Indexed OCR Text

Pages 421-440

يزداد طلبه وچِرْصُه ورغبته.
وثالثها: أن الإنسان بقَدْر ما يجد من الدنيا؛ يبقى محروماً عن الآخرة
التي هي أعظمُ السَّعادات والخيرات، ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة؛
علمتَ أن الدنيا مَتاعُ الغرور، قال بعضهم: الدنيا ظاهرها مَظِنَّةُ السُّرور،
وباطنها مَظِنَّة الشُّرور (١).
قوله: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدَّأْ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضٍ
تَمُونُ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ أي: ما تكسب من خير أو شرٍّ، وأين مَضْجَعُه؟ أفي
بحر، أم بَرِّ، أو سَهْل، أو جبل؟
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي عَزَّةَ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إذا أَرَادَ
اللّهُ قَبْضَ رُوحٍ عَبْدٍ بِأَرْضٍ؛ جعَلَ لهُ فيهَا حَاجَةً))، أو قال: ((بِهَا حَاجَةً)(٢).
أنشد ابن أبي الدُّنيا لأَعْشَى هَمْدان:
إِلَى مَنِيَتِه يَسِيُر في عَنَقِ
لا تَأْسَيَنَّ عَلى شَيْءٍ وَكُلُّ فَتِىّ
مُعَلَّلٌ بِأَعَالِيلٍ منَ الحُمُقِ
وكُلُّ مَن ظَنَّ أَنَّ المَوْتَ يُخطِئُهُ
إِنْ لا يَسِيرُ إِلَيْها طَائِعاً يُسَقِ
بِأَيِّمَا بَلْدَةٍ تُقْدَرْ مَنِيُّه
وروى ابنُ ماجَه عن عمر بن عليٍّ مرفوعاً: ((إذا كانَ أَجَلُ أَحَدِكُم
بأَرْضٍ؛ أَتَتْ لهُ إليها حَاجَةٌ، فإذا بلغَ أَقْصَى أَثَرِهِ؛ قَبِضَهُ اللهِ، فَتَقُولُ الأَرْضُ
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩/ ١٠٣).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٢٩)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)» (٣١١).
٤٢١

يومَ القِيَامَةِ: يَا رَبِّ؛ هذا ما أَوْدَعْتَني))(١).
(الكشاف): ربما أقامت نفسٌ بأرض؛ وضربت أوتادها، وقالت:
لا أبرحُها، أو أقُبرُ فيها، فيرمى بها مَرامي القدَر حتى تموت في مكان لم
يَخْطُر ببالها، ولا حَدَّثتها بها ظُنونُها.
روي أن ملَك الموت مَرَّ على سُليمان عليهما السلام، فجعل ينظر
إلى رجل من جُلسائه، ويُديم النظرَ إليه، فقال الرجل: مَن هذا؟ قال: ملَكُ
الموت، قال: كأنه يُريدني، وسأل سُليمانَ أن تحملَه الرِّحُ وتلقيه ببلاد
الهند، ففعل، ثم قال ملَك الموت لسُليمان: كان دوام نظري إليه تَعَجُّباً
منه؛ لأني أمرت أن أَقْبِضَ رُوحَه بالهند، وهو عندك(٢) .
(قض): إنما جعل في أول الآية العلمَ لله سبحانه، والدِّرايةَ للعبد؛ لأن
فيها معنى الحيلة، فيُشعر بالفرق بين العلمين، ويدُلُّ على أنه إن أعمل حِيلةً،
وأنفد فيها وُسْعَه؛ لم يُعرف ما هو الحَقُّ به من كَسْبه وعاقبته، فكيف بغيره(٣)؟!
* قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩]، أمر
عبادَه المؤمنين بكثرة ذكره، ونهاهم أن تشغلَهم الأموال والأولاد عن ذلك،
وأخبر أنه من التلهي بمتاع الدنيا وزينتها؛ فإنه من الخاسرين، الذين خسروا
أنفُسَهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حَثَّهم على الإنفاق في طاعته [قبل] (٤) أن
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٦٣) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٧٤٥).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٥١٢).
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٣٥٣).
(٤) بياض في الأصل.
٤٢٢

يأتيهم الموت، فيندموا، وكلُّ مُفرِّط يندم عند الاحتضار، ويسأل طولَ المُدَّة،
ولو شيئاً يسيراً؛ ليستعتب ويستدرك ما فات، وهيهات، فكان ما كان، وأتی
ما هو آت، وكُلٌّ بحَسَب تفريطه، أما الكُفَّار: فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَ أَجَلٍ
قَرِيبٍ تُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّيِعِ الرُّسُلُّ﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيةَ، ويقولون (١): ﴿رَبّ
أَرْجِعُونِ (٦) لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحَا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ [المؤمنون: ٩٩ -١٠٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]؛ أي:
لا يُنْظِرِ أحداً بعد حُلول أجله، وهو أعلم بمَن يكون صادقاً في قوله، فلو
رُدَّ؛ لعاد إلى شرٌّ مِمَّا كان عليه.
وفي ((سنن الترمذي)) عن ابن عباس ﴿﴾ قال: مَن كان له مَالٌ يُبْلِغُه حَجَّ
بيت رَبِّه، أو يجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل؛ سأل الرَّجْعَةَ عند الموت؛
فقال رجل: يا بن عباس؛ اتق الله، فإنما يسأل الرَّجْعَةَ الكُفْارُ، فقال: سأتلو
عليك بذلك قرآناً: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَاأَنْهِكُمْأَوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَنذِكْرِ
اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] إلى آخر السُّورة، قال: فما يُوجِبُ الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال
مائتين فصاعداً، قال: فما يُوجِب الحجَّ؟ قال: الزَّادُ والبعير(٢).
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي الدَّرداء قال: ذكرنا عند
رسول الله وَ﴿ الزِّيادةَ في العُمُر، فقال: ((إنَّ اللهَ لا يُؤْخِّرُ نَفْساً إذا جاءَ
أَجَلُها، وإن الزِّيادَةَ في العُمُر أن يَرِزُقَ اللهُ العبدَ ذُرِّيَةً صَالِحَةً يَدْعُونَ له،
(١) في الأصل: ((قولهم)).
(٢) رواه الترمذي (٣٣١٦)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٥٨٠٣).
٤٢٣

فَيَلْحَقُهُ دُعاؤُهم في قَبْرِهِ)(١).
* قوله: ﴿حَقََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]:
يخبر تعالى عن حال المُحتَضَرين عند الموت من الكافرين، أو
المُفرِّطين في أمر الله، وقِيلهم عند ذلك، وسُؤالهم الرَّجْعةَ إلى الدنيا؛ ليُصلحَ
ما كان أفسده في مُدَّة حياته؛ كما في آية أخرى: ﴿أَوَ نُرَدُ فَتَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّاً
نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ وفي أخرى: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾
[السجدة: ١٢]، وفي أخرى: ﴿هَلْ إِلَ مَرٍَّ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]، وفي
أخرى: ﴿رَبَّنَآَ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧].
وذكر تعالى أنهم يسألون الرَّجعةَ عند الاحتضار، ووقت النُّشور،
ووقت العَرْض على الجَبَّار، وحين يُعرضون على النار، فلا يُجابون،
وقوله: ﴿َّ﴾ حرفُ رَدْع وزَجْر؛ أي: لا يُجيبه إلى ما طلب، وقوله :
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]؛ أي: لا بدَّ أن يقولها لا محالةَ كلُّ مُحتَضَر
ظالم، ويحتمل أن يكون ذلك علةً لقوله: ﴿56﴾؛ أي: لأنها كلمة؛ أي:
سؤاله الرُّجوعَ ليعمل صالحاً هو كلام منه وقولٌ لا عملَ معه، ولو رجع؛
لَما عمل صالحاً، وكان يكذب في مقالته هذه؛ كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْلَعَادُ واْلِمَا
مُهُواْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
كان العَلاءُ بن زياد يقول: ليُنْزِل أحدُكم نفسَه أنه قد حضره الموتُ،
فاستقال ربّه، فأقاله، فليعمل بطاعة الله.
قال قتادة: والله؛ ما تمنَّى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن
(١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (١٠ / ٣١٧٤)، وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر:
(ضعيف الجامع الصغير)) (١٦٧١).
٤٢٤

تمنَّى أن يرجع، فيعملَ بطاعة الله، فانظروا أُمنيةَ الكافر المُفرِّط، ولا قوة
إلا بالله .
وفي ((مسند ابن أبي حاتم)) عن أبي هريرة قال: إذا وضع - يعني: الكافر -
في قبره؛ فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: رب ارجعون؛ أتوبُ وأعمل
صالحاً، قال: فيقال: قد عُمِّرت ما كنت مُعمَّراً، قال: فيَضِيقُ عليه قبرُه،
قال: فهو كالمَنْهُوش، ينام ويفزع، تَهْوِي إليه هوامُ الأرض وَحَيَّتُها وعقاربها.
قوله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآيِهِم بَّزَخُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]؛ يعني: أمامهم،
قال مجاهد: البرزخ: الحاجز بين الدنيا والآخرة، قال مُحمَّد بن كعب:
البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون،
ولا مع أهل الآخرة يُجازَون بأعمالهم، وقال أبو صخر: البرزخ: المقابر،
لا هم في الدنيا، ولا في الآخرة، وقوله: ﴿إِلَى يَوَّرِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: يستمرُّ بهم
العذاب إلی یوم البعث.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ويلٌ لأهل المعاصي من أهل القبور،
يدخل عليهم في قبورهم حَيَّاتٌ سُودٌ ودُهْمٌ، حَيَّة عند رأسه، وحَيَّة عند
رجليه، يَقْرِضَانه حتى يلتقيان في وسطه، فذلك العذابُ في البرزخ الذي قال
الله: ﴿وَمِن وَرَآبِهِمْ بََّخُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: ١٠٠].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِّخَ فِ الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١]؛ أي: نَفْخَ البَعْث
﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: لا تنفع الأنسابُ يومئذ، ولا يَرْنِي والدٌ لولده،
قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة، جمعَ الله الأولين والآخرين، ثم نادى
مُنادٍ: ألا مَن كان له مَظْلَمةٌ؛ فليَجىء، فليأخذ حَقَّه، قال: فيفرحُ والله
المَرْءُ أن يكون له الحَقُّ على والده، أو ولده، أو زوجته، وإن كان صغيراً،
٤٢٥

ومصْدَاقُ ذلك في كتاب الله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَسَابَ بَيْنَهُمْ﴾
[المؤمنون: ١٠١].
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن المِسْوَر بن مَخْرمةَ: أن رسولَ الله وَّه
قال: ((إنَّ الأَنْسابَ تنقَطِعُ يومَ القِيامَةِ غيرَ نَسَبِي وسَبَبِي وصِهْرِي))(١).
وقوله: ﴿فَمَنْ تَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]؛ أي: مَن رَجَحت
حسناتهُ علی سیئاته، ولو بواحدة، قاله ابن عباس.
وفي ((مسند البزار)) عن أنس بن مالك يرفعه: ((يُؤْتَى بابْنِ آدمَ، فيُوقَفُ
بين كِفَّتِي المِيزَانِ، فإذا تَقُلَ مِيزَانُهُ؛ نَدَى مَلَكٌ بصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلائِقَ:
سَعِدَ فُلانٌ سَعادةً لا يَشْقَى بعدَها أَبَداً، وإن خَفَّ مِيزانُهُ؛ نَدَى بصَوْت
يُسمِعُ الخَلائِقَ: شَقِيَ فُلانٌ شَقَاوَةٌ لا يَسْعَدُ بعدَها أَبَداً))، إسناده ضعيفٌ،
فيه داود بن المُحَبَّر، وهو متروك(٢).
وفي ((مسند ابن مردويه)) عن [أبي الدَّرداء](٣) قال: قال رسول الله وَ هل
في قول الله: ﴿تَلْفَحُ رُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: ((تَلْفَحُهم لَفْحَةً، فَتَسِيلُ
لُحُومُهُم على أَعْقَابِهِمْ))، وقال ابن عباس: ﴿كَلِحُونَ﴾؛ يعني: عابسون.
وفي «مسند أحمد)) عن أبي سعيد الخُدريِّ، عن النبيِّ وَِّ قال:
﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]؛ تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقْلِصُ شَفَتَهُ العُلْيا،
حتَّى تَبْلُغَ وَسْطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرخِي شَفَتُّه اليُسْرَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ»، ورواه
(١) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٤ / ٣٢٣)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)» (٤١٨٩).
(٢) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٩٤٢).
(٣) في الأصل: ((عن ابن))، وبعدها بياض.
٤٢٦

الترمذيُّ، وقال: حسَنٌ صحيحٌ غريب(١).
قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٥]، تقريعٌ من الله
لأهل النار، وتوبيخٌ على ما ارتكبوا من الكُفر، والمَآثم، والمَحارم،
والعَظائم؛ أي: قد أرسلت إليكم الرُّسلَ، وأنزلت إليكم الكُتبَ، وأَزَحْتُ
شُبهتكم، ولم يبق لكم حُجَّة؛ ولهذا قالوا: ﴿رَبََّا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾
[المؤمنون: ١٠٦]؛ أي: قامت علينا الحُجَّة، ولكنا ضَلَلْنا، عنها ولم نتبعها، ثم
قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧]؛ أي: ارْدُدْنا إلى الدار الدنيا، فإن
عُدنا إلى ما سلف منا؛ فنحن ظالمون مُستحِقُون للعُقوبة، فيقال: ﴿أَخَْشُواْ
فِيهَا﴾؛ أي: امكُثُوا صَاغِرِين، مُهَانين، أَذِلاَء، و﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾؛ أي: لا تعودوا
إلی سؤالكم هذا؛ فإنه لا جواب لكم عندي.
في ((مسند ابن أبي حاتم)) عن عبدالله بن عمرو قال: إن أهلَ جهنّمَ
يدعون مَالِكاً، فلا يُجيبهم أربعين عاماً، ثم يَرُدُّ عليهم: إنكم ماكثون،
قال: هانت - والله - دَعْوتُهم على مالك وربّ مالك، ثم يدعون ربّهم:
﴿َرََّا غَلَتْ عَلَيْنَا شِفْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيتين، قال: فيسكت عنهم قَدْرَ
الدنيا مرتين، ثم يَرُدُّ عليهم: ﴿اَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِمُونِ﴾، قال: فوالله؛ ما
نَسَ القومُ بعدها بكلمة، وما هو إلا الزَّفيرُ والشَّهِيقُ في نار جهنّم، قال:
فشُبِّهت أصواتُهم بأصوات الحَمِير، أولها زفيرٌ، وآخرها شهيقٌ(٢).
ثم قال تعالی مُذگِّراً لهم ما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه،
فقال: ﴿إِنَّهُ, كَانَ فَرِيقٌ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوَّكُمْ ذِكْرِى﴾ [المؤمنون: ١١٠]؛
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٨٨)، والترمذي (٢٥٨٧).
(٢) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٨ / ٢٥٠٩).
٤٢٧

أي: حملكم بُغضُهم على أن نسيتُم مُعاملتي، وكنتم تضحكون من صُنعهم
وعبادتهم، ﴿إِنِّ جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: على أذاكم واستهزائكم
منهم، فهم الفائزون بالسَّعادة والسَّلامة.
ثم قال تعالى مُنبِّهاً على ما أضاعوا في عُمُرهم القصير في الدنيا من
طاعة الله : ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِ الْأَرْضِ﴾؛ أي: كم كانت إقامتُكم في الدنيا؟ ﴿ قَالُواْ
لَثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣].
قوله: ﴿لَّوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُ (لو) محذوفٌ، تقديره: لَما
آثرتم الفانيَ على الباقي، ولَما تصرَّفتم لأنفسكم هذا التصرُّفَ السَّيِّئ.
في ((مسند ابن أبي حاتم)) [عن صفوان]، عن أَيْفَع بن عبد الكَلاعيُّ: أنه
سمعه يخطبُ الناسَ فقال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ إذا أَدْخَلِ أَهْلَ الجَنَّةُ
الجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ؛ قال: يا أَهْلَ الجَنَّة؛ كَمْ لَبِئْتُم في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟
قَالُوا: لَبِثْنَا يَوْماً أو بعضَ يَوْمٍ، قال: لَنِعْمَ ما اتَّجَرْتُمْ فِي يَوْمِ، أو بَعْضٍ يَوْمٍ،
[رَحْمَتِي ورِضوَاني وجَنَّتِي، امْكُثُوا فيها خَالِدِينَ مُخلَّدِينَ ثُمَّ يقُولُ: يا أَهَلَ
النَّارِ؛ كم لبِئْتُم في الأَرضِ عددَ سِنِينَ؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعضَ يَومٍ، فَيَقُولُ:
بِثْسَ ما اَّجَرْتُم في يَومِ أو بعض يَومِ]، نَارِي وسَخَطِي، امْكُثوا فيها خَالِدین
مُخَلَّدِينَ))(١).
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، بلا
قصد، أو لا حكمة لنا، وأنكم لا تعودون إلينا في الدار الآخرة.
﴿أَرْجِعُونِ﴾ ذكره بلفظ الجمع؛ لتعظيم المُخاطَب، وقيل: المُراد
(١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٨/ ٢٥١١)، ورواه أيضاً أبو نعيم في ((حلية الأولياء))
(٥/ ١٣٢)، وما بين معكوفتين منهما. قال أبو نعيم: كذا رواه أيفع مرسلاً .
٤٢٨

الملائكة الذين يقبضون الأرواحَ، ولفظ الربِّ للقَسَم، كأنه قال: بَحقِّ الله؛
ارجعون، وهذا منهم على سبيل التمنِّي، وقد علموا أن لا رَجْعةً.
وقوله: ﴿فِيمَا تَكْتُ﴾؛ أي: فيما خَلَّفت من المال؛ لأُؤْدِّي حقَّ الله
منه، وقيل: ﴿فِيمَاتَرَكْتُ﴾؛ أي: قَصَّرت من عبادة الله؛ ليدخل فيه العباداتُ
البَدنيةُ والمالية، والحُقوق.
روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة رضي الله عنها: ((إذا عَاينَ
المُؤمِنُ المَلائِكَةَ؛ قَالُوا: نُرجِعُكَ إلى الدُّنيا؟ فيقول: إلى دار الهُموم
والأحزان؟! لا، بل قُدُوماً على الله، وأمَّا الكَافِرُ: فيقال له: نُرْجِعُكَ؟
فيَقُولُ: ارجِعُوني، فيُقالُ له: إلى أيِّ شَيْءٍ ترغبُ؟ إلى جَمْعِ المَالِ، أو
غَرْسِ الغِرَاسِ، أو بنَاءِ البُنيانِ، أو شَقِّ الأَنْهَارِ؟ فَيَقُولُ: ﴿لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا
فِيمَاتَرَكْتُ﴾ فَيَقُولُ الجَبَّارُ: ﴿َّ﴾))(١).
وفي قوله سبحانه: ﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، فيه: وجهان،
الأول: أنه لا يُخَلِّيها ولا يَسْكتُ عنها؛ لاستيلاء الحسرة عليه.
الثاني: أنه هو قائلها وحدَه لا يُجاب إلیھا، ولا يُسمع منه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]،
وقال في آيه أخرى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾ [الصافات: ٥٠]، وقوله:
﴿يَتَعَارَفُونَ ﴾ [يونس: ٤٥]، فكيف الجمع؟
والجواب: أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، ففيه أزمنةٌ وأحوالٌ
مُختلفة، فيتعارفون ويتساءلون في بعضها، ولا يتساءلون في بعضها،
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١٨ / ٥٢) عن ابن جريج مرسلاً.
٤٢٩

ويتحيَّرون في بعضها؛ لِشِدَّة الفزع، ويحتمل أن ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ صفةٌ
للكُفَّار؛ وذلك لشِدَّة خوفهم، و﴿يَتَسَآءَ لُونَ﴾ صفةُ أهل الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ليس نهياً؛ لأنه
لا تكليفَ في الآخرة، قيل: هو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد
ذلك إلا الزفيرُ والشَّهيقُ، وعن ابن عباس: أن لهم سِتَّ دعوات، إذا دخلوا
النار؛ قالوا ألف سنة: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [السجدة:
١٢]، فيُجابون ﴿حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣]، فيُنادُون ألف
سنة: ﴿رَبَّنَا أَمَّتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، فيجابون: ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ,
إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمٌ﴾ فيُنادُون ألفاً: ﴿يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيَّنَا رَبٌُّ قَالَ إِنَّكُم
◌َّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فينادون ألفاً ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى
كُنَّا نَعَمَلُ ﴾ [فاطر: ٣٧]، فيجابون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾
[فاطر: ٣٧]، فينادون ألفاً سادسة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فيجابون: ﴿اَخَْثُواْ فِيهَا﴾
والغرض من السؤال في قوله: ﴿قَلَ كُمْ لَبِثْتُمْ ﴾ تبکیتھم، وتوبیخهم
في زَعمِهم أن لا لَبْثَ إلا في الدنيا، فلمَّا عاينوا النار، وأنهم فيها خالدون؛
نبّههم بهذا على أن ما ظنوه دائماً طويلاً؛ فهو يَسِيرٌ بالإضافة إلى ما أنكروه.
فإن قيل: كيف يصِحُّ جوابهم ﴿يَوَمَا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ﴾، ولا يقع من أهل
النار الكذبُ؟ قلنا: لعلهم نسوا ذلك؛ لكثرة ما هم فيه من الأهوال؛ ولهذا
قالوا: ﴿فَسْتَلِ الْعَآَدِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣]، قال ابن عباس ظلًّا: أنساهم ما
كانوا فيه من العذاب بين النَّفْخَتين، وقيل: مرادهم تصغيرُ مُدَّة لَبْئهم
وتحقيرها بالإضافة إلى ما وقعوا فيه وعرفوه من دوام العذاب.
٤٣٠

(قض): وقيل: لأن أيام السُّرور قِصَارٌ(١).
(م): ﴿الْعَآَدِينَ﴾ قيل: هم الحفظة؛ فإنهم كانوا يُحصون الأعمارَ،
وأوقات الحياة، وقيل: الملائكة الذين يَعدُّون أيامَ الدنيا وساعاتها(٢)
وقيل: قُرئ: (العادين) بالتخفيف؛ أي: الظَّلَمة؛ فإنهم يقولون مثل
ما قلنا، وقيل: العَادِيِّن: المُعمَّرين من قوم عاد؛ فإنهم يستقصرونها،
فکیف بمَن دونهم(٣)؟!
قوله تعالى: ﴿عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]؛ أي: عابثين؛ كقوله:
﴿َعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]، أو مفعول به؛ أي: ما خلقناكم للعبث، ولولا القيامة؛
لَما تميَّزَ المُطيع من العاصي، والصدِّيق من الزِّنديق، وحينئذ يكون خلقُ هذا
العالم عَبَئاً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:
١٦]، سبق في (الباب الخامس عشر)، ووجه مناسبته لهذا الباب ذَُّ طول
الأمل كما ابتُلي به أهلُ الكتاب من قبلنا.
*
٥٧٤ - وعنِ ابنِ عمرَ ﴾، قالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَله
بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: ((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)).
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﴾ يقول: إِذَا أَمْسَيْتَ، فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ،
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ١٧٠).
(٢) في الأصل: ((سببها)).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٢/ ١١١).
٤٣١

وَإِذَا أَصْبَحْتَ، فَلا تَنْتُظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِك،
وَمِن حَياتِكَ لِمَوْتِكَ، رواه البخاري.
(الأَوْاُ)
سبق في (الباب الخامس والخمسين).
*
٥٧٥ - وعنُه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ،
لَهُ شَيءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)) متفقٌ
عليه، هذا لفظ البخاري.
وفي روايةٍ لمسلمٍ ((يَبِيِتُ ثَلاثَ لَيَالٍ)). قال ابنُ عمر: مَا مَرَّتْ
عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رسولَ اللهِوَّهِ قَالَ ذلِكَ إلَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتي.
(الثَّانِى)
* (الحق) في اللغة: هو الثابت مطلقاً، فإذا أُطلق في الشرع؛ فالمراد
به ثبوت الحكم فيه، ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون واجباً، ومندوباً،
ومُباحاً، لكن إطلاق الحق على المُباح قلَّما يقع في الشريعة، فإن اقترن به
(على)، أو ما في معناها؛ ظهر فيه قَصْدُ الوجوب، وإن لم يقترن به ذلك؛
كان محتملاً للأمرين، كما في هذا الحديث؛ لأنه لم يقترن به قَرِينةٌ تزيل
إجمالهُ، وقوله: ((له شيء يوصي فيه)) عامٌّ في الأموال، والبنين الصِّغار،
والحُقوق التي له وعليه كلُّها؛ من دُيون، وكَفَّارات، وزَكَوَات فرَّط فيها.
٤٣٢

(ط): ((ما)) بمعنى ليس، ((يبيت ليلتين)) صفة ثالثة لـ ((امرئ))
و((يوصي فيه)) صفة ((شيء)) والمستثنى خبر (١).
(مظ): (ليلتين) تأكيد، وليس بتحديد؛ يعني: لا ينبغي له أن يمضيَ
زمان وإن كان قليلاً؛ إلا ووصِيَّتُه مكتوبة(٢).
(ط): في تخصيص (ليلتين) تسامحٌ في إرادة المُبالغة؛ أي: لا ينبغي
له أن يبيت ليلاً، وقد سامحناه في هذا المقدار، فلا ينبغي أن يتجاوز عنه(٣).
(ق): المقصود التعريفُ، وتقليل مُدَّة تَرْك كَتْب الوصِيَّة، والجزمُ
بالمُبادرة إلى كَتْبها أوَّلَ أوقات الإمكان؛ كما فعله ابن عمر؛ لإمكان بَغْتَة
الموت التي لا يَأمنُها العاقل ساعة، ويحتمل أن يكون إنما [خصَّ] اللتين
بالذِّكر؛ فُسْحةً لمن يحتاج إلى أن ينظر في ماله وما عليه، فيتحقَّق بذلك،
ويتفكر فيما يُوصي به، ولمَن يُوصي، إلى غير ذلك(٤).
(ن): (الوصية) مُشتقة من وَصَيتُ الشيءَ أُوصيه: إذا وصلتَه،
وسُمِّيت وصيّةً؛ لأنه وصلَ ما كان في حياته بما بعده، فيه: الحَثُّ على
الوَصِيَّة، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن الجمهور على أنها
مندوبةٌ، لا واجبة، قال داود وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة؛ لهذا
الحديث، ولا دلالةَ لهم، فليس فيه تصريحٌ بإيجابها، لكن إذا كان للإنسان
دَيَّن أو حَقٌّ، أو عنده وَدِيعةٌ ونحوها؛ لزمه الإيصاء بذلك.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٥٠).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٥٤٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٥٠).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤٢).
٤٣٣

قال الشافعيُّ: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة
عنده، فيُستحبُّ تعجيلُها، وأن يكتبَها في صِحَّته، ويُشهد عليه، فإن تجدّد له
أمرٌ يحتاج إلى الوصية به؛ ألحقه بها، قالوا: ولا يُكلَّف أن يكتبَ كل يوم
مُحقَّرات المُعاملات، وجزئيات الأُمور المتكررة.
وقوله: (مكتوبة)؛ أي: قد أشهد عليها، هذا مذهبنا ومذهب
الجمهور، وقال الإمام محمد بن نصر المَرْوَزِيُّ من أصحابنا: يكفي الكتابُ
من غير إشهاد؛ لظاهر الحديث(١).
(ق): ذكر الكتابة مُبالغةٌ في زيادة الاستيثاق؛ لأنه إنما يعنى بكونها
مكتوبةً مشهوداً بها(٢).
٥٧٦ - وعن أَنَسٍ ﴿ه، قال: خَطَّ النَّبيُّ ◌َّهِ خُطُوطً، فقالَ:
((هَذا الإِنسَانُ، وَهَذا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ الخَطُّ
الأَقْرَبُ))، رواه البخاري.
٥٧٧ - وعنِ ابنِ مسعُودٍ ﴿ه، قال: خَطَّ النَّبِيُّ وَّهِ خَطّاً مُرَبَّعاً،
وَخَطَّ خَطّاً في الوَسَطِ ، فَقَالَ: ((هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطاً بِهِ -
أَو: قَد أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصَّغَارُ
الأَعْرَاضُ، فَإِن أَخْطَأَهُ هَذَا، نَهَشَهُ هَذا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذا، نَهَشَهُ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٤ - ٧٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤٢).
٤٣٤

هَذا»، رواه البخاري. وَهَذِهِ صُورَتَهُ:
الأجل
الأعراض
[الثَّالِثُ وَالَّزُ
* قوله: ((خطاً) صورة الخَطِّ هذه.
(ط): ((فبينما هو كذلك))؛ أي: هو طالبٌ لأمله البعيد، فتدركه
الآفاتُ التي هي أقربُ إليه [فُتُؤدِّيه](١) إلى الأجل المُحيط به، انتهى(٢).
وأخذ هذا المعنى الشاعرُ فنظمه، قال:
يا أَيُّهَا المَمْدُودُ آمَالُهُ
مِنْ دُونِ آمَالِكَ آجَالُ
(ك): ((هذا الإنسان)) مبتدأ وخبر؛ أي: هذا الخَطُّ هو الإنسان،
وهذا هو على سبيل التمثيل، فإن قلت: الخطوط ثلاثةٌ؛ لأن الصِّغار كلَّها
[في حكم واحد](٣) والمُشار إليه أربعة، فكيف ذلك؟
قلت: الخَطُّ الدَّاخِلانِيُّ له اعتباران؛ إذ نصفه داخل، ونصفه خارج،
فالمِقدارُ الداخل هو الإنسان فرضاً، والخارج أملهُ، انتهى (٤).
(١) بياض في الأصل.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٢١).
(٣) ما بين معكوفتين من ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٩٥).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٩٥).
٤٣٥

ويمكن أن يقال: خَطَّ للإنسان وأملِهِ خطًّا واحداً طويلاً؛ إيذاناً بأن
الأمل لا ينفكُّ عن الإنسان، وهو مُلاصِقٌ به، ومُلازمٌ له مُتَّصِل به، بخلاف
الأجل؛ إذ هو من العَوارض، والأعراض هي الأمراض والآفات التي تعْتَوِرُ
الإنسان، فإن نجا من هذه الأعراض؛ لا بدَّ وأن يخترمَه الأجل المُحيط،
قیل:
كَالغَرَضِ المَنْصُوبِ للسِّهَامِ
إِنَّ الفَتَّى يُصْبِحُ لِلأَسْقَامِ
والمَرْءُ كالخَالِمِ فِي المَنَامِ
أَخْطَأَ رَامٍ وَأَصَابَ رَامِي
فِي قَابِلٍ مَا فَاتَنِي فِي العَامِ
يَقُولُ إِنِّي بَالِغٌ أَمَامِي
ومَا دَرَى بَغَدْرَةِ الحِمَامِ
(ك): أي: إن تجاوز عنه هذا الغرَضُ؛ لَدَغَهُ الغَرَضُ الآخر، وإن
تجاوز عنه هذه الآفاتُ جميعها؛ من الأمراض المُهلكة، ونحوها؛
(نهشه))؛ أي: لدغه ((هذا))؛ أي: الأجل؛ يعني: إن لم يمت بالموت
الاختراميِّ؛ لا بدَّ وأن يموت بالموت الطبيعيٍّ، وحاصله: أن ابن آدمَ
يتعاطى الأمل، ويَختَلِجُه الأجلُ دون الأمل، قال الشاعر:
الله أصْدَقُ والآمَالُ كَاذِبٌ
وجُلُّ هَذي المُنَى في الصَّدْرِ وَسْوَاسُ
قالوا: والأمل مَذمومٌ لجميع الناس، إلا العُلماءَ؛ فإنه لولا أملهم
وطولُه؛ لما صَنَّفوا، والفرق بينه وبين الأُمنية: أن الأمل ما أمَّلته عن سبب،
والتمنِّي ما تمنَّته من غير سبب، وقيل: الإنسان لا ينفَكُّ من أمل؛ فإن فاته
الأمل؛ عَوَّل على التمنِّي.
قالوا: ومَنْ قَصُرَ أملُه؛ أكرمه الله بأربع كرامات: أنه إذا ظنَّ أنه يموتُ
٤٣٦

عن قريب؛ يجتهد في الطاعة، وتقِلُّ هُمومه؛ فإنه لا يهتمُّ لما يستقبله من
المكروه، ويرضى بالقليل، ويتنوَّرُ قلبُه، انتهى(١).
قيل: مَن طال أملُه؛ ساء عملهُ.
*
٥٧٨ - وعن أَبي هُريرة ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَفِ قالَ: ((بادِرُوا
بِالأَعْمالِ سَبْعاً، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ غِنِىٌ مُطْغِياً، أَوْ
مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفْنِداً، أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ
غائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ؟!))، رواه الترمذي،
وقال: حديثٌ حسنٌ.
,, z"
* قوله: ((هل تنتظرون؟)):
(ط): استبطاء لمَن تفرَّغ لأمر، وهو لا يغتنم الفُرصةَ فيه؛ يعني: المَرء
في الدنيا ينتظر إحدى الحالات المذكورة، فالسَّعيدُ مَن انتهز الفُرصةَ، واغتنم
المُكْنةَ، واشتغل بأداء مُفترَضِهِ ومَسنُونِهِ قبل حُلول رَمْسِه(٢) .
(نه): ((الفند)) في الأصل: الكذب، وأفند: تكلّم بالفَنَدَ(٣).
قال الزَّمَخْشَرِيُّ في ((الفائق)): قالوا للشيخ إذا هَرِمَ: أَفْنَد؛ لأنه يتكلم
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٩٥ - ١٩٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٣)، وفيه: ((مرضه)) بدل: ((رمسه)).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٧٥).
٤٣٧

بالمُحرَّف من الكلام عن سَنَن الصِّحَّة، فشبه بالكاذب في تحريفه، والھرَمُ
المُفْنِدُ من أخوات قولهم: نهارُه صائمٌ.
وقال في ((كتاب العين)): شيخٌ مُفْنِد، ولا يقال: امرأةٌ مُفِدَةٌ؛ لأنها
لا تكون ذاتَ رأي في شبيبتها، فتُفِدُ في كبرها(١).
(تو): ((مفنداً) و((مجهزاً)، الرواية فيهما بالتخفيف، ومَن شدَّد؛ فليس
بمصیب.
(ط): التخفيف في (مفند) إن كان بطريق الرواية؛ فلا نزاعَ، وإلا؛
فلا يَبعُد حملُه على الإسناد المَجازيِّ، كأنَّ الهرمَ يَحمِلُ من رأي صاحبه
إلى أن يَنْسُبه إلى الفَنَدَ(٢).
(نه): ((المجهز)) هو: السريع، يقال: أَجهزَ على الجريح، يُجْهِزُ إذا
أسرع قتله(٣).
(قض): يريد الفُجاءةَ ونحوَها مِمَّا لم يكن بسبب مرض، أو كِبَر
سِنٌّ؛ كقتل، أو غرَق، أو هَدْم.
((الساعة أدهى)؛ أي: أشدُّ الدَّواهي، وأَفْظَعُها؛ من قولهم: دَهَتْهُ
الداهية، وهو الأمر المُنْكَرِ الذي لا يُهتدَى لدوائه، ((وأمُّ)) من جميع
ما يُكابِدُه الإنسان في الدنيا من الشدائد لمَن غفل عن أمرها، ولم يُعِدَّ لها
قبل حُلولها (٤).
(١) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (٣/ ١٤٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٢٢).
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٩٢).
٤٣٨

(ط): الفاء في قوله: ((فالدجال)) تفسيرية؛ لأنه فَسَّر ما أُبْهِمَ فيما
سبق، والواو في (والساعة) نائبةٌ مَناب الفاء؛ لمُناسبة العطف، انتهى(١).
قال بعض العلماء في معناه: أيها الرَّاغبُ في الدنيا وحياتها؛ ماذا
تنتظر منها؟! وهل هي إلا غِنِىَ يؤدِّي بك إلى الطُّغيان، وسُخْط الرَّحمن،
أو فقراً يُنسيك جميعَ لذَّاتِها وشَهَواتِها، ويُغْفِلك عن العبادات المفروضة
عليك، أو مرضاً يفسد عليك حياتك، فتصير طريحَ الفراش، مُحتاجاً إلى
من يناولك طعاماً وشراباً، ويذبُّ عنك ذباباً، وإلى مَن يُضجعك ويُنيمُك،
ويُجلِسُك ويُقيمك؛ حيث تَقَهْقَرُ(٢) القِوى والقُدَر؛ ويُودَّعُ الهوى والأَشَر،
أو هو ما يحملك علی کثرة الهَذَیان، فتصير ما کنت ترغب فيه تهرب عنه.
وقيل: كفى بالسَّلامة داءً أو هي ما (٣) يُسرع إليك، ويُزعِجُك من القَصْر
إلى القَبْرِ، وفي الخبر: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّاتِ))(٤)، أو تنتظر خروجَ الدَّجَّالِ
وحينئذ يُسَدُّ بابُ قَبول الأعمال، أو قيامَ الساعة، فبئس ما تنتظر، ﴿وَالسَّاعَةُ
أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ [القمر: ٤٦].
٥٧٩ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِم
اللَّذَّاتِ))؛ يَعني: المَوْتَ، رواهُ الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٤).
(٢) في الأصل: ((تفقهر)).
(٣) في الأصل: ((أموياً)).
(٤) رواه الترمذي (٢٣٠٧)، والنسائي (١٨٢٤)، وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء
الغليل)) (٦٨٢).
٤٣٩

4:
١٧٤٧
* قوله : *: ((أكثروا ذكر هادم اللذات)):
(ط): شَبَّه اللذَّات الفانية، والشَّهواتِ العاجلة، ثمَّ زوالَها ببناء مُرتفع
ينهدم بصَدَمات هائلة، ثم أمر المُنْهَمِكَ فيها بذكر الهادم؛ لئلا يستمرَّ على
الرُّكون إليها، ويشتغل عمَّا يجب عليه من التزوُّد إلى دار القَرار، انتهى(١).
((هادم)) بالدال المهملة، وفي ((غريب الخطابي)) بالمعجمة، وقال أبو
القاسم السُّهَيْلِيُّ في ((شرح السِّيَر)): هاذم، بالذال المعجمة(٢)، وبه قال الشيخ
جمال الدين الإسْنويُّ في ((المُهِمَّات))، قال: هو كما في ((صحاح الجوهري)
يقال: سيفُ هَاذِمٌ بالذال المعجمة، وروى هذا الحديث ابن حبان في
((صحيحه))، وزاد: ((فإنَّهُ ما ذَكَرَهُ أَحدٌ في ضِيقٍ؛ إلاَّ وَسَّعَهُ، ولا ذَكَرَهُ في
سَعَةٍ؛ إلاَّ ضَيَّقَها عليه))(٣).
وفي ((سنن الترمذي)) وحَسَّنه: عن أبي سعيد الخُدريّ څ﴾ قال: دخل
رسول الله وَّجُ مُصلاَه، فرأى الناس كأنهم يَكتَشِرونَ، فقال: ((أما إنَّكُم لَوْ
أَكثَرْتُم ذكرَ هَادِمِ اللذَّاتِ؛ لَشغَلَكُم عمَّا أَرَى المَوْتُ؛ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ
اللذَّاتِ المَوْتِ؛ فإِنَّه لَم يَأْتِ على القَبْرِ يَوْمٌ إلاَّ تَكلَّمَ فيه، فِيَقُولُ: أنا بَيْتُ
الغُرْبَةِ، وأَنَا بَيْتُ الوِحْدَةِ، وأنا بَيْتُ التُّرابِ، وأنا بَيْتُ الدُّودِ، فإذا دُفِنَ العبدُ
المُؤمِنُ؛ قالَ له القَبْرُ: مَرْحَباً وَأهْلاً، أما إن كُنْتَ لأَحَبَّ مَن يَمْشِي على
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٦٦).
(٢) انظر: ((الروض الأنف)) للسهيلي (٣/ ٢٥٥).
(٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٩٩٣) من حديث أبي هريرة ، وهو حديث
حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٢١١).
٤٤٠