Indexed OCR Text

Pages 281-300

وأما أصحاب السراويلات: فإنهم في فُسْحَة من ذلك.
٨٢١ - وعن جابرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴿ه، قالَ: كانَ النبيُّ ◌َ﴿ إِذا
صَلَّى الفَجْرَ، تَرَّعَ في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ.
حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو داودَ وغيرُه بأسانيدَ صحيحةٍ.
* قوله: ((تربَّع)):
(مظ): أي: جلس مُتربِّعاً، وهو أن يقعد الرجل على وَرِكَيْه، ويمد
رُكبتَه اليمُنى إلى جانب يمينه، وقدمَه اليُمنى إلى جانب يساره،
ورُكبتَه اليُسرى يمدها إلى جانب يساره، وقدمَه اليُسرى إلى جانب
یمینه(١).
* قوله: «حسناء)» :
(قض): [قيل]: الصواب (حسناً) على المصدر؛ أي: طلوعاً حسناً،
معناه: أنه كان يجلس مُتربِّعاً في مجلسه إلى أن ترتفع الشمس.
وفي أكثر النسخ: ((حسناً)، فعلى هذا: يحتمل أن تكون صفة لمصدر
محذوف، والمعنى: ما سبق، أو حالاً، والمعنى: حتى تطلع الشمس نَقِيَّة
بيضاءَ زائلة عنها الصُّفْرة التي تتخيل فيها عند الطلوع؛ بسبب ما يعترض دونها
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ١٤٣).
٢٨١

من الأَبْخِرة والأَدْخِنة(١).
*
٨٢٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَهَ بِفِنَاءِ
الكَعْبَةِ مُخْتَبِيّاً بِيَدَيْهِ هَكَذَا. وَوَصَفَ بِيَدَيْهِ الاحْتِبَاءَ، وَهُوَ القُرْفُصَاءُ.
رواه البخاريُّ.
* قوله: «محتبياً بیدیه»:
(نه): (الاحتباء): هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما
به مع ظهره، ويَشُدُّه عليهما، وقد يكون الاحتباء باليدين عِوَضَ الثوب، ومنه
الحديث: ((الاحْتَبِاءُ حِيطَانُ العَرَبِ)»؛ أي: ليس لهم في البراري حيطان، فإذا
أرادوا أن يستندوا؛ احتبَوْا؛ لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط، ويصير لهم
كالجدار .
يقال: احتبى يحتبي احتباء، والاسم: الحبْوة بالكسر والضم، والجمع
حُباً وحِباً(٢).
(قض): ((القرفصاء)) بضم الفاء مداً وقصراً: هي جِلْسَة المُحتبي،
غير أن الاحتباء بالثوب، والقُرْفُصاء باليد(٣).
الجوهري: هي أن يجلس على أَلْيَتَيْهِ، وُلْصِق فخذيه ببطنه، ويحتبي
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢١٥/٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٣٥).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢١٤/٣).
٢٨٢

بیدیه، یضعهما على ساقيه.
وقيل: هي أن يجلس على ركبتيه، ويُلْصِق بطنه بفخذيه، ويتأبَّط
کفیه(١).
٨٢٣ - وعَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنها، قالَتْ: رَأَيْتُ
النبيَّ لَهُ وَهُوَ قَاعِدُ القُرْفُصَاءَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رسول اللهِّهِ المُتَخَشِّعَ
في الجِلْسَةِ، أُرْعِدْتُ مِنَ الفَرَقِ. رواه أبو داودَ، والترمذيُّ.
(قض): ((المتخشع): صفة رسول الله وَّر، ولا يجوز أن يُجعل ثانيَ
مفعولي ((رأيت))؛ لأنه هاهنا بمعنى أَبْصَرْتُ، و((أرعدت من الفرق)) هذا
غاية في المَهابة، ودليل على أن مَهابته أمر سَماويٌّ، وليس بالتصنُّع(٢).
(تو): يجوز أن يكون (المُتخَشِّع) نعتاً، وأن يكون مفعولاً ثانياً،
ويكون التقدير: الرجل المُتَخَشِّع، والأول أتمُّ معنىً؛ فإنه يفيد أنه مع
تحثُّمه كان قد أُلقيت عليه المهابة.
(المتخشع) بمعنى الخاشع، ويحتمل أنها أرادت بذلك الزيادة على
الخشوع، حتى كأنه بلغ من ذلك مبلغاً لا يتهيأ غيره إلا على وجه التكلُّف.
سلك الشيخ التُّورِبِشْتِي مسلك التجريد، جرَّد من ذاته الزكية الرجل
المُتَخَشِّع، وجعله شخصاً آخر، وهو مبالغة لكمال التخشُّع فيه، وإلقاء
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١٠١٥)، (مادة: قرفص).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢١٤/٣).
٢٨٣

رِداء الھَيْبة عليه.
و(التفعُّل) هنا؛ لزيادة المعنى، والمبالغة فيه؛ كما في أسماء الله تعالى:
المُتكبِّرِ.
٨٢٤ - وعَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيَدٍَُِ، قالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِوَه
وَأَنَاَ جَالِسٌ هَكَذا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرِى خَلْفَ ظَهْرِي،
وَاتَّكَأْتُ عَلى أَلْيَةٍ يَدِي، فقال: (أَنَفْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؟!))
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
، قوله: ((ألية يدي)): أَلَّيَّةُ الإبهام: أصلها، وأصل الخنصر: الضَّرَّة،
الآلية: اللحمة التي في أصل الإبهام.
والمراد بـ ((المغضوب عليهم)): اليهود، وفي التخصيص بالذِّكر فائدتان:
أحدهما: أن هذه القَعْدَة ممَّا يُغِضها الله تعالى.
وأن المسلم ممَّن أنعم الله عليه، فينبغي أن يجتنب التشبُّهَ بمَن غضب
الله علیه، ولعنه.
٢٨٤

١٢٩- باب
في آدابِ المجلسِ والجلیسِ
(باب أدب المجلس والجليس)
٨٢٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ﴿﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لا يُقِيمَنَّ
أَحَدُكُمْ رَجُلاً مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، ولَكِنْ تَوَسَّعُوا،
وَتَفَسَّحُوا))، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ إذا قامَ له رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، لَمْ يَجْلِسْ
فِیهِ. متفقٌ عليه.
* قوله ميليفي: ((لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه)):
(ن): هذا النهي فيه للتحريم، فمَن سبق إلى موضع مُباح في
المسجد أو غيره، يومَ الجمعة أو غيره، لصلاة أو غيرها؛ فهو أحقُّ به،
ويحرم على غيره إقامته، إلا أن أصحابنا استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد
موضعاً يُفتي، أو يقرأ قرآناً، أو غيره من علوم الشريعة؛ فهو أحق، وإذا
حضر؛ لم يكن لغيره أن يقعد فيه، وفي معناه مَن سبق إلى موضع من
الشوارع، ومقاعد الأسواق لمُعاملة(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٦٠).
٢٨٥

(ق): النهي إنما كان؛ لأجل أن السابق قد ملك منفعة ما اختَصَّ به
من ذلك، فلا يجوز أن يُحال بينه وبين ما يملكه، وقيل: هذا النهي على
الكراهة، والأوَّل أَوْلَى، ويستوي في هذا المعنى أن يجلس فيه بعد إقامته،
أو لا يجلس، غير أن هذا الحديث قد خرج على الغالب؛ فإنه إنما يُقيم
الآخرَ من مجلسه؛ ليجلس فيه(١).
* وقوله: ((لكن توسعوا وتفسحوا»:
(ق): هذا أمر للجالسين بما يفعلونه؛ وذلك أنه لمَّا نهى الداخل أن
يُقيم أحداً من موضعه؛ تعين على الجالسين أن يُوسِّعوا له، ولا يتركوه
قائماً؛ فإن ذلك يؤذيه، وربما يُخْجِلُه، وعلى هذا: فمَن وجد من الجلوس
سَعَةً؛ تعيَّن عليه أن يُوسِّع له، وظاهر ذلك: أنه على الوجوب؛ تمسُّكاً
بظاهر الأمر، وكان القائم يتأذى بذلك، وأذى المسلم حرام، ويحتمل أن
يقال: إن هذه آدابٌ حَسَنةٌ، ومن مكارم الأخلاق، فيحمل على الندب(٢).
وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَّحُواْ فِي
الْمَجَلِسِ فَفْسَحُواْ﴾ [المجادلة: ١١]، فقيل: هو في مجلس النبي ◌ِّ، كانوا
يزدحمون فيه؛ تنافساً في القُرْب منه، وقيل: هو مجلس الصَّفِّ في القتال؛
وقيل: هو عامٌّ في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، وهذا
هو الأَوْلى؛ إذ المجلس للجنس على ما أصَّلناه في الأصول.
* قوله: ((كان ابن عمر إذا قام له رجل عن مجلسه؛ لم يجلس فيه)»:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٠٩).
(٢) المرجع السابق (٥ / ٥١٠).
٢٨٦

(ن): هذا ورع منه، وليس قعوده فيه حراماً، إذا قام برضاه، لكنه
تورّع لوجھین :
أحدهما: أنه ربما استحیا منه إنسان، فقام له من مجلسه من غیر طِيب
قلبه، فسَدَّ ابن عمر الباب؛ ليسلم من هذا.
والثاني: أن الإيثار بالقُرب مكروه، أو خلاف الأولى؛ بأن يتأخر عن
موضعه في الصف الأول، ويُؤْثِرَهُ به، وشبه ذلك، قال أصحابنا: وإنما
يُحْمَد الإيثار بحُظوظ النفس وأُمور الدنيا دون القُرَب، انتهى(١).
وفي ((سنن أبي داود)): عن ابن عمرظ﴿يا قال: جاء رجل إلى رسول الله وَ﴾
فقام له [رجل] عن مَجْلِسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه رسول الله وَّيَ(٢)، فيحتمل
أن امتناع ابن عمر ﴾ لم يكن إلا للانتهاء عمَّا نُهي عنه.
وفي ((السنن)) أيضاً: عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاءنا أبو بَكْرَةَ في
شهادة، فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه، فقال: إن النبيَّ وَّ
نهى عن ذا(٣).
٨٢٦ - وعَنْ أَبي هُرِيرةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((إذا قامَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٦٠).
(٢) رواه أبو داود (٤٨٢٨). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٣٠٦٧).
(٣) رواه أبو داود (٤٨٢٧)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٤٨). وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٠٦٨).
٢٨٧

أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) رواه مسلم.
* قوله : «إذا قام أحدکم من مجلسه، ثم رجع؛ فهو أحق به)):
(ن): قال أصحابنا: هذا الحديث فيمَن جلس في موضع من المسجد
أو غيره لصلاة مثلاً، ثم فارقه ليعود، فإن فارقه؛ ليتوضأ، أو ليقضي شغلاً
يسيراً، ثم يعود؛ لم يبطل اختصاصُه، بل إذا رجع؛ فهو أحق به في تلك
الصلاة، فإن كان قد قعد فيه غيره؛ فله أن يُقیمه، ويجب على القاعد أن
يفارقه؛ لهذا الحديث، هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض العلماء:
هذا مُستحبٌّ، ولا يجب، وهو قول مالك، والصواب الأوَّل.
قال أصحابنا: ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك فيه سَجَّادة ونحوها،
أم لا، فهذا أحق به في الحالين، وإنما يكون أحقَّ به في تلك الصلاة
وحدها دون غيرها(١).
(ق): هذا يدل على صحة القول بوجوب ما ذكرناه؛ من اختصاص
الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه؛ لأنه إذا كان أَوْلَى بعد قيامه؛ فقبله
أَحْرَى وأَوْلى، وحمله مالك على الندب إذا كانت رَجْعَتُه قريبة، قال: وإن
بَعُدَ ذلك حتى يذهب ويُبْعِد؛ فلا أرى ذلك، وإنه من محاسن الأخلاق،
وعلى هذا فيكون عامّاً في كل المجالس(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٦١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥١١).
٢٨٨

٨٢٨ - وعَنْ أَبي عبدِالله سَلْمَانَ الفارِسيِّ ◌َهِ، قالَ: قالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ
مِنْ طُهْرِ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُ مِنْ طِيبٍ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا
يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيَّنٍ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ لهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ
الإمامُ، إِلاَّ غُفِرَ لهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى)) رواه البخاريُّ.
قوله: ((من طهر)) :
٠
(ط): التنكير فيه؛ للتكثير(١).
(مظ): أراد بالطهر قصَّ الشارب، وقَلْمَ الأظفار، وحلق العانة،
ونتف الإبط، وتنظيف الثياب (٢).
(ط): ((من طيب بيته)) قيَّده؛ إما توسعة؛ كما ورد في حديث أبي
سعيد: ((ومَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كانَ عِنْدَهُ))، أو استحباباً؛ ليُؤذن بأن السنة أن
يتخذ الطيب لنفسه، ويجعل استعماله عادة له، فیدخر في بيته، فلا تختصُّ
الجمعة بالاستعمال(٣).
(ن): في رواية لمسلم: ((يَمَسُّ مِنْ طِيبٍ ما قَدَرَ عَلَيْهِ))(٤)، قال
القاضي: هذا يحتمل التكثير، ويحتمل التأكيد، حتى يفعله بما أمكنه، ويؤيده
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٧٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٣٢١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٧٣).
(٤) رواه مسلم (٨٤٦ / ٧)، من حديث أبي سعيد الخدري
٢٨٩

قوله: ((وَلَوْ مِنْ طِيبِ المَرْأَة)(١)، وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونُهُ،
وخفي ريحُه، فأباحه للرجل هاهنا؛ للضرورة؛ لعدم غيره، وهذا يدل على
تأكده(٢).
* قوله: (أو یمس»:
(مظ): ((أو)) هاهنا للشك من الراوي؛ أنه ◌َّ و قال: ((ويدهن من دهنه))
أو قال: ((یمس من طيبه))(٣).
قوله: ((فلا يفرق بين اثنين)» :
(ط): کناية عن التبکیر؛ أي: علیه أن یبگِّر، فلا یتخطی رقاب الناس،
ويفرق بين اثنين، أو يكون عبارة عن الإبطاء؛ أي: لا يبطئ؛ حتى
لا يُفرِّق(٤).
(مظ): يعني: لا يجلس بين الاثنين اللذين يجلسان متقاربين؛ بحيث
لا یکون بینھما موضعُ جلوس واحد.
و((كتب له))؛ أي؛ رزقه الله من صلاة السُّنَّة والنوافل(٥).
(ك): ((كتب))؛ أي: فرض من صلاة الجمعة، أو قُدِّر من الصلاة فرضاً
ونفلاً، انتهى(٦).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٣٥).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢/ ٣٢١).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٧٣).
(٥) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢/ ٣٢١).
(٦) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٦ /١٠).
٢٩٠

حَمْلُ (ما كتب له) على صلاة الجمعة يأباه لفظ الحديث؛ فإنه ذكر
بعده: ((ثم ينصت إذا تكلم الإمام)» بـ (ثم) المفيد للتراخي، ومعلوم أن
صلاة الجمعة تقع بعد الإنصات.
واستدل بهذا الحديث جماعة من الأئمة على أنه لا يكره التنفل وقت
الزوال في يوم الجمعة؛ كما هو مذهب الشافعي رحمه الله، قالوا: إنه وله
ندبه إلى صلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام.
قال الشافعيُّ رحمه الله: مِن شأن الناس التهجير إلى الجمعة، والصلاة
إلى خروج الإمام، قال البيهقي: الذي أشار إليه الشافعيُّ موجود في الأحاديث
الصحيحة؛ فإنه وَّهِ رَغَب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج
الإمام من غير استثناء.
(ش): قال غير واحد من السلف؛ منهم عمر بن الخطاب، وتبعه
الإمام أحمد ابن حنبل: خروج الإمام يمنع الصلاة، وخطبته تمنع الكلام،
فجعلوا المانع من الصلاة خروجَ الإمام، لا انتصاف النهار، وأيضاً؛ فإن
الناس يكونون في المسجد تحت السُّقوف، ولا يشعرون بوقت الزوال،
والرجل يكون مُتشاغلاً بالصلاة، ولا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن
يخرج ويَتخطّى رقابَ الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يُشرع له
ذلك(١).
* قوله: ((ثم ينصت)):
(نه): يقال: أنصت يُنْصِت إنصاتاً: إذا سكت سكوتَ مستمعٍ، وقد
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٣٧٨).
٢٩١

نصَت أيضاً، وأَنْصَتُّه: إذا أَسْكَنَّه؛ فهو لازم ومُتعدٍّ(١).
(ك): ((إذا تكلم الإمام))؛ أي: للخطبة والصلاة، و((ما بينه وبين
الجمعة الأخرى)) يحتمل الماضية قبلها، أو المُستقبَلة بعدها؛ لأن (الأُخرى)
تأنيث (الآخَر) بفتح الخاء، لا بكسرها، فلا يلزم أن تكون متأخرة، لا يقال:
المغفرة إنما هي بعد وقوع الذنب؛ لأنا نقول: لا نُسلِّم ذلك، قال الله تعالى:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَانَقَدَّمَ مِنْ ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢](٢).
(مظ): ((وفضل ثلاثة أيام))؛ [أي: زيادة ثلاثة أيام](٣) على سبعة؛
حتى تكون عشرة أيام؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها (٤).
(ن): في هذا الحديث: دليلٌ على فضيلة الغُسل، وأنه ليس بواجب،
وفيه: أن التنفُّل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مُستحبٌّ.
وفيه: أن النوافل المُطلقة لا حَدَّ لها؛ لقوله ◌َِّ: ((فَصَلَّى مَا قُدِّرَ له)).
وفيه: الإنصات للخُطبة، وفيه: أن الكلام بعد الخطبة وقبل الإحرام
بالصلاة لا بأس به (٥).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٦١).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (٦ / ١٠).
(٣) من ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٣٢١).
(٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢/ ٣٢١).
(٥) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٦ / ١٤٦).
٢٩٢

٨٢٩ - وعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عن أبيه، عن جَدِّهِ ﴾: أَن
رَسُولَ اللِهِ نَّهِ قالَ: ((لا يَحِلُّ لِرَجُلِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلاَّ
بِذْنِهِمَا)) رواه أبو داودَ، والترمذي، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
وفي روايةٍ لأبي داودَ: ((لاَ يَجْلِسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلاَّ بَإِذْنِهِمَا)).
* قوله يلي: ((لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين»:
(مظ): يعني: إذا جلس اثنان متقاربين؛ لا يجوز لأحد أن يُفرِّقَهما،
ويجلسَ بينهما؛ لأنه قد يكون بينهما مَحبَّة، وجَريان سِرٍّ، وكلامٌ، فيَشُقُّ
عليهما التفريقُ، انتهى(١).
وأيضاً قلَّما اجتمع اثنان؛ إلا وبينهما جنسية، وقيل: الجنسية عِلَُّ الضمِّ،
وشبه الشيء منجذب إليه بالطبع، وكان مالك بن دينار رحمه الله يقول: لا يتفق
اثنان في عشرة؛ إلا وفي أحدهما وصف من الآخر ؛ فإن اشکال الناس کأجناس
الطيور، ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران؛ إلا وبينهما مُناسبة، قال: فرأى
يوماً غُراباً مع حمامة، فعجب من ذلك، فقال: اتفقا، وليسا من شكل واحد،
ثم طار[١]، فإذا بهما أعرجان، فقال: من هاهنا اتفقا.
وقال بعض الحكماء: كل إنسان يأنس إلى شكله، فظهر من هذا أن
المتجالسين لا بُدَّ وأن يكون بينهما مناسبة ومُجالسة ومجانسة ومؤانسة، فنهى
الشارع صلوات الله عليه أن يجلس الداخل بينهما؛ كيلا يثقل على قلبهما.
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ١٤٠).
٢٩٣

٨٣٠ - وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ﴿: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَالْ لَعَنَ
مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. رواه أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ.
وروى الترمذيُّ عن أبي مِجْلَزٍ: أَنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ حَلْقَةٍ،
فقالَ حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلى لِسَانٍ مُحَمَّدٍ ﴿، أَوْ: لَعَنَ اللهُ عَلى
لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﴿ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. قال الترمذيُّ: حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ.
* قوله *: ((لعن من جلس وسط الحلقة)):
(نه): ((الوسط)» بالسكون، يقال: فيما كان مُتَمْرِّقَ الأجزاء غير متصل،
كالدوابٌ، والناس، وغير ذلك، فإذا كان متصلَ الأجزاء؛ كالدار، والرأس؛
فهو بالفتح، وقيل: كل ما يصلح فيه (بين)؛ فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه
(بين)؛ فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه الأشبه.
وإنما لعن الجالس وسط الحلقة؛ لأنه لا بدَّ وأن يستدير بعضُ
المُحیطین به، فیؤذیهم، فیلعنونه ویذمُّونه(١).
(حس): ((لعن من جلس وسط الحلقة)) يُتأوَّل على وجهين :
أحدهما: أن يأتي حَلْقَة قوم، فيتخطى رقابهم، ويقعد وسطها، ولا يقعد
حیث ینتهي به المجلس.
والثاني: أن يقعد وسط الحلقة، فيحُول بین الوجوه، ويحجب
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ١٨٢).
٢٩٤

بعضهم عن بعض، فيتضرَّرون به(١).
(تو): المراد منه - والله أعلم -: الماجن الذي يُقيم نفسه مَقام السُّخْرية؛
ليكون ضُحْكةً بين الناس، ومَن يجري مجراه من المُتَأْكِّلين بالسُّمعة
والشَّعْوَذة.
٨٣١ - وعن أبي سَعيدِ الخُذْرِيِّ ﴾، قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَله يقولُ: ((خَيْرُ المَجَالِسِ أَوْسَعُهَا)).
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ البخاريِّ.
* قوله : ((خير المجالس أوسعها)»: قيل: إنما كان كذلك؛ لأن
الإنسان يتمكن من الجلوس، والنوم، والعبادة، والتقلب كيف شاء.
روي أن أبا سعيد الخُدْريَّ هِ أُوذِنَ بجنازة في قومه، فكأنه تخلّف
حتى أخذ الناس مجالسهم، ثم جاء، فلما رآه القوم تَسرَّبُوا عنه، فقام
بعضهم ليجلس في مجلسه، فقال: ألا إني سمعتُ رسولَ الله ◌َل﴿ يقول:
((خيرُ المَجَالسِ أَوْسَعُها)»، ثم تنخَّى، فجلس في مكان واسع (٢).
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٣٠٠).
(٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٣٦)، وأبو داود (٤٨٢٠)، والحاكم في
((المستدرك)» (٧٧٠٥)، والشهاب في («مسنده)) (١٢٢٣). وهو حديث صحيح.
انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢ / ٥٠٧).
٢٩٥

٨٣٢ - وعن أَبِي هُرِيرةَ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَنْ
جَلَسَ في مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فقالَ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ
ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ،
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ؛ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَاكَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ)).
رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(نه): (اللغط): صوت وضَجَّة لا يفهم معناها (١).
(تو): المراد: الهراء، وما لا طائل تحته من الكلام، فأحل ذلك
محل الصوت العَرِيِّ عن المعنى، والجَلَبة الخالية عن الفائدة.
(مظ): يعني: تكلم بما فيه إثمٌّ ممَّا لم يكن فيه غِيبةُ إنسان، أو
بهتاناً(٢).
٨٣٣ - وعن أَبِي بَرْزَةَ رَ﴿ُه، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يقولُ
بِأَخَرَةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ المَجْلِسِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ،
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيَّكَ))، فقالَ رجلٌ:
يا رَسُولَ الله! إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى؟ قال:
(ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي المَجْلِسِ)) رواه أبو داودَ.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٥٧).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٢٦).
٢٩٦

ورواه الحاكمُ أبو عبدِالله في ((المستدرك)) من روايةٍ عائشةَ
رضي الله عنها، وقال: صحيحُ الإسناد.
* قوله: «يقول بأخرة)»:
(نه): أي في آخِرِ جلوسه، ويجوز أن يكون في آخِرِ عُمْره، وهي
بفتح الهمزة والخاء (١).
٨٣٤ - وعنِ ابنِ عُمَرَ ﴿﴾، قالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يَقُومُ
مِن مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ: ((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ
خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، ومِنْ طَاعَتِكَ ما تَبَلَغْنا بِهِ
جَنَّتُكَ، ومِنَ اليَقِين ما تُهَوِّنُ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيًا. اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا
بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَاَ، وقُوَّتِنَا ما أَحْيَيْتَنَا، واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّ،
وَاجْعَلْ ثَأْرَنَاَ عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وانْصُرْنَا عَلى مَنْ عَادَنَاَ، وَلاَ تَجْعَل
مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولاَ
تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا)) رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
* قوله قي: «اللهم اقسم لنا»:
(قض): أي: اجعل لنا قَسْماً تحول به وتحجب وتمنع؛ من حال
الشيء حَيْلُولةٌ(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٩).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١١٤).
٢٩٧

* قوله: «ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا):
(قض): أي: ارزقنا يقيناً بك، وبأن لا مردَّ لقضائك وقَدَرِك، وأن
لا يُصيبنا إلا ما كتبته علينا، وأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة،
واستجلاب مثُوبة تهوّنُ به مُصیبات الدنيا.
(واجعله)) الضمير فيه للمصدر؛ كما في قوله: زيد أَظُنُّه منطلقٌ؛ أي:
اجعل الجَعْلَ، و((الوارث)) هو المفعول الأول و((منا)) في موضع المفعول
الثاني، على معنى: واجعل الوارث من نسلنا، لا كَلالةً خارجةً عنا؛ كما
قال تعالى حكاية عن دعوة زكريا: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيَّارَ بَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْ
ءَالِ يَعْقُوبِّ ﴾ [مريم: ٥ -٦].
وقيل: الضمير للتمُّع الذي دلَّ عليه التمتيع، ومعناه: اجعل تمتُّعنا
بها باقياً عنا، مأثوراً فيمَن بعدنا، أو محفوظاً لنا إلى يوم الحاجة، وهو
المفعول الأول، و(الوارث) مفعول ثان، و(منا) صلة له.
وقيل: الضمير لما سبق من الأسماع والأبصار والقُوَّة، وإفراده
وتذكيره على تأويل المذكور؛ كما في قوله؛ رُؤبة:
كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ(١)
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وبَلَقْ
والمَعْنيُّ بوراثتها: لزومها له عند موته لُزُومَ الوارث له .
(مظ): الضمير في (اجعله) يعود إلى مصدر (متعنا)، وهو المُتمتّع،
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه، وانظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ /١٩٢٨).
٢٩٨

و(الوارث) هو الباقي بعد المَيِّت، وأراد بـ (الوارث) هنا السمعَ، والبصرَ،
وبـ (الميت) فُورَ الأيدي والأرجل وسائر القوى؛ يعني: أبق علينا قوة
أسماعنا وأبصارنا بعد ضعف أعضائنا الأخرى إلى وقت الموت، حتى
لا نُحرمَ من سماع كلامك، والمواعظ، والأخبار، وما في سماعه لنا نفعٌ في
الآخرة، وحتى لا تُحرمَ أبصارنا ما فيه خيرٌ واعتبار؛ فإن هذين العُضوين أنفع
الأعضاء الظاهرة للرجل في حياته، هكذا ذكره الخَطَّابيُّ(١).
(تو): حقيقة الوارث: الذي يرث ملك الماضي، وعلى هذا: ففي
تأويل هذا الحديث عُسْرٌ، ومن الله التيسير، وقد ذكر أبو سليمان الخَطَّابيُّ
وغيرُه في تأويله: أنه سأل الله تعالى أن يُبقيَ له السمع والبصر إذا أدركه
الكِبَر، وضَعُف منه سائر القوى؛ ليكونا وارِثَيْ سائر القوى، والباقيين
بعدها، قلت: وعلى هذا: فالإشكال بحاله؛ لأن قوله: (واجعله الوارث
منا) بعد قوله: (ما أحييتنا) يحقّق أنه أراد بذلك الوارثَ الذي یکون بعد فناء
الشخص، وكيف يُتصوَّر فناء الشخص مع بقاء بعضه، انتهى.
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن القوى إذا استولى عليه الضعف،
وصارت بحيث لا يُنتفع بها؛ فكأنها ماتت؛ کما قيل :
فَبَعْضُ الشَّيْءِ مِنْ بَعْضٍ قَرِيبٌ
إِذا مَا مَاتَ بُعْضُكَ فَابْكِ بَعْضاً
فوجه الحديث: ما أفاده الخَطَّابيُّ، والقول ما قالت حَذامٍ.
(تو): وقيل: يراد به الأولاد والأعقاب، وهذا وجهٌ لولا قوله:
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٤٨).
٢٩٩

(واجعله)؛ فإن ردَّ الضمير إلى أحد الأشياء الثلاثة المذكورة، أو إلى سائرها
غيرُ مستقيم، واستشهد بقول رُؤُبة، لكن لفظ الحديث الذي أوَّله قوله:
((اللهم عافني في سمعي وبصري ما أبقيته، واجعله الوارثَ مني))(١).
وقال: فيه وجه آخر، فقال: كل شيئين تقاربا في معناهما؛ فإن الدَّلالة
على أحدهما دلالةٌ على الآخر.
قلت: ولفظ الحديث الذي نتكلم فيه غير محتمل لأحد الوجهين
على ما بينا، وقد رُوي هذا الحديث عن النبي ◌ٍَّ من غير هذا الوجه، وهو
قوله ◌َّهِ: ((اللَّهُمَّ متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني))(٢).
قلت: وقد ذهب بعض العلماء في تأويله [إلى أنه] أراد بالسمع والبصر
أبا بكر وعمر عه، واستدلوا بقوله وَّهِ: ((لا غنى بي عَنْهُما؛ فَإِنَّهُما مِنَ
الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ مِنَ الرَّأْسِ) (٣)، وبقوله ◌َّهُ: ((هَذَانِ بِمَنْزِلَةِ
السَّمْعِ والبَصَرِ)) (٤)، قالوا: فكأنه وَِّ دعا بأن يتمتَّع بهما في حياته، وأن يرثا
خلافة النبوة بعد وفاته .
(١) رواه الترمذي (٣٤٨٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وهو حديث حسن.
انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣١٧٠).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٩١٨)، من حديث أبي هريرة څ. وهو حديث
حسن. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣١٧٠).
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٤٤٨)، من حديث حذيفة بن اليمان عه. وانظر:
((السلسلة الصحيحة)) (٨١٤).
(٤) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٤٩٩٩)، من حديث ابن عمر ﴾. وانظر:
((السلسلة الصحيحة)) (٨١٤).
٣٠٠