليه.
(الثَّانِى)
* قوله: ((قال: اذهب، فسلم على أولئك»:
(ك): (النفر): بفتح الفاء وسكونها: عِدَّةُ رجال، من ثلاثة إلى عشرة،
وهو بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وبالجر(١).
(ق): هذا الكلام إلى آخره دليلٌ على تأكُّد حكم السلام؛ فإنه ممَّا
شُرع وكُلِّف به آدم عليه السلام، ثم لم ينسخ في شريعة من الشرائع؛ فإنه
تعالى أخبر أنه تحيته وتحية ذُرِّيته من بعده، فلم يزل ذلك معمولاً به في
الأُمم على اختلاف شرائعها إلى أن انتهى ذلك إلى نبينا مّز، فأمر به،
وبإفشائه، وجعله سبباً للمَحبَّ الدِّينية، ولدخول الجنة، وهذا كلُّه يشهد
لمَن قال بوجوبه، وهو أحد القولين للعلماء(٢).
(ط): في ((سنن الترمذي)) عن أبي هريرة: ((لمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ، ونَفَخَ فيهِ
الرُّوحَ؛ عَطَسَ، فقَالَ: الحَمْدُ لله، فحَمِدَ اللهَ بِإِذْنِهِ، فقالَ لهُ رَبُّه: يَرْحَمُكَ اللهُ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ٧٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٤).
٣٤٣

يا آدَمُ؛ اذْهَبْ إِلَى أُولِئِكَ المَلائِكَةِ» الحديثَ(١).
تخصيص الحمد بالذِّكر إشارةٌ إلى بيان قدرته الباهرة، ونعمته
المتظاهرة؛ وذلك أن الله تعالى أبدعه إبداعاً جميلاً، وأنشأه خلقاً سَوِيّاً
صحيحاً، فعَطَس، والعُطاس مشعر بصِحَّة المزاج، فوجب الحمد على ذلك،
ولا ارتيابَ أن وقوفه على قدرة الله، وإفضاله عليه لم يكن إلا بتوفيقه
وتيسيره، وفي فاء التعقيب إشارةٌ إلى هذا المعنى.
ثم إنه تعالى لمَّا وفَّقه لقيام الشكر على نِعَمه السابغة، وأوقفه على
قدرته الكاملة البالغة؛ علمه كيفية المُعاشرة مع الخلق، حتى يفوز بحُسن
الخُلُق مع الخَلْق بعد تعظيم الحَقِّ.
وأما تخصيص السلام بالذِّكر: فإنه فتح باب المَوَدَّات، وتأليف قلوب
الإخوان المُؤدِّي إلى استكمال الإيمان [الوارد] في الحديث: ((لا تَدْخُلُونَ
الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا)) الحديثَ إلى قوله: ((أَفْشُوا السَّلامَ»(٢).
(ن): فيه: أن الوارد على جلوس يُسلِّم عليهم، وأن الأفضل أن
يقول: السلام عليكم، بالألف واللام، ولو قال: سلامٌ عليكم؛ كفاه.
وفيه: أن ردَّ السلام يُستحبُّ أن يكون بزيادة على الابتداء، وأنه يجوز
في الردِّ أن يقول: السلام عليكم، ولا يشترط أن يقول: وعليك السلام.
(١) رواه الترمذي (٣٣٦٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٥٢٠٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٣٦)، والحديث رواه مسلم (٥٤ / ٩٣)،
من حديث أبي هريرة ضـ
٣٤٤

وفيه: أن الملائكة في الملأ الأعلى يتكلمون بلسان العرب، ويُحُّون
بتحية الله.
وفيه: الأمر بتعلُّم العلم من أهله(١).
٨٤٧ - وعَنْ أَبِي عُمارَةَ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ ﴿﴾، قالَ:
أَمَرَنا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتَّبَاعِ الجَنَائِزِ،
وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ المَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ
السَّلامِ، وَإِبرارِ المقْسِمِ. متفق عليه، هذا لفظَ إحدى رواياتٍ
البخاريِّ.
(الثَّالِثُ)
سبق في (الباب السابع والعشرين).
٨٤٨ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌ِ:
(لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوا،
أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَيْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
رواه مسلمٌ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٨).
٣٤٥

٤
سبق في (الباب السادس والأربعين).
٨٤٩ - وعَنْ أَبِي يوسُفَ عبدِالله بنِ سَلام ◌َ﴿ُ، قالَ:
سمعْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ يقولُ: ((يا أَيّهَا النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلامَ،
وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا
الجَنَّةَ بِسَلام)) رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(ط): هذا الحديث جامعٌ لمكارم الأخلاق من حسن المعاشرة مع
الخلق؛ بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، ومع الحَقِّ؛
بالتقرُّب إليه بالتهجُّد، قال تعالى: ((مَا يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى
أُحِبَّهُ، فَإِذا أَحْبَيْتُهُ؛ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً)(١) الحديثَ، انتهى(٢).
قيل: إفشاء السلام: أن يسلم على كل مسلم لقيه، ولا ينتظر حتى
يُسلِّم عليه؛ فإن الفَضْلَ للمُبتدئ، وإطعام الطعام: أن يُقدِّم ما وَجد إلى
من وُجِد، وصلة الأرحام: أن يُؤْثِرَ ذا الرَّحم القريب على الفقير الغنيِّ،
ويواصله، ویُوادّه، ویجالسه.
(١) رواه البخاري (٦١٣٧)، من حديث أبي هريرة ظـ
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٥١).
٣٤٦

٨٥٠ - وعَنِ الظُّفَيْلِ بْنِ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عبدَالله بْنَ
عُمَرَ، فَيَغْدُو مَعَهُ إلى السُّوقِ، قال: فَإِذا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُزَّ
عبدُ اللهِ عَلَى سَقَّاطٍ وَلا صاحِبٍ بَيْعَةٍ، وَلاَ مِسْكِينٍ، وَلاَ أَحَدٍ إِلاَّ
سَلَّمَ عَلَيْهِ، قالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عبدَالله بْنَ عُمَرَ يَوْماً، فَاسْتَتْبَعَني
إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: ما تَصْنَعُ بِالسُّوقِ، وَأنْتَ لا تَقِفُ عَلى
البَيْعِ، وَلاَ تَسْألُ عَنِ السَّلَعِ، وَلاَ تَسُومُ بِهَا، وَلاَ تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ
السُّوقِ؟ وَأَقُولُ: اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثْ، فقالَ: يَا أَبَا بَطْنٍ!
- وَكَانَ الطُّغَيْلُ ذَا بَطْنٍ - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلامِ، فَنُسَلِّمُ عَلَى مَنْ
لَقِيناهُ.
رواه مالكٌ في «الموطأ» بإسنادٍ صحيحٍ.
(السَّادِيُ)
* قوله: ((على سَقَّاط)):
(نه): هو الذي يبيع سَقَطَ المتاع، وهو رديئه وحقيره، و((البيعة))
بالكسر، من البيع: الحالة، كالرِّكْبَة والقِعْدة(١).
(ط): يروى بفتح الباء، وهي: الصَّفقة، انتهى (٢).
أراد أنا لا نغدو إلى السوق؛ لطلب الأعراض بالأعراض، ولا لتزجية
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٧٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (١٠ / ٣٠٥٣).
٣٤٧

الأوقات في حيازة الأقوات، ولا إضاعة العُمر في الخَوْض فيما لا يعني من
الأقوال والأعمال، بل رَواحُنا؛ لأجلِّ الِّجارات، وأعظم المكاسب، وهي
اقْتِنَاءُ الباقيات الصالحات، واقتناص الأرباح التي لو ظهر فَضْلٌ أدنى شيء
منها لهؤلاء الغَفَلة؛ لتجالدوا عليه بالسُّيوف، ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾
[المطففين: ٢٦]، وترى كثيراً من التجار يُبكِّر إلى السوق لأغراض زائلة، لو
بقيت له؛ لم يبق لها، ويسعى ويكدح ويقاسي العَناءَ والتعبَ والشقاء من
أول نهاره إلى آخره، وربما لا يفرغ للأكل والشرب، ولا يهنأ بالرّاحات
الدينية البدنية أيضاً، فضلاً عن العبادات، والاشتغال بالأعمال الصالحات،
[ولا] يحصل من السُّوق إلا الفُسوق فصَفْقُه خاسرة، وتجارته بائرة،
بخلاف من غدا إليها؛ لطلب أرباح الآخرة.
٣٤٨

١٣٢- باب
كيفيةِ السلامِ
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ المُبْتَدِىُ بِالسَّلامِ: («السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ
اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، فَيَأْتِي بِضَمِير الجَمْعِ، وَإنْ كانَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِ
واحِداً، وَيقولُ المُجِيبُ: ((وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»،
فَأْتِي بِواو العَطْفِ في قوله: وَعَلَيْكُمْ.
(باب في كيفية السلام)
٨٥١ - عن عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ ﴾، قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى
النبيِّ ◌َِّ، فقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، فقال
النبيُّ ◌َّهِ: ((عَشْرٌ)، ثم جَاءَ آخَرُ، فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ
الله، فَرَدَّ عليه، فَجَلَسَ، فقال: ((عِشْرُون))، ثم جَاءَ آخَرُ، فقال:
السَّلامُ عليكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فقال:
((ثلاثونَ».
رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
٣٤٩

* قوله : ((عشر)) :
(ط): أي: عشر حسنات، أو كُتِبَ عشر حسنات؛ أي: المكتوب
له(١).
* قوله: ((فرد عليه ... ثلاثون)):
(ق): الرادُّ يستحب أن يرد ما سمعه، والمندوب أن يزيد إن أبقى له
المُبتدئ ما يزيد، فلو انتهى المبتدئ بالسلام إلى غايته التي هي: السلام
عليك، ورحمة الله، وبركاته، لم يزد الرادُّ على ذلك شيئاً؛ لأن السلام
انتهى إلى البركة؛ كما قال عبدالله بن عباس، وقد أنكر عبدالله بن عمر على
مَن زاد شيئاً على ذلك، وهذا كله مُستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم
بِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْبِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]؛ أي:
يُحاسِب على الأقوال كما يُحاسِبُ على الأفعال(٢).
(ش): کان هدیە پير انتهاء السلام إلى ((وبركاته))، وذكر حديث عمران
بن حُصين، ثم قال: وذكر أبو داود من حديث معاذ بن أنس، وزاد فيه: ثُمَّ
أتى آخرُ، فقال: السَّلامُ عليكم، ورحمة الله، وبركاته، ومغفرته، فقال:
((أَرْبَعُونَ))، وقال: ((هَكذا تَكُونُ الفَضَائِلُ))(٣)، ثم قال: لا يثبت هذا الحديث؛
فإن له ثلاث علل :
أحدها: أنه من رواية أبي مَرْحُوم عبد الرحيم بن ميمون، ولا يُحتجُ به.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٠٤٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٦).
(٣) رواه أبو داود (٥١٩٦). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(١٦٢١).
٣٥٠

الثانية: أن فيه سهلَ بن معاذ، وهو كذلك.
الثالثة: أن سعيدَ بن أبي مريم أحدَ رُواته لم يجزم بالرواية، بل قال:
أظن أني سمعت نافع بن یزید.
وأضعفُ من هذا الحديث: ما رُوي عن أنس قال: كان رجل يمرُّ
بالنبي ◌َّه، فيقول: السَّلامُ عليكم يا رسولَ الله، فيقول له النبيُّ ◌َّ:
(وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وبَرَكَاتُه، ومَغْفِرتُه، ورِضْوَانُه))، فقيل له:
يا رسولَ الله؛ تسلم على هذا سلاماً ما تُسلِّمُه على أحد من أصحابك،
فقال: ((ومَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذلك وهو يَنْصَرِفُ بِأَجْرٍ بِضْعَةَ عشَرَ رَجُلاً؟))(١)،
وكان يَرْعَى على أصحابه(٢).
(ن): نقل ابن عبد البَرِّ وغيرُه إجماعَ المسلمين على أن ابتداء السلام
سُنَّة، وأن ردّه فرضٌ، وأقل السلام: أن يقول: السلام عليكم: فإن كان
المُسلَّم عليه واحداً؛ فأقلُّه السلام عليك، والأفضل أن يقول: السلام عليكم؛
ليتناوله ومَلَكَيْهِ، وأكملُ منه أن يزيد: ورحمة الله، وبركاته، واستدل العلماء
بزيادة: ورحمة الله، وبركاته بقوله تعالى إخباراً عن سلام الملائكة بعد ذكر
السلام: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَانُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، ويقول المسلمين
كلِّهم في التشهد: السلام عليك أيها النبيُّ، ورحمة الله، وبركاته.
وأما صفة الردِّ: فالأفضل والأكمل: أن يقول: وعليكم السلام،
ورحمة الله، وبركاته، فيأتي بالواو، ولو حذفها؛ جاز، وإن كان تاركاً
(١) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٣٥).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٤١٧).
٣٥١

للأفضل، ولو اقتصر على: وعليكم السلام، أو: علیکم السلام؛ أجزأه، ولو
اقتصر على: عليكم؛ لم يجزئه بلا خلاف ولو قال: وعليكم، بالواو؛ ففي
إجزائه و جهان لأصحابنا .
وإذا قال المُبتدئ: سلام عليكم، أو السلام عليكم، فقال المُجيب
مثله: سلام عليكم، أو السلام عليكم؛ كان جواباً وأجزأه، قال تعالى:
﴿فَقَالُوْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمٌ﴾ [الذاريات: ٢٥]، ولكن بالألف واللام أفضل، وأقل
السلام ابتداء وَرداً: أن يُسْمِعَ صاحبه، ولا يجزئه دون ذلك.
ويشترط كون الردِّ على الفَوْر، ولو أتاه سلام من غائب مع رسول،
أو في ورقة؛ وجب الردُّ على الفَوْر، وقد جمعت في كتاب ((الأذكار)) نحوَ
كُرَّاستين في الفوائد المتعلقة بالسلام(١).
(ط): فإن قلت: بيِّن الفرق بين قولك: سلام عليكم، أو: السلام
علیکم .
قلت: لا بُدَّ للمُعرَّف باللام من معهود؛ إما خارجيٍّ أو ذِهْنيٍّ، فإذا
ذهبت إلى الأول؛ كان المُرادُ السلامَ الذي سلَّمه آدم عليه السلام على
الملائكة في قوله ◌َّهِ: ((قالَ لَآدَمَ: اذْهَبْ فَسَلُّمْ عَلى أُولَئِكَ النَّفَرِ فإنَّها
تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيْتِكَ))(٢).
وإلى الثاني؛ كان المُراد جنسَ السلام الذي يعرفه كلُّ أحد من
المسلمين أنه ما هو، فيكون تعريضاً بأن ضِدَّه لغيرهم من الكُفَّار، وإليه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٠).
(٢) رواه البخاري (٣١٤٨)، ومسلم (٢٨٤١)، من حديث أبي هريرة ـ
٣٥٢

الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧](١).
*
٨٥٢ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ: قالَ لي
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ))، قالَتْ: قُلتُ:
(وَعَلَيْهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ)) متفقٌ عليه.
وهكذا وقعَ في بعضٍ روايات ((الصحيحين)): ((وَبَرَكَاتُهُ))،
وَفِي بَعْضِها بِحَذْفِهَا، وَزِيَادَةُ الثَّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
* قوله وله: [((يقرأ عليك السلام))]:
(ن): معناه: يُسلِّم عليك(٢)، وسبق بيانه في الحديث الخامس من
(الباب الثالث).
(ن): فيه: فضيلة ظاهرة لعائشة رضي الله عنها، وفيه: استحباب
بعث السلام، ويجب على الرسول تبليغهُ، وفيه: بعث الأجنبي [السلام]
إلى الأجنبية الصالحة، إذا لم يُخف ترتُّبُ مفسدة، وأن الذي يبلغه
السلام يردُّ عليه، قال أصحابنا: وهذا الردُّ واجب على الفور، وفيه:
أنه يستحب في الردِّ أن يقول: وعليك، أو: وعليكم السلام، بالواو، ولو
حذفه؛ أجزأه على الصحيح، وكان تاركاً للأفضل، وقال بعض
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٤٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٢١١).
٣٥٣

أصحابنا: لا يجزئه(١).
٠٠٠
٨٥٣ - وعَنْ أَنَسٍ ﴿ه: أَنَّ النبيَّ وَ﴿ كَانَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ،
أَعَادَهَا ثَلاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عنهُ، وَإِذَا أَنَى عَلَى قَوْمٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ،
سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثاً. رواه البخاريُّ.
وهَذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذا كان الجَمْعُ كَثِيراً.
* قوله: ((أعادها ثلاثاً)):
(ك): وذلك؛ ليبالغ في التفهيم والإسماع؛ ولهذا كَرَّر القَصصَ في
القرآن، وليرسخ ذلك في قلوبهم، والحفظ إنما هو بتكرير الدِّراسة،
وأخرج الحديث مُخرج العُموم، والمراد به الخُصوص؛ أي: كان ذلك في
أكثر أمره(٢).
(تو): أراد بالكلمة الجملة المفيدة، وقوله: ((أعادها ثلاثاً) مُبيّن
بقوله: ((حتى تفهم عنه)) وأما قوله: ((إذا سلم؛ سلم ثلاثاً): فإنه مُفتقر إلى
البيان؛ لأنا لم نجدها سُنَّة متبوعة، وقد ذهب بعضُ العلماء في معناه إلى
تسليم الاستئذان، واستدل بحديث سعد بن عُبادة [أن النبيَّ ◌َّ] جاءه وهو
في بيته، وسلَّم، فلم يُجِبْه، ثم سلم ثانياً، ثم سلم ثالثاً، وفي هذا التأويل
(١) المرجع السابق (١٥ / ٢١٢) ..
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ٨٥).
٣٥٤

نظرٌ؛ لأن تسليمة الاستئذان لا تُثنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا تُثَلَّث إذا
حصل بالثانية، ثم إنه ذكره بلفظ (إذا) المقتضية لتكرار الفعل كَرَّة بعد
أُخرى، وتسليمه [ثلاثاً] على باب سعد أمرٌ نادر، لم يذكر عنه في غير هذا
الحدیث .
والوجه: أن نقول: معناه: كان نبيُّ الله وَّ إذا أتى على قوم؛ سلم
عليهم تسليمة الاستئذان، وإذا دخل، سلَّم تسليم التحية، ثم إذا قام من
المجلس؛ سلَّم تسليم التوديع، وهي في معنى الدعاء، وهذه التسليمات كلها
مسنونة، وكان النبيُّ نَّهِ يُّواظِبُ عليها، ولا مزيدَ في السنة على هذه الأقسام.
(ش): لعل تسليمَه ◌َّ ثلاثاً كان من هَذْيه في السلام على الجمع
الكثير، الذين لا يبلغهم سلامٌ واحد، أو هَذْيه في إسماع السلام الثاني
والثالث، إذا ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع؛ كما سلَّم لما انتهى إلى
منزل سعد بن عُبادة، وإلا؛ فلو كان هَذْيه الدائم التسليمَ ثلاثاً؛ لكان
أصحابه يُسلِّمون عليه كذلك، ولكان يُسلِّم على كل مَن لقيه ثلاثاً، وإذا
دخل بيته؛ سلم ثلاثاً، ومَن تأمَّل هديَهُ؛ علم أن الأمر ليس كذلك، وأن
تكرر السلام كان منه أمراً عارضاً في الأحيان(١).
٨٥٤ - وعَنِ المِقْدَادِ عُ في حديثِهِ الطويلِ، قالَ: كُنَّا نَرْفَعُ
لِلنَّبِيِّ وَّهِ نَصِيبَهُ مِنَ اللََّنِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٤١٨).
٣٥٥

لا يُوقِظُ نَائِماً، وَيُسْمِعُ اليَقِظَانَ، فَجَاءَ النبيُّ ◌َهِ، فَسَلَّمَ كما كانَ
یُسَلُّمُ. رواه مسلم.
* قوله: ((في الحديث الطويل)): أراد به ما رواه مسلم في ((صحيحه))
عن المِقْدَاد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعُنا وأبصارُنا من
الجَهْد، فجعلنا نَعْرِضُ أنفسَنا على أصحاب رسول الله ◌َِّ، فليس أحدٌ منهم
يقبلنا، فأتينا النبيَّ وَّ، فانطلق بنا إلى أهله، وإذا ثلاثة أَعْنُزِ، فقال النبيُّ وَّ:
((اخْتَلِبُوا هَذا اللَّبَنَ بَيْنَا))، فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع
للنبي وٌَّ نصيبَه، قال: فيجَيءُ من الليل فيُسلِّم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويُسمع
اليقظان، قال: ثم يأتي المسجدَ، فيصلي، ثم يأتي شرابه، فيشرب، فأتاني
الشيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي، فقال: محمدٌ يأتي الأنصارَ فيُتْحِفُونه
ويُصِيبُ عندهم، ما به حاجةٌ إلى هذه الجُرْعَةِ، فأتيتها فشربتها، فلمَّا أن
وَغَلَتْ في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل؛ قال: ندَّمني الشيطان،
فقال: ويحك ما صنعت أشربت شراب محمد؟ فيَجِيءُ فلا يجده، فيدعو
عليك، فتَهْلِك، فتذهب دُنياك وآخرتك، وعليَّ شَمْلَة إذا وضعتها على
قدمي؛ خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي، خرج قدماي، وجعل
لا يجيئني النوم، وأما صاحباي: فناما، ولم يصنعا ما صنعت، فقال: فجاء
النبي ◌َّهِ فسلَّم كما كان يُسلِّم، ثم أتى المسجدَ فصلى، ثم أتى شرابهَ،
فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو
عليَّ؛ فأهلك، فقال: ((اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، واسْقِ مَنْ سَقَاني))، قال:
فَعَمَدْتُ إلى الشَّمْلَةِ، فَشَدَدْتُها عليَّ، وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأَعْتُر
٣٥٦

أيُّها أَسْمَنُ، فأذبحها لرسول الله ◌ِ﴿، فإذا هي حافلةٌ، وإذا هن حُفَّلٌ كلُّهن،
فِعَمَدْتُ إلى إناء [لآل] محمد ◌َلي ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال:
فحلبت فيه حتى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ؛ فجئت إلى رسول الله وَّهَ، فقال: ((أَشَرْبِتُم
شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟)) قال: قلت: يا رسولَ الله؛ اشرب، فشرب، ثم ناولني،
فلمَّا عرفت أن النبي ◌َِّ قد رَوِي، وأصبت دعوتَه؛ ضحكت حتى أُلقيت إلى
الأرض، قال: فقال النبيُّ ێ ((إِحْدَی سوءاتِكَ))، فقلت: يا رسولَ الله؛ كان
من أمري كذا، وفعلت كذا، فقال النبيُّ نَّهِ: ((مَا هَذا إِلَّ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ، أَفَلا
كُنْتَ آذَنْتُنِي، فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فِيُصِيبَانِ منها؟)) قال: فقلت: والذي بعثك
بالحق؛ ما أُبالي إذا أصبتَها وأصبتُها معك مَن أصابها من الناس(١).
، قوله: «تسليماً لا يوقظ نائماً):
(ن): هذا فيه أدبُ السلام على الأَيْقَاظ في موضع فيه نيامٌ، أو مَن
في معناه(٢) .
(ق): فيه: دليل على مشروعيته عند دخول البيت، وقد استحبه مالك،
وأن ذلك ممّا ينبغي أن يكون برفق واعتدال، وقوله: ((إحدى سوءاتك))؛ أي:
هذه حالة سيئة من جُملة حالاتك التي تسوء، مُنْكِراً لذلك؛ لأن كثرة الضحك
تميت القلب(٣) .
(١) رواه مسلم (٢٠٥٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٣٣٢).
٣٥٧

٨٥٥ _ وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
مَرَّ في المَسْجِدِ يَوماً، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلَوى بِيَدِهِ بِالتَسْلِيمِ.
رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وهذا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهِ وَلِ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ والإِشَارَة، ويُؤَيِّدُهُ
أَنَّ فِي رِوايةٍ أَبي داودَ: ((فَسَلَّمَ عَلَيْنَ)).
قوله: «فآلوی بیده» :
(الجَوهريُّ): (ألوى بيده): إذا لَمَعَ وأشار(١).
[(ن)]: النساء إن کن جمعاً؛ يُسلّم عليهن، وإن كانت واحدة؛ سلّم
عليها النساءُ، وزوجُها، وسيدها، ومَحرَمُها، سواء كانت جميلة، أو
غيرها، وأما الأجنبية: فإن كانت عجوزاً لا تُشتهى؛ استُحِبَّ له السلام
عليها، واستُحِبَّ لها السلامُ عليه، ومَن سلَّم منهما؛ لزم الآخرَ ردُّ السلام
عليه، وإن كانت شابّة، أو عجوزاً تُشتهى؛ لم يُسلِّم عليها الأجنبيُّ، ولم
تُسلِّم عليه، ومَن سلم منهما؛ لم يستحق جواباً، ويكره ردُّ جوابه.
هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال ربيعة: لا يُسلِّم الرجال على
النساء، ولا النساءُ على الرجال، وهذا غلط، وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال
على النساء إذا لم يكن فيهن مَحْرَمٌ(٢).
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦ / ٢٤٨٦)، (مادة: لوى)، وفيه: ((ألوى بثوبه)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٩).
٣٥٨

٨٥٦ - وعن أَبِي جُرَيّ الهُجَيْمِيِّ ﴿هِ، قالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ،
فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رَسُولَ الله. قالَ: ((لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ؛
فإِنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِنَّةُ المَوْنَى)).
رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد سبقَ بِطوله.
* قوله: [(«تحية الموتى))]، سبق في (الباب الثاني بعد المئة).
٣٥٩

١٣٣- باب
آدابِ السلامِ
(باب آداب السلام)
٨٥٧ - عَنْ أَبِي هُرِيرةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قالَ: ((يُسَلِّمُ
الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، والمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ))
متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ للبخاري: ((وَالصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ)).
* قوله {يقلق: ((يسلم الراكب على الماشي)):
(ط): إنما استحب السلام للراكب؛ لأن وضع السلام إنما هو لحكمة
إزالة الخوف من المُلْتَقيين إذا التقيا، أو من أحدهما في الغالب، أو لمعنى
التواضع المُناسب لحال المؤمن، أو لمعنى التعظيم؛ لأن السلام إنما يقصد
به أحدُ أمرين: إما اكتساب وُدِّ أو استدفاع مكروه، قاله أقضى القضاة
الماورديُّ.
فالراكب يسلم على الماشي، وهو على القاعد، للإيذان بالسلامة،
وإزالة الخوف، والقليل على الكثير؛ للتواضع، والصغير على الكبير؛ للتوفير
والتعظيم، وهذا الأدب فيما إذا تلاقى اثنان في طريق، أما إذا ورد على قُعود
٣٦٠