Indexed OCR Text
Pages 401-420
في شيء عند قِلَتها، ثم يُقسم، وليس المُراد بهذا القِسْمةَ المعروفة في كتب الفقه بشروطها، ومنعها في الرَّبويات، واشتراط المُساواة وغيرها، وإنما المُراد إباحةُ بعضهم بعضاً، ومُواساتهم بالموجود(١). (ق): هذا الحديث يدل على أن الغالبَ على الأشعريين الإيثارُ والمُواساة عند الحاجة، وفي الصَّحيح عنه ◌َّهِ: ((إنِّي لأَعْرِفَ أَصْوَاتَ رُفْقَةٍ الأَشْعَرِيِّين بالقُرْآنِ حين [يدخُلونَ بِاللَّيْل]))(٢)، فثبت لهم البِشَارةُ بأنهم عُلماء عاملون، گُرَماءُ مؤثرون، ثم إنه پے شرًّفهم بإضافتهم إلیه، ثم زاد في التشريف؛ بأن أضاف نفسه إليهم، ويمكن أن يكون معنى ((هم مني)) فعلوا مثلَ فعلي، وفعلي من ذلك مثل ما يفعلون؛ كما قال بعضُ الشُّعراء: وقُلْتُ أَخْ قَالُوا أَخْ وكَرَامَةٌ فَقُلْتُ لَهُم إِنَّ الشُّكُولَ أَقَارِبُ نَسِيبِيَ فِي رَأْيِي وعَزْمِي ومَذْهَبِي وَإِنْ خَالفَتْنَا فِي الأُمُورِ المُناسِبُ(٣) (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٦٢). (٢) رواه البخاري (٣٩٩١)، ومسلم (٢٤٩٩) من حديث أبي موسى (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٥٢). ٤٠١ ٦٣- باب التنافسِ في أمورِ الآخرةِ والاستكثارِ مما يُتَبَرَّكُ به * قال الله تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. (الباب الثالث والستون) (في التنافُس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به) * قوله تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَتَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]؛ أي: في مثل حال الأبرار الذين هم في نَعِيمٍ على الأرائك إلى آخر الآيات، فليتفاخر المُتفاخرون، وليتباهَ، ويتكاثرَ إلى مثله المُسْتَبقُون. (م): (التنافس): [تفاعل، كأن] كلَّ واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به، والمعنى في ذلك: فليرغب الراغبون بالمُبادرة إلى طاعة الله، والمُبالغة في الترغيب فيه تدلُّ على عُلُوِّ شأنه(١). ٥٦٩ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سعدٍ ◌َُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَن يَسَارِهِ الأَشْيَاغُ، (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣١/ ٩١). ٤٠٢ فقالَ لِلْغُلامِ: (أَتَأْذَنْ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟))، فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ. يا رسُولَ الله! لا أُوْثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً، فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِوَلِ فِي يَدِهِ، متفقٌ عليه. (ثَلَّهُ)) بالتاءِ المثناةِ فوق: أَيْ: وَضَعَهُ، وهَذا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسِ * قوله: ((عن يمينه غلام)) : (ن): جاء في ((مسند أبي بكر بن أبي شيبة)): أن هذا الغُلامَ كان عبدَالله بن عباس، ومن الأشياخ خالد بن الوليد، وإنما استأذن وَّ﴿ منه؛ ثقةً بطِيب نفسه بأصل الاستئذان، لا سيَّما والأشياخُ أقاربُه. قال القاضي: وفي بعض الروايات: ((عَمُّك وابنُ عَمَّك، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَه؟))، وفعل ذلك أيضاً؛ تألفاً لقُلوب الأشياخ، وإعلاماً بؤُدِّهم، وإيثار كرامتهم إذا لم تمنع منها سُنَّة، وتضمَّن ذلك أيضاً بيانُ هذه السُّنَّة، وهي : أن الأيمنَ فالأيمن أَوْلَى، ولا يدفع إلى غيره إلا بإذنه، وأنه لا يلزمه الإذنُ، وأنه ينبغي له أن لا يأذنَ فيه إذا كان فيه تفويتُ فضيلة أُخروية، ومَصلحة دِينية؛ كهذه الصورة، وقد نصَّ أصحابُنا وغيرُهم: أنه لا يُؤثرُ في القُرَب، وأما الإيثار المَحمودُ: ما كان في حُظوظ النفس، دُونَ الطاعات، قالوا: فيُكره أن يُؤثِرِ غيرَه بمَوضِعِه في الصَّفِّ الأوَّل، ولذلك نظائرُ. وفي هذا الحديث: استحبابُ البُداءة باليمين في الشُّرب ونحوه، وهذا مِمَّا لا خلافَ فيه، وفيه: أن مَن سبق إلى موضع مُباحٍ، أو مجلس ٤٠٣ العالم أو الكبير؛ فهو أحقُّ به ممُّن يَجيُ بعده(١). * قوله: ((والله لا أوثر بنصيبي منك أحداً): (ق): هذا منه قولٌ أبرز ما كان عنده من تعظيم رسول الله الص﴿، ومَحبَّته، واغتنام بركته، مع صِغَر سِنِّه(٢). (ط): اللام في ((لا أوثر)) لتأكيد النفي؛ أي: لا ينبغي لي، ولا يستقيمُ مِنِّ أن أُوثِرَ بفضلك أحداً، وإنما نَكَّرَه؛ تعظيماً، أو تقليلاً لِيَعُمّ(٣). (ك): فإن قيل: ورد في الحديث ((كَبِّرْ كَبِّر)). قلت: ذلك فيما إذا استوت حالُ القوم في شيء واحد، فأما إذا كان لبعضهم فَضْلٌ على بعض؛ فصاحبُ الفَضْلِ أَوْلى، وكان ◌ِّهِ يُحِبُّ التيامُنَ في جميع الأشياء؛ استشعاراً منه بما شرَّف الله به أهلَ اليَمين (٤). ٥٧٠ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ه، عنِ النَّبِيِّوَ﴿ِ، قالَ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ عليهِ السلامِ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُوبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ ◌َ: يَا أَيُّوبُ! أَمْ أَكُنْ أَغْنَيْئُكَ عَمَّا تَرَى؟! قال: بَلَى وَعِزَّتِكَ! وَلكِنْ لا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ))، رواه البخاري. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠١ - ٢٠٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٩١). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٨٠). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٦٣). ٤٠٤ * قوله الخ: ((بينا أيوب)): (ك): هو النبيُّ المُبتلى الصَّابر من ولد رُوم - بضم الراء - بن العِيص - بكسر المهملة، وسكون التحتانية، وبالمهملة - بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، ومدة بلائه سبع سنين، و((أيوب)) مبتدأ، و((يغتسل)) خبره، والجملة في محل الجر بإضافة (بين)) إليه، وأصل (بينا): بين، زيدت الألف؛ لإشباع الفتحة، والعامل فيه (خرّ)، فإن قلت: ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله؛ لأن فيه معنى الجزائية؛ إذ (بين) مُتضمِّن للشرط . قلت: في الظرف توسُّع، أو العامل (خرّ) مُقدَّرٌ، والمذكور مُفسِّر لهَ قال ابنُ بَطَّال: في هذا الحديث دليلٌ على إباحة التعرِّي في الخَلْوة للغُسل وغيره؛ بحيث يأمن أَعيُنَ الناس؛ لأنه من الذين أمرنا الله أن نقتديَ بهديهم، ولو كلف الله عبادَه الاستتارَ في الخَلْوة؛ لكان في ذلك حرَجٌ على العباد، إلا أنه من الآداب(١). (ن): فيه: جوازُ الغُسل عُرياناً في الخَلْوة، وإن كان ستر العورة [أفضل]، وبهذا قال الشافعيُّ، ومالك، وأحمدُ، وجماهير العلماء، وخالفهم ابنُ أبي ليلى، وقال: إن للماء ساكناً، واحتجَّ في ذلك بحديث ضعيف(٢). وأما كشف العورة في حال الخَلْوة: إن كان لحاجة؛ جاز، والزيادة على قدر الحاجة حرامٌ على الأَصحِّ؛ وإن كان لغير حاجة؛ ففيه خلافٌ في (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٣/ ١٤٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٢٧). ٤٠٥ کراهته وتحریمہ، والأصُّ عندنا أنه حرامٌ. (نه): خَرَّ يَخرُّ بالضم والكسر: إذا سقط من عُلُوٍ(١)، و((الرِّجل)) بالكسر: الجراد الكثير(٢). (ك): ((رجل جراد))؛ أي: جماعة من الجراد؛ كما يقال: سِرْبٌ من الظُّاء، وغابَةٌ من الحُمُر، وهو من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها، والجَرادُ مِمَّا يُفرَّق بين الجنس والواحد منه بالتاء؛ نحو تَمْرة(٣). (ط): الفاء في قوله: ((فخر عليه)) زائدة كالأولى من قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]؛ لأن الباء في (بذلك) متعلقة بما بعده، قُدِم للاختصاص، انتھی(٤). قال صاحب ((المطالع)): ((يحثي)) بفتح الياء؛ أي: يَعرِفُ بيده. (ك): فيه: دليلٌ على أن مَن نُثُر عليه دراهمٌ أو نحوُه في الإملاك وغيره؛ كان أحقَّ بما نُثر عليه، إن شاء؛ أخذها لنفسه، وإن شاء؛ جعلها لغيره(٥) . (ط): [((ألم أكن أغنيتك؟)) هذا ليس بعتاب منه تعالى؛ فإن الإنسان وإن كان مُثْرِياً](٦)؛ لا يشبع بثرائه، بل يريد المزيد عليه، بل من قَبِيل (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢١). (٢) المرجع السابق (٢/ ٢٠٣). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للکرماني (١٤ / ٤٢، ٣/ ١٤٢). (٤) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (١١ / ٣٦٠٨). (٥) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٤٢ - ٤٣). (٦) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٦٠٨). ٤٠٦ التلطّف والامتحان بأنه هل يشكر على ما أنعم عليه، فيزيد في الشكر، وإليه الإشارة بقوله: ((ولكن لا غنى بي عن بركتك))، ونحوه قولُه ◌ٍَّ لِعُمرَ حَ له: ((مَا أَتَاكَ مِنْ هذا المَالِ، وأَنْتَ غيرُ مُشرفٍ ولا سَائِلٍ؛ فخُذْهُ، وما لا؛ فلا تَتْبِعْهُ نَفْسَكَ))(١). (ك): قوله: ((بلى))؛ أي: أغنيتني، ولو قيل في مثل هذا الموضع بدلَ (بلى): (نعم)؛ لا يجوز، بل يكون كُفراً، وأما الفقهاء: فلم يُفرقوا بين (بلى) و(نعم) في الأقارير؛ لأن مبناها العُرف، ولا فرق بينهما عُرفاً، و(لا) في قوله: ((لا غنى بي)) يحتمل أن تكون لنفي الجنس، أو بمعنى (ليس)، فعلى الأول: (غنى) مبنيٌّ على ما ينصب به، ولا تنوينَ، وعلى الثاني: هو مرفوع مُنَّونٌ، و(غنى) نكرة في سياق النفي تفيد العُموم، وخبر (لا) هو لفظة (بي)، أو (عن بركتك)(٢). قال ابنُ بَطَّال: فیه: فضل الغِنى؛ لأنه سَمَّاه بركةً، وفيه: جواز الحِرْص على المال الحلال، انتهى(٣). ليس هذا على ما ذهب إليه؛ إذ درجة الأنبياء عليهم السلام تتعالى عن الحِرْص على أعراض الدنيا، وإن كان حلالاً، لكن لمَّا ابتُلي عليه السلام، ورُزق من الصبر حظاً وافراً، [و] قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِراً﴾ [ص: ٤٤]؛ أراد أن يستوفيَ حَظَّه من الشُّكر أيضاً عند الرِّضا؛ ليجده (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٦٠٨ - ٣٦٠٩)، والحديث رواه البخاري (١٤٠٤)، ومسلم (١٠٤٥) من حديث ابن عمر خیھا. (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤٢/٣ - ١٤٣). (٣) انظر: ((شرح البخاري)) لابن بطال (١ / ٣٩٥). ٤٠٧ شاكراً، وكانت النِّعمُ الإلهية، ولمَّا رأى سُقوطَ رِجْلٍ من الجراد من ذهب خارقاً للعادة؛ علم أنه فضلٌ من ربِّه تعالى سبق إليه للشُّكر، و[لمَّا] لم يكن من الأدب الإعراضُ عنه؛ طَفِقِ بجمعه في ثوبه قائلاً: لا ((غنى بي عن برکتك». ٤٠٨ ٦٤- باب فضلِ الغنيِّ الشاكرِ، وهو مَنْ أخذَ المالَ من وجهِه، وصرفه في وجوهِه المأمورِ بھا قال الله تعالى: ﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى ﴾ وَصَدَّقَ بِالْمُنْفَ لْ فَسَتْيَسِرُهُ. لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ -٧]. * وقال تعالى: ﴿وَسَيُجَتَُّهَا الْأَنْقَى ◌َ الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ, يَتَزَّكُى ١٨ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَ ن إِلَّا آبِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِ اُلْأَعْلَ ا وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١]. * وقال تعالى: ﴿إِن تُبْدُ واْالصَّدَقَتِ فَنِعِمَا مِيِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]. * وَقال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَبُ وَمَا نُنْفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]. والآيات في فضلِ الإنفاقِ في الطاعات كثيرةٌ مَعْلُومَةٌ . ٤٠٩ (الباب الرابع والستون) (في فضل الغَنِي الشاكر، وهو أخذ المال من وجه، وصرفُه في وجوهه المأمور بها) * قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِاَ لْسُتُقَ﴾ [الليل: ٥ -٦]؛ أي: أعطى ما أُمر بإخراجه، واتقى الله في أُموره، ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُتْفَ﴾؛ أي: بالمُجازاة على ذلك، قاله قتادة، وقال خُصَيْفٌ: بالثواب، وقال ابن عباس، وعِكرمةُ، وأبو صالح، وزيد بن أسلمَ: أي: بالخَلَف، وقال أبو عبد الرحمن السُّلميُّ، والضخَّاك: أي: بـ (لا إله إلا الله)، وفي رواية عن عكرمة: أي: بما أنعم الله علیه. وفي ((مسند ابن أبي حاتم)) عن أُبيِّ بن كعب قال: سألت رسولَ الله وَ ه عن الحُسنى، قال: ((الحُسْنَى: الجَنَّةُ))(١). وقوله: ﴿لِلْسُبْرَى﴾ قال: ابن عباس: يعني: للخير(٢)، قال زيد بن أسلمَ: يعني: الجنة. وقال بعضُ السَّلَف: ثواب الحسنةِ [الحسنةُ] بعدها، ومن جزاء السيئةِ [السيئةُ] بعدها؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَأَمَا مَنْ بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] الآيَةَ. * قوله: ﴿وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْقَى بِ الَّذِى﴾ [الليل: ١٧ - ١٨]؛ أي: سَيُزحزح على النار التقيُّ والنقِيُّ الأتقى، ثم فسره بقوله: ﴿يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّى﴾ [الليل: ١٨]؛ أي: يصرف مالَه في طاعة ربه؛ ليزكِّيَ نفسَه ومالَه، وما وهبه الله من دِین (١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٣/ ١٠٤٤). (٢) في الأصل: ((للجنة))، والتصويب من ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٧٢). ٤١٠ ودُنيا، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نَعْمَةٍ تُجْرَ﴾ [الليل: ١٩]؛ أي: ليس بَذْلُه مالَه في مُكافأة مَن أَسْدَى إليه معروفاً، فهو يُعطي في مقابلة ذلك، وإنما دَفْعُه ذلك ﴿اَرْفَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلَ﴾ [الليل: ٢٠]؛ أي: طمعاً في أن يحصل له رُؤيته في الدار الآخرة، في رَوْضَات الجَنَّت، ﴿وَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١]، مَن اتصف بهذه الصِّفات، وقد ذكر غيرُ واحد من المُفسِّرين أن هذه الآيات نزلن في أبي بكر الصدِّيقِ ظُهِ، حتَّى إنَّ بعضَ المُفسِّرين حكى الإجماعَ على ذلك، ولا شكَّ أنه داخل فيها، وأُوْلِى الأُمَّة بعُمومها؛ فإن لفظها لفظُ العُموم. (الثعلبي): قال ابن الزُّبَير: كان أبو بكر رَظُ يبتاع الضَّعَفة، فيُعتقهم، فقال له أبوه: أي بُنيَّ؛ لو كنت تبتاع مَن يمنع ظهرَك، قال: مَنْعَ ظهري أُريد، فنزل: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى﴾ [الليل: ١٧]، إلى آخر السورة، وقال سعيد بن المُسيَّب: بلغني أن أُميَّة بن خَلَف قال لأبي بكر حين قال له أبو بكر: تبيعُه؟ يعني: بلالاً، قال: نعم أبيعه بِنِسْطَاس، وكان نِسْطَاسُ عبداً لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار، وغِلْمَان وجَوارٍ، وكان مُشركاً، وحمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون مالُه له، فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلما قال أُميَّة: أتبيعه بغُلامك نسطاس؟ اغتنمه وباعه به، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك بيلال إلا ليَدٍ كانت لبلال عنده، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُمِنْ نِعْمَةٍ تُجْرٌَ﴾ [الليل: ١٩] الآيات، وقيل: حمل أبو بكر رِطْلاً من ذهب، فابتاع بلالاً . (الكشاف): ﴿يَتَزََّى﴾ من الزَّكاء؛ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يريد به رياءً، ولا سُمعة، أو يتفعل من الزكاة، ومَحلُّه النصبُ إن جعلته حالاً من الضمير في ﴿يُؤْتِ﴾، وإن جعلته بدلاً من ﴿يُؤْتِ﴾، فلا محلَّ له؛ ٤١١ لأنه داخلٌ في حكم الصِّلة، والصِّلاتُ لا محلَّ لها(١). * قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُ واْ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧١](٢). ٥٧١ - وعَنْ عبدِ الله بن مسعودٍ ◌ُه، قال: قالَ رَسُولُ الله ◌ِّى : ((لا حَسَدَ إِلَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آَتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحقِّ، ورجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فُهو يَقْضِي بِها ويُعَلِّمُهَا))، متفقٌ عليه، وتقدم شرحُه قريباً. ٥٧٢ - وعنِ ابْنِ عمرَ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا حَسَدَ إِلَّ في اثْنَتَيْنٍ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآَنَءَ النَّهارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ))، متفقٌ عليه. ((الْآنَاءُ)): السَّاعَاتُ. * قوله في ((لا حسد إلا في اثنين)): سبق شرحه في (الباب الستين). * وقوله: ((فهو يقوم به))؛ أي: بأوامره، ونواهيه، وتلاوة ألفاظه، والتفكُّر في معانيه. (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٧٦٩ - ٧٧٠). (٢) كذا في الأصل بدون شرح. ٤١٢ ٥٧٣ _ وعَن أَبي هُرِيرَةَ : أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِوَ﴿، فَقَالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلاَ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: ((ومَا ذَاكَ؟))، فَقَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، ويَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ ولا نتصَدَّقُ، ويُعْتِقُونَ ولا نُعْتِقُ، فقالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّ مَنْ صَنَعَ مِثلَ ما صَنَعْتُم؟))، قالوا: بَلَى يا رسولَ الله، قالَ: ((تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وتُكَبِّرُونَ، دُبْرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثَاً وثَلاثِينَ مَرَّةً))، فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمَوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلوا مِثْلَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ))، متفقٌ عليه وهذا لفظ روايةٍ مسلم. ((الدُّثُورُ)): الأموالُ الكَثِيرَةُ، والله أعلم. * قوله ﴿: ((ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى)): (ط): الباء فيه للمُصاحبة؛ أي: استَصْحَبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومَضَوْا بها، ولم يتركوا لنا شيئاً منها، فما حالنا يا رسولَ الله؟ ووصف النعيم بالمُقيم تعريضٌ بالنعيم العاجل؛ فإنه قلما يَصْفُو، وإن صفا؛ فهو في وَشْك الزوال، وسُرعة الانتقال. فإن قلت: ما معنى الأفضلية في قوله: ((لا يكون أحدٌ أفضل منكم)) مع قوله: ((إلا مَن صنع مثلَ ما صنعتم))، فإن الأفضلية تقتضي الزيادة، ٤١٣ والمِثْلية المُساواةَ؟ قلت: هو من باب قوله : إلاَّ اليَعَافِيرُ وإِلاَّ الِعِيسُ وبَلْدةٍ لَيسَ بِهَا أَنِيسُ يعني: إن قُدِّر أن المِثلية تقتضي الأفضليةَ؛ فتحصل الأفضليةُ، وقد عُلم أنه لا تقتضيها، فإذاً؛ لا يكون أحدٌ أفضلَ منكم، هذا على مذهب التَّمِيمِيِّ، ويحتمل أن يكون المعنى: ليس أحدٌ أفضلَ منكم إلا هؤلاء؛ فإنهم يُساوونكم، وأن يكون المعنى بأحد الأغنياء؛ أي: ليس أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَن صنع مثل ما صنعتم (١) . (ك): فإن قلت: كيف يساوي قول هؤلاء الكلمات - مع سهولتها أو عدم مَشقَّتها - الأُمورَ الصِّعاب الشاقَّةَ؛ من الجهاد ونحوه، وأفضلُ العبادات أَحْمَزها؟! قلت: أداءُ هذه الكلمات حَقَّها من الإخلاص سيَّما الحَمْدِ في حال الفقر من أعظم الأعمال وأشقُّها، ثم إن الثواب ليس بلازم أن يكون على قَدْرِ المَشقَّة، ألا ترى في التلفظ بكلمة الشهادة من الثواب ما ليس في كثير من العبادات الشاقَّة؟! وكذلك الكلمة المُتضمِّنة لتمهيد قاعدة خير عامٌ، ونحوها. قال العلماء: إن إدراك صُحبة رسول الله وَل﴿ لحظةً خيرٌ وفضيلةٌ لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتُها بشيء، ثم إن نيَّتهم أنهم لو كانوا أغنياء؛ لعملوا مثلَ عملهم وزيادةً، ونِيَّة المُؤمن خيرٌ من عمله، فلهم ثواب هذه (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٥٩ - ١٠٦٠). ٤١٤ النية وهذه الأذكار. فإن قلت: [فالأغنياء] إذا سَبَّحوا؛ يترجَّحون، فبقي بحاله ما شكا الفقراءُ منه، وهو رُجْحَانُهم من جهة الجهاد ونحوه. قلت: مَقصودُ الفقراء تحصيلُ الدرجات العُلا، والنعيم المُقيم لهم أيضاً، لا نَفْيُ زيادتهم مطلقاً. وفيه: أن الغنيَّ الشاكر أفضلُ من الفقير الصابر (١). (ط): لكن لا يخلو من أنواع الخَطَرِ، والفقير الصابر آمِنٌ منه، وقوله: ((أهل الأموال)) بدل من ((إخواننا))، وفائدة المُبْدَل الإشعارُ بأن ذلك منهم غِبْطَةٌ، لا حَسَدٌ(٢). (ق): مسألة تفضيل الغنيِّ الشاكر على الفقير الصَّابر اختلفَ الناسُ فيه على خمسة أقوال؛ فمِن قائل بتفضيل الغِنى ومن قائل بتفضيل الفقر، ومن قائل بتفضيل الكفاف، ومن قائل بَردِّ هذه التفضيل إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل خامس تَوقَّف، والمسألة لها غَوْرٌ، وفيها أحاديثُ متعارضة، وقد كتب الناس فيها كتباً كثيرة، وأجزاء عديدة، والذي يظهر لي في الحال: أن الأفضل من ذلك ما اختاره الله لنبيِّه ◌َّر، ولجُمهور صحابته رضوان الله عليهم، وهو الفقر غيرُ المُدْقِع، ويكفيك في هذا أن فُقراءَ المسلمين يدخلون الجنةَ قبل أغنيائهم بخمس مئة عام، وأصحاب الأموال مَحبوسُون على قَنْطَرة بين الجنة والنار، يُسألون عن فُضول أموالهم، وعلى هذا: فيتعيَّن (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٩١/٥ - ١٩٢). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٦٠). ٤١٥ تأويلُ (١) قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ [المائدة: ٥٤]، [وقد تأوَّله بعضهم؛ بأن قال: إن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾](٢) راجعةٌ إلى الثواب المُترتِّب على الأعمال، الذي يحصل به التفضيل عند الله، فكأنه قال: ذلك الثواب الذي أخبرتكم به لا يَستحِقُّه الإنسان بحسَب الأذكار، ولا بحسَب إعطاء الأموال، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، انتهى(٣). وستقف على تمام شرح هذا الحديث في (الباب الرابع والأربعين بعد المئة). (١) في الأصل: ((تعيين)). (٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢١٤). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٢١٤). ٤١٦ ٦٥- باب ذكرِ الموتِ وقصرِ الأملِ * قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْوَّتِّ وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدَُّوَمَاتَدْرِینَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: ٣٤]. * وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِّمُونَ﴾ [النحل: ٦١]. * وقال تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَأَ نْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَآ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ )) وَأَنْفِقُواْ مِنْ مَّا رَزَقْنَكُمِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبٍ لَوْلَا أَخَرَبِيِ إِلَ أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَأْ وَاَللَّهُ خَبِيْرٌ لِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٩ -١١]. * وقال تعالى: ﴿حَقََّ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْنُ قَالَ رَبِّ ارْ جِعُونِ: ٩٩ ٤١٧ لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَّكْتُ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بََّخُ إِلَى يُؤْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ فَإِذَا تُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءُلُونَ فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِنُهُ. فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ. ١٠١ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ ﴿ أَلَمْ تَكُنْ ءَايَقِ تُنْلَ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ... قَلَكَمْ لَبِثْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (٦) قَالُواْ لِتْنَا يَوْمًا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ فَسْتَلِ الْعَآدِينَ ، قَلَ إِن ◌َبِثْتُمْ إِلَّا قَلِلاً لَّوْأَنَّكُمْ كُتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ أَفَصِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١١٥]. * وقال تعالى: ﴿أَلَمّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْتَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَيْهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. والآيات في الباب كثيرة معلومة. (الباب الخامس والستون) (في ذكر الموت وقِصَر الأمل) * قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، هذه الآية فيها تعزيةٌ لجميع الناس؛ بأنه لا يبقى أحدٌ على وجه الأرض، حتى يموت، وكذلك الملائكة، وحَمَلة العَرْش، وينفرد الواحد الأحد القَهَّار بالدَّيْمُومية ٤١٨ والبقاء، ﴿وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ أي: إذا قامت القيامة؛ جازى الله الخلائق بأعمالها، جَلِيلها وقَلِيلها، كثيرها وحَقِیرها. وفي ((مسند ابن أبي حاتم)) عن عليٍّ بن أبي طالب ظُه قال: لمَّا توفي النبيُّ ◌َّهِ، وجاءت التَّعزيةُ؛ أتاهم آتٍ يسمعون حِسَّه، ولا يرون شَخْصَه، فقال: السَّلام عليكم أهلَ البيت، ورحمة الله وبركاته، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ اَلَوْتِّ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] إن في الله عَزَاءٌ مِن كل مُصيبة، وخَلَفاً من كل هالك، ودَرَكاً من كل فائت، فبالله فثِقُوا، وإياه فَارْجُوا؛ فإن المُصابَ مَن حُرم الثوابَ، والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته، قال جعفر بن محمد: فأخبرني عليّ بن أبي طالب قال: تدرون مَن هذا؟ هذا الخَضِرِ عليه السلام(١). * وقوله: ﴿فَمَنْ زُجْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُّ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ أي: مَن جُنِّب النارَ، ونجا منها، وأُدخل الجنة؛ فقد فاز كلَّ الفوز. روى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وخلافه : ((مَوضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ اقرؤوا إن شِئْتُم: ﴿فَمَن زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْفَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]))(٢). وروى وَكِيعُ بن الجَرَّاح، عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَلَّه : ((مَنْ أَحبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةِ؛ فَلتأتِهِ مَنِيُّه وهُو يُؤْمِنُ بالله (١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٣/ ٨٣٢ - ٨٣٣). (٢) المرجع السابق (٣/ ٨٣٣). ٤١٩ واليوم الآخر، وليَأْتِ إلى النَّاسِ بما يُحِبُّ أَن يُؤْتَى إِلَيْهِ) (١). وقوله: ﴿إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، تحقيرٌ لشأن الدنيا، وتصغيرٌ لأُمورها، وأنها دنيئةٌ فانية، قليلة زائلة، قال قتادة: هي مَتَاعٌ متروكة، أوشكت والله الذي لا إله إلا هو؛ أن تضمَحلَّ عن أهلها، فخذوا من هذه المَتاع طاعةَ الله إن استطعتم، ولا قُوَّةَ إلا بالله. (قض): لفظ الثَّوْفِية يُشعر بأنه قد يكون قبلها بعضُ الأجور، ويؤيِّدُه قولُه ◌َله: ((القَبْرُ رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الجَنَّة، أو حُفْرٌ مِن حُفَرِ النِّيرَانِ)»، و﴿اَلْغُرُورِ﴾ مصدر، أو جمع غَار، وهذا لمَن آثرها على الآخرة، فأما من طلب بها الآخرة: فهي له مَتَاعٌ بَلاٌ (٢). (م): ﴿الْغُرُورِ﴾ مصدر؛ من قولك: غَرَرْتُ فلاناً غُروراً، شبَّه الله الدنيا بالمَتاع الذي يُدَّس به على المُستام، ويُغَرُّ حتى يشتريه، ثم يظهر له فساده ورداءتُه، وفسادُ الدنيا من وجوه: أحدها: أنه لو حصل للإنسان جميعُ مُراداته؛ كان غَمُّه أزيدَ من سروره؛ لأجل قِصَر وقته، وقلَّة الوثوق به وبنفسه. ثانيها: كلَّما كان وُجدانُهُ مُراداته أكثرَ؛ كان حِرْصُه في طلبها أكثرَ، وكلما كان الحِرْصُ أكثرَ؛ كان تألمُ القلب بسبب ذلك الحرص أشدَّ، والإنسان یتوهّم أنه إذا فاز بمقصوده؛ سکنت نفسُه، ولیس کذلك، بل (١) رواه وكيع في ((الزهد)) (٢٤٢)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٤٠٣). (٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢/ ١٢٦ - ١٢٧)، والحديث رواه الترمذي (٢٤٦٠) عن أبي سعيد الخدري ◌ُه وقال: حديث حسن غريب. ٤٢٠