Indexed OCR Text
Pages 221-240
وفيه: دليلٌ على أن الصُّوف لا يَنْجُس بالموت؛ لأن الجُبَّة كانت من عمل الشام، وكان الشام إذ ذاك بلادَ الكفر والشِّرْك من مَجُوس وغيرهم، وأكثر مآكلهم مَيْنَةٌ، ولم يسأل النبيُّ ◌َِّ عن ذلك، ولا توقَّف فيه(١). قوله: ((فأخرجهما من تحت الجبة» : (ن): فيه: جواز مثل هذا للحاجة، وفي الخلوة، أما بين الناس: فينبغي أن لا يفعل لغير حاجة؛ لأن فيه إخلالاً بالمُروءة(٢). (ق): فيه: دليل على لباس الضيِّق والتشمير للأسفار(٣). * قوله : ((فإني أدخلتهما طاهرتين)): (ن): فيه: دليلٌ على أن المسح على الخُفَّين لا يجوز إلا إذا لبسهما على طهارة كاملة، حتى لو غسل رجله اليمنى، ثم لبس خُفَّها قبل اليسرى، ثم غسل اليسرى، ثم لبس خُفَّها؛ لم يصِحَّ لبسُ اليُمنى، فلا بُدَّ من نزعها، وإعادة لبسها؛ لأن حقيقة إدخالهما طاهرتين: أن تكون كل واحدة منهما أُدخلت وهي طاهرة(٤)، ولا يحتاج إلى نزع اليسرى؛ لكونها لبست بعد كمال الطهارة . وشَذَّ بعض أصحابنا، فأوجب نزع اليسرى أيضاً، وهذا الذي ذكرناه (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٢٩)، وفيه: ((روى عن عمر أن ابن عباس))، و((وقال ابن عمر: لا أبالي)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٦٩). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٣٠). (٤) في الأصل: ((وهما طاهرتان))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٧٠). ٢٢١ من اشتراط الطهارة في اللُّبس هو مذهب مالك، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوريُّ، ويحيى بن آدم، والمُزَنيُّ، وأبو ثور، وداود: يجوز اللبس على حدث، ثم يكْمِلُ طهارته(١). (ق): حمل الجمهور هذه الطهارة على العُرفية، وهي طهارة الحدث، وخَصُّوها بالماء؛ لأنه الأصل، والطهارة به هي الغالبة، ورأى أَصْبَغُ أن طهارة التيمم تدخل تحت مطلق قوله: ((وهما طاهرتان)). وذهب داود إلى أن المراد بالطهارة هنا: هي الطهارة من الخَبَث، فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة؛ جاز المسح على الخُفَّين. وسببه: التمسُّك بمطلق الطهارة (٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٧٠). (٢) في ((المفهم)) (١ / ٥٣١): ((وسبب الخلاف: الاشتراك في اسم الطهارة)). ٢٢٢ ١١٨- باب استحبابِ القميصِ (باب استحباب القميص) ٧٨٩ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قالَتْ: كانَ أَحَبَّ الِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ِ القَمِيصُ. رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. * قوله: ((كان أحب الثياب إلى رسول الله وَلفي القميص)»: (مظ): ((الثياب)): جمع ثوب، هو اسم لما یستر به الرجل نفسَه، مَخِيطاً كان، أو غير مَخِيط . و((القميص)): اسم لما يلبسه الرجل من المَخِيط الذي له ◌ُمَّان وجَيْبٌ(١). (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥/ ١٣). ٢٢٣ ١١٩-باب صفةٍ طولِ القميصِ والكمِّ والإزارِ وطرفِ العمامةِ وتحريمِ إسبالٍ شيءٍ من ذلكَ على سبيلِ الخيلاءِ وكراهتِه من غيرِ خيلاءَ ٧٩٠ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الأَنْصارِيَّةِ رضي الله عنها، قالَتْ: كانَ كُمُّ قَمِيصٍٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ إلى الرُّسُخ، رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ. * قوله: ((إلى الرصغ)): (نه): ((الرصغ)) لغة في الرُّسْغ، وهو مَفْصِل ما بين الكَفِّ والساعد(١). (ش): كان قميصه ◌َّ﴿ قصيرَ الطول، قصير الكُمِّ، فأما هذه الأكمام الواسعةُ الطّوَال، التي هي كالأَخْرَاج: فلم يلبسها هو، ولا أحدٌ من أصحابه البَّة، وهي مُخالفة لسُنَّته، وفي جوازها نظرٌ؛ فإنها من جنس الخُيَلاء(٢). ٧٩١ - وعَنِ ابنِ عمرَ ﴾: أَنَّ النبيَّ نَ ◌ّهِ قال: ((مَنْ جَرَّ ثَوْيَهُ (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٢٧). (٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ١٤٠). ٢٢٤ خُيَّلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ))، فقال أبو بكرٍ: يا رَسُول الله! إِنَّ إزاري يَسْتَرْخِي إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَهُ، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاَءَ». رواه البخاريُّ، وروى مسلم بعضه. * قوله وَلفي: ((من جر ثوبه خيلاء؛ لم ينظر الله إليه)) سبق في (الباب الثاني والسبعين). * قوله: «إن إزاري يسترخي»: (ك): فإن قلت: ما كان السبب في أصل الاسترخاء، ثم في تخصیص أحد السببین؟ قلت: قال ابن قتيبة: كان أبو بكر الصِّدِّيقِ ظُه نحيفاً أَحْنَى، لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حَقْوَيْهِ . أقول: لفظة (أحنى) يصح بالمهملة وبالجيم، يقال: أحنى الظهر بالمهملة ناقصاً؛ أي: في ظهره احديدابٌ، ورجل أجنا بالجيم مهموزاً؛ أي: أحدبُ الظهر. ثم إن الاسترخاء يحتمل أن يكون من طرف القُدَّام؛ نظراً إلى الاحديداب، أو يكون من اليمين والشِّمال؛ نظراً إلى النحافة؛ إذ الغالب أن النحيف لا يستمسك إزاره على السواء. وفيه: أن الجَزَّ المُحرَّم: ما كان للخُیلاء، وأما ما لم یکن لها : فلا بأس. قالوا: والقَدْرِ المُستحبُّ فيما يُنْزَلُ إليه طرف القميص والإزار نصفُ ٢٢٥ الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، وما نزل عنهما: إن كان للخُيلاء؛ فهو ممنوع مَنْعَ تحريم، وإلا؛ فمَنْعُ تنزيه، انتهى(١). وفيه: مَنْقَبَةٌ للصدِّیق. وفيه: جواز المدح في الوجه إذا أَمِن من الممدوح الإعجاب. وفيه: اتهام النفس، وأن لا يأمن مَكْرَها؛ فإن الصديق مع [ما] منح من الفضل [لم يأمن]، بل خاف شرَّ النفس، وعرض حالَه عليه الآن. ٧٩٢ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ له: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قالَ: ((لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى مَنْ جَزَّ إزَارَهُ بَطَراً) متفق عليه. قوله ويقي: ((لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً)، سبق في (الباب الثاني والسبعين). ٧٩٣ - وعنهُ، عَنِ النبيِّ وَّهِ، قالَ: ((مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإزارِ فَفِي النَّارِ» رواه البخاريُّ. · قوله : ((ما أسفل)): (شف): ((ما)) موصولة صلته محذوفة، وهو (كان)، و((أسفل)) منصوب (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١ / ٥٣). ٢٢٦ خبر (كان)، ويجوز أن يرفع (أسفل)؛ أي: الذي هو أسفل، وعلى التقديرين هو (أفعل)، ويجوز أن يجعل فعلاً؛ أي: الذي سفل من الإزار من الکعبین . (خط): يريد: أن المواضع الذي تناله الإزار من أسفل الكعبين من رجله في النار، کنی بالثوب عن بدن لا بسه، ويُتأوّل هذا على وجهین: أحدهما: أن ما دون الكعبين من قدم صاحبه في النار؛ عقوبة له على فعله . والآخر: أن فعلَه ذلك في النار؛ أي: هو معدود محسوب من أفعال أهل النار(١). (حس): قال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: قلت لنافع: أرأيت في قول النبي ◌َُّ: ((ما تحتَ الكَعْبَيْنِ منَ الإِزَارِ في النَّارِ))(٢)؛ أمن الإزار، أم من القدم؟ قال: وما ذنب الإزار؟ !! (٣) (ن): الإسبال يكون في الإزار، والقميص، والعمامة، ولا يجوز الإسبال تحت الكعبين إن كان للخُيلاء. وقد نص الشافعيُّ: أن التحريم مخصوص بالخُيَلاء؛ لدلالة ظواهر الأحاديث عليها، وبالجملة: يكره ما زاد على الحاجة والمُعتاد في اللِّباس (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٩٧). (٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٧١١) من حديث أبي هريرة ظُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢٠٣٧). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ١٣). ٢٢٧ من الُول والسَّعَة، وقد سبق في (الباب الثاني والسبعين) بقيةُ الكلام على هذا الحديث(١). ٧٩٤ - وعَنْ أَبَي ذَرُِّ، عَنِ النبيِّوَّهِ، قالَ: ((ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِم، وَلاَ يُزَكِِّهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، قال: فقرَأَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ ثَلاثَ مِرَارٍ. قالَ أَبَوَ ذَرٍّ: خابُوا وخَسِرُوا! مَنْ هُمْ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: ((المُسْبِلُ، والمنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلفِ الکاذِبِ» رواه مسلم. وفي روايةٍ له: ((المُسْبِلُ إِزَارَهُ». * قوله وَليفي: ((ثلاثة لا يكلمهم الله))، سبق في (الباب الثاني والسبعين). * قوله: «المسبل إزاره)): (ن): معناه: المُرْخِي له، الجارُّ طرفَه خُيَلاءَ؛ كما جاء مُفسّراً في الحديث الآخر: ((لا يَنْظُرُ اللهُ إلى مَن جَرَّ ثَوْبَه خُيَلاء) (٢)، وهذا التقييد بالجرِّ خُيْلاءَ يخصِّص عُمومَ المُسْبِلِ. وقد رُخِّص في الإسبال لأبي بكر ◌َُ، وقيل له: (لَسْتَ مِنْهُمْ))(٣)؛ إذ كان جَرُّه لغير الخُيَلاء. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٦٢). (٢) رواه البخاري (٥٤٤٦)، من حديث ابن عمر ر﴿ئا. (٣) رواه البخاري (٥٤٤٧)، من حديث ابن عمر خپھا ٢٢٨ قال الطبري: وذكر إسبال الإزار وحده؛ لأنه كان عامَّةً لباسهم، وحكم غيره من القميص وغيره حکمه. قلت: وقد جاء مُبيّناً منصوصاً عليه من كلام رسول الله وَّهُ: ((الإِسْبَالُ في الإِزَارِ، والقَمِيصِ، والعِمَامَةِ))(١) الحديثَ(٢). (حس): ((المنة)): هو الاعتداد بالصنيعة، وهي إن وقعت في الصدقة؛ أبطلت الأجر، وإن وقعت في المعروف؛ كدرت الصنيعة(٣). (ق): ((المنان)): هو الذي لا يعطي شيئاً إلا مِنَّة، كذا فُسِّر في الحديث؛ أي: إلا امتن به على المُعطى له، فلا شك في أن الامتنان بالعطاء مُبطِلٌ للأجر؛ لأن العطاء هو للمعطي سبحانه، ولذلك قال تعالى: ﴿لَانُبْطِلُواْصَدَقَتِكُم بِالْمَنّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وإنما كان كذلك؛ لأن المَنَّ غالباً لا يكون إلا عن البخل، والعُجْب، والكِبْر، ونسيان مِنَّة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخل يُعْظِم في نفسه العَطِية، وإن كانت حقيرة في نفسها، والعُجْب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه مُنْعِم بماله على المُعطى له، ومُتفضِّل عليه، وأن له علیه حقاً يجب عليه مراعاته. والكِبْر يحمله على أن يحتقر المُعطى له، وإن كان في نفسه فاضلاً، (١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٧٢٠)، من حديث ابن عمر ◌ًا. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٠٣٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٦). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٨ / ٣٨). ٢٢٩ ومُوجِبُ ذلك كله: الجهلُ، ونسيان مِنَّة الله تعالی فیما أنعم به علیه؛ إذ قد أنعم عليه بما يعطي، ولم يحرمه ذلك، وجعله ممَّن يعطي، ولم يجعله ممَّن يسأل . ولو نظر ببصيرة؛ لعلم أن المِنَّة للآخذ؛ لما يزيل عن المُعطِي من إثم المنع، وذَمِّ المانع، ومن الذنوب، وبما يحصل له من الأجر الجزيل(١). (خط): الوجه الآخر: أن يراد بالمَنِّ النقص، يريد النقص من [الحق] والخيانة، والتطفيف في الوزن والكيل، ونحوهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣]؛ أي: منقوص، ومن هذا سُمِّ الموت مَنْوناً؛ لأنه يَنْقُص الأعداد، ويقطع الأعمار(٢). (ط): وإنما جمع الثلاثة في قَرْنٍ واحد؛ لأن مسبل الإزار هو المُتكبِّرِ الذي يترفع بنفسه على الناس، ويَحُط من منزلتهم، ويَحْقِرُ شأنهم . والمَنَّان إنما يَمُنُّ بعطائه السائل؛ لما رأى من فضله، وعُلُوَّه على المُعطى له، والحالف البائع يراعي غِبْطةَ نفسه، والهَضْمَ من حق صاحبه. فالحاصل من المجموع: عدمُ المُبالاة بالغير، وإيثار نفسه عليه؛ ولذلك يُجازيه الله تعالى بعدم المُبالاة. فإن قلت: مرتبة الجزاء أن يؤخَّر عن الفعل، فلم قدَّم ذكره في الحدیث؟ قلت: ليُفَخِّم شأنه، ويُهَوِّل أمر مرتكبيه في خَلَد السامع، فيذهب (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ /٣٠٤). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٩٥). ٢٣٠ بنفسه كلَّ مذهب، ومِن ثَمَّ قال أبو ذَرٍّ: خابوا وخسروا، من هم؟ ولو قيل: المُسْبِلِ، والمنان، والمُنفِقِ سلعتَه بالحَلِف، لا يكلمهم الله؛ لم يقع هذا المَوْقِعَ، ونظيره قول الشاعر : ثَلاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنيا بِبَهْجَتِها شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ والقَمَرُ (١) * قوله: «والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»: (ق): الرواية في ((المنفق)): بفتح النون وكسر الفاء مشددة، وهو مضاعف نَفَّق البيع يَنْفُقَ نفَاقاً: إذا خرج ونفذ، وهو ضِدَّ كسد، غير أن (نفق) المخفف لازم، فإذا شُدِّد؛ عُدِّي للمفعول، وهو هاهنا ((سلعته)). وقد وصف الحلف، وهي مؤنثة بـ ((الكاذب))، وهو وصف مذكر، وکأنه ذهب بالحلف مذهب القول، فذگَّره، أو مذهب المصدر، وهو مثل قولهم: أتى لي كتابُه فمَزَّقتها، ذهب بالكتاب مذهبَ الصَّحِيفة(٢). ٧٩٦ - وعَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرٍ بْنِ سُلَيْمِ ﴾، قالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ؛ لا يَقُولُ شَيئاً إِلاَّ صَدَرُوا عنه؛ قلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: رَسُولُ اللهِوَّهِ. قلتُ: عَليكَ السَّلامُ يا رسولَ الله - مَرَّتَيْنِ -، قال: ((لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتَى، قُلِ: السَّلامُ عَلَيَكَ))، قال: قلتُ: أنتَ رَسُولُ الله؟ قالَ: (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١١٧). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٠٩). ٢٣١ (أَنَا رَسُولُ اللهِ الَّذِي إِذا أَصَابَكَ ضُرٍّ فَدَعَوْتَهُ، كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِذا أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ، فَدَعَوْتَهُ، أَنْتَهَا لَكَ، وإذا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلَاةٍ، فَضَلَّتِ رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَه، رَدَّهَا عَلَيْكَ))، قالَ: قلتُ: اعْهَدْ إليَّ، قالَ: ((لا تَسُبَّنَّ أَحَداً)، قال: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرّاً، وَلاَ عَبداً، وَلَاَ بَعِيراً؛ وَلاَ شَاةً، ((وَلا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً؛ وأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إليهِ وَجْهُكَ؛ إِنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ. وارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الكَعَبَيْنِ، وإيّاكَ وإسْبِالَ الإِزَارِ؛ فَإِنَّهَا مِن المَخِيلةِ، وإِنَّ الله لا يُحِبُّ المَخِيلَةَ، وإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ، فَلا تُعَيِّرْهُ بما تَعْلَمُ فيهِ؛ فإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ علیهِ» رواه أبو داود، والترمذيُّ باسنادٍ صحيحٍ، وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. * قوله: ((يصدر الناس عن رأيه)): (الجوهري): صدر يَصْدُر صَدَراً، وأصدرته فصدر؛ أي: رجعته فرجع. (نه): ((الصدر)) بالتحريك: رجوع المسافر من مَقْصِده، والشاربة من الورد، يقال: صدر يَصْدُر صُدوراً وصَدَراً، انتهى(١). يعني: أن الصحابة كانوا إذا عَنَّ لهم أمر، أو دَهَمَهُم خَطْبٌ؛ استشاروا النبيّ (ێۇ، فیرجعون إلى رأيه. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٥). ٢٣٢ * قوله : ((عليك السلام تحية الميت)): (خط): هذا يوهم أن تكون السنة في تحية الميت: أن يقال: عليك السلام؛ كما يفعله كثير من العامَّة. وقد ثبت أن النبيَّ نَّهِ دخل المَقْبُرةَ، فقال: ((السَّلامُ عَلَيْكُم دارَ قَوْمِ مُؤْمِنِينَ))(١)، فقدم الدعاء على اسم المَدْعُوِّ له؛ كهو في تحية الأحياء، وإنما كان ذلك القول منه إشارةً إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات؛ إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور في قول الشاعر: عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ورَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرِحَّمَا وكقول الشَّمَّاخِ : يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ عَلَيْكَ سَلامٌ مِنْ أَمِيرٍ وبَارَكَتْ والسُّنَّة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات؛ بدليل الحديث الذي ذكرناه. انتھی(٢). وأصرح من هذين البيتين قول الشاعر: عَلَيْكَ سَلامٌ هَلْ لِمَا فَاتَ مَطْلَبُ أَا طَرَقَتْنا آخِرَ اللَّيْلِ زَيْنَبُ تَحِيَّةَ مَوْتَى وَهْوَ في الحَيِّ يَشْرَبُ فَقُلْتُ لِهَا حَتَّيْتِ زَيْنَبُ خِذْنَكُمْ * قوله تعالى: ((لا تسبن أحداً): (غب): (السبُّ): الشتم الوجيع، انتهى(٣). (١) رواه مسلم (٤٩ / ٣٩)، من حديث أبي هريرة (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٩٤). (٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٢٠). ٢٣٣ فيه: الاعتناء بحفظ اللسان عن السَّبِّ والشَّتْم، ومصدره أمران: أحدهما: خُبْتُ الطبيعة واللُّؤْم. ثانيهما: احتقار المسبوب واستصغاره؛ فإنهم إنما يَسْبُّون العبيد، والإماء، والخدم، ومَن هو في ظاهر الحال تحت أيديهم وحُكمهم، وربما كان المسبوب كريماً على الله سبحانه، فيتعرض السابُّ للمَقْت في الوقت، ولا يشعر. * قوله : ((ولا تحقرن من المعروف شيئاً)) سبق في (الباب الثالث عشر). * قوله وخية: ((وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة))؛ أي: هو السبب الغالب أو الأكثر، وقد يكون بطن العبد ضامراً، ولم يستمسك إزاره؛ كما اعتذر عنه الصدِّيق ﴿له، أو كان في الساق أثر قَرْح، أو عَيْبٌ يستحيي من کشفه بین الناس، فأسبل الإزار لذلك. وقد روى الطبراني في ((المعجم الكبير)) هذا الحديث بزيادة، ولفظه: ((وإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ؛ فإنَّهُ منَ المَخِيلَةِ، وإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُخْتَالَ))، فقال رجل: يا رسول الله؛ ذكرت إسبال الإزار، وقد يكون بساق الرَّجُل القَرْحُ، أو الشيء، فيستحيي منه، فقال: ((لا بأسَ إلى نِصْفِ السَّاقِ، أو إلى الكَعْبَيْنِ، إِنَّ رَجُلاً ممَّن كانَ قَبَلَكُمْ لَبِسَ بُرْدةً، فَتَبَخْتَرَ فِيهَا، فنظرَ اللهُ إلیهِ مِن فَوْقٍ عَرْشِهِ فمَقَتَهُ، وأمرَ الأَرْضَ فَأَخذَتْهُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ بينَ الأَرْضِ، فَاحْذَرُوا مَقْتَ اللهِ دَ)(١). (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٣٨٤)، من حديث أبي جُري جابر بن = ٢٣٤ ففي هذا الحديث: التحذير الأكيد من الإسبال، والنهي الأكيد عنه، فيجب على العبد الاعتناء به، ولا يغتر بخَدْعَة النفس. قوله ◌َّقى: ((فلا تعيره بما تعلم فيه))؛ إذ ربما كان الذي يُعيِّرِّه به أفظع وأشنع، والنفس لطبعها تتقاضى ذلك؛ خُصوصاً في حال الحَرَدِ والتهاب الحَمِيَّة، والانتصار وإن كان جائزاً؛ لكن لا يكاد يُؤْمَن فيه تجاوز السوية . ومعلوم أن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم؛ ولهذا نهى النبي ◌َّق عِياضَ بن حمار المجاشعيَّ ◌ُه عن الانتصار؛ لهذا المعنى الذي ذكرناه، كما خرجه الطيالسيُّ، وأحمد عنه: أنه قال: قلت: يا رسول الله؛ الرجل من قومي يسُبُّني وهو دوني، هل عليَّ بأس أن أنتصر منه؟ فقال: ((المُسْتَبَّانِ شَيْطَانَنِ يَتَكَاذَبَانِ وَيَتَهَاتَرَانِ)) (١)، قال الحافظ زين الدين بن العراقيٍّ: هذا حديث صحيح. قوله : («فإنما وبال ذلك»: ٠ (الوبال): مصدر من مصادر قولك: مرتع وبيل؛ أي: وخيم، معناه: إذا عيَّرك امرؤ بما يعلم فيك، وتصبَّرت، ولم تُعيِّره؛ رجع عقوبة ذاك عليه؛ بأن ارتكب ما حرم الله عليه من أَذِيَتِك. = سليم . وروى أوله إلى قوله: ((فقال رجل)) أبو داود (٤٠٨٤)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٦٣)، وهو حديث صحيح كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة). (١) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٤ / ١٦٢)، من حديث عياض بن حمار څ. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٧٨١). ٢٣٥ ورواه الحافظ أبو حاتم ابن حِبَّان في ((صحيحه))، ولفظه: ((دَعْهُ، يَكُونُ وَيَالُهُ عَلَيْهِ، وأَجْرُهُ لكَ))(١). ٧٩٧ - وعن أبي هريرةَ ﴿ُ قَالَ: بِينَمَا رَجُلٌ يُصَلِّ مُسبِلٌ إِزَارَهُ، قَالَ لَهُ رسول اللهِ وَّهِ: ((اذهَبْ فَتَوَضَّأ))، فَذَهَبَ فَتَوَضاَ، ثُمَّ جَاء فَقَالَ: (اذهَبْ فَتَوَضّأ) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ! مَا لَكَ أمَرْتَهُ أنْ يَتَوَضأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ؟ قَالَ: ((إنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ، وَإِنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مُسْبٍ))، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم. * قوله ◌َّ للمُسبل(٢): ((اذهب فتوضأ)): لا يبعد أن يكون الأمر في هذا الحديث للاستخبار؛ رَدْعًا عن الإسبال وزجراً عنه. وقد استحب جماعة من أهل العلم الوضوء من الكلام الخبيث، فلا يبعد استحباب الوضوء عند صدور الأفعال الخبيثة؛ کالكِبْر، والغضب، ونحوهما. قال ابن مسعود : لأن أتوضأ (٣) من كلمة خبيثة أحبُّ إليَّ من أن (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٥٢١)، من حديث جابر بن سليم الهجيمي وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٧٨٢). (٢) في الأصل: ((سُيل)). (٣) في الأصل: ((لا أتوضأ)). ٢٣٦ من أتوضَّأ من طعام طَيِّب، رواه الطبراني في ((الكبير)(١). قال ابن قُدامةَ: روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحبابٌ عندنا ممَّن أمر به. (ط): لعل السر في أمره بالتوضُّؤ، وهو طاهر: أن يتفكّر في سبب الأمر، فيقف على ما ارتكبه من شنعاء، وأن الله تعالى ببركة أمر رسوله اله [بطهارة] ظاهره يُطهِّر باطنه من التكبُّر والخُيَلاء؛ لأن طهارة الظُّهارة مؤثرة في طهارة الباطن. فعلى هذا: ينبغي أن يعبر كلام رسول الله وَليو [عن] أن الله تعالى لا يقبل صلاة المُتكبِّرِّ المُختال؛ فتأمل في طريق هذا التنبيه، ولطف هذا الإرشاد. ومنه الحديث: ((إنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإِنَّ الشَّيْطانَ خُلِقَ منَ النَّارِ، وإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالمَاءِ، فَإِذا غَضِبَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَتَوضَّأ)) أخرجه أبو داود(٢). ولعل الرجل كان بليغاً مُتنبِّهاً للرَّمْزَةِ(٣)، فطهر ظاهره وباطنه، وإلا؛ فلم یکن یقرره على ما كان(٤). (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٩٢٢٤)، ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤٢٥). (٢) رواه أبو داود (٤٧٨٤)، من حديث عطية السعدي ظُه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥٨٢). (٣) في الأصل بياض بعده كلمة: ((مرة)). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٦٥). ٢٣٧ ٧٩٨ - وعَنْ قَيْسِ بْنِ بِشْرِ التَّغْلِيِّ، قالَ: أَخْبَرَنِي أَبي - وكان جَلِيساً لأَبي الذَّردَاءِ -، قال: كانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أَصحَابِ النبيِّ لَّهِ يُقالُ له: سَهْلُ بْنُ الخَنْظَلِيَّةِ، وكانَ رَجُلاً مُتَوَحِّداً، قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ، إِنَّمَا هو صَلاةٌ، فَإِذا فَرَغَ، فَإِنَّمَا هو تَسْبِيحُ وتَكْبِيرٌ حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ، فَمَرَّ بِنَا ونَحنُ عِندَ أَبي الدَّردَاءِ، فقال له أَبو الدَّردَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا ولا تَضُرُّكَ، قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ سَرِيَّةً، فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الَّذِي يَجْلِسُ فيهِ رَسُولُ اللهِ وَهِ، فقالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: لَوْ رَأَيْتَنَا حِينَ التَّقَيْنَا نَحْنُ وَالعَدُوُّ، فَحَمَلَ فُلانٌ وَطَعَنَ، فَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي، وَأَنَ الغُلامُ الغِفَارِيُّ، كَيْفَ تَرَى فِي قَوْلِهِ؟ قالَ: مَا أُرَاهُ إِلاَّ قَدْ بَطَلَ أَجْرُهُ. فَسَمِعَ بِذَلِكَ آخَرُ، فقالَ: مَا أَرَى بِذلكَ بَأْساً، فَتَنَازَعَا حَتى سَمِعَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ فقالَ: ((سُبْحَانَ الله! لا بَأْسَ أَنْ يُؤْجَرَ ويُحْمَدَ)، فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ سُرَّ بِذَلِكَ، وَجَعَلَ يَرْفعُ رَأْسَهُ إليْهِ، وَيَقُولُ: أَنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهَِ﴿!؟ فيقولُ: نعَمْ. فما زَالَ يُعيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: لَبَيْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. قال: فَمَزَّ بِنَا يَوماً آخَرَ، فقالَ له أَبُو الذَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قال: قالَ لَنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((المُنْفِقُ عَلى الخَيْلِ كالبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُها)». ٢٣٨ ثُمَّ مَرَّ بِنا يَوماً آخَرَ، فقالَ له أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُكَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمُ الأَسَدِيُّ! لَولا طُولُ جُمَّتِهِ، وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ!)»، فَبَلَغَ خُرَيماً، فَعَجَّلَ، فَأَخَذَ شَفْرَةٌ، فَقَطَعَ بها جُمَّتَهُ إِلى أُذُنَهِ، ورَفَعَ إِزَارَهُ إلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثمَّ مَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقالَ لَهُ أَبَو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ يُقُولُ: ((إِنَّكُمْ قادِمُونَ عَلى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ؛ فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفُحْشَ وَلاَ التَّفَخُشَ)). رواهُ أبو داود بإسنادٍ حسنٍ، إلاَّ قَيْسَ بنَ بشرٍ، فاخْتَلَفُوا في تَوْثیقِهِ وتَضْعِیفِهِ، وقد روى له مسلمٌ. * قوله: ((متوحداً): (نه): متفعل؛ من الوَحْدَة، وهو المنفرد وحده، لا يجالس الناس، ولا يخالطهم، انتهى(١). * قوله: ((إنما هو صلاة))، وقوله: ((إنما هو تسبيح وتكبير)) أراد به المبالغة في كثرة صلاته، واشتغاله بالتسبيح والتكبير؛ كقولهم: رجل عَدْلٌ، وقول الشاعر : فإنَّمَا هُوَ إِقْبَالٌ وِإِذْبَارُ (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٧). ٢٣٩ * وقوله: ((كلمة تنفعنا)): منصوب بفعل مضمر، تقديره: نطلب منك كلمة، أو نسأل، ونحوهما، وفيه: إرشاد للطالب إلى استعمال الأدب مع مُعلِّمه في طلب العلم. (نه): ((السرية)): طائفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربع مئة تبعث إلى العدو، وجمعها سرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصةَ العسكر، وخِيارَهم؛ من الشيء السَّرِيِّ: النفيس. وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم ينفذون سِرّاً وخفية، وليس بشيء؛ لأن لام (السِّرِّ) راء، وهذه ياء، انتهى(١). * قوله: («لا أراه إلا قد بطل أجره))؛ لأن الرِّياء مُخْبِطٌ للعمل. * وقوله: ((لا أرى بذلك بأساً)؛ لأن قوله: ((أنا الغلام الغفاري)» إنما قاله لعله كان معروفاً بالبَسالة، والشجاعة، والنَّجدة، والإقدام في الحروب، فإعلامه للخَصْم بأنه هو؛ يكون سبباً لإلقاء الرُّعب في قلب عدوه، وإن لم يكن معروفاً بذلك؛ أظهر من نفسه أنه كذلك. * وقوله وَله: ((لا بأس أن يؤجر ويحمد)»؛ لأن الأجر إنما يترتب على العمل إذا أتي به على الوجه المأمور مع الإخلاص، وحَمْدُ الناس إياه، ومدحهم له لا ينافي ذلك، بل حُّه لحمد الناس أيضاً لا ينافي الإخلاص في بعض المواطن، كما أفاده الإمام الغزالي. وقد سبق في (الباب الخامس والخمسين) في قوله ◌َّ: ((يُحِبُّني اللهُ ويُحِبُِّي النَّاسُ)). (١) المرجع السابق، (٢ / ٣٦٣). ٢٤٠