Indexed OCR Text

Pages 541-560

٦١٢ - وعَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﴿ه، عن النبيِّ وَّر، قال:
(لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرِ))، فقالَ
رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حَسَناً، ونَعْلُهُ حَسَنَةٌ؟ قالَ:
(إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ؛ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ))،
رواه مسلم .
بَطَرُ الحَقِّ: دَفْعُهُ وَرَدُّهُ على قائِهِ، وغَمْطُ النَّاسِ : احْتِقَارُهُمْ.
(الأَوْاُ)
* قوله ويتيفي: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)):
(ق): (المثقال): مِفْعَال؛ من الثَّقَل، ومِثْقَال الشيء وَزْنُهُ، انتهى(١).
قال الغزاليُّ: إنما صار حجاباً دون الجنة؛ لأنه يَحُول بين العبد،
وبين أخلاق المؤمنين، وتلك الأخلاق هي أبوابُ الجنة، والكِبْرُ وعِزَّة
النفس يُغلِقُ تلك الأبوابَ كُلَّها؛ لأنه لا يَقدِر أن يُحِبَّ للمؤمنين ما يُحِبُّ
لنفسه، وفيه شيءٌ من العِزَّة، ولا يقدر على التواضع، وهو رأس أخلاق
المُتَّقين، ولا يقدر على ترك الحِقْد، وفيه العِزُّ، ولا معنى للتطويل؛ فما
مِن خُلُق ذميم إلا وصاحب العِزَّة والكبر مُضطرّ إليه؛ ليحفظ به عِزَّه،
وما مِن خُلُق محمود إلا وهو عاجز عنه؛ خوفاً من أن يفوتَه عِزُّه.
فعن هذا؛ لم يدخل الجنة مَن في قلبه مثقالُ حَبَّةً من كِبْر وعِزٍّ والأخلاق
الذَّميمة متلازمة، والبعضُ منها داعٍ إلى البعض لا مَحالةَ، وشرُّ أنواع الكِبْر ما
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٩).
٥٤١

يمنعُ مِن استفادة العلم، وقَبول الحَقِّ والانقياد له(١).
(ن): اختلفوا في تأويله، فذکر الخطابيُّ فیه وجھین:
أحدهما: أن المراد منه التكبُّر عن الإيمان، فصاحبُه لا يدخل الجَنَّةَ
أصلاً إذا مات علیه.
والثاني: أنه لا يكون في قلبه كِبْرٌ حالَ دخول الجنة؛ كما قال تعالى:
﴿وَنَزَعْنَا مَافِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وهذان التأويلان فيهما بُعْدُّ؛ فإن هذا الحديثَ ورد في سِياق النَّهْىِ
عن الكِبْر المعروف، وهو الارتفاع على الناس، واحتقارُهم، ودفع الحَق،
فلا ينبغي أن يُحمل على هذين التأويلين المُخرجين له عن المطلوب، بل
الظاهر ما اختاره القاضي وغيرُه من المُحقِّقين: أنه لا يدخلها دون مُجَازاة
إن جازاه، وقيل: هذا جَزاؤُه لو جازاه، وقد يُكرَم بأنه لا يُجازيه، بل لا بُدَّ أن
يدخلَ كلُّ مُوحِّد الجنةَ، إما أولاً، وإما ثانياً بعد تعذيب أصحاب الكبائر،
والذين ماتوا مُصرِّين عليها، وقيل: لا يَدخلُها مع المُثَّقين أوَّلَ وَهْلَةِ(٢).
(ق): التكَبُّر والتعظيمُ(٣) جعلهما الشرعُ من الكبائر؛ لأن مَن لاحظ
كمالَ نفسه ناسياً مِنَّةَ الله تعالى فيما خَصَّه به؛ كان جاهلاً بنفسه وبرَبِّه،
مُعتدّاً بما لا أصلَ له، وهي صِفةُ إبليس الحاملةُ له على قوله: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾
[الأعراف: ١٢]، وصِفةُ فرعون الحاملةُ له على قوله: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:
(١) انظر: إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٩١).
(٣) كذا في الأصل، وفي ((المفهم)): ((والتعاظم)).
٥٤٢

٢٤]، ولا أقبحَ مِمَّا صارا إليه، فلا جرَمَ كانا أشدَّ أهل النار عذاباً، نعوذ
بالله .
وأما مَن لاحظ من نفسه كمالاً، وكان ذاكراً فيه مِنَّةَ الله تعالى، وأن
ذلك مِن تَفَضُّله تعالى، ولُطفه: فليس من الكِبْرِ المَذْمُوم في شيء، بل هو
اعترافٌ بالنِّعمة، وشُكرٌ على المِنَّة.
والتحقيق في هذا: أن الخَلْقَ كُلَّهم قوالبُ وأشباحٌ، تجري عليهم
أحكام القُدرة، فمَن خَصَّه الله تعالى بكَمال؛ فذلك الكمالُ يرجع إلى المُكمِّل
الفاعل، لا للقالَب القابل، ومع ذلك؛ فقد كمَّل الله الكمالَ بالثناء والجَزاء
عليه؛ كما قد نقَص النقصَ بالدَّمِّ والعُقوبة عليه، فهو المُعطي، والمُثني،
والمُبلي، والمُعافي، وكيف لا؟! وقد قال العَلِيُّ الأعلى: («أنا اللهُ خالق الخَيْرِ
والشرِّ، فطوبى لمَن خلقتُه للخير، وقَدَّرته عليه))، وويلٌ لمَن خلقته للشرِّ
وقدَّرْتُه عليه، فلا حيلةَ تعمل مع قَهْر مَن لا يُسأل عمَّا يفعل.
ولمَّا تقرَّر أن الكِبْرَ يستدعي مُتكبَّراً عليه، [فالمتكبِّر عليه] إن كان هو اللهَ
تعالى، أو رسُلَه، أو الحَقَّ الذي جاءت به رسُلُه؛ فذلك الكِبْرُ كُفُرٌّ، وإن كان
غيرَ ذلك؛ فذلك الكِبْرُ معصية وكبيرة يُخاف على المُتلبِّس بها، المُصِرِّ عليها
أن يُفضيَ به إلى الكُفر، فلا يدخل الجنة أبداً، فإن سَلِم من ذلك ونفَذَ عليه
الوَعِيدُ؛ عُوقب بالإذلال والصَّغَار، أو بما شاء الله من عذاب النار، حتى
لا يبقى في قلبه من ذلك ذرّة، وخَلُصَ من خُبْث کِبْره، حتى يصير کالذَّرة،
فحينئذ یتداركه الله برحمته، ويُخلِّصُه منها بإيمانه وبركته(١).
* قوله: ((فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً):
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٧ - ٢٨٨).
٥٤٣

(ن): هذا الرجل؛ قيل: هو أبو رَيْحانةَ، واسمه شَمْعُون، وقيل:
اسمه ربيعة بن عامر، وقيل سَوَاد - بالتخفيف - بن عمرو، وقيل: معاذ بن
جبل، وقيل: مالك بن مُرَارةَ الرَّهَاويُّ، وقيل: عبدالله بن عمرو بن
العاص، وقيل: خُرَيْم بن فَاتِك، هذا ما ذكره ابن بَشْكُوَال، انتهى(١).
وفي ((المعجم الكبير)) للطبرانيٍّ: قال: إني لأغسل ثيابي فيُعجِبُني
بَيَاضُها، ويُعْجِبُني شِرَاكُ نَعْلِي، وعِلَاقَةُ سَوْطي(٢).
(ط): لمَّا رأى الرجلُ أن العادةَ في المُتكبِِّين لُبْسُ الثياب الفاخرة،
وجَُّ الإزار، وغير ذلك مِمَّا يتعاطَوْنه؛ سأل ما سأل(٣).
قوله وقال: ((إن الله جميل يحب الجمال)):
(ن): قيل: معناه: أن كلَّ أمره سبحانه وتعالى حسَنٌ جميل، فله الأسماء
الحُسنى، وصِفاتُ الجمال والكمال، وقيل: ((جميل)) بمَعنی مُجْمِل؛ کگریم،
وسَمِيع بمعنى: مُكْرِمٍ، ومُسْمِع، وقال الإمام أبو القاسم القُشَيريُّ: معناه:
جليل، وحكى الإمام أبو سُليمان الخَطَّابِيُّ أنه بمعنى ذي النُّور والبَهْجة؛ أي:
مالكهما، وقيل: معناه جميلُ الأفعال بكم، والنظر إليكم (٤).
[(ق)]: فهو يُحِبُّ التجمُّلَ منكم في قِلَّة إظهار الحاجة إلى غيره،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٩٢).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣١٧) والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار))
(٥٥٦٠) من حديث ثابت بن قيس به وفي إسناده انقطاع. انظر: ((مجمع الزوائد))
(٥/ ١٣٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٤٥).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٩٠).
٥٤٤

قاله الصَّيْرَفيُّ، وقيل: الجَمِيل المُنزَّه عن النقائص، الموصوف بصفات
الكمال، الآمر بالتجمُّل له؛ بنظافة الثياب، والأبدان، والنزاهة عن الرَّذائل
والطغيان، انتهى(١).
قال شارح ((شهاب الخير)): قد فَسَّر بعضُ الناس هذا الحديث على
ظاهره، وقال: إن الله تعالى يُحبُّ أن يرى الجمال على عبده؛ من الثياب،
واللِّباس، والنعمة، وأنشد قولَ عبدالله بن المُبارك:
زَيْنُ الرِّجَالِ بها تُجَلُّ وتُكرَمُ
أَجِدَّ الِّيابَ إذا اكْتَسَيْتَ فَإِنَّها
فاللهُ يَعلَمُ مَا تُكِنُّ وتَكْتُمُ
ودَعِ التَّوَاضُعَ في النِّابِ وخَلِّهِ
عِنْدَ الإِلَهِ وَأَنْتَ عَبدٌ مُجرِمُ
فَوَثَاتُ ثَوْبِكَ لا يَزِيدُكَ قُرْبةً
تَخْشَى الإِلَهَ وتَتَقِي ما یَحْرُمُ
وبَهَاءُ ثَوْبِكَ لا يَضُرُّكَ بعدَما
وتمشية هذا يُشْكِل، والأكابر فَسَّروه على أنه يُعبَّر بالجمال عمَّا يصل
إلى غيرك من الخير، وإذا وصف الله تعالى بذلك؛ فالمعنى: أنه مُجْمِل
مُحْسِن إلى الخلق، يفيض خيرَه عليهم، و((يحب الجمال))؛ أي: ويُحِبُّ
أن يطأطىء(٢) الإنسانُ الخيرَ إلى غيره؛ اقتداء بربِّه تعالى، وقد أُمرنا أن
نتشبّه بأفعال الله تعالى بقَدْر ما يَسَعُنا ويحتمل حالُنا، انتهى.
وسيأتي تمام الكلام على هذا الحديث في (كتاب اللباس)، في
قوله: ◌َّهِ: ((مَنْ تَركَ ثَوْبَ جَمالٍ، وهُو قَادِرٌ عليه؛ أَبسَهُ اللهُ مِن حُلَلِ الكَرَامَةِ)).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٨).
(٢) أي: يرسل.
٥٤٥

* قوله : ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)):
(ق): ((بطر الحق): إبطاله، من قول العرب: ذهب دَمُه بِطْراً؛ أي:
باطلاً، وقال الأَصمعيُّ: البَطَر: التحيّر (١) أي: يتحيَّر [عند] الحَقِّ، فلا يراه
حقّاً(٢).
(نه): وقيل: هو أن يتكبّر عن الحَقِّ، فلا يقبله(٣).
(تو): تفسيره على الباطل أَشبهُ؛ لما ورد في غير هذه الرواية: ((إنَّما
ذلك مَنْ سَفِهَ الحَقَّ، وغَمَصَ النَّاسَ))؛ أي: رأى الحَقَّ سَفَهاً.
(ط): المقام يقتضيه أيضاً؛ لأن تحريرَ الجواب إن كان أخذُ الرجل
الزِّينَةَ؛ [لأجل] أن تُرى نعمةُ الله عليه، وأن يُعظِّم شعائرَه؛ فهو جمالٌ،
والله جميل يُحِبُّ [أن يرى] أثرَ نعمته على عبده، وإن كان للبَطَرِ والأَشَر
المُؤدِّي إلى تسفيه الحق، والصَّدِّ عن سبيل الله، وإلى تحقير الناس؛ فهو
اختيالٌ وافتخارٌ والله لا يُحِبُّ كلَّ مُخْتَالٍ فَخُور(٤).
(ن): [ذكر] أبو عيسى الترمذيُّ وغيره (غَمْصَ) بالصاد، وهو بمعنى
(غَمْط)، يقال: غمط بفتح الميم، يَغْمِطه بكسرها، وغَمِط بكسر الميم
يَغْمَطه بفتحها .
واعلم أن هذا الاسم - يعني: قوله: ((إن الله جميل)) - ورد في الحديث
(١) في الأصل: ((التجبر)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الاثير (١/ ١٣٥).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٤٥).
٥٤٦

الصَّحيح، ولكنه من أخبار الآحاد، وورد أيضاً في حديث الأسماء الحُسنى،
وفي إسناده مَقالٌ، والمُختار جواز إطلاقه على الله تعالى، ومن العلماء من منعه.
قال الإمام أبو المَعالي إمامُ الحرمين: ما ورد الشرعُ بإطلاقه في
أسماء الله تعالى، وصفاته؛ أطلقناه، وما منع الشرعُ من إطلاقه؛ منعناه،
وما لم يرد فيه إذْنٌ ولا مَنْعٌ؛ لم نقض فيه بتحليل وتحريم؛ فإن الأحكام
الشرعية تتلَّقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحليل أو تحريم؛ لكُنَّا مثبتين
حُكماً بغير الشرع، ولكن [ما] يقتضي العمل وإن لم يُوجب العلمَ؛ فإنه
كاف؛ لأن الأقيسة الشرعية مِن مُقتَضَيات العمل، ولا يجوز التمسُّك بها
في تسمية الله تعالى، ووصفه، هذا كلام إمام الحرمين، ومحله من الإتقان
والتحقيق مطلقاً، وبهذا الفَنِّ خُصوصاً مَعروفٌ بالغاية العُليا.
وقد اختلف أهل السُّنَّة في تسمية الله تعالى، ووصفه من أوصاف الكمال
والمَدح بما لم يرد به الشَّرِعُ، ولا منعَهُ، فأجازه طائفةٌ، ومنعه آخرون، إلا أن
يرد به شرعٌ مقطوع به؛ من نصٌّ كتاب، أو سُنَّة متواترة، أو إجماع على إطلاقه،
فإن ورد به خبرٌ واحد؛ فقد اختلفوا فيه، فأجاز طائفة، وقالوا: الدعاء والثناء من
باب العمل، وذلك جائزٌ بخبر الواحد، ومنعه آخرون؛ لكونه راجعاً إلى اعتقاد
ما يجوز، أو يَسْتَحِيلُ على الله تعالى، وطريق هذا القَطْعُ.
قال القاضي: والصَّوابُ جوازُه؛ لاشتماله على العمل، ولقوله: ﴿وَلِلَّهِ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠](١) .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٩٠ - ٩١).
٥٤٧

٦١٣ - وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﴾: أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ﴿ بِشِمالِهِ، فقالَ: (كُلْ بِيَمِينكَ))، قالَ: لا أَسْتَطِيعُ!
قال: ((لا اسْتَطَعْتَ))، مَا مَنَعَهُ إِلَّ الكِبْرُ، قال: فما رَفَعَها إلى فِيهِ،
رواهُ مسلم .
(الثَّانِى)
سبق في (الباب السادس عشر).
*
٦١٤ - وعَنْ حَارِثَةَ بْنٍ وَهْبٍ ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَم
يقولُ: ((أَلَاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٌّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ))، متفقٌ
عليه .
وتقدَّمَ شرحُه في (بابٍ: ضَعَفَةِ المسلمين).
٦١٥ - وعن أبي سَعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿ه، عنِ النبيِّ وَِّ، قالَ:
((احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنّارُ، فقالَتِ النَّارُ: فِيَّ الجَبَّارُونَ وَالمُتَكَبِّرُونَ،
وقَالَتْ الجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ، فَقَضَى اللهُ
بَيْنَهُمَا: إِنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ
عَذَابِ، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُها))، رواهُ
مسلم .
٥٤٨

(الثَّالِثُ وَالَُّ)
سبق في (الباب الثاني والثلاثين)
*
٦١٦ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((لا يَنْظُرُ
اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى مَنْ جَزَّ إِزارَهُ بَطَراً)، متفقٌ عليه.
أول هذا الحديث: رَأى أبو هريرةَ ع ◌ُبهَ رَجُلاً يَجُرُّ إزارَهُ، فجَعلَ
يضرب الأرض برجله، وهو أمير على البحرين وهو يقول: جاء الأمير،
جاء الأمير، فقال: قال رسولُ الله وَله: ((إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره
بطراً) :
(ق): (بطراً) منصوبٌ نَصْبَ المصدر الذي هو مفعولٌ من أجله(١).
(نه): (البطر)): الطُّغيان عند النعمة، وطُولِ الغِنَى(٢).
(ن): ((الخيلاء)» بالمَدِّ، والمَخْيَلَةُ، والبَطَر، والكِبْرِ، والزهُوُ كلُّها
بمعنى واحد، وهو حرام، ومعنى ((لا ينظر الله))؛ أي: لا يرحمه، ولا ينظر
إليه نظرَ الرحمة .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٠٦).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٣٥).
٥٤٩

أما القَدْرُ المُستحبُّ مِمَّا يُنَزل إليه طرف القَمِيص، والإزار: فنصف
الساقين؛ كما جاء في حديث أبي سعيد: ((إِذْرَةُ المُؤمِنِ إلی نِصْفِ سَاقَيْهِ،
لا جُنَاحَ عَليهِ فيمَا بينَهُ وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ ما أَسْفَلَ مِن ذلك، فهُوَ في النَّارِ))(١)،
فالمُستحَبُّ: نصفُ السَّاقَيْن، والجائز بلا كراهة: ما تحته إلى الكعبين،
فما نزل عن الكعبين؛ فهو ممنوعٌ فإن كان للخُيلاء؛ فهو مَنْعُ تحريم، وإلا
فمَنْعُ تنزيه، وأما الأحاديث المُطلقة؛ بأن ما تحت الكعبين؛ فهو في النار:
فالمُراد منها ما كان للخُيلاء؛ لأنه مُطَلقٌ، فوجب حملُه على المُقَيّد(٢).
٦١٧ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((ثَلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ
يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِِّهِمْ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ:
شَيْخُ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ))، رواهُ مسلم.
((العَائِلُ)): الفَقِيرُ.
(التَّالِيُ)
(ن): قيل: معنى ((لا يكلمهم))؛ [أي: لا يُكلِّمهم تكليمَ أهل
الخيرات، وبإظهار الرضا، بل](٣) بكلام أهل السُّخْط والغَضَب، وقيل:
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٧١٧) من حديث أبي سعيد الخدري تظ﴾، وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩١٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٦).
(٣) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٦).
٥٥٠

المُراد الإعراضُ عنهم، وقال جمهور المُفسِّرين: لا يُكلِّمهم كلاماً ينفعهم
ويسُرُّهم، وقيل: لا يُرسل إليهم الملائكةَ بالتَّحِيَّة(١).
(ق): أي: لا يُكلِّمُهم بكلام مَن يرضى عنه، ويجوز أن يُكلِّمَهم بما
يُكلِّم به من سَخِط عليه؛ كما جاء في ((كتاب البخاري)): ((يقول الله تعالى:
اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي؛ كمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ))، وحكى الله تعالى
أنه يقول للكافرين: ﴿أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨](٢) .
(ن)(٣): معنى ((ولا يزكيهم)): ولا يُطهِّرهم من دَرَن الذنوب، وقال
الزجّاجُ وغيره: معناه: لا يُٹني علیھم، ومعنى ((ولا ينظر إليهم))؛ أي: ◌ُعرض
عنهم، ونظرُه سبحانه وتعالى لعباده: رحَمتُه ولُطْفُه بهم، ومعنى ((عذاب أليم))؛
أي: مؤلم، قال الوَاحديُّ: هو العذاب الذي يَخْلُصُ إلى قلوبهم وَجَعُه، قال:
والعذابُ كل ما يُعْيِي الإنسانَ، ويَشُقَّ عليه، قال: وأصل العذاب في كلام
العرب: من العَذْب، وهو المَنْع، يقال: عَلَّبته عذاباً؛ إذا مَنعتَه، وسُمِّ الماء
عَذْباً؛ لأنه يمنع العطشَ، ويُسمَّى العذابُ عذاباً؛ لأنه يمنع المُعاقَبَ من
مُعاودة مثل جُزْمه ويمنع غيره من مثل فعله(٤).
* قوله: «شیخ زاٍ، وملك کذاب، وعائل متكبر)) :
(ن): قال القاضي: تخصيصهم بهذا الوعيد سببُه أن كلَّ واحد منهم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٢)، والحديث رواه البخاري (٢٣٦٩) من
حديث أبي هريرة څ .
(٣) في الأصل: ((ق))، والمثبت هو الصواب.
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٦).
٥٥١

التزم المعصية المذكورة، مع بُعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف
دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحدٌ بذنب، لكن لمَّا لم يكن إلى المعاصي
ضرورة مُزعِجةٌ، ولا دواعي مُعتادة؛ أشبه إقدامُهم عليها المُعاندةَ
والاستخفافَ بحق الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها؛ فإن الشيخ
لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرَّ عليه من الأزمان، وضعف أسباب
الجِماع والشَّهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك؛ عنده ما يُريحه من دواعي
الحلال في هذا، ويخلي ◌ِرَّه منه، فكيف بالزِّنا الحرام؟! وإنما دواعي
ذلك الشبابُ والحرارة الغريزية، وقِلَّة المعرفة، وغلبة الشَّهوة؛ لضعف
العقل، وصِغَر السِّنِّ، وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رَعِيّه، ولا
يحتاج إلى مُداهَنته، ومُصانَعته؛ فإن الإنسان إنما يُداهِن ويُصانِعِ مَنْ
يَحْذَرُه، أو يخشى أذاه ومُعاتبتَه، أو يطلب عنده بذلك منزلةً، أو منفعة،
وهو غنيٌّ عن الكذب مطلقاً، وكذلك العائل الفقير قد عُدِم المال، وإنما
سببُ الفَخْر، والخُيلاء، والتكبُّر، والارتفاع على القُرناء الثَّروة في الدنيا؛
لكونه ظاهراً فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابُها؛ فلماذا
يستكبر، ويَحتَقِرِ غيرَه؟ فلم يبق فعلُه، وفعلُ الشيخ الزاني، والإمام
الكاذب إلا لضَرْب من الاستخفاف بحَقِّ الله تعالى(١).
*
٦١٨ - وعنهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قالَ اللهُ وَّ: العِزّ
إِزَارِي، والكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ يُنَازِعُني، عَذَّبْتُه))، رواه مسلم.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٧).
٥٥٢

التَّا
* قوله ويضيف: ((العز إزاره، والكبرياء رداءه، فمن ينازعني؛ فقد
عذبته» :
(ق): كذا جاء هذا اللفظ في ((كتاب مسلم)» مُفتتحاً بخطاب الغَيْبة،
ثم خرج منه إلى الحُضور، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلَكِ
وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]، فخرج من خطاب الخُضور إلى الغَيْبة، وهي
طريقة معروفة، وقد جاء في غير ((مسلم)): ((الكبرياء رِدَائي، والعَظَمة
إزاري، فمَن نازعني واحداً منهما؛ قَصَمْتُه، ثم أَلقيتُه في النار))(١).
(ن): هكذا في جميع النسخ، فالضمير في ((إزاره)) و((رداءه)) يعود إلى
الله تعالى؛ للعلم به، وفيه محذوف تقديره: قال الله تعالى: ((فمن ينازعني
أعذبه)) [ومعنى (ينازعني)] يَتخلَّق بذلك، فيصير في معنى المُشارك، وهذا
وعيد شديد في الكِبْر مُصرِّح بتحريمه(٢).
(نه): ((الكبرياء)»: العَظَمَةُ، والمُلك، وقيل: هي عبارة عن كمال
الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تعالى، وهو من الكِبْر
بالكسر، وهو العَظمَة، ويقال: كَبُر بالضم يكبر؛ أي: عَظُم، فهو كبير(٣).
(ط): قيل: إن الكِبْرِياء، والكِبْر، والعَظَمة ألفاظٌ مترادفة مُتَّحدةُ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٠٦)، والحديث رواه أبو داود (٤٠٩٠) من حديث
أبي هريرة ظه وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٥٤١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٤٠).
٥٥٣

المعنى، ولا بُدَّ من الفرق؛ إذ الأصل عدم الترادف.
قال الإمام فخرُ الدِّين الرازيُّ: جعل الله الكبرياءَ قائماً مقامَ الرُّداء،
والعظمة قائمة مقام الإِزَار، ومعلومٌ أن الرِّداءَ أرفعُ درجةً من الإزار،
فوجب أن تكون [صفة الكبرياء] أرفعَ حالاً من صفة العَظَمَة، فهو عبارة عن
كونه بحيث يستعظمه غيرُه، وإذا كانت كذلك؛ كانت الصفة الأولى ذاتيَّةً،
والثانية إضافيّةً، والذاتيُّ أعلى من الإضافيِّ(١).
(ن): فأما تسميتُهُ رِداءً وإزاراً: فمَجازٌ واستعارةٌ حَسَنةٌ؛ كما تقول
العرب: فلانٌ شِعارُه الزُّهد، ودِثَارُه التقوى، لا يريدون الثوبَ الذي هو
شِعَارٌ وِثَارٌ، بل معناه صِفْتُه، كذا قال المَازَرُّ: ومعنى الاستعارة هنا: أن
الإزارَ والرِّداء مُلتصقان بالإنسان، ويلزمانه، وهما جمالٌ له، فضرب ذلك
مثلاً لكون العِزِّ والكِبرياء بالله تعالى أحقَّ، وله ألزم، واقتضاهما جلالُه(٢).
(ق): أصل الإزار: الثوب الذي يُشَدُّ على الوَسَط، والرِّداء ما يُجعل
على الكتفين، وحاصل هذه الاستعارة الحَسَنة: أن العِزَّ والعَظَمَة والكِبْرِياءَ
من أوصاف الله تعالى الخاصَّة به، التي لا تنبغي لغيره، فمَن تعاطى شيئاً
منها؛ أذلَّه الله، وصَغَّره وحَقَّره وأهلكه؛ كما أظهر الله تعالى من سُنَّته في
المُتكّبِّرِين السّابقين واللأَحِقين، انتهى(٣).
قال الإمام الغزاليُّ: الكِبْرُ والعِزُّ لا يليق إلا بالمالك القادر، فأما
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٤٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٣ - ١٧٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٠٦ - ٦٠٧).
٥٥٤

المَملوكُ الضَّعيف العاجز: فمِن أين يليق به الكِبْر؟! فمهما يَكبُر العبد؛ فقد
نازع اللهَ في صفة لا تليق إلا بجلاله، ومثاله: أن يأخذ الغلامُ قَلَنْسُوةَ
المَلِك، فيَضعُها على رأسه، ويجلس على سريره، فما أعظمَ استحقاقَه
للمَقْت، والخِزْي، والنَّكال! ولهذا جاء في الحديث ((فمَن نازعني؛
قَصَمْتُه)(١).
(ط): تعريف المُسنَد إليه باللام، والمُسنَد بالإضافة يدلُّ على
القَصْر؛ كما إذا قلت: المُنطلق زيدٌ، أو زيدٌ المُنطلق، يدُلُّ على انحصار
الانطلاق في زيد، ومن ثَمَّ فرَّع على التشبيه قولَه: (فمن نازعني)؛ دلالةً
على أن ذلك ليس من حَقِّه، ومن ثَمَّ عَقَّبه بالوعيد، وحَقَّر شأنه بلفظ
القَذْف؛ كما جاء في روايةٍ أُخرى: ((يَقْذِفُه قَذْفَ الحِجَارَةِ والمَدَرِ فِي النَّارِ
والسَّقَرِ)).
وقد عرفتَ أن الكِبْر هو الإعراضُ عن الحَقِّ، وتحقیُر الناس،
فالتواضُع: هو الإذعان للحَقِّ، وتَوقيرُ الناس، وهو المعنيُّ بقوله: ((التَّعظِيمُ
لأمر الله، والشَّفَقَةُ على خَلق الله))، فالمعنى: مَن تكبّ؛ ابتلاه الله في الدنيا
بالذُّلِّ والهَوَان، وفي الآخرة يقذفه في دَرَكات النيران، ومَن تواضع رفع الله
درجتَه في الدنيا والآخرة(٢).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٣٤٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٤٧).
٥٥٥

٦١٩ - وعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي
في حُلَّةٍ تُعْجِبُه نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ رَأسَه، يَخْتَالَ في مِشْتِهِ، إذْ خَسَفَ
اللهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ))، متفقٌ عليه.
((مُرَجِّلٌ رَأْسَهُ)): أي: مُمَشِّطُهُ، (يَتَجَلْجَلُ)) بالجيمين: أيْ:
يَغُوصُ وَیَنْزِلُ.
(الَّافُِ)
* قوله ويتلقى: ((بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبرده))(١):
(ن): قيل: إن هذا الرجل من هذه الأُمَّة، فأخبر النبيُّ ◌َّ بأنه سيقع،
وقيل: هو إخبار عَمَّن قبل هذه الأُمّة، وهذا هو الصحيح، وهو معنى
إدخال البخاري له في (باب ذكر بني إسرائيل)(٢).
(ك): قيل: إن هذا الرجل هو قَارُونُ (٣).
(ق): إعجاب الرجل بنفسه: هو مُلاحَظتُه لها بَعيْنِ الكَمال
والاستحسان، معَ نسيان مِنَّ الله تعالى؛ فإن رَفعَها على الغير واحتَقْرَهُ؛ فهو
الكِبْرُ المَذموم، ((والبردان)»: الإزار والرِّداء، وهذا على طريقة تثنية القَمرين
والعُمرين، ويفيد هذا الحديث تركَ الأَمْن مِن تعجيل المُؤاخذة على
(١) كذا في الأصل، وفي رواية الحديث: ((يمشي في حلة تعجبه نفسه ... )).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٦٤).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١ / ٥٦).
٥٥٦

الذُّنوب، وأن إعجابَ المَرْء بنفسه، وثوبه، وهيئته حَرامٌ وكَبيرةٌ، انتهى(١).
ويدلُّ أيضاً على قِلَّة عقل المُعجَب، وعظيم غَفْلَته، فلو تفكّر في
خِلْقَته، وابتداء نَشْأته، ومصيره إلى التُّراب الذي يوطأ بالأقدام؛ ذَلَّ في
نفسه وتواضع، قال:
فَكَمْ فِيهِ مِنْ قَوْمِ هُمُ مِنْكَ أَرْفَعُ
وَلا تَمْشِ فَوْقَ الأَرْضِ إِلاَّ تَوَاضُعاً
ـبَ فَأَيْنَ القُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ
صَاحِ هَذِي قُبُورُنَا تَمْلأُ الرَّحْـ
أَرْضٍ إِلاَّ مِن هَذِهِ الأَجْسَادِ
خَفِّفِ الوَطْءَ مَا أَظُنَّ أَدِيمَ الْـ
٦٢٠ - وعن سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلَّى :
(لاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجَبَّارِينَ، فَيُصِيبُهُ
مَا أَصَابَهُمْ))، رواه الترمذي، وقالَ: حديثٌ حسنٌّ.
(يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ)): أي: يَرْتَفْعُ وَيَتَكَبَّرُ.
[التَّالَُّ
* قوله قال : ((يذهب بنفسه)):
(مظ): [الباء] يحتمل أن تكون للتعدية؛ أي: يرفع نفسَه ويُبعدها عن
الناس في المَرتبة، ويعتقدها عظيمةَ القَدْر، وللمُصاحَبة؛ أي: يرافق نفسَه،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٠٦).
٥٥٧

ويُعزِّزها: ويكرمها؛ كما يُكرِمِ الخليلُ [الخليلَ] حتى تصير مُتكبِّة (١).
(ط): في ((أساس البلاغة)): ذهب به: مَرَّ به مع نفسه، ومن المجاز:
ذهبت به الخُیَلاءُ، انتهى(٢).
* قوله {في ((فيصيبه ما أصابهم)) أبهم الوعيد؛ تهويلاً لشأنه،
ومعلومٌ أن ما أصابهم في الدنيا هو الذلُّ، والصَّغَار، والهَلاكُ،
والبَوارُ، مع ما أُعد لهم في الآخرة من عذاب النار، نسأل الله السلامة.
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢٥٥ -٢٥٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٤٧).
٥٥٨

٧٣- باب
حسنِ الخُلُقِ
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [ن: ٤].
. قال تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَاُلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِِّ﴾ الآية
[آل عمران: ١٣٤].
(الباب الثالث والسبعون)
(في حُسن الخُلُق)
((الخُلقِ)): مَلَكَةٌ نفسانية، يَسهُل على المُتَّصف بها الإتيانُ بالأفعال
الجميلة.
(ن): قال الحسن البصريُّ: حقيقة حسْن الخُلُق بَذْل المعروف، وكَفُّ
الأذى، وطلاقة الوجه.
قال القاضي عياضٌ: هو مخالطة الناس بالجميل، والبِشْر، والتودُّد
لهم، والإشفاق عليهم، واحتمالهم، والحِلْم عنهم، والصبر عليهم في
المَكاره، وترك الاستطالة عليهم، ومُجانبة الغَيْظ، والغضَب، والمُؤاخذة،
قال: وحكى الطبريُّ خلافاً للسَّلَف في حُسْن الخُلُق، هل هو غريزة أم
مُكتَسب؟ قال القاضي: والصَّحيحُ: أن منه ما هو غَريزةٌ، ومنه ما يُكتسب
٥٥٩

بالتخلُّق والاقتداء بغيره، انتهى(١).
قال الوَاسِطيُّ: حُسْنِ الخُلُق: هو أن لا يُخاصِمَ؛ مِن شِدَّة معرفته بالله
تعالى، وقال أيضاً: هو إرضاءُ الخُلُقَ فِي السَّرَّاء والضَّرَّاء.
وقال سَهْلٌ: أدنى حُسْن الخُلُق: الاحتمالُ، وترك المُكافآت، والرحمة
للظالم، والاستغفار له، والشَّفَقَة عليه.
قال الترمذيُّ الحكيم في ((النوادر)): إن الله يُحِبُّ العبدَ على أخلاقه إذا
تخلَّق بها له، فإذا تخلق بها لدُنيا، كان من حُرمة تلك المَكْرُمة التي أُعطيها أن
يُعْقِبَه منها معروفاً، فإن كان ظالماً؛ يَتُبْ عليه، ورُزِقَ الإنابة، وإذا مات على
غير توبة؛ رُحم وغُفر له بحُرمة ذلك الخُلُق، وإذا كان كافراً؛ خُفِّف عنه
العذابُ، ألا ترى إلى قوله وَّهِ الأُمّ حبيبة: ((ذَهبَ حُسْنُ الخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيا
والآخِرَةِ) (٢)، وقال: ((إنَّ العَبْدَ لَيَالُ بِحُسْنِ الخُلُقِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ)(٣)،
وقال في حديث الرُّؤْيا: ((رَأيتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي جَائِياً على رُكْبَتَه، بَيْنَهُ وبَيْنَ الله
حِجَابٌ، فجَاءَ حُسْنُ خُلُقِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلى الله))(٤).
* قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، سُئلت عائشة رضي
(١) انظر: (شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧٨ -٧٩).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٤١١)، وهو حديث منكر. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (١٦٠٤).
(٣) رواه أبو داود (٤٧٩٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٦٤٣).
(٤) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (٢/ ٣١٢) والحديث رواه ابن الجوزي
في ((العلل)) (١١٦٥) وقال: لا يصح.
٥٦٠