Indexed OCR Text
Pages 481-500
٥٨٩ - وعن أَنَسِ : أَنَّ النبيَّ ◌َهِ، وجَدَ تَمْرَةً في الطَّرِيقِ،
فقالَ: ((لَوْلاَ أَنّي أَخافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لأكَلْتُها))، متفقٌ عليه.
(الثَّانِى))
(ن): فيه: تحريم الصدقة عليه وَلافر، وأنه لا فرق بين صدقة الفرض
والتطوُّع؛ إذ الصدقة المُعرَّفة تعُمُّ النوعين، ولم يقل: الزكاة، وفيه:
استعمالُ الورع؛ لأن هذه التمرةَ لا تحرم بمجرد الاحتمال، لكن الورع
تركُها، وفيه: أن التمرةَ ومُحقَّرات الأموال لا يجب تعریفُها، بل هو مُباحٌ
أكلُها، والتصرُّف فيها في الحال؛ لأنه وَّ إنما تركها؛ خشيةً من أن تكون
من الصدقة، لا لكونها لُقَطَةً، وهذا الحكم مُتَّفق عليه، وعلَّله أصحابنا
وغيرُهم؛ بأن صاحبَها في العادة لا يطلبها، ولا يبقى فيها مَطْمَعٌ (١).
(ك): وفيه: أنه لا يجب على المُلتقِط لمُحَقَّرات الأموال أن يتصدَّقَ
بها، ولو كان سبيلُها التصدُّقَ؛ لم يقل: ((لأكلتها))(٢).
(ط): وفيه: تنبيهٌ للمؤمن أن يجتنبَ عَمَّا فيه تردُّدٌ واشتباه لئلا يقعَ
في الحرام(٣).
(ك): وقيل: هذا أشدُّ ما رُوي في التنزُّه عن الشُّبُهات(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧/ ١٧٧ - ١٧٨).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٠٢).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ٧).
٤٨١
٥٩٠ - وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعانَ﴾، عن النبي ◌ِِّ، قال:
((البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ
عَلَيْهِ النَّاسُ))، رواهُ مسلم.
((حَاكَ)) بالحاءِ المهملةِ والكافِ: أَيْ: تَرَدَّدَ فيه.
(الثَّالُِّ)
قوله ريقال : ((البر حسن الخلق)):
(ق): يعني: أن حُسْنَ الخلق أعظمُ خِصَال البِرِّ، كما قال: ((الحَجُّ
عَرَفةُ))، ونعني بحسن الخلق الإنصافَ في المُعاملة، والرِّفقَ في المُجادلةَ،
والعَدْلَ في الأحكام، والبَذْلَ والإحسان، انتهى(١).
وفي ((الغريبين)): ((البر)): اسمٌ جامع للخير كُلُّه، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩]، والبر: الزيادة في الإحسان، والاتِّساعُ فيه.
(ن): البِرُّ يكون بمعنى الصِّلة، وبمعنى الصِّدق، وبمعنى النُّطف
والمَبرَّة، وحسن الصُّحبة والعِشْرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع
حُسن الخُلُق، ومعنى ((حاك في صدرك))؛ أي: تحرَّك فيه وتردّد، ولم ينشرح
له الصَّدْر، وحصل في القلب منه الشكُّ، وخوفُ كونه ذنباً(٢).
(نه): ((حاك في نفسك))؛ أي: أثَّر فيها، ورسخ(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١١).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٧٠).
٤٨٢
(ق): إنما أحاله النبيُّ ◌َّ على هذا الإدراك القلبيِّ؛ لما عَلِم من
جَوْدَة فَهْمه، وحُسْن قريحته، وتنوُّر قلبه، وأنه يُدرك ذلك من نفسه، وهذا
كما قال في الحديث الآخر: ((الإِثْمُ حَوَازُ القُلُوبِ)) (١)؛ يعني به: القلوبَ
المُنشرحةَ للإسلام، المُنوَّرةَ بالعلم، الذي قال فيه مالك: العلم نورٌ يقذفه
الله في القلب، وهذا الجواب لا يصلح لغليظ الطَّبْع، قليل الفَهْم، فإذا سأل
عن ذلك مَن قلَّ فَهْمُه؛ فُصِّلت له الأوامرُ، والنواهي الشرعية، قالت عائشة
رضي الله عنها: أمرنا رسولُ الله ◌َّ﴿ أن نْزِلَ الناسَ مَنازِلَهم(٢).
٥٩١ - وعن وابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ ﴿ه، قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ،
فقالَ: ((جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ؟))، قلت: نعم، فقال: ((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ،
البِرُّ: ما اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، واْمَأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، والإِثْمُ ما حاكَ في
النَّفْسِ، وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ))، حديثٌ
حسن، رواهُ أحمدُ، والدَّارمِيُّ في ((مُسْنَدَيْهِما)).
* قوله والفر: ((جئت تسأل عن البر؟)):
(قض): فيه: مُعجزةٌ ظاهرة لرسول الله وَّةِ؛ فإنه أخبر بما أراد أن
يسأل عنه قبل أن يتفوَّه به، والمعنى: أن الشيء إذا أشكل عليك والتبس،
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٤٣٤) بلفظ: ((جواز)) من حديث عبدالله بن
مسعود ، وهو حديث صحيح موقوفاً. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(١٩٠٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٣).
٤٨٣
ولم تتبيّن أنه من أيِّ القَبيلين؛ فليتأمل فيه إن كان من أهل الاجتهاد،
وليسأل المجتهدين إن كان من المُقلِّدين، فإن وجد ما تسكُن إليه نفسُه،
ويطمئِنُّ به قلبُه، وينشرح به صدره، فليأخذ به، وليختره لنفسه، وإلا؛
فليَدَعْهُ، وليأخذ بما لا شُبهةَ فيه ولا رِيبةَ، هذا طريقة الورَع والاحتياط،
وحاصله راجعٌ إلى حديث الحسن بن علي ـ
ولعله إنما عطف اطمئنانَ القلب على اطمئنان النفس؛ للتقرير
والتأكيد؛ فإن النفس إذا تردّدت في أمر، وتحيَّرت فيه، وزال عنها القَرارُ؛
استتبع ذلك العلاقة التي بينها وبين القلب الذي هو المُتعلِّق الأول لها،
فتنقل العلاقة إليه من تلك الهيئة أثراً، فيحدث فيه خَفقَانٌ واضطرابٌ، ثم
رُبَّما يسري هذا الأثرُ إلى سائر القِوى، فيُحِسُّ بها الحلال والحرام، فإذا
زال ذلك عن النفس؛ وحدث لها قرارٌ وطُمأنينة؛ انعكس الأمر، وتبدَّلت
الحال على ما لها من الفُروع والأعضاء.
وقيل: المَعنيُّ بهذا الأمر أربابُ البصائر من أهل النظر، والفكرة
المُستقيمة، وأصحاب الفِرَاسات من ذوي النفوس المُرتاضة، والقلوب
السليمة؛ فإن نفوسَهم بالطبع تَصْبُو إلى الخير، وتَنْبُو عن الشرِّ؛ فإن الشيء
مُنجَذِبٌ إلى ما يُلائمه، وينفر عمَّا يخالفه، ويكون مُلهِمَه للصَّواب في أکثر
الأحوال(١).
(تو): هذا القولُ وإن كان غيرَ مُستبعَد؛ فإن القول بحمله على
العُموم فيمَن تجمعهم كلمةُ التقوى، وتُحيط بهم دائرةُ الدِّين أَحقُّ وأَهْدَى.
(ط): ولعل هذا الوجه أرجحُ؛ لأن المُرادَ من النفس هو القلبُ على
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ /٢١٦ - ٢١٧).
٤٨٤
الاستعارة؛ لأن الإنسان كما يتقوَّم بالنفس؛ كذلك يتقوَّم بالقلب، وضَرْبُه ◌َله
بكَفِّه على صدر وابِصَةَ؛ كما في بعض روايات هذا الحديث مُخاطباً له
بـ ((نفسك))، وأنه خطابٌ لمثل وابصِةَ، ومَن هو على صفته من شرف
النفس، وكرم الخُلق، دَلَّ على أنه لا ينبغي له أن يتجاوز نفسَه إلى الغير؛
ولذلك جاء بقوله: ((وإن أفتاك الناس))؛ فإنها شرطٌ قُطِع عن الجزاء؛ تتميماً
للكلام السابق، وتقديراً له على سبيل المُبالغة(١).
*
٠ ٠
٥٩٢ - وعَنْ أبي سرْقعَةَ - بكسر السين المهملة ونصبِها - عُقْبَةَ
ابْنِ الحَارِثِ هِ: أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبي إهابٍ بْنِ عَزِيزِ، فَأَتَتَّهُ امْرَأَةٌ
فقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي قَدْ تَزَوَّجَ بها، فقالَ لَها عُقْبَةُ:
ما أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إلى رَسُولِ اللهِوَهُ
بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فقال رَسُولُ اللهِ: ((كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ؟!))،
فَفَارَقَها عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ، رواهُ البخاريُّ.
(إهَابُ)): بكسرِ الهمزة، وَ«عَزِيزٌ)): بفتح العين وبزاي مُكَرَّرة.
(٢)
* قوله: ((فركب إلى رسول الله وَل )):
(ك): قال ابن بَطَّال: هذا يدلُّ على حِرْصِهم على العلم، وإيثارهم
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١٠٨).
(٢) كذا فى الأصل، وحقه أن يكون (الخامس).
٤٨٥
ما يُقرِّبهم إلى الله تعالى، قال الشَّعْبيُّ: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى
أقصى اليمن؛ لِحِفْظ كلمة تنفعه فيما بقي من عُمره؛ لم أر سفرَه يَضِيعُ (١).
* قوله {﴾: «کیف وقد قیل؟!)):
(ط): ((كيف)) سؤال عن الحال، ((وقد قيل)) حال، وهما يستدعيان
عاملاً يعمل فيهما؛ يعني: كيف تباشرها، وتُفضي إليها، وقد قيل: إنك
أخوها؟! أي: ذلك بعيدٌ من ذوي المروءة والورع، وفيه: أن الواجبَ على
المَرْء أن يجتنبَ مواقف التُّهَم والرِّيبة، وإن كان نقيَّ الذَّيْل، بريءَ الساحة،
وأُنشد :
قَدْ قِيلَ ذَلكَ إن حَقّاً وَإِنْ كَذِباً
فمَا اعتِذَارُكَ مِنْ شَيْءٍ إذاَ قِيلًا(٢)
(قض): هذا محمولٌ عند الأكثر على الأخذ بالاحتياط، والحَثِّ
على التورُّع من مَظانِّ الشُّبهة، لا الحُكم بثُبُوت الرَّضاع، وفساد النكاح
بمُجرَّد شهادة المُرضعة؛ إذ لم يَجْر بحضرته بََّ ترافعٌ، وأداءُ شهادة، بل
كان ذلك مُجرَّدَ إخبار واستفسار، وإنما هو كسائر ما يُقبل فيه شهادةُ النساء
الخُلَّصُ، لا يثبت إلا بشهادة أربع، وقال مالك، وابن أبي ليلى، وابن
شُبْرُمَةَ: إنه يثبت بشهادة امرأتين، وعن ابن عباس: أنه يثبت بشهادة
المُرضعة وحَلِفِها، وبه قال الحسنُ، وأحمد، وإسحاق(٣).
(ك): قيل: فيه دليلٌ على أنه لا يشترط العدد في الرَّضَعات في ثبوت
الرَّضاع.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (٢ / ٧٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٩٨).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
٤٨٦
قلت: هو عدم التعرُّض، لا بالدَّلالة، ولا بعدمها، فإن قلت: المفارقة
كانت حاصلة على تقدير ثبوت الرَّضاع، فما معنى ((ففارتها))؟
قلت: الطلاق في مثل هذه الحالة هو الوظيفة؛ ليَحِلَّ للغير نكاحُها
قطعاً(١).
٥٩٣ - وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﴾ قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ
الله : ((دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلَى مَالا يَرِيبُكَ))، رواه الترمذي، وقال:
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
معناهُ: اْرُكْ ما تَشُكُّ فِيهِ، وَخُذْ ما لا تَشُكُّ فِيهِ.
(الِّمُ)
سبق شرحه في (الباب الرابع).
٠
٥٩٤ _ وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها، قالت: كانَ لأَبِي بَكْر
غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وكانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ
الصِّدِّيقِ
خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوماً بِشَيْءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ:
تَذْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّئْتُ لإِنْسانِ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٧٥).
٤٨٧
فِي الجاهِلِِّ، ومَا أُحْسِنُ الكَهَانَةَ، إِلاَّ أَنِّي خَدَعْتُه، فَلَقِيَي، فَأَعْطَانِي
بِذَلِكَ هَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ
في بَطْنِهِ، رواهُ البخاريُّ.
((الخَراجُ)): شَيءٌ يَجْعَلُهُ السَّيِّدُ عَلى عَبْدِهِ يُؤَدِّيهِ إلى السَّيِّد
كُلَّ يَومٍ، وَبَاقِي كَسبِهِ يَكُونُ للعَبْدِ.
(السَّالُِّ)
(ط): الاستثناء في قوله: ((إلا أني خدعته)) مُنقطِعٌ، وإنما قاءَ أبو
بكر ﴿ه؛ لكونه حُلواناً للكاهن، لا للخِدَاعِ، انتهى(١).
زيد في بعض روايات هذا الحديث: فأدخلَ إصْبَعَهُ فِي فِيهِ، وجَعَلَ
يَقِيءُ، حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّ نفسَهُ ستَخْرُجُ، ثم قال: اللَّهُمَّ؛ إنِّي أَعْتَذِرُ إليكَ مِمَّا
حَمَلَت العُرِوقُ، وخَالطَ (٢) الأَمْعَاءُ.
وفي بعض الروايات أنه وَّ﴿ أُخبر بذلك فقال: ((أَمَا عَلِمْتُم أنَّ الصِّدِّيقَ
لا يُدْخِلُ فِي جَوْفِه إلا طَيِّباً)) (٣).
وروي أن عمرَ ظُه شرب من إبل الصدقة غلطاً، فأدخل إصبعَه في
فيه، وتقيّاً.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١١٤).
(٢) في الأصل: ((وخالطه)).
(٣) قال العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (١ / ٤٣٩): لم أجده.
٤٨٨
٥٩٦ - وعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ الصَّحَابِيِّ ◌َ﴿به، قالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((لاَ يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتى يَدَعَ
مَا لاَ بَأْسَ بِهِ، حَذَراً لِمَا بِهِ بَأْسٌ))، رواهُ الترمذي، وقال: حديثٌ
حسنٌ.
[إِلَّافِرُ)]
* قوله تقرير: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين)»:
(ط): ((أن يكون من المتقين)) ظرف ((يبلغ))؛ أي: يبلغ درجة
المتقين، يقال: بلغت المكان: وصلت إليه، وإنما جعل المُتقي مَن يدع
ما لا بأس به حَذَراً ممَّا به بأسٌ؛ لأن المُتَّقي في اللغة اسم فاعل؛ من
قولهم: وقاه فاتقى، والوقاية: فَرْطُ الصِّيانة، ومنه قولهم: فرسٌ واقٍ،
وهذه الدابة تقي مِن وَجَاها: إذا أصابها ضَلْعٌ من غِلَظ الأرض، ورِقَّةً
الحافر، فهي تقي حافرَها أن يصيبَها أدنى شيء يُؤْلِمُه، وهو في الشريعة
الذي يقي نفسَه تعاطيَ ما يستحِقُّ به العُقوبةَ من فعل أو تَرْكِه.
وقيل: التقوى على ثلاثة مراتب:
الأولى: التوقِّي عن العذاب المُخلَّد بالتبرِّي عن الشِّرك؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦].
الثانية: التجنُّب عن كل ما يُؤثّم من فعل أو ترك حتى الصَّغائر عند قوم،
وهو المُتعارَف بالتقوى في الشرع، والمَعْنِيُّ بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْاْ ﴾ [الأعراف: ٩٦].
٤٨٩
الثالثة: أن يتنزَّه عمَّا يشغل سِرَّه عن الحَقِّ، ويقبل بشَرَاشِره إلى الله
تعالى، وهو التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله: ﴿أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران:
١٠٢]، واللام في ((لما به بأس)) بيانٌ لـ ((حذراً)، لا صلة؛ [لأن صلته ((من))؛
من نحو قوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ
الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، كأنه قيل: حذراً لماذا؟ فقيل: (لما به بأس)(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ /٢١٠٩).
٤٩٠
٦٩- بل
استحبابِ العزلةِ عندَ فسادِ الزمانِ
أو الخوفِ من فتنةٍ في الدینِ
أو وقوعٍ في حرامٍ وشبهاتٍ ونحوها
* قال الله تعالى: ﴿فَفِرّوَاْ إِلَى اَللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُِّينٌ ﴾ [الذاريات:
٥٠].
(الباب التاسع والستون)
(استحباب العُزلة عند فساد الزمان)
* قوله تعالى: ﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]؛ أي: الجؤوا إليه،
واعتمدوا في أُموركم عليه.
(الکشاف): فِرُّوا إلی طاعته وثوابه مِن معصيته وعقابه.
(م): بَيِّن المَهروبَ [إليه]، ولم يذكر الذي منه الهربُ؛ ليكون عاماً،
كأنه يقول: كلُّ ما عدا اللهَ عدوٌ لكم؛ ففروا إليه من كل ما عداه؛ فإن عداه
يُتْلِفُ عليك رأسَ مالك الذي هو العُمُر، ومُتلِف رأس المال، ومُفوِّت الكمال
"(١).
عَدوُّ(
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨/ ١٩٥ - ١٩٦).
٤٩١
٥٩٧ - وعن سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴾، قال: سَمِعْت
رَسُولَ اللهِوَ﴿ يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ))،
رواه مسلم.
المُرَاد بـ ((الغَنِيِّ): غَنِيُّ النَّفْسِ، كما سَبَقَ في الحديث
الصحيح.
الأَفْـ
أول الحديث: عن عامر بن سعد قال: كان سعدُ بن أبي وقَّاص في
إيلِهِ، فجاء ابنُه عمر، فلمَّا رآه سعد، قال: أعوذ بالله من شَرِّ هذا الراكب،
فنزل، فقال: أنزلتَ في إِبِلِك وغَنمِك، وتركت الناس يتنازعون المُلْكَ بينهم؟
فضرب سعدٌ في صَدْره، فقال: اسكت، سمعتُ رسولَ اللهِوَل ◌َه يقول: ((إنَّ اللهَ
يُحِبُّ العبدَ الثَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ))، خرّجه مسلم.
استعاذتُه من شرِّ هذا الراكب يحتمل أن یکون ابنه، وقد قال تعالی:
﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، ويحتمل أنه أدرك بفِراسته
الصادقة رغبته في الدنيا، وحِرْصَه على العُلُوِّ في الأرض، فاستعاذ بالله
منه؛ كي لا يصيبَهَ شَرَرٌ من هذه النار المُوقَدة في باطنه .
(ط): ((التقي)): هو أن يتقي المَحارمَ والشُّبُهات، ويتورع عن
المُشْتَهیات(١).
(ن): المراد بالغِنى غِنَى النفس، هذا هو الغِنَ المَحبوبُ؛ لقوله ◌َّه :
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٣٢٧).
٤٩٢
(الغِنَى غِنَى النَّفْسِ)) (١)، وأشار القاضي عياضٌ إلى أن المُرادَ غِنَى المال،
وأما ((الخفي)): فبالخاء المعجمة، هذا هو الموجود في النسخ، والمعروف
في الروايات، معناه: الخَامِلُ المُنقطع إلى العبادة، والاشتغال بأُمور نفسه،
وذكر القاضي أن بعضَ رواة مسلم رواه بالمهملة، ومعناه: الوَصُول للَّحِم،
اللَّطيف بهم وبغيرهم من الضُّعفاء.
وفيه: حُجَّةٌ لمَن يقول: الاعتزال أفضل من الاختلاط، ومَن قال
بتفضيل الاختلاط؛ يتأوَّل هذا على الاعتزال وقتَ الفتنة ونحوها (٢).
(ق): ((الغني)): مَن استغنى بالله، ورضيَ بما قَسَم له، و((الخفي)):
الخَامِلُ الذي لا يريد العُلُوَّ فيها، ولا الظهورَ في مناصبها، وهذا كما جاء
في حديث آخر في صفة وَلَيِّ الله تعالى: ((وكانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ))(٣)؛ أي:
لا يُعرَف موضعُه، ولا يُؤبَهُ له(٤).
(ط): إذا قلنا: إن المُرادَ بالغِنَى غِنَى القلب؛ اشتمل على الفقير
الصابر، والغَنِيِّ الشاكر، فعَمَّ، وكان أَوْلى، وعلى هذا: فـ (الخفي) بالخاء
المعجمة أنسبُ؛ لأن الغنى حينئذ تكميلٌ للتُّقى والخَفَا تتميمٌ للغِنَى؛ لأن
الغني القَلْبِ مُستَغْنٍ بالله تعالى عن الخلق، فيؤثر العُزْلة؛ استئناساً بالله
تعالى، وفي بعض نسخ ((المصابيح)) ألحق بعد قوله: (التقي): (النقي)
(١) رواه البخاري (٦٠٨١)، ومسلم (١٠٥١) من حديث أبي هريرة ظ﴾
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٠٠ - ١٠١).
(٣) رواه الترمذي (٢٣٤٧) من حديث أبي أمامة ﴿ه، وهو حديث ضعيف. انظر:
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٨٦٤).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٢٠).
٤٩٣
بالنون، ولم يوجد في ((صحيح مسلم))، ولا «الحميدي))، ولا («جامع
الأصول))، انتھی(١).
رُوي أن عمر ظُه خرج على مسجد رسول الله بَّهِ، فوجد مُعاذاً عند
قبر رسول الله ريهو يبكي، فقال: ما يُبكيك؟ قال: حديثٌ سمعتُه من
رسول الله وَّه قال: ((الْيَسِيرُ مِنَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، و[مَن] عَادَى أَوْلِيَاءَ الله؛ فقَدْ
بَارزَ اللهَ تعالى بالمُحَارَبَةِ، إنَّ الله يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَنْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ، الذِينَ إِنْ
غَبُوا، لَم يُفْقَدُوا، وإِنْ حَضَرْوا؛ لَمْ يُعْرَفُوا، قُلوبُهم مَصَابِيحُ الهُدَى،
يَخْرُجُونَ مِن كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ))، رواه ابن ماجَهْ، والبيهقي، والحاكم، وقال:
صحيحٌ، ولا عِلَّة له(٢).
وقال ابن مسعود: كونوا ينابيعَ العلم، مصابيحَ الظلام، جُدُدَ القلوب،
خُلقَانَ الثياب، تُعرفون في أهل السماء، وتَخْفَوْن على أهل الأرض.
ولقد أحسن القائل :
عَلى صِرَاطٍ سَويٍّ ثَابتٍ قَدَمُهْ
طُوبَى لِعَبْدٍ بِحَبْلِ الله مُعْتَصَمُهْ
فِي الأَرْضِ مُشْتَهَرٍ فَوْقَ السَّمَاءِ سِمُهْ
رَثِّ الثِّابِ جَدِيدِ القَلْبِ مُسْتَتِرِ
حَتَّى تَرَقَّتْ إِلَى الأُخْرَى بهِ هِمَمُهْ
ما زَالَ يَحْتَقِرُ الأَدْنَى بِهِمَّتِهِ
٥٩٨ - وعن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿هِ، قالَ: قالَ رَجُلٌ: أَيُّ
٠
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٢٧).
(٢) رواه ابن ماجه (٣٩٨٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٧٩٣٣)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٦٣٩٣)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٠٢٩).
٤٩٤
النَّاسِ أَفْضَلُ يَا رَسولَ الله؟ قال: ((مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في
سَبيلِ الله)، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: (ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ في شِعْبٍ مِنْ
الشِّعَابِ بَعْبُدُ ربَّ)».
وفي روايةٍ: ((يَتَّقِي الله، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»، متفقٌ عليه.
(الثَّانِى)
* قوله: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: ((رجل يجاهد)):
(ن): قال القاضي: هذا عامٌّ مخصوصٌ، تقديره: هذا من أفضل
الناس، وإلا؛ فالعلماء أفضل، وكذا الصدِّيقون؛ كما جاءت به الأحاديث(١).
(ق): أي: أيُّ الناس المُجاهد[ين]؛ بدليل أنه أجابه بقوله: ((رجل
يجاهد بنفسه وماله))، ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسَه بالعُزلة عن الناس؛ إذ
كُّ واحد من الرجلين مُجاهدٌ، فالأول للعَدوِّ الخارجيِّ، والآخر للداخليِّ
الذي هو النفسُ والشيطان، يُجاهدهما بقَطْعِ المَألوفات والمُستَحْسَنات؛
من الأهل، والقَرابات، والأصدقاء، والأوطان، والشَّهَوات المُعتادات،
وكل ذلك فِرارٌ بدينه، وخوفٌ عليه، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي مَن وصل
إليه؛ فقد ظَفِرِ بالكبريت الأحمر، غيرَ أن العُزلةَ إنما تكون مطلوبةً إذا كُفِي
المسلمون عدوَّهم، وقام بالجهاد بعضُهم، فأما مع تعيُّن الجهاد: فليس
غيرُه بمُراد، ولذلك بدأ النبيُّ وَّر في هذا الحديث ببيان أفضلية الجهاد على
الجهاد بالعُزلة(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٣ - ٣٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٧٢٢).
٤٩٥
(ن): (الشعب): هو ما انفرج بين جبلين، وليس المُراد نفسَ الشِّعْب
خصوصاً، بل المراد الانفراد والاعتزال، وذكر الشِّعْب مثالاً له؛ لأنه خالٍ عن
الناس غالباً، وهذا الحديث نَحْوُ الحديث الآخر حين سُئل رسول الله مَلآ عن
النَّجاة فقال: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ)(١).
وفي هذا الحديث: دليلٌ لمَن قال بتفضيل العُزلة على الاختلاط،
وفي ذلك خلافٌ مشهورٌ، مذهب الشافعيِّ وأكثر العلماء: أن الاختلاطَ
أفضلُ، بشرط رجاء السلامة من الفِتَن، ومذهبُ طوائف: أن العُزلةَ أفضل،
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث؛ بأنه مَحمولٌ على الاعتزال في زمن الفِتَن
والحُروب، أو هو فيمَن لا يسلم الناسُ منه، أو لا يصبر عليهم، ونحو ذلك
من الخُصوص، وقد كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وجماهير
الصحابة والتابعين، والعُلماء، والزُّمَّاد مختلطين، فيُحصِّلون منافعَ الاختلاط؛
كشهود الجُمعة، والجَماعات، والجَنائز، وعِيَادة المرضى، وحِلَق الذِّكر(٢).
*
٥٩٩ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ
خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَعَفَ الچِبَالِ، وَمَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُ
بِدِينِهِ من الفِتَنِ))، رواه البخاريُّ.
و((شَعَفَ الجِبَالِ)): أَعْلَاَهَا.
(١) رواه الترمذي (٢٤٠٦) من حديث عقبة بن عامر ظه، وهو حديث صحيح لغيره.
انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٧٤١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٤).
٤٩٦
(الثَّالِثُ))
(ط): قال المالكيُّ: ((يوشك)) أحد أفعال المُقارَبة، يقتضي اسماً
مرفوعاً وخبراً منصوبَ المَحلِّ لا يكون إلا فعلاً مضارعاً مقروناً بـ (أن)،
ولا أعلم تجرُّدَه من (أن) إلا في قول الشاعر:
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ
فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا
وقد يُسند إلى (أن) والفعل المضارع، فيَسُدُّ ذلك مسَدَّ اسمها وخبرها
وفي هذا الحديث شاهدٌ على ذلك.
و((غنم)) نكرة موصوفة هو اسم ((يكون)) والخبر قوله: ((خير مال
المسلم)» وهو معرفة، فلا يجوز، إلا أن يُرادَ بالمسلم الجِنسُ، فلا تعيينَ
فيه حينئذ، وفائدة التقديم: أن المطلوبَ حينئذ الاعتزالُ، وتحرِّي الخیرِ
بأيِّ وجه كان، وليس الكلام في الغَنَم، ولذلك أخَّرها (١).
(ك): ((يتبع)) بتشديد التاء المفتوحة، وجاز بسكونها(٢).
(نه): شَعَفُ كلِّ شيء: أعلاه، وجمعها شِعَاف، يريد رأسَ جبل من
الجبال(٣).
(ط): ((مواقع القطر)) عبارةٌ عن العُشب والكَلأ في رأس الجبال(٤).
(ك): الضمير في ((بها)) راجع إلى (الغنم) وهي اسمُ جنس، يجوز تأنيثه
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٠٨).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٠٩).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٨١).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٠٨).
٤٩٧
باعتبار معنى الجمع، وقيّ بالغَنَم؛ لأن هذا النوعَ من المال نموُّه وزيادتُه أبعدُ
من الشوائب المُحرَّمة، كالرِّبا، أو الشُّبُهات المكروهة، وخُصَّت الغنم بذلك؛
لما فيها من السَّكينة والبرَكة، وقد رعاها الأنبياءُ عليهم السلام، مع أنها سهلة
الانقياد، خفيفة المُؤْنة، كثيرة النفع، وقيَّد الاتباعَ بالمَواضع الخالية من ازدحام
الناس؛ لأنه أسلمُ غالباً من المقاولات المُؤدِّية إلى الكُدورات، وقال: ((يفر
بدينه))؛ إشعاراً بأن هذا الاتباعَ ينبغي أن يكون استعصاماً للدِّين، لا لأمر
دُنيوي؛ كطلب كثرة العَلَف، وقِلَّة أطماع الناس فيه.
ولمَّا كان فيه الجمعُ بين الرِّفق، والرِّبح، وصِيانة الدِّين؛ كان خيرَ
الأموال التي يقتنيها المسلم، وفيه: إخبارٌ بأنه يكون في آخر الزمان فِتَنٌ
وفسادٌ بين الناس، وهو يكاد أن يكون من المُعجزات.
فإن قلت: كيف يُجمع بين مُقتضى هذا الحديث، وما نَدَب إليه الشارعُ
من اختلاط أهل المَحَلَّة لإقامة الجماعة، وأهل البلد للجُمعة، وأهل السواد
مع أهل البلد للعيد، وأهل الآفاق للوقوف بعرفة، وبالجُملة اهتمامُ الشارع
بالاجتماع معلومٌ، ولهذا قال الفقهاء: يجوز نقل اللَّقيط من البادية إلى القرية،
ومن القرية إلى البلد، لا عكسهما ولا شَكَّ أن الإنسان مَدنيُّ الطبع، محتاجٌ
إلى السَّواد الأعظم، وكمال الإنسانية لا يحصل إلا بالتمدُّن؟
قلت: ذلك عند عدم الفتنة، وعدم وقوعه في المعاصي، وعند الاجتماع
بالصالحين، أما اتباع الشَّعَف والمَقاطِر، وطلب الخَلْوة والانقطاع: إنما هو
في أضداد هذه الحالة(١).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٠٩ - ١١٠)، وفيه: ((المعاطن)) بدل:
((المقاطر)).
٤٩٨
(ن): فيه: فضل العُزلة في أيام الفِتَن، إلا أن يكون الإنسان مِمَّن له
قُدْرةٌ على إزالة الفتنة؛ فإنه يجب عليه السَّعيُ في إزالتها، إما فرضَ عين،
وإما فرضَ كفاية بحسَب الحال والإمكان، وأما في غير أيام الفتنة:
فاختلف العلماء في العُزلة والاختلاط أيُّهما أفضل؟ مذهبُ الشافعيِّ
والأكثرین إلى تفضیل الخُلطة؛ لما فيه من اكتساب الفوائد، وشُهود شعائر
الإسلام، وتكثير سَواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم، ولو بعِيَادة
المَرضى وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، والتعاون على البِرِّ والتقوى، وحضور جماعاتهم، وغير ذلك مِمَّا
يقدر عليه كلُّ أحد، فإن كان صاحبَ علم وزُهد؛ تأكدَّ فضل اختلاطه،
وذهب آخرون إلى تفضيل العُزلة؛ لما فيها من السَّلامة المُحقَّقة، لكن
بشرط أن يكون عارفاً بوظائف العبادة التي تلزمه، وما يُكلَّف به،
والمختار: تفضيل الخُلطة لمَن لا يغلب على ظنه الوقوعُ في المعاصي(١).
٦٠٠ - وعَنْ أبي هُريرةَ ظُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قالَ: ((مَا بَعَثَ الله
نَبَيَاً إلاَّ رَعَى الغَنَمَ))، فَقَالَ أَصْحَابُه: وَأَنْتَ؟! قالَ: ((نَعَمْ، كُنْتُ
أَرْعَاهَا عَلى قرارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ))، رواه البخاريُّ.
٤
(نه): ((القيراط)): جزء من أجزاء الدينار، وهو نصفُ عُشره في أكثر
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٤).
٤٩٩
البلاد، وأهل الشام يجعلونه جُزءاً من أربعة وعشرين، والياء فيه بدلٌ من
الراء؛ فإن أصله قِرَّاط(١).
(تو): أراد بها قِسْطَ الشهر من أجر الرَّعْيَة، والظاهر أن ذلك لم يكن
يبلغ الدينارَ، أو لم ير أن يذكر مقدارَها؛ استهانة بالحظوظ العاجلة، أو لأنه
نسي الكَمِّية فيها، وعلى الأحوال؛ فإنه قال هذا القولَ؛ تواضُعاً لله تعالى،
وتصريحاً بمِنَّته.
(مظ): عِلَّةُ رَغْيِهِم الغنمَ: أنهم إذا خالطوا الغنمَ، زاد حِلْمُهم
والشَّفقةُ؛ فإنهم إذا صبروا على مَشقَّة الرَّعْي، ودفعوا عنها السَّبُع، والضَّارِيةَ،
واليدَ الخاطفة، وعلموا اختلاف طباعَها، وصبروا على جمعها مع تفرُّقها في
المرعى والمَشْرَب، وعرفوا ضعفَها واحتياجَها إلى النقل من مَرعىّ إلى
مرعىّ، ومن مَسْرَح إلى مُراح، وعرفوا أن مُخالطةَ الناس كمُخالطة الغنم، مع
اختلاف أصنافهم وطِباعهم، وقِلَّة عقول بعضهم، ورَزانتها، فصبروا على
لُحوق المَشقّة من الأُمَّة إليهم، فلا تنفر طباعُهم، ولا تمل نفوسُهم من
دعوتهم إلى الدين؛ لاعتيادهم الضَّررَ والمَشقَّةَ، وعلى هذا شأن السُّلطان مع
الرَّعِيَّة(٢) .
(ن): فيه: فضيلةُ رعاية الغنم، والحِكمةُ في رعاية الأنبياء صلوات
الله عليهم؛ ليأخذوا أَنفُسَهم بالتواضع، وتصفَّى قلوبُهم بالخَلْوة، ويترقَّوا
من سياستها بالنصيحة إلى سياسة أُمَمِهم بالهداية والشَّفَقة (٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٤٢).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٤٩٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٦).
٥٠٠