Indexed OCR Text

Pages 301-320

ورأى جمعٌ من العلماء أن يكون لهذا الحديث تأويلٌ غير ذلك، ولا مَردَّ
عليهم؛ فإن هذا الحديث حديث صحيح، والتأويل مستقيم، غير أن هذا
الحديث على ما في ((المصابيح)) لا يحتمل ذلك، ولا نجد عنه مخلصاً إلا من
فَرْدِ وَجْهٍ، وهو أن يقول: الضمير في (اجعله) راجع إلى المُتمتّع الذي دلَّ
عليه قوله: (متعنا)، والتقدير: مَتِّعنا، واجعل تمتُّعنا به الوارثَ منا؛ أي:
الباقيَ بعدنا؛ لأن وارث المَرْء لا يكون إلا الذي يبقى بعده، ومعنى بقائه
دوامُه إلى وقت الحاجة إليه، أو الذي يَرِثُ ذِكْرَنا، فنُذْكرُ به بعد انقضاء
الآجال، وانقطاع الأعمال، وهذا المعنى شبيه بسؤال خليل الرحمن صلوات
الله عليه ﴿ وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
* قوله ◌َله: «واجعل ثأرنا على من ظلمنا»:
(قض): أي: اجعل ثأرنا مقصوراً على مَن ظلمنا، ولا تجعلنا ممَّن
تعدَّى في طلب ثأره، فأخذ به غيرَ الجاني، كما كان معهوداً في الجاهلية،
أو اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا، فندرك منه ثأرنا، وأصل الثأر: الحقد
والغضب؛ من الثوران، يقال: ثار ثائرُه: إذا هاج غضبُه(١).
(نه): ((الثأر)) مهموز العين: هو طلب الدم، يقال: ثأرت القتيلَ،
وثأرت به، فأنا ثائرٌ؛ أي: قتلت قاتله(٢).
* قوله: ((ولا تجعل مصيبتنا في ديننا»:
(مظ): أي: لا توصل إلينا ما ينقُص به دينُنا وطاعتُنا من اعتقاد سُوءٍ،
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١١٥).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٠٤).
٣٠١

أو أكل حرام، أو فَتْرةٍ في العبادة، وما أشبه ذلك، ولا تجعل قصدَنا وحُزْنَنَا
لأجل الدنیا(١).
(ط): فيه: أن قليلاً من الهَمِّ ممَّا لا بدَّ منه في أمر المَعاش مُرخَّصٌ بل
مُستحبٌّ(٢).
* قوله: ((ولا مبلغ علمنا»:
(مظ): ((المبلغ)): الغاية التي يبلغها الماشي، أو المحاسب، فيقف
عندها؛ يعني: لا تجعلنا بحیث لا نعلم ولا نُگِّر إلا في أحوال الدنيا، بل
اجعلنا مُتفكّرین في أحوال الآخرة.
وقوله: ((ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا)؛ يعني: لا تجعل الكُفَّارَ غالبين،
ويحتمل أن يكون معناه: لا تَجْعَلِ الظالمين علينا حَاكِمِين؛ فإن الظالمَ لَا يَرْحَمُ
الرَّعِيَّة(٣).
(ط): فإن قلت: بَيِّن لي تأليفَ هذا النظم، وأَيَّ وجه من الوجوه
المذكورة أَوْلى؟
قلت: الضمير للتمتُّع، والمعنى: (واجعل ثأرنا) مقصوراً على (من
ظلمنا)، ويحمل (من لا يرحمنا) على ملائكة العذاب في القبر، وفي النار؛
لئلا يلزم التكرار.
وإنما خَصَّ السَّمع والبصرَ بالتمتيع من الحواسِّ؛ لأن الدلائل الموصلة
إلى معرفة الله تعالى وتوحيده إنما تحصل من طريقهما؛ لأن البراهين إنما
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢٤٩/٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٢٨).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢٤٩/٣).
٣٠٢

تكون مأخوذة من الآيات المنزلة، وذلك من طريق السمع، أو من الآيات
المنصوبة في الآفاق والأنفس، وذلك بطريق البصر، فسأل التمتيع بها؛ حذراً
من الانخراط في سلك الذين ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى
أبصارهم غِشَاوةٌ، ولمَّا حصلت المعرفةُ؛ ترتَّب العبادة عليها، فسأل القُوَّةَ؛
ليتمكن بها من عبادة ربِّه، ثم إنه أراد أن لا ينقطع هنا الفَيْضُ الإلهي عنه،
فسأل بقاء ذلك؛ ليُستَنَّ بسُنَّته بعده، فقال: واجعل ذلك التمتيعَ وارثاً باقياً
منا، ولما كانت القرينتان؛ أعني: (واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على
من عادانا) على وِزان قوله: ((أَعْوذُ بكَ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ))(١)؛ وجب تأويل
القرينة الأولى بما سبق، والثانية ظاهرة، ولمّا كان مفهوم (وانصرنا على من
عادانا): لا تُسلِّط علينا مَن ظلمنا؛ وجب أن يحمل (ولا تسلط علينا من
لا یرحمنا) علی ما حملناه علیه.
ويلوح من قوله: (ولا تجعل الدنيا مبلغ علمنا) معنى قوله تعالى:
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْغَفِلُونَ﴾ [الروم: ٧](٢) .
٨٣٥ - وعن أَبِي هُرِيرةَ ﴿ُبه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَا
مِن قَوْم يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللهَ تَعالَى فِيهِ، إِلاَّ قَامُوا
عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وكانَ لَهُمْ حَسرَةً» .
(١) رواه أبو داود (١٥٤٤)، والنسائي (٥٤٦٠) من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث
صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣/ ٤٣٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٢٨).
٣٠٣

رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله : ((إلا قاموا):
(ط): استثناء مُفرَّغ، التقدير: ما يقومون قياماً إلا هذا القيام، وضمَّن
(قاموا)) معنى التجاوز، فعُدِّي بـ (عن)، و((المثل)) يراد به الكلام الذي يجري
بين الناس في المجالس؛ من الأُمور الدُّنيوية، والهَفَوات، والسَّقَطات، وإذا
لم يجر بذكر اسم الله؛ يكون كجيفة يعافها الناس، وخصَّ الحمار بالذِّكر؛
ليشعر ببلادة أهل المجلس، وينصرُ هذا التأويلَ حديثُ أبي هريرة: ((مَنْ
جَلسَ مَجْلِساً فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ)) الحديثَ السابقَ قريباً(١).
٨٣٦ - وعنه، عن النبيِّ نَّهِ، قَالَ: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ
يَذْكُرُوا الله تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ فِيهِ، إِلَّ كَانَ عَلَيْهِمْ
تِرَةٌ؛ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ))، رواه الترمذي، وقال:
حديث حسن.
* وقوله: ((وإن شاء عذبهم)) من باب التشديد والتغليظ، ويحتمل أن
يَصدُر عن أهل المجالس ما يوجب العقوبةَ من حصائد ألسنتهم.
والصلوات على الرسول ◌َّ﴿ تلميحُ إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ
إِذ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ
(١) المرجع السابق (٥ / ١٧٣٦).
٣٠٤

تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
*
٨٣٧ - وعنه عن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((مَنْ قَعَدَ مَقعَداً لم
يذكر الله تعالى فِيهِ كَانَت عليه مِنَ الله ◌ِرَةٌ، وَمَنِ اضطَجَعَ مَضْجَعاً
لا يَذْكُر الله تعالی فِیهِ كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الله تِرَةٌ» رواه أبو داود وقد
سبق قريباً، وشَرَحنا ((التِّرَةَ) فِیهِ.
* قوله وَلفي ((من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه)»، سبق قريباً في (آداب
النوم والاضطجاع).
٣٠٥

١٣٠- باب
الرؤيا، وما يتعلق بها
* قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، مَنَامُكُم بِلَيْلِ وَاَلنَّهَارِ﴾ [الروم: ٢٣].
(باب في الرؤيا وما يتعلق بها)
(ط): ((الكشاف)): والرُّؤيا بمعنى الرُّؤية، إلا أنها مختصَّة بما كان
منها في المنام دون اليَقَظة، فلا جرَمَ نُرِّقَ بينهما بحرف التأنيث؛ کما قيل :
القُربة والقُربى، وجعل ألف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث؛ للفرق.
قال الواحديُّ: الرؤيا مصدر؛ كالفُتيا، والبُشرى، والشُّورى، إلا أنه
لمَّا صار اسماً لهذا التخيُّل في المنام، جرى مَجْرى الأسماء(١).
(ن): ((الرؤيا)» مقصورة ومهموزة، ويجوز ترك همزها؛ تخفيفاً(٢).
(ق): قد اختلف الناس في كيفية الرؤيا قديماً وحديثاً، فقال غيرُ
المُتشرِّعين أقوالاً مختلفة عَرِيَت عن البرهان، فأشبهت الهَذَيان، وسبب
ذلك التخليط العظيم: الإعراض عَمَّا جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم،
وبيان ذلك: أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غُيِّب عنا
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٩٩٨/٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٦).
٣٠٦

علم حقيقتها، وإذا لم نعلم ذلك لعدم الطريق المُوصل إليه؛ كان أَحْرى
وأَوْلى أن لا نعلم ما غُيِّب عنا من إدراكاتها، بل نقول: إنا لا نعلم حقيقة
كثير ممَّا انكشف لنا جُملته من إدراكاتها؛ كحس السمع والبصر، وغير
ذلك؛ فإنا هاهنا نعلم أُموراً جُمْلِيةً لا تفصيلية، وأوصافاً لازمة، أو عَرَضية،
لا حقيقية، وسبيل العاقل: أن لا يطمع في معرفة ما لم يُنْصَب عليه دليلٌ
عقليٌّ، ولا حِسِّيٌّ، ولا مُركَّبٌ منهما، إلا أن يخبر بذلك صادقٌ، وهو الذي
دلَّ الدليل القطعيُّ على صدقه، وهم الأنبياء عليهم السلام، فإذا [كان]
كذلك؛ فسبيلنا أن نُعرض [عن] أقوال المُعرضين، ونتشاغل بالبحث عن
ذلك من كلام الشارع والمُتشرِّعين.
قال الإمام أبو عبدالله المَازَرُّ: المذهب الصحيح: ما عليه أهل
السُّنَّة، وهو أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقاداتٍ كما يخلقها في
قلب اليقظان، وهو سُبحانه يفعل ما يشاء، ولا يمنعه من فعله نومٌ ولا
يَقَطّةٌ، فكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات عَلَماً على أُمور أُخَرَ يخلقها في
ثاني الحال، أو كان خلقها.
وقال غيره: إن لله ملَكاً موكَّلاً بعرض المرئيّات على الجُزء المُدْرِك
من النائم، فيُمثِّل له صُوَراً محسوسة، فتارة تكون تلك الصور أمثلةً موافقة
لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة غير محسوسة، وفي
الحالتين تكون مُبشِّرة ومُنذرة.
قلت: وهذا مثل الأول في المعنى، غير أنه زاد فيه قصّة الملك،
ويُحتاج في ذلك إلى توقيف من الشرع.
وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة مُنضبطة في التخيُّل، جعله الله إعلاماً
٣٠٧

على ما كان، أو يكون، وهو أشبهها.
فإن قيل: كيف يقال: إن الرؤيا إدراكٌ، مع أن النوم ضِدُّ الإدراك؟
فالجواب: أن الجُزْءَ المُدْرِكَ من النائم لم يخُلُّه النوم، فلم يجتمع
معه(١).
٨٣٨ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ◌َُه، قالَ: سمعتُ رَسُولَ اللهِإِلَّهُل
يقولُ: ((لَمْ يَيْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّ المُبَشِّرَاتُ))، قالوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟
قال: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)) رواه البخاريُّ.
* قوله: ((الرؤيا الصالحة» :
(ط): معنى ((الصالحة)): الحسنة، ويحتمل أن تُجرى على ظاهرها،
وأن تُجرى على الصادقة، والمراد صِحَّتُها، وتفسير (٢) رسول الله وَله
[المبشرات] على الأوَّل: ظاهرٌ؛ لأن البِشَارةَ كلُّ خبر صِدْقٍ يتغيَّر به بشرةُ
الوجه، واستعمالها في الخير أكثر، وعلى الثاني: مُؤَوَّل؛ إما على التغليب،
أو يحمل على أصل اللغة(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٨،٦).
(٢) في الأصل: ((وتقسيم))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٩٩٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٩٩٨).
٣٠٨

٨٣٩ - وعنهُ: أَنَّ النبيَّ وَ﴿ِ قالَ: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ، لَمْ تَكَدْ
رُؤْيَا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً
مِنَ النُّبُوَّةِ» متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: ((أَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثاً).
· قوله يلي: ((إذا اقترب الزمان)):
(ق): في اقتراب الزمان قولان(١):
أحدهما: تقارب الليل والنهار في الاعتدال، وهو الزمان الذي تتفتَّق
فيه الأزهار، وتَيْنَعُ فيه الثِّمارُ، ومُوجِبُ صدق الرؤيا في ذلك الزمان:
اعتدالُ الأمزجة فيه، فلا يكون المنام أضغاث أحلام؛ فإن من مُوجِبَات
التخليط فيها غلبةَ بعض الأخلاط على صاحبها.
وثانيهما: أن المراد بذلك آخرُ الزمان المُقَارِب للقيامة، وقد رُوي
عن النبيِ نَّهِ من طريق مَعْمَر، عن أيُّوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة
قال: ((فِي آخِرِ الزَّمَانِ لا تَكْذِبُ رُؤْيا المُؤْمِنِ)) (٢).
قلت: يعني - والله أعلم - زمان الطائفة الباقية مع عيسى عليه السلام
بعد قتله الدَّجَّالَ، وكان أهلُ هذا الزمان أحسنَ هذه الأُمَّة بعد الصَّدْر
المُتقدِّم حالاً، وأَصْدَقَهُم قولاً، وكانت رؤياهم لا تكذب؛ كما قال ◌َّه:
(١) في الأصل: ((أقوال))، والتصويب من ((المفهم)) للقرطبي (٦/ ١٠).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٠٣٥٢).
٣٠٩

((أَصْدَقُكُمْ رُؤْيا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثاً»(١).
* وقوله: ((لم تكد تكذب))؛ أي: لم تُقارِب الكذب.
(قض): اختلف في خبر (كاد) المنفي، والأظهر: أنه يكون أيضاً منفياً؛
لأن حرف النفي الداخل على (كاد) ينفي قُرْبَ حصوله، انتهى(٢).
قال في ((الفائق)): قيل في معنى اقتراب الزمان: إنه من قوله ◌َِّ: ((يَتَقَارَبُ
الزَّمانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كالشَّهْرِ، والشَّهْرُ كالجُمُعَةِ، والجُمُعَةُ كَاليَوْمِ، والْيَوْمُ
كالسَّاعَةِ))(٣)، قالوا: يريد زمنَ خروج المَهْديِّ، وبَسْطِهِ العدلَ، وذلك زمان
يُستَقْصَرُ، لاستلذاذه، فتتقاربُ أطرافُه(٤).
(تو): قيل: اقتراب الزمان: هو اعتدال الليل والنهار، أو اعتدال
الزمان، ولا خفاء أنهم أرادوا فصل الربيع؛ لما فيه من اعتدال الهواء،
واستقامة أحوال المِزاج، ولو أرادوا به اعتدالَ الليل والنهار على ميزان الساعة
الزمانية؛ لكان فصلُ الخريف في هذا الباب كالربيع، وليس الأمر على ذلك.
(حس): والمُعبِّرُون يقولون: أصدق الرؤيا في وقت الربيع والخريف،
عند خروج الثمار، وعند إدراكها، وهما وقتان يتقارب الزمان فيهما، ويعتدل
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦/ ١٠)، والحديث رواه مسلم (٢٢٦٣ / ٦)، من
حديث أبي هريرة څ.
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٩٥).
(٣) رواه الترمذي (٢٣٣٢)، من حديث أنس بن مالك ﴿، والإمام أحمد في ((المسند))
(٢/ ٥٣٧)، من حديث أبي هريرة ﴿ه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)» (٧٤٢٢).
(٤) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (٣/ ١٧٦).
٣١٠

الليل والنهار، قالوا: ورؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار، وأصدق ساعات
الرؤيا: وقتُ السَّحَر، روي عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد يرفعه قال: ((أَصْدَقُ
الرُّؤْيَا بِالأَسْحَارِ))(١).
* قوله ويخليجى: «ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة»:
(ن): وفي رواية: ((خمسة وأربعين))(٢)، وفي رواية: ((سبعين جزءا)(٣)،
و[في غير ((مسلم))] من رواية ابن عباس: ((أربعين جزءاً) (٤)، وفي رواية: ((من
تسعة وأربعين)(٥)، وفي رواية العباس: ((من خمسين)) (٦)، وفي رواية ابن
مسعود: ((من ستة وعشرين))(٧)، وفي رواية عُبادة: ((من أربعة وأربعين))(٨).
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٢١٠)، والحديث رواه الترمذي (٢٢٧٤)،
والحاكم في ((المستدرك)) (٨١٨٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع
الصغير)) (٨٨٧).
(٢) رواه مسلم (٢٢٦٣ / ٦)، من حديث أبي هريرة ظ
(٣) رواه مسلم (٢٢٦٥/ ٩)، من حديث ابن عمر خ﴾﴾ا.
(٤) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٧٠٦). ورواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٠)
من حديث أبي رزين العقيلي، وهو حديث حسن كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة
الرسالة).
(٥) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢/ ٢١٩)، من حديث عبدالله بن عمرو ﴿﴾. وهو
حديث صحيح كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة).
(٦) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٥٨١٢). وهو حديث ضعيف. انظر:
((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٠٧٩).
(٧) رواه الشهاب القضاعي في ((مسنده)) (٣٠٦)، من حديث ابن عباس حولها. ورواه
ابن عبد البر في «التمهید» (١ / ٢٨٢) من حديث أنس به وقال: حسن الإسناد.
(٨) روي من حديث عبادة ربه بإسناد فيه لين. انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١ / ٢٨١).
٣١١

قال القاضي: أشار الطبريُّ إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف
حال الرائي، فالمؤمن الصالح تكون رؤياه جزءاً من ستة وأربعين جزءاً،
والفاسق جزءاً من سبعين جزءاً، وقيل: إن المراد: أن الخَّفِيَّ منها جزء من
سبعين، والجَلِيَّ جزء من ستة وأربعين.
قال الخَطَّابيُّ وغيره: قال بعضُ العلماء: أقام بَّهِ يُوحَى إليه ثلاثاً
وعشرين سنة، منها عشر سنين بالمدينة، وثلاثة عشرة بمكة، وكان قبل
ذلك ستة أشهر يرى في المنام الوَحْيَ، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً.
قال المَازَريُّ: وقيل: المُراد: أن للمنامات شَبَهاً ممَّا حصل له، ومُِّز
به من النبوة بجزء من ستة وأربعين، قال: وقد قدح بعضُهم في الأول؛ بأنه
لم يثبت أن أَمَد رُؤياه قبل النبوة ستة أشهر، وقال: يحتمل أن يكون المُراد
أن المنامَ فيه إخبارٌ بالغَيْب، وهو إحدى ثمرات النبوة، وهو يَسِيرٌ في جَنْب
النبوة؛ لأنه يجوز أن يبعثَ الله نبياً؛ ليشرع الشرائع، ويبين الأحكام، ولا
يخبر بغَيْب أبداً، ولا يقدح ذلك في نُبُوَّته، ولا يُؤْثِّر في مقصودها، وهذا
الجزء من النبوة، وهو الإخبار بالغَيْب إذا وقع؛ لا يكون إلا صِدْقاً(١).
(خط): هذا الحديث تأكيد لأمر الرؤيا، وتحقيق لمنزلتها، وإنما
كانت جزءاً من أجزاء النبوة في حقِّ مَنام الأنبياء عليهم السلام دون غيرهم؛
إذا كان يُوحى إليهم في المَنام كما يوحى إليهم في اليَقَظة، وقال بعض
العلماء: معنى الحديث: أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة، لا أنها جزء باقٍ
[من النبوة] (٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٢١).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ /١٣٩).
٣١٢

(ق): القدر الذي اختلفت الرواة فيه من هذا الحديث أمران:
أحدهما: مَن أضيفت إليه الرؤيا، فتارة سكت، وأخرى قيل فيه:
(المسلم)، وأخرى: (المؤمن)، وفي أخرى: (الصالح)، وهذا الأمر
الخلاف فيه أَهْوَنُ من الخلاف في الأمر الثاني.
وذلك أنه حیث سكت؛ لم يضُزَّ السكوت عنه، مع العلم بأن الرؤيا
مُضافةٌ إلى راءٍ ما، فإذا صُرِّح به في موضع آخر؛ فهو المَعْنيُّ وأما حيث
نُطِق: فالمراد به واحد، وإن اختلفت الألفاظ؛ وذلك أن الرؤيا لا تكون من
أجزاء النبوة؛ إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يناسب
حالُهُ حالَ النبيِ وَهُ، فَأُكرمَ بنوع ممَّا أُكرِمَ به الأنبياء، وهو الاطّلاع على
شيء من علم الغَيْب؛ كما قال عليه السلام: ((إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّرَاتِ إِلاَّ
الرُّؤْيا الصَّادِقَةُ، يَرَاها الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ)) (١)؛ فإن الكافر،
والكاذبَ، والمُخَلِّط وإن صدقت رُؤياهُم في بعض الأوقات؛ لا تكون من
الوحي، ولا من النبوة؛ إذ ليس كلُّ مَن صدق في حديث عن غَيْب؛ يكون
خبرُه ذلك نبوةً إذ يُخبِرُ بكلمة الحق الكاهنُ، والمُنَجِّمُ قد يَحْدِسُ
فيصدق، وكذلك الكاذب، والفاسق، والكافر قد يرى المنام الحَقَّ؛ كمَنام
المَلِك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفَتَبَيْن في السِّجن، ومنام عاتكة عَمَّة
رسول الله ◌َ، وهي كافرة، ونحوُه كثير، ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى
مناماتهم المُخَلِّطة الفاسدة.
وأما الأمر الثاني - وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جُعِلت رؤيا
(١) رواه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس
٣١٣

الرجل الصالح واحداً منها -: فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى
سبعين، وأكثرها في ((الصحيحين))، وكلُّها مَشهورٌ، فلا سبيل إلى أخذ
أحدها، وترك الباقي، والذي يتعيَّنُ المصيرُ إليه: أن يقال: إن هذه الأحاديث،
وإن اختلفت ألفاظُها مُتَّفِقةٌ على أن الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزءٌ
من أجزاء النبوة، فهذه شهادة صحيحة من النبيِّ بأنها وَحْيٌّ من الله، وأنها
صادقة لا كَذِبَ فيها؛ ولذلك قال مالك - وقيل له: أَيُفسِّرُ الرؤيا كلُّ أحد؟ -
فقال: ايُلْعَبُ بالوحي؟!
وكان ێ يقتبس الأحكام من منامات أصحابه؛ كما في الأذان، ورُؤيا
ليلة القَدْر، وكلُّ ذلك بناءٌ على أنها وَحْيٌ صحيح، وإذا تقرر هذا؛ فلا يضرُّ
الاضطراب الذي وقع في عدد تلك الأجزاء، مع حصول المقصود، غير أن
علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب بتأويلات أربع:
الأول: ما صار إليه الخَطَّابِيُّ، وقد ذكرنا [أنه] لم يصِحَّ نقلُ تحديدها.
الثاني: أن المنام الصادق خَصْلَةٌ من خِصَال النبوة؛ كما جاء: ((التُّوَدَةُ
وَالاقْتِصَادُ، وحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً منَ النُّبُوَّةِ» (١)؛ أي:
النبوة مَجموعُ خِصَال، مبلغ أجزائها ستة وعشرون، فعُدَّت ثلاثة أشياء جُزءاً
واحداً منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة: كلُّ جزء من الستة والعشرين ثلاثةُ
أشياء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين؛ صَحَّ لنا أن عدد خصال
(١) أورده الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٩٥٤ - ٩٥٥) بلاغاً عن ابن عباس
ورواه عنه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣٠٦)، ورواه الإمام أحمد في («المسند»
(١/ ٢٩٦) برواية: ((خمس وعشرين)) وهو حديث حسن كما ذكر محققو ((المسند))
(طبعة الرسالة).
٣١٤

النبوة من حيث آحادُها ثمانيةٌ وسبعون، ويَصِحُّ أن يُسمَّى كل اثنين من الثمانية
والسبعين جُزءاً وخَصْلةً فيكون مجموعُها بهذا الاعتبار تسعةً وثلاثين جُزءاً؛
ويَصِحُّ أن يُسمَّى كل أربعة منها جزءاً، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار
تسعة عشر جزءاً ونصفَ جزء، فتختلف أسماء العدد المُجَزَّأ بحسَب اختلاف
اعتبار الأجزاء، وعلى هذا: فلا يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوة في أحاديث
الرؤيا اضطراباً، وإنما هو اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة.
الثالث: ما أشار إليه الطبريُّ، وهذا فيه بُعْدٌ؛ لصحة حَمْل مطلق
الروايات على مُقيّدِها، وبما قد رُوي عن ابن عباس: ((الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ
مِنْ أَرْبَعِینَ)، وسکت فيه عن ذکر وَصْف الرائي.
الرابع: قيل: يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طُرُق الوحي؛ إذ منه
ما يُسمع من الله دون واسطة؛ كما قال: ﴿أَوْ مِن وَرَآسٍ حَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]،
ومنه بواسطة الملَك على صورته، ومنه كما قال: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، ومنه
ما يُلقى في القلب، كما قال: ﴿إِلَّ وَحْيًّا﴾ [الشورى: ٥١]؛ أي: إلهاماً، ثم
منه ما يأتيه الملك على صورته، ومنه ما يأتيه في مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس،
ومنه ما يسمعه من الملَك قولاً متصلاً، إلى غير ذلك من الأحوال
المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتُها؛ انتهت إلى سبعين.
قلت: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد؛ إذ أكثرُ هذه الأحوال
ليست من النبوة في شيء، ثم مع هذا التكلَّف العظيم لم يَقْدِر [أن يُبْلِغَ]
عدد ما ذكر إلى الثلاثين.
قلت: وأشبه ما في ذلك: الوجه الثاني، مع أنه لم تَتْلَجِ النفسُ به.
٣١٥

وقد ظهر لي وجهٌ خامس، وأنا أستخير الله في ذكره، وهو: أن النبوة
معناها أن يُطْلِعَ الله مَن شاء مِن خلقه علی ما یشاء من أحكامه ووحیه؛ إما
بالمُشاهدة، وإما بواسطة ملَك، أو بإلقاء في القلب، لكن هذا المعنى
المُسمَّى بالنبوة لا يخُصُّ الله به إلا مَن خصَّه بصفات كمال نوعه؛ من
المعارف، والعلوم، والفضائل، والآداب، ونَزَّهَهُ عن نقائص ذلك، فأَطلق
على تلك الخِصَال نُبَّة؛ كما في الحديث: ((التُّؤَدَّةُ، وَالأقتِصَادُ، والسَّمْتُ
الحَسَنُ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ) (١)؛ أي من خِصَال الأنبياء، لكن الأنبياء في هذه
الخِصَال مُتفاضلون بحسَب ما وُهِبَ لكلِّ واحد منهم من تلك الصفات،
وكلٌّ منهم الصِّدْقُ أعظم صفته في نومه ويقظته، وكانوا تنام أعينُهم، ولا
تنام قلوبُهم، فنائمهم يَقْطَانُ، ووَحْيُهم في النوم واليَقَظة سِيَّان، فمَن
ناسبهم في الصِّدق؛ حصل مِن رُؤياه على الحَقِّ، غير أنه لمَّا كان الأنبياء
في مقاماتهم وأحوالهم مُتفاضلين، وكذلك كان أتباعُهم من الصادقين،
وكان أقلُّ خِصَال الأنبياء ما إذا اعتُبر؛ كان ستاً وعشرين جزءاً، وأكثر ما
يكون ذلك سبعين، وبين العددين مراتبُ مختلفة بحسَب ما اختلفت ألفاظٌ
تلك الأحاديث، فمَن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصِدْقه على رتبة
تناسب كمالَ نبيٍّ من الأنبياء؛ كانت رُؤياه جزءاً من نبوة ذلك النبيِّ،
فكَمَالاتُهم مُتفاضِلةٌ، فنسبة أجزاء منامات الصادقين مُتفاوتةٌ، وبهذا الذي
أظهر الله لنا يرتفع الاضطراب، والله المُوفِّق للصواب(٢).
(تو): قيل: معناه: أن الرؤيا جزء من أجزاء علم النبوة، والنبوة غير
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١٣، ١٨).
٣١٦

باقية، وعلمها باقٍ، وهو معنى الحديث: ((ذَهَبَتِ النُّوَّةُ، وبَقِيَتِ المُبَشِّرَاتُ؛
الرُّؤْيَا الصَّالِحَة))(١).
قلت: أرى الذاهبين إلى التأويلات قد هَالَهُم القولُ بأن الرؤيا جزء
من النبوة، ولا حرجَ على واحد في الأخذ بظاهر هذا القول؛ فإن جزءاً من
النبوة لا يكون نبوةً؛ كما أن جزءاً من الصلاة على الانفراد لا يكون صلاة،
وكذلك عمل من أعمال الحج.
وأما وجه تحديد الأجزاء بستة وأربعين: فإن ذلك ممَّا يُجتنب القول
فيه، ويُتلقَّى بالتسليم؛ فإن ذلك من علوم النبوة، لا يُقابَل بالاستنباط، ولا
يُتعرَّض له بالقياس، وذلك ما في الحديث: ((السَّمْتُ الحَسَنُ، والتُّؤَدَّةُ،
وَالاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ»(٢).
وقلَّما يصيب مُؤَوِّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن قُيِّضَ له إصابةٌ في
بعضها؛ لما يشهد له الأحاديثُ المستخرج منها؛ لم يسلم له ذلك في
البقية .
* قوله ێ: «أصدقكم رؤیا أصدقكم حديثاً):
(ن): ظاهر أنه على إطلاقه، وحكى القاضي أنه يكون في آخر الزمان
عند انقطاع العلم، وموت العلماء، والصالحين، ومَن يُستضاء بقوله،
وعمله، فجعله الله تعالى جابراً وعِوَضاً، ومُنبِّهاً لهم، والأول أظهر؛ لأن
(١) رواه الترمذي (٢٢٧٢)، من حديث أنس بن مالك ه، ورواه ابن ماجه
(٣٨٩٦)، من حديث أم كرز الكعبية رضي الله عنها، ورواه بنحوه البخاري
(٦٥٨٩) من حديث أبي هريرة څ.
(٢) تقدم تخریجه .
٣١٧

غير الصادق في حديثه يتطرّق الخَلَلُ في رُؤياه، وحكايته إياها(١).
(ق): إنما كان ذلك؛ لأن من کثر صدقه؛ تنوّر قلبه وإدراكه، فانتقشت
فيه المعاني على وجه الصِّحَّة والاستقامة، وأيضاً؛ فإن كان ذلك غالبُ حاله
الصِّدْقَ في يقظته؛ استصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صِدْقاً، وعكس
ذلك الكاذب والمُخَلِّط يفسد قلبُه ويُظلِمُ فلا يرى إلا تخليطاً وأَضْغَائاً، هذا
غالب كل واحد من الفريقين، وقد يندُر فيرى الصادق ما لا يصِحُّ، لكن
[ذلك] قلیل، والأصل ما ذكرناه(٢).
٨٤٠ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ رَآني في المَنَامِ،
فَسَيَرَانِي فِي اليَقَظَةِ - أَوْ: كَأَنَّمَا رَأَنِي فِي اليَقَظَةِ -، لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ
بي)) متفقٌ عليه.
* قوله: ((من رآني في المنام؛ فسيراني في اليقظة)):
(ن): اختلف العلماء فيه، فقال ابن الباقلاني: معناه: أن رؤياه صحيحة،
ليست بأَضْغَاث، ولا من تشبيهات الشيطان، ويؤيده قوله في رواية: ((فَقَدْ رَأَى
الحَقَّ) (٣)؛ أي: الرؤية الصحيحة، قال: وقد يراه الرائي خلافَ صفته
المعروفة؛ كمَن يراه أبيضَ اللِّحية، وقد يراه الشخصان في زمان واحد،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٢٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١١).
(٣) رواه مسلم (٢٢٦٧ / ١١)، من حديث أبي قتادة
٣١٨

أحدُهما في المَشْرِق، والآخرُ في المَغْرِب، ويراه كلٌّ منهما في مكانه.
قال المَازَريُّ: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره، والمُراد: أن
مَن رآه؛ فقد أدركه، ولا مانع يمنع ذلك، والعقل لا يُحِيلُه حتَّى يُضطرّ إلى
صَرْفه عن ظاهره، فأما قوله: فقد يُرى على غير صفته، أو في مكانين معاً:
فإن ذلك غَلَطُ في صفاته بَّهِ، وتخيُّلٌ لها على خلاف ما هي عليه، وقد
يظنُّ الظانُّ بعضَ الخيالات مرئياً؛ لكون ما يتخيّل مُرتبطاً بما يرى في
منامه، فتكون ذاتُهُ وَّهِ مَرْئيةً، وصفاتُه مُتخيّلةً غيرَ مرئية، والإدراك
لا يشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قُرْبُ المَسافة، ولا كون المَرْئِيِّ مَدْفُوناً
في الأرض، ولا ظاهراً عليها، وإنما يشترط كونه موجوداً، ولم يَقُم دليلٌ
على فناء جسمه ◌َّي، بل جاء في الأحاديث ما يقتضي بقاءه، وقال: ولو رآه
يأمر بقَتْل مَن يحرم قتلُه؛ كان هذا من الصفات المُتخيَّلة، لا المَرْئية.
قال القاضي: ويحتمل أن يكون قوله: ((فقد رآني)) المُراد به: إذا رآه
على صفته المعروفة له في حياته بير؛ فإن رُتي على خلافها؛ كانت رُؤیا
تأويل، لا رُؤيا حقيقة، وهذا الذي قاله ضعيفٌ، بل الصحيح: أنه يراه
حقيقة، سواء رآه على صفته المعروفة، أو غيرها.
قال القاضي: قال بعضُ العُلماء: خَصَّ الله النبيَّ ◌َّر بأن رُؤيةَ الناس إياه
صحيحةٌ، وكُلُّها صِدْقٌ، ومُنِعَ الشيطان أن يتصوَّر في خِلْقَته؛ لئلا يكذب على
لسانه في النوم؛ كما خرق الله العادة للأنبياء عليهم السلام بالمُعجزة، وكما
استحال أن يتصوَّر الشيطانُ في صورته في اليَقَظة، ولو وقع؛ لاشتبه الحَقُّ
بالباطل، ولم يُوثَقْ بما جاء به، فحماه الله تعالى من الشيطان ونَزْغِه،
٣١٩

ووَسْوَسَتهِ، وإلقائه، وکیده، وكذا حمی رؤياهم بأنفسهم.
قال القاضي: اتفق العلماء على جواز رؤية الله في المنام وصِحَّتها وإن
رآه الإنسان على صفة لا تليق بحاله؛ فالمرئي غير ذات الله، إذ لا يجوز عليه
التجسيم، ولا اختلاف الأحوال، بخلاف رؤية النبيِّ وَّ.
قال ابن الباقلانيّ: رُؤية الله في المنام خواطرُ في القلب، وهي
دَلالاتٌ للرائي على أُمور ممَّا كان أو يكون؛ كسائر المَرْئِيَّات(١).
(حس): رؤية النبي ◌َّ﴿ حَقٌّ، ولا يتمثَّل الشيطان به، وكذلك جميع
الأنبياء والملائكة عليهم السلام، وكذلك الشمس، والقمر، والسحاب
الذي فيه الغَيْثُ لا يتمثل الشيطان بشيء منها، ومَن رأى نزول الملائكة
بمكان؛ فهو نُصْرَةٌ لأهل ذلك المكان، وفَرَجٌ إن كانوا في كَرْب، وخِصْبٌ
إن كانوا في ضِيق وقَحْط، وكذلك رُؤية الأنبياء عليهم السلام(٢).
(ط): قال الشيخ أبو حامد الغزاليُّ : ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني،
بل رأى مثالاً صار ذلك المثال آلةً يتأدّى بها المعنى الذي في نفسي، بل البدن
الجِسْمانيُّ في اليَقَظة أيضاً ليس إلا آلةَ النفس، والآلة تكون تارة حقيقية، وتارة
خيالية، والنفس غير الخيالات المُتخيّلة؛ إذ لا يُتخيّل إلا ذو لون أو ذو قَدْر،
بعيد من المُتخيِّل أو قريب.
والحَقُّ أن ما يراه مثال [حقيقة] روحه المُقدَّسة التي هي محَلُّ النبوة،
فما رآه من الشكل؛ ليس هو روح النبيِّ ێے، ولا شخصه، بل هو مثال له على
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٢٤).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٢٢٨).
٣٢٠