Indexed OCR Text

Pages 101-120

(ن): ((سياقة الموت)) بكسر السين؛ أي: حال حضور الموت،
و((نعد)) بضم النون(١).
(ق): أي: أفضل ما نتخذه عُدَّة للقاء الله تعالى الإيمانُ بالله تعالى،
وتوحيدُه، وتصديق رسول الله ◌َّله، والنُّطْق بذلك، ولا شكَّ أن الإيمان
أفضلُ الأعمال كلِّها، ويتأكَّد أمر النُّطق بالشهادتين عند الموت؛ ليكون
ذلك خاتمةَ أمره، وآخرة كلامه (٢).
(ن): ((أطباق ثلاث))؛ أي: على أحوال، قال تعالى ﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَبَقًا عَن
طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]؛ ولهذا أنّث (ثلاثاً) [إرادة لمعنى (أطباق)، وقوله وَّ:
(تشترط بماذا؟)) هكذا ضبطناه](٣) بإثبات الباء، فيجوز أن تكون زائدة
للتوكيد، ويجوز أن تكون دخلت على معنى [(تشترط) وهو تحتاط؛ أي
تحتاط بماذا؟](٤).
(ق): ((فلأبايعك)) بكسر اللام، وإسكان العين، على الأمر؛ أي: أمرٍ
المُتكلُّم لنفسه، والفاء جوابٌ لما تضمَّنه الأمرُ الذي هو ((ابسط)) من الشرط،
ویصُّ أن تكون اللام لامَ (كي) وتنصب (أبايعك)، وتكون اللام سببية(٥).
* قوله ێ «یهدم):
(ق): (الهدم) هنا: استعارة وتوسُّعٌ؛ يعني به: الإذهابَ والإزالة؛
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٢٨).
(٣) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٧، ١٣٨).
(٤) في الأصل: ((على معنى أطباق))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (٢/ ١٣٨).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٢٨).
١٠١

لأن الجدار إذا انهدم؛ فقد زال وضعه، وذهب وجودُه، وفي رواية:
(يَجُبُّ))؛ أي: يقطع، والمقصود أن هذه الأعمال الثلاثة تُسقط الذنوبَ
التي تقدَّمتها كلَّها، كثيرها وصغيرها؛ فإن ألفاظها عامَّةٌ خرجت على سؤال
خاصٌّ؛ فإن عمر إنما سأل أن تُغفرَ له الذنوبُ السابقة بالإسلام، فأجيب
على ذلك.
فالذنوب داخلة في تلك الألفاظ العامة قطعاً، وهي بحكم عُمومها
صالحةٌ لتناول الحقوق الشرعية، والحقوق الآدميّة، وقد ثبت ذلك في حق
الكافر الحربي إذا أسلم؛ فإنه لا يطالب بشيء من تلك الحقوق، ولو قتل،
وأخذ الأموال؛ لم يُقتَصَّ منه بالإجماع، ولو أتلف المال؛ لم يُطالب، أما
إذا أسلم وبيده مالُ مُسلِمٍ؛ عَبيد، أو عَرُوض، أو عين: فمذهب مالك: أنه
لا يجب عليه رَدُّ شيء من ذلك؛ تمسُّكاً بعُموم هذا الحديث، وبأن للكُفَّار
شُبهةَ مُلْكِ فيما حازوه من أموال المسلمين وغيرهم؛ لأن الله تعالى قد
نسب لهم أموالاً وأولاداً، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمَّ﴾
[التوبة: ٥٥].
وذهب الشافعيُّ إلى أنَّ ذلك لا يحِلُّ لهم، وأنه يجب عليهم ردُّها
إلى مَن كان يملكها من المسلمين، وأنهم كالغُصَّاب، وهذا يَبعُد؛ لأنهم لو
استهلكوا ذلك في حال کُفرهم، ثم أسلموا؛ لم يضمنوه بالإجماع.
فأما أسرى المسلمين الأحرار: فيجب عليهم رفع أيديهم عنه؛ لأن
الحُرَّ لا يُملَك، وأما مَن أسلم من أهل الذِّمَّة: فلا يُسقط الإسلامُ عنه حَقّاً
لأحد؛ من مال، أو دم، أو غيرهما؛ لأن أحكام الإسلام جارية عليهم.
١٠٢

وأما الهِجْرةُ والحَجُّ: فلا خلاف في أنَّهما لا يُسقطان الكبائر، فيكون
المرادُ هدمَ الصغائر(١).
(ن): ((أملأ عينيّ)) هو بتشديد الياء على التثنية، و((فسنوا)) ضبطناه
بالسين المهملة، وبالمعجمة، وهو الصَّبُّ، وقيل: بالمهملة: الصَّبُّ في
سهولة، وبالمعجمة: التفريق(٢).
(ق): هذه سُنَّة في صَبِّ التراب على الميت، قاله القاضي عياضٌ،
وقال: كره مالك الترصيصَ على القبر بالحجارة والطُّوبَ(٣).
· قوله: ((قدر ما تنحر جزور)):
(ن): هي بفتح الجيم، وهي من الإبل(٤).
قال الدَّمِيريُّ: إنما ضرب عمرو المثلَ بهذا؛ لأنه كان في أوَّل أمره
جَزَّاراً، أَلِفَ نَحْر الجزائر، قاله ابن قتيبة في ((المعارف))، وابن دريد، وابن
الجوزيٍّ في ((التلقيح))، وأضاف إليه الزبير بن العوام، وعامر بن كُرَیز،
ولأنه كان يومئذٍ أميرَ مصر، وهو كبير أهلها، فأشبه الجَزُورَ بالنسبة إلى
غيرها من بهيمة الأنعام، ونحرها موته، وتفرقةُ لحمها قسمةَ أمواله بعد
موته، وكان من جملة تركته تسعةُ أرادبَ ذهباً(٥).
(١) المرجع السابق (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٣٠).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٨).
(٥) انظر: ((حياة الحيوان)) للدميري (٢ / ١٧٧).
١٠٣

(ن): في هذا الحديث: عِظَمُ موقع الإسلام، والهجرة، والحَجِّ،
وأن كلَّ واحد منهما يَهدِمُ ما كان قبله من المعاصي .
وفيه: استحباب تنبيه المُحتضَر على حُسْن ظنّه بالله تعالى، وذکر آیات
الرجاء، وأحاديث العفو عنده، وتبشیره بما أعدَّه الله للمسلمين، وذکر حُسْن
أعماله عنده؛ ليُحسن ظنَّه بالله تعالى، ويموت عليه، وهذا الأدب مُستحَبٌّ
بالاتفاق، وموضع الدَّلالة من هذا الحديث: قول ابن عمرو لأبيه: «أما بَشَّرك
رسول الله صل# [بكذا؟!)).
قُ من توقير رسول الله (وَّه3](١) وإجلاله.
وفيه: ما كانت الصحابة رقو
وفي قوله: ((لا تصحبني نارٌ ولا نائحةٌ)) امتثال لنهي رسول الله وَّ عن
ذلك، فأما النِّيَاحَة: فحرام، وأما اتباع الميت بالنار: فمكروه؛ للحديث،
ثم قيل: سبب الكراهة كونُهُ من شعار الجاهلية، وقال ابن حبيب المالكي:
گُرِه تفاؤلاً بالنار .
وقوله: ((يقسم لحمها)) قد يُستدَلُّ به لجواز قسمة اللحم المشترك،
ونحوه من الأشياء الرَّطْبة؛ كالعنب، وفي هذا خلاف لأصحابنا معروف.
قالوا: إن قلنا بأحد الوجهين: إن القسمة تمييز حق ليست ببيع؛
جاز، وإن قلنا: بيع؛ فوجهان، أصَحُّهما: لا يصِحُّ؛ للجهل بتماثله في
حال الكمال، فيُؤدِّي إلى الرِّبا.
والثاني: يجوز؛ لتساويهما في الحال.
فإن قلنا: لا يجوز؛ فطريقها: أن يجعل اللحمُ وشبهه قسمين، ثم
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٨).
١٠٤

يبيع أحدُهما صاحبَه نصيبه من أحد القسمين بدرهم مثلاً، ثم يبيع الآخر
نصيبه من القسم الآخر لصاحبه بذلك الدِّرهم الذي له عليه، فيحصل لكل
واحد قسم بكماله، ولها طرقٌ غير هذا، لا حاجة إلى الإطالة بها (١).
وفي قوله: ((حتى استأنس بكم وأنظر ماذا أراجع رسل ربي)» فوائدُ،
منها: إثبات فتنة القبر، وسؤال المَلَكين، ومنها: استحباب المُكْث عند
القبر بعد الدفن لحظة نحوَ ما ذكره؛ لما ذكره، وفيه: أن الميت يسمع
حينئذٍ مَن حول القبر .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢/ ١٣٨ - ١٣٩).
١٠٥

٩٦ - باس
وداعِ الصاحبِ، ووصيتِه عندَ فراقِهِ لسفرٍ
وغیره، والدعاء له، وطلب الدعاءِ منهُ
قال الله تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ
أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٦) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ
حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ
وَإِلَّهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَتَحْنُ لَهُ، مُسْلِمُونَ﴾
[البقرة: ١٣٢ - ١٣٣].
(الباب السادس والتسعون)
* قوله تعالى: ﴿وَوَضَى بِهَآ إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢]؛ أي:
وصى بهذه المِلَّة، وهي الإسلام لله؛ لحرصهم عليها، ومحبتهم لها؛
حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووَصَّوْا أبناءهم بها من بعدهم.
وقوله: ﴿فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]؛ أي: أحسنوا في
حال الحياة، والزموا هذا؛ ليرزقكم الله الوفاةَ عليه؛ فإن المرء يموت غالباً
على ما كان عليه، وقد أجرى الله الكريم عادتَه بأنَّ مَن قصد الخيرَ؛ وَفِّق
له، ويُسِّر عليه، ومن نوى الصالحات؛ ثبت عليها.
١٠٦

(م): لم يقل: أمر إبراهيم بنيه؛ لأن لفظ الوصية أَوْكَدُ من الأمر؛ لأن
الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه
أتمَّ، وأيضاً خصَّص بنيه بذلك؛ لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثرُ من شفقته
على غيرهم، وعمَّمَهم بهذه الوصية، ولم يَخُصَّ؛ لشدة الاهتمام، وما مزج
بهذه الوصية وصیةً أُخرى؛ لما ذکرناه.
و(يعقوب) قُرئ بالرفع؛ أي: أوصى كوصية إبراهيم، وقرئ*
بالنصب عطفاً على (بنيه).
وقوله: ﴿أَصْطَفَى لَكُمُ الذِينَ ﴾ [البقرة: ١٣٢]؛ أي: استخلصه؛ بأن أقام
عليه الدلائل الظاهرة الجَلِيَّة .
وقوله: ﴿فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] المراد بَعْثُهم على
الإسلام، وذلك أن الرجل إذا لم يأمن من الموت طَرْفَة عين، ثم أُمر بأن
يأتيَ بالشيء قبل الموت؛ صار مأموراً به في كل حال؛ لأنه يخشى إن لم
يبادر إليه؛ أن تُعاجلَه المِنِيَةُ(١).
(قض): (التوصية): هو التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقُرْبة،
وأصلها الوَصْل، يقال: وصَّاه: إذا وصله، وفصَّاه: إذا فصله، كأن
المُوصَي يصل فعلَه بفعل المُوصى، والضمير في ﴿ِهَا﴾ للمِلَّة، أو لقوله:
﴿أَسْلَمْتُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، على تأويل الكلمة، أو الجملة.
﴿يَبَنِىَّ﴾ على إضمار القول عند البصريين، مُتعلّق بـ (وصى) عند
الكوفيين؛ لأنه نوع منه، نظيره:
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٤ / ٦٧).
١٠٧

إِنَّا رَأَيْنَا رَجُلاً عُزْيَانا
رَجْلانِ مِن ضَبَّةَ أَخْبَرَانا
بالكسر، وبنو إبراهيم كانوا أربعةً: إسماعيل، وإسحاق، ومَدْین،
ومَدَان، وقيل: ثمانية، وقيل: أربعة عشر، وبنو يعقوب اثنا عشر.
وقوله: ﴿أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢]؛ أي: دين الإسلام الذي
هو صفوة الأديان.
وقوله: ﴿فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، ظاهره النهيُ عن
الموت على خلاف حال الإسلام، والمقصود الأمر بالثبات على الإسلام؛
كقولك: لا تُصَلِّ إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة؛ للدلالة على أن موتهم
لا على الإسلام موتٌ لا خير فيه، وأن مِن حَقِّه أن لا يَخُل بهم، ونظيره:
مُت وأنت شهید.
روي أن يهودَ قالوا لرسول ◌َّهِ: ألست تعلم أن يعقوبَ أوصى بنيه
باليهودية يوم مات؟ فنزلت: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ﴾ [البقرة:
١٣٣] (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار؛ أي: ما كنتم حاضرين؛ إذ
حضر يعقوبَ الموتُ، وقال لبنيه ما قال، فلِمَ تدَّعون اليهودية عليه؟! أو
متصلة بمحذوف تقديره: أکنتم غائبین، أم کنتم شهداء؟
وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: ما شاهدتم ذلك، وإنما علمتموه
من الوحي.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٣]: بدلٌ من ﴿إِذْحَضَرَ﴾.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]؛ يعني أيَّ شيء تعبدونه؟ أراد به
تقريرَهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما، و(ما)
١٠٨

يسأل به عن كل شيء ما لم يُعرف، فإذا عرف؛ خُصَّ العقلاء بـ (مَن) إذا
سئل عن تعيينه، وإن سئل عن وصفه؛ قيل: ما زيدٌ أفقيه أم طبيب؟
﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ المتفق على وجوده وأُلوهيَّته، ووجوب عبادته،
وعدَّ إسماعيل من آبائه؛ تغليياً للأب والجَدِّ، أو لأنه كالأب؛ لقوله عليه
السلام: ((عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيِهِ))(١)؛ كما قال في العباس: ((هَذا بَقِيَّةُ آبَائِي)(٢)،
وفائدة قوله: ﴿إِلَهَا وَاحِدًا﴾ [البقرة: ١٣٣]: التصريحُ بالتوحيد، ونفي التوهُّم
الناشئ من تكرير المُضاف؛ لتعذر العطف على المجرور، والتأكيد، أو
نصب على الاختصاص، ﴿وَنَحْنُ لَهُ، مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، حالٌ من فاعل
﴿نَعْبُدُ﴾، أو مفعوله، أو منهما، ويحتمل أن يكون اعتراضاً(٣).
وأما الأحاديث، فمنها:
٧١٢ - حَديثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴾ ۔الذي سبقَ في باب: إکرام
أهْلِ بَيْتِ رسول الله وَ﴿ه - قال: قامَ رَسُولُ اللهِوَلِ فِينا خَطِيباً،
فَحَمِدَ الله، وَأَثْنِى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قال: ((أَمَّا بَعْدُ: أَلَا أَيُّهَا
النَّاسُ! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ ربِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَاَ
تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: كِتَابُ الله، فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا
(١) رواه مسلم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١١٠٧) من حديث ابن عباس ﴿﴾. وهو
حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٩٤٤).
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٤٠٤ - ٤٠٩).
١٠٩

بِكِتَابِ الله، واسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ الله، وَرَغَّبَ فِهِ،
ثُمَّ قال: ((وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي)، رواه مسلم،
وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ.
(الأَقْرُ)
سبق في (الباب الثالث والأربعين).
٧١٣ - وعن أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﴿﴾، قال: أَتَيْنَا
رَسُولَ اللهِ ﴿ وَنحْنُ شَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً،
وكانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ رَحِيماً رَفِيقاً، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا
عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَهُ، فقال: ((ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ،
فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، وَصَلُوا صَلاةَ كَذَا في حِينٍ
كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينٍ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ
أَحَدُكُمْ، وَلْيُؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُم»، متفقٌ عليه.
زاد البخاري في روايةٍ له: ((وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)».
قوله: (رَحِیماً رفيقاً»: روِيَ بفاءٍ وقافٍ، وروي بقافین.
(الثَّانِى)
(ن): ((شببة)): جمع شاب، ومعنى ((متقاربون))؛ أي: في السِّنِّ.
١١٠

وقوله: ((رقيقاً))؛ هو بالقافين، هكذا ضبطناه في ((مسلم))، وضبطناه في
((البخاري)) بوجهين، أحدهما: هذا، والثاني: بالفاء والقاف، وكلاهما
ظاهر(١).
* قوله ليفي: ((فإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن أحدكم، وليؤمكم
اکبرکم» :
(ن): فيه: أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين، وفيه: الحَثُّ
على الأذان في الحَضَر والسَّفَرِ(٢).
(ق): كافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر، إلا عطاء؛ فإنه
قال: إن لم يُؤْذِّن، ولم يُقِم؛ أعاد الصلاة، وحكى الطبريُّ عن مالك في
المسافر: أنه يعيد إذا ترك الأذان، ومشهور مذهبه الاستحبابُ، وبوجوبه
على المسافر قال داود(٣).
(ن): فيه: تقديم الأكبر في الإقامة إذا استويا في باقي الخِصَال،
وهؤلاء كانوا مستوين؛ لأنهم هاجروا جميعاً، وأسلموا جميعاً، وصحبوا
رسولَ اللهِوَ﴿ عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما يُقدَّم به إلا
الكِبَر.
واستدل جماعة بهذا على تفضيل الإمامة على الأذان؛ لأنه وَ لّ قال:
(يؤذن أحدكم))، وخَصَّ الإمامة بالأكبر؛ لأن الأذان لا يحتاج إلى كبير
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٧٤).
(٢) المرجع السابق، (٥ / ١٧٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٣٠٠).
١١١

علم، وإنما مُعظم مقصوده الإعلامُ بالوقت؛ والإسماع، بخلاف الإمامة.
وفي هذا الحديث: الحَثُّ على تقديم الصلاة في أول الوقت، وفيه:
أن الجماعة تصح بإمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين(١).
٧١٤ - وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ ﴾، قالَ: اسْتَأْذَنْتُ النبيَّ ◌َله
في العُمْرَةِ، فَأَذِنَ، وقال: ((لا تَنْسَنَاَ - يَا أُخَيَّ - مِنْ دُعَائِكَ)) فقالَ
كَلِمَةً مَا يَسُزُّني أَنَّ لي بِهَا الذُّنْيًا.
وفي رواية قال: ((أَشْرِكْنَا - يَا أُخَيَّ - في دُعَائِكَ))، رواه أبو
داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(الثَّالُِّ)
تقدم في (الباب الخامس والأربعين).
٧١٥ - وعن سالم بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ: أَنَّ عبدَالله بنَ عُمَرَ عظَ﴾
كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَراً: أُدْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ كَمَا كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يُؤَدِّعُنَا، فيقُولُ: ((أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ،
وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٧٥ - ١٧٦).
١١٢

٧١٦ - وعنْ عبدِ الله بنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ الصَّحَابِيِّ ﴾ه، قالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ إذا أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّعَ الجَيْشَ، قالَ: ((أَسْتَوْدِعُ اللهَ
دِينَكُمْ، وَأَمَانَتَكُمْ، وَخَوَاتِیمَ أَغْمَالِكُمْ)، حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو
داود وغیرُه بإسناد صحيح.
،٧
* قوله وقال: ((وأمانتك»:
(نه): أي: أهلك، ومن تخلُّفه بعدك منهم، ومالك الذي تُودِعُه
وتَسْتَحْفِظُهُ أَمِينَك ووَكِيلَك(١).
(ط): جعل دِينَه وأمانتَه من الودائع؛ لأن السفر يصيب الإنسانَ فيه
المَشْقَّةُ والخوف، فيكون ذلك سبباً لإهمال بعض أُمور الدِّين، فدعا له
النبيُّ ◌َّهِ بالمَعونة والتوفيق، ولا يخلو الرجل في سفره ذلك من الاشتغال
بما يحتاج فيه إلى الأخذ، والإعطاء، والمُعاشرة مع الناس، فدعا له بحفظ
الأمانة، والاجتناب عن الخيانة، ثم إذا رجع إلى أهله؛ يكون مأمونَ العاقبة
عمَّا يَسُوءُه في الدنيا(٢).
٧١٧ - وعن أَنَسٍ ﴾، قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ وَ﴿، فقال:
يا رَسُولَ الله! إني أُرِيدُ سَفَراً، فَزَوِّدْنِي، فَقَال: ((زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى))،
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٧١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠١ - ١٩٠٢).
١١٣

قال: زِدْني، قال: ((وَغَفَرَ ذَنْبُكَ))، قال: زِدْني، قال: ((وَيَسَّرَ لَكَ
الخيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ))، رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
, ,,
٤ قوله: ((فزودني)) :
(غب): (الزاد): المُدَّخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت،
و((التزوُّد)): أخذ الزاد(١).
(ط): أي: جعلك الله مُتَّقياً محارمَه، مجتنباً معاصيه، ثم قال: ((وغفر
ذنبك))؛ إذ ربما زعم الرجل أنه يتقي الله [وفي الحقيقة] لا تكون تقوی یترتب
عليها المغفرة، ثم ترقَّى منه إلى قوله: ((ويسر لك الخير))؛ فإن التعريف في
الخیر للجنس، فیتناول خير الدنيا والآخرة، انتھی(٢).
قيل: إنه طلب الزاد المُتعارفَ، فأُجيب على الأسلوب الحكيم، وهذا
بعيدٌ لا يناسب ظاهرَ الحديث؛ فإنه ◌َّ دعا له بدعوات كما ترى في الحُنُوِّ
والعطف، وهذا يناسب حال من توجَّه إليه وَ ل# طالباً بركة دعائه؛ ليكون سبباً
لتخفيف وَعْثاء السفر عنه؛ ولهذا توجَّه ◌َّ إليه، ودعا له بدعوات جمع له خيرَ
الدنيا والآخرة، ولو كان طالباً للزاد المُتعارف؛ لأمر له بعطاء؛ كما قد عُلِم
من حاله وَّهِ؛ أنه كان لا يُسأل شيئاً قَطُّ فيقول: [لا].
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢١٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠٢).
١١٤

٩٧- باب
الاستخارة والمشاورة
· قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ اَلْأَمِِّ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
* وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى يَِّتَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]؛ أي:
يَتَشَاوَرُونَ بَيْنَهُم فِهِ.
(الباب السابع والتسعون)
(في الاستخارة والمشاورة)
(نه): ((الاستخارة)): طلب الخِيَرة في الشيء، وهو (استفعال) من
الخير ضِدِّ الشرِّ، انتهى(١).
و((المشاورة)): قيل: مأخوذ من شُرْتُ العسلَ أَشورُه: إذا أخذتَه من
موضعه واستخرجته، كأنه يستخرج خُلاصةَ أداء الرجال، وقيل: مأخوذ
من شُرْتُ الدابَّةَ شَوْراً: إذا عرضتها، كأن المُستشيرَ يعرض الأُمورَ؛ ليعلم
خيرها وشرّها، يقال: شاور مُشاورةٌ ومَشُورة.
قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِِّ ﴾ [آل عمران: ١٥٩]؛ أي: تطييباً
لقلوبهم؛ ليكون ما يفعلونه أنشطَ لهم، واختلف الفقهاء؛ هل كان ذلك
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٩١).
١١٥

واجباً عليه، أو من باب الندب؟ على قولين، قال ابن عباس: نزلت في أبي
بكر وعمر، وكانا حَوارِتَيْ رسول الله ◌َّ، ووزیریه، وأبوي المسلمين.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن عبد الرحمن بن غَنْم: أن رسول الله وَّ
قال لأبي بكر وعمر: (لَوِ اجْتَمَعْتُما فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا))(١).
وعن علي بن أبي طالب ه قال: سُئل رسول الله وَّ﴿ عن العَزْمِ،
فقال: ((مُشَاوَرَةُ أَهْلِ الرَّأْيِ، ثُمَّ اتِّباعُهُمْ))، رواه ابن مَرْدَوَئِهِ.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: ((المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ))، رواه
ابن ماجه(٢) .
وروى أيضاً عن جابر مرفوعاً: ((إذا اسْتَشَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؛ فَلْيَشُرْ
عَلَيْهِ»(٣).
(الكشاف): عن الحسن: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجةٌ، ولكن
أراد أن يُسْتَنَّ به بعده، وعن النبيِّ وَّهِ: ((ما تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ؛ إِلَّ هُدُوا لأَرْشَدِ
أَمْرِهِمْ))(٤).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ٢٢٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)» (١٠٠٨).
(٢) رواه ابن ماجه (٣٧٤٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٦٧٠٠).
(٣) رواه ابن ماجه (٣٧٤٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة))
(٢٣١٧) .
(٤) رواه الطبري في ((التفسير)) (٤/ ١٥٢) من طريق الحسن عن النبي وَر، وإسناده
ضعيف لإرساله.
١١٦

وعن أبي هريرة به قال: ما رأيتُ أحداً أكثرَ مُشَاورةً من أصحاب
رسول الله وَلٍ﴾(١).
(م): إنه ◌َّهُ، وإن كان أكملَ الناس عقلاً؛ إلا أن علوم الخلق مُتناهيةٌ،
فلا يبعد أن يَخطُرَ ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يَخطُر بباله ◌ِِّ، لا سيّما
فيما يتعلَّق بأمور الدنيا؛ فإنه وَّهِ قال: ((أَنْتُمْ أَعْرَفُ بَأُمُورِ دُنْيَاكُم، وأنا أَعْرَفُ
بأُمُورِ دِینُمْ)).
أو يقال: شاورهم في الأمر، لا لتستفيد منهم رأياً وعلماً، لكن ليظهر
لك مقاديرُ عقولهم وأفهامهم، ومقادير حُبِّهم وإخلاصهم في طاعتك،
فحينئذٍ يتميز الفاضل من المفضول، فتُنزلهم على قَدْر منازلهم.
أو يقال: شاورهم؛ ليجتهد كل واحد في استخراج الوجه الأصلح،
فتصير الأرواح متطابقة ومتوافقة، وتطابق الأرواح الطاهرة على شيء؛ مِمَّا
يُعِينُ على حُصوله، وهذا هو السرُّ في الاجتماع في الصلوات(٢).
* قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]؛ أي: لا يُبْرِمُون
أمراً حتى يتشاوروا فيه؛ ليتساعدوا بآرائهم؛ ولهذا لمَّا حضر عمرَ الوفاةُ؛
جعل الأمرَ بعده شُورى في ستة نفر: عثمانُ، وعليٍّ، وطلحةُ، والزبير،
وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، فاجتمع رأيُهم على تقديم عثمان.
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٥٩)، وحديث أبي هريرة له رواه
الإمام أحمد في ((المسند)) (٣٢٨/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٨٧٢) بلفظ:
((ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله (ێ)). وهو حديث صحيح
كما ذكر محققو المسند (طبعة الرسالة).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩ / ٥٤).
١١٧

(الكشاف): (الشورى): مصدر؛ كالفُتيا، بمعنى التشاور؛ أي: أمرهم
ذو شوری(١).
٧١٨ - عن جابرٍ ﴿ه، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يُعَلِّمُنَا
الاسْتِخَارَةَ في الأُمُورِ كُلِّهَا كالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: ((إذا هَمَّ
أَحَدُكُمْ بِالأمر، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلِ : اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ
العَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَمُ
الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لي في ديني
وَمَعاشي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أوْ قالَ: عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لي،
وَيَسِّرْهُ لي، ثمَّ بَارِكْ لي فيهِ، وَإِن كُنْتَ تَعْلمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لي
فِي دِينِي وَمَعَاشِيٍ وَعَاقَبَةٍ أَمْرِي - أو قال: عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ -
فَاصْرِفِهُ عَنِّي، وَاصْرٍفني عَنْهُ، وَاقدُرْ لي الخيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ
رَضِّي بِهِ»، قال: ويسمِّي حاجته، رواه البخاريُّ.
(ط): قوله وَّلهُ: ((من غير الفريضة)) بعد قوله: ((كما يعلمنا السورة
من القرآن)) يدلُّ على الاعتناء التامِّ البالغ حَدَّه بالصلاة والدعاء، انتهى(٢).
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٢٣٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٤٥).
١١٨

وكذلك قوله وَّهِ: ((مِنْ سَعَادَةِ ابنِ آدمَ اسْتِخَارَتُهُ اللهَ رَ، ومِن شِقْوَةِ
ابنِ آدَمَ تَرْكُه اسْتِخَارةَ اللهِ تعالى))، رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد،
ورواه الترمذيُّ بزيادة(١).
وعن عبدالله عنه قال: ما كُنَّا نكتب على عهد رسول الله وَ له شيئاً من
الأحاديث إلا التشهُّدَ والاستخارةَ، رواه الحافظ أبو موسى المَدِينيُّ.
(ط): الباء في قوله: ((بعلمك وبقدرتك)) يحتمل أن تكون للاستعانة؛
كما في قوله تعالى: ﴿ِبِسْمِ اللّهِ مَجْرِهَا﴾ [هود: ٤١]؛ أي: إني أطلب منك
خيراً، مُستعيناً بعلمك؛ فإني لا أعلم فيم خِيَرَتي، وأطلب منك القُدرةَ؛ فإني
لا حولَ لي ولا قُوَّةَ إلا بك، وأن تكون للاستعطاف؛ كما في قوله تعالى
حكايةً عن موسى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ [القصص: ١٧]، كأنه قيل: اللهم؛ إني
أطلب منك الخيرَ بحَقِّ علمك الشامل لكل الخيرات، وأطلب منك القُدرةَ
بحق تقديرك المقدورات؛ أن تُسِّرَهما عليَّ، ثم باركهما.
ثم عَمَّ الطلب بقوله: ((واقدر لي الخير حيث كان))، ثم ختم الدُّعاء بقوله:
(ثم أرضني به))، ورضا العبد، ورضا الله متلازمان، بل رضا العبد مسبوقٌ
برضا الله، ورضوان الله جماعُ كلِّ خير، وإن اليسيرَ منه خيرٌ من الجِنان(٢).
(نه): ((أستقدرك))؛ أي: أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة(٣).
(١) رواه الترمذي (٢١٥١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٩٠٣) من حديث سعد بن
أبي وقاص ◌َظُه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٣٠٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٤٥ - ١٢٤٦).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٣).
١١٩

وقوله: ((فاقدره لي))؛ أي: اقض لي به، وهيّهُ لي، قال الفَرَّاء: يتعيَّن
أن يراد بالتقدير هنا التيسير .
(ش): عوَّض رسولُ اللهِ وَّةِ أُمَّتَه بهذا الدعاء عمَّا كان عليه أهل
الجاهلية؛ من زَجْر الطير، والاستقسام بالأَزْلام الذي نظيره هذه القُرعة التي
يفعلها إخوان المشركين، يطلبون بها علم ما قُسِمَ لهم في الغيب، وعوّضهم
بهذا الدعاء الذي هو توحيدٌ، وافتقارٌ، وعُبوديةٌ، وتوكُّلٌ، وتفويضٌ إليه،
واستقسامٌ بقُدرته، وعلمه، وحُسْن اختياره لعبده، وسؤالٌ لمَن بيده الخير كلُّه
= عن التطيُّر، والتنجيم، واختيار الطالع، ونحوه، فهذا الدعاء هو الطالع
المَيْمونُ السعيد، طالع أهل التوفيق، الذين سبقت لهم من الله الحسنى، لا طالع
أهل الشِّرْك والشِّقاق، الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر، فسوف يعلمون.
فتضمَّن هذا الدعاء الإقرار بوجوده سبحانه، والإقرارَ بصفات کماله؛ من
العلم، والقدرة، والإرادة، والإقرارَ بربوبيته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة
به، والتوُّل عليه، والخروجَ من عُهْدَة نفسه، والتبرِّي من الحَوْل والقُوَّة إلا به،
واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه، وقُدرته عليها، وإرادته لها،
وأن ذلك كلَّه بيد وليِّه، وفاطره، وإلهه الحَقِّ.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث سعد بن أبي وَقَّاص، عن النبيِّ وَّ
أنه قال: ((مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ الله، ورِضَاهُ بمَا قَضَاهُ وإِنَّ مِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ
آدَمَ تَرْكَهُ اسْتِخَارَةَ الله، وسَخَطَهُ بِمَا قَضَاهُ»(١).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ١٦٨). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (١٩٠٦).
١٢٠