Indexed OCR Text

Pages 201-220

والثاني: ما يتقى به عن الحرب، وذلك هو الجَوْشَنُ وغيره.
فإن قيل: لم ذكر الحرّ ولم يذكر البرد؟
أجابوا عنه بوجوه:
الأول: قال عطاء الخُراسانيُّ: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب،
وبلادهم حارة، وحاجتهم إلى ما يدفع الحَرَّ فوق حاجتهم إلى ما يدفع
البرد؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠]،
وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه تعالى ذكر هذا النوع؛ لأنه كان إلْفُهم بها
أشدَّ، واعتیادهم للبسها أكثر.
الثاني: قال المُبرِّدُ: ذكرُ أحد الصِّدَّين يُنْبِّه على الآخر؛ فإن الإنسان
متی خطر بباله الحرّ؛ خطر بباله البرد.
الثالث: قال الزَّجَّاج: ما وقى من الحَرُّ؛ وقی من البرد، فكان ذکر
أحدهما مُغنياً عن ذكر الآخر.
فإن قيل: هذا بالضدِّ أَوْلى؛ لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي
هي القُمص من دون تكلف زیادة، وأما البرد: فلا یندفع إلا بتكلف زائد.
قلنا: القميص الواحد لمَّا كان دافعاً للحَرِّ؛ كان الاستكثار من
القميص دافعاً للبرد، فصح ما ذكرناه(١) .
قوله تعالى: ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ﴾ [النحل: ٨١]؛ يعني:
دُروعَ الحديد، و((البأس)»: الشِّدَّة، والمراد بها شِدَّة الطعن، والضرب،
والرَّمْي.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠ / ٧٥).
٢٠١

و﴿كَذَلِكَ يُنُِّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: مثل ما خلق هذه الأشياء لكم،
وأنعم بها عليكم؛ فإنه ◌ُتِمُّ نعمة الدنيا والدِّين عليكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُتْلِمُونَ﴾، قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تُخلِصُوا
لله الزُّبوبية، وتعلموا أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحدٌ سواه، ورُوي عن
ابن عباس (تسلمون) بفتح التاء، والمعنى: إنا أعطيناكم هذه السرابیلات؛
لتسلموا عن بأس الحرب.
وقيل: ليتفكروا فيها، فيؤمنوا، ويَسلموا من عذاب الله. انتهى(١).
قال الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ: قيل: تمام النعمة: أن يُرزقَ
العبد الرِّضا بمَجاري القضاء.
قال ابن عطاء: تمام النعمة: هو الانقطاع عن النعمة بالسُّكون إلى
المُنْعِم.
وقال حَمْدُون: تمام النعمة في الدنيا: المعرفة، وفي الآخرة: الرؤية.
وقال الجَريريُّ: تمام النعمة: هو خلوُّ القلب من الشِّرك الخَفِيِّ،
وسلامة النفس من الرياء والسُّمْعة(٢).
٧٧٧ - وعن حُذَيْفَةَ رَ﴿ه، قالَ: إِنَّ النبيَّ لَّهِنِهَانَ عَنِ الحَريرِ
والدِّيَاجِ، والشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ: ((هِيَ لَهُمْ في
(١) المرجع السابق (٢٠/ ٧٦).
(٢) انظر: ((تفسير السلمي)) (١ / ٣٧١).
٢٠٢

الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ) مثَّفقٌ عليهِ.
* قوله: ((نهانا من الحرير والديباج)):
(نه): ((الديباج)): هو الثياب المُتَّخذة من الإبْرِيسَم، فارسي مُعرَّب،
وقد تفتح داله، ويجمع على دبابيج ودَيَابِيج؛ لأن أصلها دِبَّاج، و ((القَسِّيُّ))
سبق في آخر (الباب السابع والعشرين)(١).
(ن): لبس الحرير، والدِّيباج، والقَسِّيِّ، وهو نوع من الحرير، كلُّه
حرام على الرجل، سواء لبسه للخُيلاء وغيرها، إلا أن يلبسه للحَكَّة.
وأما النساء: فيباح لهنَّ لبسُ الحرير، وجميع أنواعه، سواء المُزوَّجة،
والشابة، والعجوز، والغنية، والفقيرة، وحكى القاضي عن قوم إباحته للرجال
والنساء، وعن ابن الزبير تحريمُه عليهما، ثم انعقد الإجماع على إباحته
للنساء، وتحريمه على الرجال، ويدلّ عليه الأحاديث المُصرِّحة بالتحريم.
وأما الصِّبيان: فقال أصحابنا: يجوز إلباسهم الحُلِيَّ والحرير في يوم
العيد؛ لأنه لا تكليفَ عليهم، وفي جواز إلباسهم ذلك باقي السنة ثلاثةُ أوجه:
أصحها: جوازه، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد سِنِّ التمييز(٢).
* قوله: ((والشرب في آنية الذهب والفضة)):
(ن): أجمع العلماء على تحريم الأكل والشرب في [إناء] الذهب
والفضة على الرجل والمرأة، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من العلماء، إلا
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٩٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٣٢).
٢٠٣

ما حكاه أصحابنا العراقيون؛ أن للشافعيِّ قولاً قديماً: أنه يُكره، ولا
يحرم، وحكوا عن داود الظاهري تحريم الشرب، وجواز الأكل، وسائر
وجوه الاستعمال، وهذان النقلان باطلان، أما قول داود: فباطل؛ لمُنابذة
صريح [هذه] الأحاديث التي رواها مسلم في ((صحيحه))، ولمخالفته
الإجماعَ قبله، والمحققون على أن خلاف داود لا يُعتدُّ به.
وأما قول الشافعي القديم: فقال صاحب ((التقريب)): إن سياق كلام
الشافعي في القديم يدلُّ على أنه أراد أن نفس الذهب والفضة الذي اتخذ منه
الإناء ليست حراماً، ولأن الشافعي رجع عن القديم، فلا يبقى قولاً له،
ولا يُنسب إليه، وإنما ينسب إلى الشافعي مجازاً، وباسم ما كان عليه، لا أنه
قولٌ له الآن.
فحصل ممَّا ذكرناه: أن الإجماع منعقد على تحريم إناء الذهب،
وإناء الفضة في الأكل، والشرب، والطهارة، والأكل بملعقة من أحدهما،
والتجمُّر بمِجْمَرة منهما، والبول في إناء منهما، وجميع وجوه الاستعمال،
ومنها المُكْحُلة، والمِيلُ، وظَرْف الغَالية، وغير ذلك، ويستوي في التحريم
الرجل والمرأة بلا خلاف، وإنما فرق بين الرجل والمرأة في التحلِي؛ لما
يقصد منها من التزين للزوج والسيد، فإن ابتلي بالدهن، أو ماء الورد في
قارورة ذهب أو فضة؛ فليصبَّه في يده اليسرى، ثم يصبَّه من اليسرى في
الیمنی، ويستعمله.
قال أصحابنا: ويحرم تزيين الحوانيت، والبيوت، والمجالس بأواني
الذهب والفضة، هذا هو الصواب، وجَوَّزه بعض أصحابنا، قالوا: وهو
غلط، قال الشافعي والأصحاب: ولو توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو
٢٠٤

الفضة؛ عصى بالفعل، وصَحَّ وضوءه وغُسله، هذا مذهبنا، وبه قال مالك،
وأبو حنيفة، والعلماء كافة، إلا داود، فقال: لا يصح، ولو أكل منه، أو
شرب؛ عصى بالفعل، ولا يكون المأكول والمشروب حراماً.
هذا في حال الاختيار، أما المضطر إلى استعمال إناء، فلم يجد إلا
ذهباً أو فضة: فله استعماله في حال الضرورة بلا خلاف، صرّح به أصحابنا،
ولو باع هذا الإناء؛ صحَّ بيعُه؛ لأنه عين طاهرة يمكن الانتفاع به؛ بأن تُسبكَ،
وأما اتخاذ هذه الأواني من غير استعمال: فللشافعيِّ والأصحاب فيه خلافٌ،
الأصح: تحريمه، والثاني: كراهته، فإن كرهناه؛ استحق صاحبُه الأُجرةَ،
ووجب على كاسره أَرْشُ النقص، وإلا؛ فلا(١).
* قوله يقير: ((هي لهم في الدنيا)):
(ط): الضمير للكُفَّار، وإن لم يجر لهم ذِكْرٌ؛ لدلالة السِّياق عليه(٢).
(ن): أي: إن الكفار إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا، وأما الآخرة:
فما لهم من نصيب، وأما المسلمون: فلهم في الجنة الحرير، والذهب،
وما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنُّ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وليس في
الحديث حُجَّة لمَن يقول: إن الكفار غير مخاطبين بالفروع؛ لأنه لم يُصرِّح
فيه بإباحته لهم، وإنما أخبر عن الواقع في العادة؛ أنهم هم الذين يستعملونه
في الدنيا، وإن كان حراماً عليهم؛ كما هو حرام على المسلمين(٣).
(ق): اختلف العلماء في تعليل المنع، فقيل: إن التحريم راجعٌ إلى
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٩ - ٣٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٨٧٩/٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٣٦).
٢٠٥

عينهما؛ لقوله: ((لَهُم في الدُّنيا، ولنا فِي الآخِرَةِ».
وقيل: ذلك مُعلَّل بكونهما رؤوسَ الأثمان، وقيم المُتلَفات، فإذا
اتُخذ منها الأواني؛ قلَّت في أيدي الناس، فُجْحِفُ ذلك بهم، وقد حسَّن
الغزاليُّ هذا المعنى، فقال: إنهما في الوجود كالحُكَّام الذين حَقُّهم أن
يتصرفوا في الأقطار؛ ليظهروا العدل، فلو منعوا من التصرف، والخروج
للناس؛ أخل ذلك بهم، ولم يحصل عدل في الوجود، وصياغة الأواني من
الذهب والفضة حَبْسٌ لهما عن التصرُّف الذي ينتفع به الناس.
وقيل: إن ذلك مُعلَّل بالسَّرف، والتشبُّه بالأعاجم.
قلت: وهذا التعليل ليس بشيء؛ لأن التشبُّه بهم غايته أن يكون
مكروهاً، والتهديد الذي اشتملت عليه الأحاديث مفيد للتحريم(١).
٧٧٨ - وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها أن رسول الله وَلِفِ قالَ:
(الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنَّما يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَرَ جَهَنَّمَ)) متفقٌ
علیه .
وفي روايةٍ لمسلم: ((إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ
والذَّهَبِ».
وفي روايةٍ لَه: ((مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّما
يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جَهَنَّمَ».
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٣٤٥).
٢٠٦

* قوله: ((إنما یجرجر):
(ن): اتفق أهل الغريب واللغة، وغيرُهم على كسر الجيم الثانية من
(يجرجر))، واختلفوا في راء ((النار))، فنقلوا فيها النصب والرفع، وهما
مشهوران في الرواية، والنصب هو الصحيح المشهور الذي جزم به الأزهريُّ،
ورجحه الزَّجَّاج، والخَطَّابيُّ، والأكثرون، ويؤيده الرواية الثالثة: ((يُجَرْجِرَ في
بَطْنِهِ ناراً من جَهَنَّمَ))(١)، فعلى رواية النصب: الفاعل هو الشارب مُضمَرٌ في
(يجرجر)؛ أي: يلقيها في بطنه بجَرْع متتابع يسمع له جَرْجَرةٌ، وهو الصوت
لتردُّده في حلقه، وعلى رواية الرفع: تكون (النار) فاعلَه، ومعناه: تُصوّت
النارُ في بطنه، و((الجرجرة)): هي الصوت، وسُمِّ المشروب ناراً؛ لأنه
يؤول إليها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارً﴾ (٢) [النساء: ١٠].
(نه): الرفع مجاز؛ لأن جهنم على الحقيقة لا تجرجر في جوفه،
ولكنه جعل صوتَ جَرْع الإنسان الماءَ في هذه الأواني المخصوصة؛ لوقوع
النهي عنها، واستحقاق [العقاب] على استعمالها كجَرْجَرة نار جهنم في
بطنه؛ من طريق المجاز(٣).
(ن): قال القاضي: اختلفوا في المراد بالحديث، فقيل: هو إخبار
عن الكفار من ملوك العجم وغيرهم الذين عادتُهم فعل ذلك؛ كما قال:
(١) رواه مسلم (٢٠٦٥ / ٢)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٨).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٥٥).
٢٠٧

(هيَ لَهُمْ في الدُّنيا))؛ أي: هم المستعملون لها في الدنيا، وكما قال ◌َّق في
ثوب الحرير: ((إنَّما يَلْبَسُ هذا مَنْ لا خَلاقَ لَهُمْ))(١)؛ أي: لا نصيب، قال:
وقيل المراد نهي المسلمين عن ذلك، وأن من ارتكب هذا النهيَ؛ استوجب
هذا الوعيد، وقد يعفو الله عنه، هذا كلام القاضي، والصواب: أن النهي
يتناول جميع مَن يستعمل إناء الذهب والفضة من المسلمين والكُفَّار؛ لأن
الكفار مخاطبون بفروع الشرع(٢).
٧٧٩ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((الْبَسُوا
مِنْ نِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ))
رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧٨٠ - وعَنْ سَمُرَةَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ: ((الْبَسُوا
البَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا أَظْهَرُ وَأَطْيَبُ، وكَفِّنُوا فِيها مَوْتَكُمْ)) رواهُ النسائيُّ،
والحاکمُ، وقالَ: حدیثٌ صحيحٌ.
* قوله وَّفي: ((فإنها من خير ثيابكم))، وفي رواية: «فإنها أطهر وأطيب)):
(مظ): لأنه لم تصل إليه يد الصبّاغ، ولا أثر الصِّبْغ؛ فإن الصِّبْغَ قد
یکون نجساً(٣).
(١) رواه البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (٦/٢٠٦٨)، من حديث ابن عمر خڭھا.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٨).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ١٥).
٢٠٨

وقوله: ((أطيب))؛ أي: أحسن؛ لأن الأبيض بقي باللون الذي خلق
عليه .
(مظ): ترك تغيير خلق الله أحسن وأحبُّ، إلا إذا جاء نصٌّ باستحباب
تغيير؛ كخضاب المرأة يدَها بالحِنَّاء، وخضاب الشعر، ولأن الثوب المصبوغ
إذا وقعت عليه نجاسة؛ لا تظهر مثلَ ظهورها على الثوب الأبيض(١).
(ط): ((أطهر)) لأن البِيضَ أكثر تأثراً من الثياب الملوَّنة، فيكون أكثر
غسلاً منها، انتھی(٢).
وفي ((سنن ابن ماجه)) عن أبي الدرداء يرفعه: ((أَحْسَنُ ما زُرْتُمُ اللهَ بِهِ
فِي قُبُورِكُمْ ومَسَاجِدِكُمْ البَيَاضُ))(٣).
* قوله: ((وكفنوا فيها موتاكم)):
(ن): استحباب التكفين في الأبيض مُجمَعٌ عليه، ويكره المُصَبَّغات
ونحوها من ثياب الزِّينة، وأما الحرير: فيحرم تكفين الرجل فيه، ويجوز
للمرأة مع الكراهة، وكره مالك، وعامة العلماء التكفينَ في الحرير مُطلقاً،
وقال ابن المنذر: ولا أحفظ خلافه(٤).
(ق): اختلف قول مالك في المُعَصْفر، فمرة كرهه؛ لأنه مصبوغٌ،
(١) المرجع السابق (٥ / ١٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٩٩).
(٣) رواه ابن ماجه (٣٥٦٨). وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(١٢٤٣).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨).
٢٠٩

فيُنْجَمَّل به، وليس موضع تجمُّل، وأجازه أُخرى؛ لأنه من الطَّيب، ولكثرة
لباس العرب له(١).
٧٨١ - وعَنِ الْبَراءِ ﴿ه، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهُ مَرْبُوعاً،
وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مَا رَأَيَتُ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. متَّفقٌ
علیهِ .
* قوله: ((في حلة حمراء)):
(ش): (الحلة): إزار ورداء، ولا تكون الحُلَّة إلا اسماً للثوبين معاً،
وغلط من ظنها حمراء بَحْتاً لا يخالطها غيرُها، وإنما الحُلَّة الحمراء بُردان
يمانيان منسوجان بخطوط حُمْر مع الأسود؛ كسائر البرود اليمنية، وهي
معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحُمْر، وإلا؛ فالأحمر
البَحْتُ منهيٍّ عنه أشدَّ النهي؛ ففي «صحيح البخاري) : أن النبيَّ ێ نھی
عن المَيَاثر الحُمْر(٢).
وفي (سنن أبي داود)): عن عبدالله بن عمرو: أن رسول الله وَّ ه رأى
عليه رَيّطةً مُضرَّجةً بالعُصْفُر، فقال: ((مَا هَذِهِ الرَّيْطَةُ عليك؟))، قال: فعرفت
ما كره، فأتيت أهلي، وهم يسجرون تَنُّوراً لهم، فقذفتها فيه، ثم أتيته من
الغد، فقال: ((يا عَبْدَاللهِ؛ ما فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟))، فأخبرته، فقال: ((هَلَّ كَسَوْتَها
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٩٩).
(٢) رواه البخاري (٥٥٠٠)، من حديث البراء بن عازب ـ
٢١٠

بعضَ أَهْلِكَ؛ فإنَّهُ لا بَأْسَ بِهَا للنِّسَاءِ))(١).
وفي ((صحيح مسلم)) عنه أيضاً قال: رأى رسول الله بَّهِ عليَّ ثوبين
مُعَصْفَرِين، فقال: ((إنَّ هَذِهِ مِنْ لِبَاسِ الكُفَّارِ؛ ولا تَلْبَسْهَا))(٢).
وفي ((صحيحه)) أيضاً: عن عليٍّ ◌َظُه قال: نهاني رسول الله مَّ﴿ عن
المُعَصْفَرِ(٣).
ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صباغاً أحمر، وفي جواز لبس الأحمر من
الثياب والجوخ وغيرها نظرٌ، وأما كراهته: فشديدة جداً، فكيف يُظَنُ
بالنبيِّ ◌َ﴿ لُبس الأحمر القاني، كلا، لقد أعاذه الله منه، وإنما وقعت الشُّبْهَةُ
من لفظ (الحُلَّة الحمراء).
وقال في موضع آخر: أمر عبدالله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين
أحمرين أن يحرقَهما، فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة، ثم
يلبسه، والذي يقوم عليه الدليل تحريمُ لباس الأحمر، أو كراهتُه كراهة
شديدة، انتھی(٤).
وفي ((المعجم الكبير)) للطبرانيٍّ: عن عِمْرانَ بن حُصين قال: قال
رسول الله وَّهِ: ((إِيَّاكُم والحُمْرةَ؛ فإنها أَحَبُّ الزِّيْنَةِ إلى الشَّيْطَانِ))، وفيه عنه:
(١) رواه أبو داود (٤٠٦٦). وابن ماجه (٣٦٠٣). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح
ابن ماجه)» (٢٩٠٣).
(٢) رواه مسلم (٢٠٧٧ / ٢٧)، من حديث عبدالله بن عمرو ظـ
(٣) رواه مسلم (٢٠٧٨ / ٣١).
(٤) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٤٤١).
٢١١

أن النبيَّ ◌َّه نظر إلى رجل عليه ثيابٌ حُمْرٌ، فقال: ((هَذِهِ زِينَةُ الشَّيْطَانِ))(١).
٧٨٢ - وعَنْ أَبِي جُحَيْقَةَ وَهْبٍ بْنِ عبدِ الله ◌َ﴾، قالَ: رَأَيْتُ
النَّبِيَّ لَهُ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالأَبْطَحِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمِ، فَخَرَجَ
بِلالٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِنْ نَاضِحِ ونَائِلٍ، فَخَرَجَ النبيُّ لَهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ
حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، وَأَذَّنَ بِلالٌ،
فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هاهُنَا وهاهُنَا، يقولُ يَمِيناً وشِمَالاً: حَيَّ عَلَى
الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى،
يَمُُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الكَلْبُ وَالحِمَارُ لاَ يُمْنَعُ. متَّفقٌ عليه.
(العَنَزَةُ) بفتح النونِ: نحْوُ العُكَّازَةِ.
* قوله: (وهو بالأبطح)):
(ن): هو الموضع المعروف على باب مكة، ويقال له: البطحاء.
وقوله: ((فمن نائل وناضحٍ)) معناه: منهم مَن ينال شيئاً، ومنهم من
يَنْضَحُ عليه غيرُه شيئاً، ومنهم مَن يَنْضَحِ ممَّا يناله، ويرشُّ عليه بللاً ممَّا
يحصل له، وهو معنى ما جاء في حديث آخر: «فمَنْ لَمْ يُصِبْ؛ أَخذَ مِن
بَلَلِ صَاحِبِهِ».
(١) رواهما الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٨ / ١٤٨)، ولهما شاهد من حديث
عبدالله بن عمرو بن العاص ﴾، رواه الترمذي (٢٨٠٧) وحسنه، ولفظه: مرَّ رجل
وعليه ثوبان أحمران، فسلم على النبي ◌َّر، فلم يرد النبي ◌َّر عليه .
٢١٢

وقوله: ((فخرج بلال بوضوئه، فمن نائل وناضحٍ، فخرج النبي 1945
فتوضأ)) فيه تقديم وتأخير، تقديره: فمِن نائل بعد ذلك، وناضحٍ؛ تبرُّكاً
بالنبي ◌َِّ، قد جاء مُبيّناً في حديث آخر: فرأيت الناس يأخذون من فَضْل
وَضُوئه، ففيه التبرُّك بآثار الصالحين، واستعمال فَضْل طهورهم، وطعامهم،
وشرابهم، ولباسهم، وفيه: جواز لبس الأحمر، وفيه: أن الساق ليس بعورة،
وهذا مُجمعٌ عليه.
وفيه: الأذان في السفر، قال الشافعي: ولا أكره مِن تركه في السفر
ما أكره في الحضر؛ لأن أمر المسافر مبنيٌّ على التخفيف، وفيه: أنه يُسنُّ
للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يميناً وشمالاً برأسه وعُنُقِه، قال أصحابنا:
ولا يُحَوِّل قدميه وصدره عن القبلة، وإنما يلوي رأسَه وعُنُقَه.
وفي كيفية الالتفات مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحُّها
- وهو قول الجمهور -: أنه يقول: (حي على الصلاة) مرتين عن يمينه، ثم
يقول مرتين عن يساره: (حي على الفلاح).
والثاني: يقول: (حي على الصلاة)، مرة عن يمينه، ومرة عن
شماله، وكذلك يقول: (حي على الفلاح).
والثالث يقول: (حي على الصلاة) [عن يمينه]، ثم يعود إلى القبلة،
ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه، فيقول: (حي على الصلاة)، وكذلك إذا
التفت عن يساره في (حي على الفلاح) يعود إلى القبلة، ثم يقول الثانية (١).
(ق): فيه: حُجَّةٌ على جواز استدارة المؤذن للإسماع؛ كما هو
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢١٨).
٢١٣

مذهب مالك، غير أن الشافعيَّ منع من الاستدارة بجميع جسده(١).
(ن): (العنزة): عصاً في أسفلها حديدة، وفيه: جواز استعانة الإمام
بمَن يركز له [عَنَزَةً]، ونحو ذلك(٢).
(ق): ((بين يديه)) يفسره ما جاء في الرواية الأخرى: ((بين يدي العنزة)) (٣)
يريد أمامها(٤).
٧٨٥ - وعن أَبِي سَعيدٍ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﴿﴾، قالَ: كَأَنِّى
أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللهِهِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ
کتفيْهِ. رواه مسلم.
وفي روايةٍ له: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ خَطَبَ النَّاسَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَة
سَوْدَاءُ.
قوله: ((قد أرخى طرفيها بين كتفيه)»:
٠
(ش): لم يذكر في حديث جابر المتقدم (ذُؤابة)، فدلّ على أنَّ الذُّؤابة
لم یکن یرخيها دائماً بين كتفيه.
وقد يقال: إن النبيَّ نَِّ دخل مكة، وعليه أُهْبَةُ القتال، والمِغْفَرُ على
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٠٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢١٩).
(٣) رواه البخاري (٣٦٩)، ومسلم (٥٠٣/ ٢٥٠)؛ من حديث أبي جحيفة ﴿.
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٠٣).
٢١٤

رأسه، فلبس في كل موطن ما يناسبه، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدَّس
الله رُوحَه يذكر في سبب الذُّؤابة سبباً بديعاً، وهو أن النبيَّ ◌َّ إنما اتخذها
صبيحةَ المنام الذي رآه بالمدينة، لمَّا رأى ربَّ العِزَّة تبارك وتعالى، فقال:
(يا مُحَمَّدُ؛ فيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعلى؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي، فَوَضَعَ يدَهُ بين كَتِفَيَّ،
فِعَلِمْتُ ما بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ)) الحديثَ، وهو في ((الترمذي))(١)، وسُئل عنه
محمد البخاريُّ فقال: صحيح، قال: فمن تلك الغداة أرخى الذُّؤابةَ بين
كتفيه، وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجُهَّال وقلوبهم(٢).
٧٨٦ - وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾
فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا
عِمَامَةٌ. متفقٌ عليه.
((السَّحُولِيَّةُ)) بفتح السين وضمها وضم الحاء المهملتين: ثيابٌ
تُنْسَب إلى سَحُولٍ: قَرْيَةٍ باليَمَنِ. ((وَالكُرْسُف)): القُطْنِ.
قوله: ((سحولية)):
(نه): يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى السَّحُول، وهو
القَصَّار؛ لأنه يَسْحَلُها؛ أي: يغسلها، أو إلى سَحُول، وهو قرية باليمن،
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٣)، من حديث ابن عباس ﴿﴾. وهو حديث صحيح. انظر:
((إرواء الغليل)) (٦٨٤).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ١٣٦).
٢١٥

وأما الضم: فهو جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النقِيُّ، ولا يكون إلا من
قُطن، وفيه شذوذٌ؛ لأنه نَسَبٌ إلى الجمع.
وقيل: اسم القرية بالضم أيضاً(١).
* قوله: «ليس فيها قميص)):
(ن): أي: لم يكن مع الثلاثة شيء آخر، هكذا فسَّره الشافعيُّ وجمهور
العلماء، وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث؛ فيُستحبُّ أن لا يكون في
الکفن قمیصٌ ولا عِمامة.
وقال مالك وأبو حنيفة: يُستحبُّ قميصٌ وعِمامة، وتأوَّلوا الحديث
على أن معناه ليس القميص والعِمامة من جملة الثلاثة، وأنهما زائدان
عليها، وهذا ضعيفٌ، فلم يثبت أنه وَّ﴿ كُفِّن في قميص وعمامة.
وهذا الحديث يتضمَّن أن القميص الذي غُسِّل فيه النبيُّ ◌َّ نُزِعَ عنه عند
تكفينه، وهذا هو الصواب الذي لا يتَّجه غيره؛ لأنه لو بقي مع رطوبته؛ لأفسد
الأكفان.
وأما الحديث الذي في ((سنن أبي داود)): أن النبيَّ ◌ََّ كُفِّن في ثلاثة
أثواب: الحُلَّة ثوبان، وقميصه الذي توفي فيه(٢): فحديث ضعيف لا يصح
الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي زياد أحدُ رواته مُجْمَعٌ على ضعفه، لاسيَّما
وقد خالف بروايته الثقات(٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٣٤٧).
(٢) رواه أبو داود (٣١٥٣)، من حديث ابن عباس ﴾﴾.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧/ ٨).
٢١٦

(ق): التقمُّص والتعمُّم للميت: هو قول متقدمي أصحابنا؛ ابن
القاسم، وغيره، وحكى ابن القَصَّار: أن القميص والعمامة غير مُستحبَّين
عند مالك، ونحوُه عن ابن القاسم، وعلى هذا؛ فيُدرج في الثلاثة الأثواب
إدراجاً(١).
٧٨٧ - وعنها، قالت: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَفِ ذاتَ غَدَاةِ،
وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَخَّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ. رواه مسلم.
((المِرْط)) بكسر الميم، وهو: كساءٌ، ((والمُرَخَّل)) بالحاء
المهملة هُو: الذي فيه صورةُ رِحال الإبلِ، وَهِيَ الأَكْوَارُ.
* قوله: «ذات غداة» :
(تو): (ذاتُ الشيء): نفسه، وإذا استعمل في نحو (ذات يوم)،
و(ذات ليلة)، ونحوها؛ فإنها إشارة إلى حقيقة المُشار إليه نفسه.
(ن): ((المرط)) بكسر الميم وإسكان الراء: هو كساء يكون تارة من
صُوف، وتارة من شعر، أو كتَّان، أو خَزٍّ.
قال الخطابيُّ : هو کِسَاء يُؤتزر به.
قال النَّضْرُ: لا يكون المِرْط إلا دِرْعاً، ولا يلبسه إلا النساء، ولا يكون
إلا أخضرَ، وهذا الحديث يَرُدُّ عليه.
و((مرحل)) بفتح الراء وفتح الحاء المهملة، هذا هو الصواب؛ أي:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٩٩).
٢١٧

عليه صورة رِحَال الإبل، ولا بأس بهذه الصورة.
وروي: بالجيم؛ أي: عليه صورة الرِّجال(١).
(ق): رواية الجيم: معناه: فيه صور المراجل، وهي القُدور(٢).
(تو): ((المرحل)) بالحاء المهملة: هو المُوشَّى، سُمِّي مُرحَّلاً؛ أي:
عليه صورة الرِّحال.
وذكر الجوهريُّ: أنه إزار خَزِّ فيه عَلَمُ (٣).
قلت: ولعلهم ذهبوا في هذه التسمية إلى اختلاف الألوان والخطوط
التي فيه؛ فإن الأَرْحَلَ من الخيل: هو الأبيض الظَّهْر، ويُسمّون الطنافس
الحيرية: الرِّحال.
فالأشبه أن يفسّر: بأنه كان مُوشَّى؛ للخطوط التي فيه، وهو الأولى
أن يُقدَّر في لباس لبسه رسولُ الله ◌َِّ، ولتوافق النظائر التي ذكرناها.
*
٧٨٨ - وعَنِ المُغيرةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾، قال: كنتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ﴿ ذَتَ لَيْلَةٍ فِي مَسِيرٍ، فَقالَ لي: ((أَمَعَكَ مَاءٌ؟))، قلتُ:
نَعَمْ، فَنَزَلَ عن راحِلَتِهِ، فَمَشى حتى تَوَارَى فِي سَوادِ اللَّيْلِ، ثم
جاءَ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٥٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٤٠٣).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤ / ١٧٠٧)، (مادة: رحل).
٢١٨

صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْها حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ
الجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ،
فقالَ: (دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ))، وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. متفقٌ
عليه .
وفي روايةٍ: وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شامِيَّةٌ ضَيْقَةُ الكُمَّيْنِ.
وفي روايةٍ: أَنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ كانَتْ فِي غَزْوَةٍ تَبُّوكَ.
· قوله: ((ذات ليلة))؛ أي: ليلة من الليالي، وهي منصوبة على
الظرفية، وكان هذا المسير في غزوة تبوك؛ كما في ((الموطأ)).
و ((المسير)): السير، وقد يكون الطريقَ الذي يُسار فيه.
و «تواری))؛ أي: غاب.
و ((الإدارة)): الإناء من الجلد.
(ن): فيه: دليلٌ على جواز الاستعانة في الوضوء، وقد ثبت أيضاً في
حديث أسامة بن زيد: أنه صبَّ على النبي ◌َّرِ في وُضوءه حين انصرف من
عرفة.
وقد جاء في أحاديث ليست ثابتة النهيُ عن الاستعانة.
قال [أصحابنا: الاستعانة] ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يستعين بغيره في إحضار الماء؛ فلا كراهة فيه.
والثاني: أن يستعين فيه في غسل الأعضاء، ويباشر الأجنبيُّ بنفسه
غسلَ الأعضاء؛ فهذا مكروه إلا لحاجة.
٢١٩

الثالث: أن يصبَّ عليه؛ فهذا الأَوْلَى تركُه، وهل يسمى مكروهاً؟ فيه
وجهان.
قال أصحابنا: وإذا صبَّ عليه؛ وقف الصابُّ عن يسار المُتوضّء(١).
(ق): روى ابن عمر: أن ابن عباس صبَّ على يديه الوضوء، وقال
ابن عباس: لا أُبالي، أعانني رجل على وضوئي، أو ركوعي، وسجودي؛
ففيه دليل على ترك الاستعانة، وهو الصحيح.
وفيه: جواز الاقتصار على فروض الوضوء دُون السُّنن، إذا أرهقت
إلى ذلك ضرورة، ويحتمل أنه ◌َ﴿ فعلها، ولم يذكرها المُغِيرةُ، والظاهر
خلافه.
وفيه: دليلٌ على أن يسيرَ التفريق في الطهارة لا يفسدها؛ إذ غسل
اليدين إنما وقع بعد الإخراج من أسفل الجُبَّة.
واختلف في الكثير المتفاحش؟
فروي عن ابن وهب: أنه يفسده في العَمْد والسَّهْو، وهو أحد قولي
الشافعي .
وحُكي عن ابن [عبد] الحكم: أنه لا يفسده في الوجهين، وبه قال
أبو حنيفة، والشافعيُّ في قول آخر.
وقيل: إنما يفسد مع العَمْد والتفريط؛ فقد قال القاضي عياضٌ: هذا
مشهور المذهب، وهذا هو الصحيح؛ إذ ليس في الآية ما يدل على
المُوالاة، وإنما أُخذت من فعل النبي ◌َِّ؛ إذ لم يُرْوَ عنه قط أنه فرَّق تفريقاً
مُتفاحشاً.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٦٢).
٢٢٠