Indexed OCR Text

Pages 261-280

(خط): أشكل الأمرُ في شَدُ الحَجر على البطن من الجُوع على
قوم حتى توهّموا أنه تصحيفٌ، فزعموا أنه إنما هو الحُجَز جمع الحُجْزة
التي يَشُدُّ الإنسان [بها] وسطه، ومَن أقام بالحجاز، وعرف عاداتِ القوم؛
علم أن الحجر واحدُ الحجارة، وذلك أن المجاعةَ تُصيبهم كثيراً، فإذا
خَوَى البطنُ؛ تَهزَّم، فلم يمكن معه الانتصابُ، فيَعمِد حينئذ إلى صفائحَ
رِقَاق في طول الكَفِّ وأَشَفَّ منها، فيربطها على البطن، وتشَدُّ بحُجْزة
فوقها، فتعتدل قامة الإنسان بعضَ الاعتدال(١).
* قوله: «ما في وجهي)) :
(ك): أي: من صُفرة اللون، وراثة الهيئة، ((وما في نفسي))؛ أي:
من الجُوع وطلب الطعام، انتهى (٢).
ويحتمل أن يكون المُراد ما في وجهي من أثر الجوع والضُّرِّ، والإنسان
إذا جاع جدّاً؛ تَبِينُ آثارُه على الوجه، وما في النفس من مقاساة الصبر على
ذلك، وإخفاء الحال، وإرادة أن يَسْتَتْبِعَني أحدٌ إلى بيته ويُزيلَ عني ما أجدُه
من ألم الجُوع من غير طلب مني.
(ك): ((دخل)) الثاني تكرارٌ للأول، أو ((دخل)) الأول بمعنى أراد
الدخول، فالاستئذان یکون لنفسه ێ، انتهى(٣).
أو يقال: المُراد: دخول البيت، والغالب أن البيت مُشتملٌ على
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣/ ١١٨٠).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ٢١٧).
(٣) المرجع السابق (٢٢ / ٢١٧ -٢١٨).
٢٦١

مَرَافِقَ وحُجُرات، فـ (دخل) الثاني أراد به دخولَ بعض الحُجُرات، ويُؤْيِّد
ما ذكرناه أنه وَّ﴿ أَذِن لأصحاب الصُّفَّة، ولأبي هريرة في الدُّخول، والظاهر
أن ذلك الموضعَ کان خالياً عن أهله.
* قوله: ((یروی)):
(ك): بفتح الواو، نحو رضى يرضى، انتهى (١).
* قوله: ((فنظر إلي فتبسم)) يحتمل أن يكون سببُ التبسُّم ما خطر
بقلب أبي هريرة أولاً أنه أحقُّ بهذا اللَّبَن، وكونُهُ ساءه طلبُ أصحاب الصُّفَّة،
ولم يعلم ما في طَيِّ ذلك؛ من نُزُول البَركة السَّماوية، وظهور المُعجزة، وسَدِّ
خَلَّةٍ جِلَّةٍ من صَفْوة أهل الصُّفَّة، ثم فوزه بحاجته بعد انتظار؛ فإنه أحلى؛ كما
قيل: المَوجُودُ بعد الطَّلَب أعزُّ من المُسَاق بلا تعب.
(ك): ((فحمد الله))؛ أي: على البركة، وظُهور هذه المُعجزة،
((سَمَّى))؛ أي: بسمل، وفيه: أن كِتْمانَ الحاجة أولى من إظهارها، وإن جاز
له الإخبارُ بباطن أمره لمَن يرجو منه كشفَ ما فيه، واستحبابُ الاستئذان،
وإن كان في بيت أهله، والسُّؤال من الوارد إلى البيت، وتشريك الفقراء فيه،
وشُربُ السَّاقي، وصاحبٍ الشراب أخيراً، والحمد على الخير، والتسمية
عند الشرب، وامتناعُهُ وَِّ من الصدقة، وأكلُه من الهَدِيَّة، انتهى(٢).
وفيه: فضيلة الجُوع؛ فإنه كثيرُ الفوائد، جليلُ العَوائد، لا يُؤثره على
الشِّبَع إلا الواحدُ بعد الواحد، وفيه: فضيلةٌ رعاية الأدب مع الشيخ، وفيه: أن
(١) المرجع السابق (٢٢ / ٢١٨).
(٢) المرجع السابق (٢٢ /٢١٩).
٢٦٢

الخادمَ إذا سَنح ما يخالف أمرَ شيخه أو أُستاذه؛ يتَّهم رأيَهُ ويمضي على وَفْق
مَرَسُومه؛ فإن الخير كُلَّه في الاتباع، والله سبحانه جاعل له من ذلك فَرَجاً ومَخْرَجاً.
وفيه: فضيلة خدمة الفقراء، ورعاية الأدب، وفيه: جواز أن يأكل
المَرْءُ حتى يشبع، ويشربَ حتى يَرْوَى، والمكروهُ اتخاذُ ذلك غالبَ عادته؛
فإنه يورث الأَشَر والبَطَر، وقسوةَ القلب، وتبلُّدَ [الذِّهن](١)، ويَجلِبُ كثرةَ
المنام، ويُورِث الأَسْقامَ، وفيه: استحباب تنشيط الضيف، وترغيبه في
الأكل؛ لقوله وَل﴿ لأبي هريرة: ((اشرب)) مراراً، لكن لا يزيد على ثلاث
مرات؛ فإن ذلك إلحاحٌ وإفْرَاطٌ، ((كان ◌َِّ إذا خُوطب في شيء ثلاثاً؛ لم
يُراجَع بعد ثلاث))، حديثٌ حسنٌ، رواه الإمام أحمد (٢).
٥٠٥ _ وعَنْ أَنَسٍ ﴾، قالَ: رَهَنَ النَّبِيُّ لَ﴿ دِرْعَهُ بِشَعيرٍ،
وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ
يَقُولُ: ((مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ وَلا أَمْسَى))، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبَاتٍ،
رواه البخاري.
(الإِهَالَةُ)) بكسر الهمزة: الشَّحْمُ الذَّائِبُ. وَ«السَّنِخَةُ)) بِالنون
والخاءِ المعجمة، وَهيَ: المُتَغَيِّرَةُ.
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) روى نحوه الإمام أحمد في («المسند» (٣/ ٣٩٨ و٤٢٣)، من حديث جابر وابن
أبي حدرد 48، والأول إسناده صحيح كما ذكر محققو المسند.
٢٦٣

٠
* قوله: ((وإهالة سنخة) :
(نه): ((السنخة)): المُتغيِّرِّة الرِّيح، ويقال: (زَنِخَة) بالزاي أيضاً(١).
(ط): ((ولقد سمعته)) ضمير المفعول عائدٌ إلى (أنس)، والفاعل
لراوي أنس(٢) .
٥٠٦ _ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قال: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعينَ مِنْ أَهْلِ
الصُّفَّةِ، ما مِنْهُم رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إمَّا إزَارٌ، وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا
فِي أَعْنَاقِهِم مِنْهَا ما يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا ما يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ،
فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهيَةً أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ، رواه البخاري.
سبق في الباب قبله.
٥٠٧ _ وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: كَانَ فِرَاشُ
رَسُولِ اللهِوَِّ مِنْ أَدَمَ حَشْوُهُ لِيفٌ، رواه البخاري.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٠٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٣١١).
٢٦٤

٧٠٠
(السّاعَ عَنْشَرٌ)
* قوله: ((حشوة ليف»:
(ن): فيه: جواز اتخاذ الفُرش والوسائد؛ للنوم عليها، والارتفاق، بها
وجواز المَحْشُوِّ، وجواز اتخاذ ذلك من الجُلود، وهي الأَدَم، انتهى(١).
وفي قوله: ((حشوه ليف)) إشارةٌ إلى استحباب التواضُع فيه، وترك
زِيِّ المُترَفين وأهل الترقُّه؛ بأن يُحشى قُطناً، أو حريراً، أو نحوَه، قال بعضُ
المُترَفين: أَمرتُ خادماً أن تَحشُوَ لي فُرُشاً من حرير ومِخَذَّة بوَرْدٍ نَثِيرِ،
وإني لنائم؛ وإذا بقِمْع وردة تركها الخادِم، فقمت إليها فأوجعتُها ضرباً، ثم
نمتُ على مَضْجَعي بعد إخراج القِمْع من المِخَدَّة، فأتاني آتٍ في منامي في
صورة فَظِيعةٍ فَهِزَّني، فقال: أَفِقْ من غشْيَئِك وأَبصِر من حَيْرَتِك، ثم أنشأ
يقول :
وُسِّدْتَ بعدَ المَوْتِ صُمَّ الجَنْدَلِ
يَا خَدُّ إِنَّكَ إنْ تُوسَّدْ لَيِّناً
فَلَتَنْدمَنَّ غَداً إذا لَمْ تَفْعَلِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ صَالِحاً تَسْعَدْ بهِ
قال: فانتبهتُ فَزِعاً مَرَعُوباً، فخرجت هارباً إلى ربِّي.
٥٠٨ - وعنِ ابنِ عمرَ ﴿﴾، قال: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللهَِِّ،
إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْبَرَ الأَنْصَارِيُّ، فقالَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٥٨).
٢٦٥

رَسُولُ اللهَِ﴿ِ: ((يَا أَخَا الأَنْصَارِ! كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ؟»،
فقالَ: صَالِحٌ، فقالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟))، فَقَامَ وَقُمْنَا
مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلاَ خِفَافٌ، وَلاَ قَلانِسُ،
وَلاَ قُمُصٌّ، نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ، حَتَّى جِثْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ
حَولِهِ حَتَّى دَنَّا رَسُولُ اللهِ لِهِ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ، رواه مسلم.
[(الثَّامِنِ عَبَشَ،!
* قوله {خير: ((من يعوده منكم؟»:
(ن): فيه: استحبابُ عيادة المريض، وعيادة الفاضل المَفضُولَ،
وعيادة الإمام والقاضي والعالم أتباعَه، وفيه: ما كانت الصحابة علیه من الزُّهد
في الدنيا، والتقلُّل منها، واطّرَاح فُضولها، وعدم الاهتمام بفاخر اللِباس
ونحوه، وفيه: جواز المشي حافياً، وعيادة الإمام المريضَ مع أصحابه (١).
(ق): في قوله ◌َِّ: ((كيف أخي سعد؟)) دليلٌ على حُسن التعاهُد
وتفقُّد الإخوان، والسُّؤال عن أحوالهم إذا فُقِدوا، وعلى الاستلطاف في
السُّؤال عنهم، وفي الحديث حَضٌّ على عِيادة المَرضى، وهي مَندوبةٌ، وقد
تجب إذا خِيفَ [على] المريض؛ فإن التمريضَ واجبٌ على الكفاية(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٧٨).
٢٦٦

٥٠٩ - وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ ﴾، عن النبيِّ وَلّهِ: أنه
قال: (خَيْرُكُمْ قَرِنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»، قال
عِمِرَانُ: فَمَا أَدْرِي قالَ النبيُّ ◌ِ﴿ مَرَّتَيْن أَو ثَلاثَاً، ((ثُمَّ يَكُونُ بَعدَهُمْ
قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ
وَلاَ يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السَّمَنُ))، متفقٌ عليه.
[التَّانَ عَنْشَرَّ]
* قوله {قال: ((خيركم قرني)):
(ن): قال المُغيرة: القَرْنُ: الصحابةُ، ((ثم الذين يلونهم)): أبناؤهم،
الثالث: أبناء أبنائهم، قال شمر: قَرْنه: ما بقيت عينٌ رأته، والثاني: ما بقيت
عينٌ رأت مَن رأته، ثمَّ كذلك، وقيل: القَرْن: كلُّ طبقة مُقترنين في وقت،
وقيل: كلٌّ مُدَّةِ بُعِثَ فيها نبيٌّ طالت مُدَّته أم قَصُرت.
وذكر الحربي الاختلافَ في قَدْره بالسِّنين؛ من عشر سنين إلى مائة
وعشرين، ثم قال: وليس منه شيءٌ واضح، ورأى أن القَرن كلُّ أُمَّة هلكت،
فلم يبق منها أحدٌ.
وقال الحسن وغيره: القَرْن عشر سنين، وقال قتادة: سبعون، وقال
النخعيُّ: أربعون، وقال زُرارة بن أَوْفَى: مائة وعشرون، وقال عبد الملك بن
عُمَير: مائة، وقال ابنُ الأعرابيِّ: هو الوقت، هذا آخر نَقْلِ القاضي،
والصَّحيح: أن قَرْنَهُ مَّهِ الصَّحابةُ، والثاني: التابعون، والثالث: تابعوهم(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٨٥).
٢٦٧

(ق): ((القرن)) بسكون الراء: أهل كل زمان واحد، قال الشاعر:
وخُلِّفْتَ فِي قَرْنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ(١)
إذا ذَهَبَ القَرْنُ الَّذِي أَنَت فِيهِمُ
(ن): المُراد منه: جملة القُرون، ولا يلزم منه تفضيلُ الصحابيِّ على
الأنبياء عليهم السلام، ولا أفراد النساء على مريمَ، وآسِيةَ، وغيرهما، بل
المُراد جملة القُرون بالنسبة إلى كل قَرْن بجملته(٢) .
(ق): يعني: أن هذه القُرونَ الثلاثة أفضلُ مَمَّا بعدها إلى يوم القيامة،
وهذه القُرون في أنفُسها مُتفاضِلةٌ، فأفضلها الأوَّلُ، ثم الذي بعده، ثم
الذي بعده(٣) .
* قوله: ((ولا يستشهدون»:
(ن): ظاهر هذه الحديث مُخالفٌ للحديث الآخر: ((خَيْرُ الشُّهُودِ الذِي
يَأْتِي بالشَّهادَةِ قبلَ أَنْ يُسَأَلَهَا))(٤)، والجَمْع بينهما: أن الذمَّ في ذلك لمَن بادر
بالشهادة في حق آدميٍّ، هو عالمٌ بها قبل أن يسألَه صاحبُها، وأما المَدْحُ: فهو
لمَن كانت عنده الشهادة لآدميٍّ لا يعلم بها صاحبُها، فيُخبره بها؛ ليستشهد بها
عند القاضي إن أراد، ويلتحقُ به مَن كانت عنده شهادة حَسَنَةٌ، وهي الشهادة
بحُقوق الله تعالى، فيأتي القُضاةَ، ويشهد بها، وهذا مَمدوحٌ، إلا إذا كانت
الشهادة بحَدٍّ، ورأى المَصلحةَ في السَّتْرِ (٥).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٨٥ - ٤٨٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٨٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٨٦).
(٤) رواه مسلم (١٧١٩) من حديث زيد بن خالد الجهني ظُه.
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٨٧).
٢٦٨

(ق): أي: يسبقون بأداء الشهادة قبل أن يسألوها؛ وذلك لِهَوىّ لهم
فيها(١).
* قوله: ((ويخونون ولا يؤتمنون)) معناه: يخونون خيانةً ظاهرة؛
بحيث لا يبقى معها أمانةٌ، بخلاف مَن خان مَرَّةٌ واحدة؛ فإنه يَصْدُق عليه
أنه خان، ولا يخرج به عن الأمانة في بعض المَواطِن.
* وقوله: ((وينذرون)): هو بكسر الذال وضمها، لغتان، وفيه: وجوب
الوفاء بالنذر، وهو واجبٌ بلا خلاف، وإن كان ابتداءُ النذر منهياً عنه.
* قوله: ((ويظهر فيهم السمن)):
(ن): المُراد هنا كثرةُ اللَّخم، معناه: أنه یَكثُر ذلك فیھم، وليس
معناه أن يَتمخَّضوا سماناً، قالوا: والمَذمومُ منه مَن يستكسبه، فأما مَن هُو
فيه خِلْقةً: فلا يدخل في هذا، والمُكتَسِب له: هو المُتوسِّع في المَأكول
والمَشروب زائداً على المُعتاد، وقيل: المُراد بالسِّمَن هنا: أنهم يَتكثَّرون
بما ليس فيهم، ويدَّعون ما ليس لهم من الشَّرَف وغيره، وقيل: المراد
جمعهم الأموال(٢).
(ق): أي: يغلب عليهم النَّهَم والشَّهَوات، ويكثرون الأكل، فيظهر
عليهم السِّمَنُ، وقد يأكلون ليَسْمَنوا؛ فإنهم مَحبوبٌ لهم، ومَن كان هذا
حالَه؛ خرج عن الأكل الشَّرعيِّ، ودخل في الأكل الشَّرِّيِّ الذي قيل فيه:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٨٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٨٦ - ٨٧).
٢٦٩

(مَا مَلأَ آدَمَيٌّ وعاءَ شَرَّاً مِن بَطْنٍ)(١).
*
٥١٠ - وعَنْ أَبِي أُمامةَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَا بْنَ
آدَمَ! إِنَّكَ أَنْ تَبَّذُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرِّ لَكَ، وَلاَ تُلامُ
عَلَى كَفَافٍ، وَابِدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ.
[الَُّ]
* قوله : ((يا بن آدم! إنك أن تبذل)) هو بفتح همزة (أن) معناه: إن
بذلت الفاضلَ عن حاجتك وحاجة عِيالك؛ فهو خيرٌ لك، وإن أمسكتَه؛
شرٌّ لك؛ لأنه إن أمسك عن الواجب؛ استحقَّ العِقابَ، وإن أمسك عن
المندوب؛ فقد نقصَ ثوابَه، وفوَّت مصلحةَ نفسه في آخرته، وهذا كلُّه
شرٌّ، ومعنى ((لا تلام على كفاف)): أن قدر الحاجة لا لومَ على صاحبه،
وهذا إذا لم يتوجَّه على الكفاف حقٌّ شرعيٍّ؛ كمَن كان له نِصابٌ زگويٌّ،
ووجبت فيه الزكاة بشروطها، وهو مُحتاج إلى ذلك النصاب لكفاية؛ وجب
علیه إخراجُ الزكاة، ويُحصِّل کفایته من وجه مُباح.
(ق): يُفهَمُ من هذا بحُكم دليل الخطاب أن ما زاد على الكَفاف؛
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٨٧ - ٤٨٨)، والحديث رواه الترمذي (٢٣٨٠)
من حدیث المقدام بن معدي کرب ه، وقال: حديث حسن صحيح.
٢٧٠

يتعرَّضُ صاحبُه للَّوْم(١).
(نه): (الكفاف): هو الذي لا يَفضُل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة
إليه(٢).
قال في ((الفائق)): إنما سُمِّ كَفافاً؛ لأنك تكْفُّ به وجهَك عن
الناس(٣).
(ط): فإن قلت: قوله: ((ابدأ بمَن تعول)) إن تعلَّق بقَدْر حاجة العِيال
وكَفافهم؛ فيَلْزم منه أن ما يَفضُل عنهم يُنفَق عليهم .
قلت: الوجه أن يُفسَّر الفضلُ بما يزيد على ما يَحصُل به الكفاف،
فحينئذ يبدأ بالأهمِّ فالأهم، ويؤيد هذا التأويلَ حديثُ أبي هريرة: ((خَيْرُ
الصَّدَقةِ ما كانَ عَن ظَهْرٍ غِنىٌ، وإبدأُ بمَن تعُولُ)) (٤)، وعلى هذا: يَحسُن
قولُهُ: ((ولا تلام على كفاف))؛ أي لا تُدُمُّ إن حفظت رأسَ مالٍ تُنفِقُ من
ربحه، وكأنه ◌َ ﴿ رخّصَ في هذا القدر من المال لمَن لا قُوَّةَ له في التوكُّل
التامِّ(٥).
ومعنى قوله: ((ابدأ بمن تعول)) سبق في آخر (الباب السادس والثلاثين).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٩١).
(٣) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (٣/ ٢٧٢).
(٤) رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (١٠٣٤).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٢٤).
٢٧١

٥١١ - وعن عُبَدِ الله بنِ مِخْصَنِ الأَنْصَارِيِّ الخُطْمِيِّ
e
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سِرْبِهِ، مُعَافِىٌ
فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَومِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِها))،
رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
(سِرْبِهِ)) بكسر السين المهملة: أي: نَفْسِهِ، وَقِيلَ: قَوْمهِ.
[التَّادِي وَ لَبُ]
* قوله: ((آمناً في سربه»:
(نه): ((في سربه))؛ أي: في نفسه، يقال: فلان واسع السِّرْب؛ أي:
رَخِيُّ البال، ويروى بالفتح، وهو المَسْلكُ والطريق، يقال: خَلِّ له سَرْ بَه؛
أي: طريقَه(١).
(تو): أبى بعضُهم إلا (السَّرَب) بفتح السين والراء، ولم يذكر فيه
روايةً ولو سُلُّم له قولُه: أن يُطلقَ السَّرَبُ على كل بيت؛ كان قوله هذا حَرِيّاً
بأن يكون أقوى الأقاويل، إلا أن السَّرَبَ يقال للبيت الذي هو في الأرض،
و((الحِیَازُ)؛ : الجَمْعُ والضمُّ، انتھی.
(الحذافير): بفتح الحاء المهملة، قال الجوهريُّ: حذافير الشيء:
أعاليه ونواحيه، يقال: أعطاه الدنيا بحذافيرها؛ أي: بأَسْرِها، الواحدة
حِذْفَار(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٣٥٦).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢/ ٦٢٦)، (مادة: حذفر).
٢٧٢

قيل: هذا الحديث واردٌ مَورِدَ تعظيم أمر العافية، والأمن، والكِفاية،
وأنَّ مَن مُتِّع بذلك؛ فكأن الدنيا في حُكمِه؛ وذلك لأن الدنيا لو كانت تحت
يده حقيقة؛ لَما انتفع إلا بمثل ذلك، فمَن عُوفيَ في بدنه من الأمراض
والأَسْقام، وأُسقِط في مسقط رأسه ومحلِّ إيناسه مُرفَّهاً، آمِناً، مُسَلَّماً،
ساكناً عنه ما يُتعلَّل به بياضَ يومه؛ لأن غداً ليس في حِسَابه، ولا يَستيقِنُ أن
يكون من عُمُره، فكأنما الدنيا بأَسْرِها له، أنشد الإمام الحافظ عبد الحق
الإشبیلیُّ رحمه الله :
كَمْ شَابتِ الصَّفْوَ بَتَكْدِيرِهَا
وَاهَاً لِدُنْيَاً ولمَغْرُورِها
ولَمْ يَتَلْهُ سُوءٍ تَقْدِيرِهَا
أَيُّ امْرِىءٍ أُمُنَ في سِربهِ
مِنْ مَسِّ بَلْوَاها وتَغْيِيرِهَا
وكَانَ فِي عَافِيَةٍ جِسْمُهُ
حِيزَتْ إِلَيْهِ بحَذَافِيرهَا
وَعِنْدَهُ بُلُغَةُ يَوْمٍ فَقَدْ
وأنشد منصور بن محمد بن محمد الأَزْديُّ لنفسه:
وأَصَابَ عَافِيةٌ منَ البَلْوَى
مِنْ نَالَ أَمْنَ السِّرْبِ فِي دَعَةٍ
فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهْ الدُّنْيَا
وَأَتَاهُ قُوتُ اليَوْمِ فِي سَعَةٍ
ولآخرَ:
ــكَ والصِّحَّةُ وَالأَمْنُ
إذا القُوتُ تَأْتَّى لَـ
فَلَا فَارقَكَ(١) الحُزْنُ
وأَصْبَحْتَ أخَا حُزْنٍ
(١) في الأصل: ((فارق)).
٢٧٣

الَ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِوَ﴾
٥١٢۔ وعَنْ عبدِاللهِبْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ
قالَ: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ الله بِمَا آتَاهُ»،
رواه مسلم.
[الْقَانِوَالْعُْ ]
* قوله {قلقي: ((قد أفلح من أسلم)) :
(ط): (الفلاح): هو الفوز بالبُغْية في الدارين، والحديث قد جمع
بينهما، والمُراد بالرِّزق الحَلالُ منه؛ لأنه ◌َِّ مدح المَرزوق، وأثبت له
الفلاحَ، وذكر أمرين، وقَيَّد الثاني بـ (قنع)؛ أي: رُزق كفافاً، وقَنَّعه الله
بالكفاف، فلم يطلب الزيادةَ، وأطلق الأول؛ ليشمل جميعَ ما هو الإسلام
مُتناوِلٌ [له]؛ كما قال تعالى لإبراهيم: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[البقرة: ١٣١].
قال الرَّاغِبُ: الإسلام في الشرع على ضَرْبين: أحدهما: دون الإيمان،
وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقَن الدَّمُ، حصل الاعتقادُ أو لم يحصل.
والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقادٌ بالقلب،
ووفاءٌ بالفعل، واستسلام الله تعالى في جميع ما قضى وقَدَّر؛ كما ذكر عن
إبراهيم ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، فالحديث
كما ترى جامعٌ للحُسنَيِين، حائزٌ لنعمة الدارين، فحقيق أن يقال له: إنه من
الجَوامع(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٠).
٢٧٤

(ن): (الكفاف): الكفاية بلا زيادة ولا نَقْص، وقد یَحتجُّ به من
يقول: الكَفافُ أفضل من الفقر والغِنى(١).
٥١٣ - وعَنْ أَبي مُحَمَّدٍ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ الأَنْصَارِيِّ ﴾: أَنَّهُ
سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلِ﴿ يَقُولُ: ((طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلَى الإِسْلامِ،
وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافاً، وَقَنِعَ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ.
[الثَّالِوَالْعَبِْم]
* قوله ◌َّه: ((طوبى لمن هُدي إلى الإسلام)) قيل: دعا ◌َِّ لمَن وُفِّق
للدين الحَنِيفيِّ الذي هو خيرُ الأديان، وكان وَجْهُ مَعاشه القَدْرَ الذي يَكفُّه
عن التوجُّه إلى ما يَشِين وجه مُروءته، ويَثِلِمُ عِصْمةَ دِيانته، وفيه: تفضيلُ
الكَفاف، والعَفاف، والقَناعة، المُغنية عن الاستكفاف.
٥١٤ - وعنِ ابنِ عَبَّاسِ عٌ﴾، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَبِيتُ
اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِياً، وَأَهْلُهُ لا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ
خُبْزَ الشَّعِيرِ، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٤٥ - ١٤٦).
٢٧٥

[القَلُوالَعْرُ
L
* قوله: ((طاوياً) :
(نه): يقال: طَوِيَ من الجُوعِ يَطْوَى طَوىّ، فهو طاوٍ، أي: خالي
البَطْن، جائعٌ لم يأكل، وطَوَى يَطْوِي: إذا تعمَّد ذلك، انتهى(١).
* وقوله: ((لا يجدون عشاء)) أراد الرَّاوي أنه وَّهِ كان يَطْوِي اللياليَ
المُتتابعةَ، وإذا وجد شيئاً من القُوت؛ بذله لأهله، فرُبَّما لم يجدوا عَشاءً،
والإنسان إذا تغدَّى؛ أمكنه أن يُزَجِّي(٢) بقيةَ يومه.
٥١٦ - وعَنْ أَبِي كَرِيمَةَ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﴾، قال:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءَ شَرًّا مِنْ بَطْنٍ،
بِحَسْبٍ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ،
وَثُلُثْ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ)، رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌّ.
(أُكُلاتٌ)): أَيْ: لُقَمِّ.
L
* قوله يعلق: ((ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن)):
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٤٦).
(٢) أي: يتبلَّغ بقليل القوت ويجتزئ به. انظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (٣٨/ ٢١٣)،
(مادة: زجى).
٢٧٦

(ط): جعل البطنَ وعاءً كالأوعية التي تُتخذُ ظروفاً لحوائج البيت،
توهيناً لشأنه، ثم جعله شرّ الأوعية؛ لأنها استُعملت فيما هي له، [والبطن
خُلق لأن يتقوَّم به الصُّلْب](١) بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى الفساد في
الدين والدنيا، فيكون شرًا منها(٢).
وقوله: ((فإن كان لا محالة))؛ أي الحَقُّ الواجب أن لا يُجاوز ما يقيم
به صُلْبَه؛ ليتقوى به على طاعة الله تعالى، فإن أراد البتة التجاوزَ؛ فلا
يَتعدَّى عن القَسْمِ المذكور.
وقوله: ((فثلث)) مبتدأ؛ أي: ثلث منه للطعام، واللام مقدرة بقرينة
قوله: «وثلث لنفسه)).
(ش): مراتب الغذاء ثلاثة: الحَاجة، والكِفاية، والفَضْلة، فأخبر ◌َيه
أنه: يكفيه لُقَيْماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فلا تسقُط قُوَّتُه، ولا يَضعُف معها، فإن
تجاوزها؛ فليأكل في ثُلث بطنه، ويدع الثلثَ الآخر للماء، والثالثَ
للنَّفَس، وهذا من أنفع ما للبدن والقلب؛ فإن البطن إذا امتلأ من الطعام؛
ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشرابُ؛ ضاق عن النَّفَس، وعرَض له
الكَرْبُ والتعبُ بحَمْله بمنزلة حامل الحِمْل الثقيل، هذا إلى ما يلزم ذلك
من فساد القلب، وكسَل الجوارح عن الطاعات، وتحرُّكها في الشهوات
التي يستلزمها الشِّبَعُ، فامتلاء البطن من الطعام مُضِرٍّ للقلب والبدن،
انتھی(٣).
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٩٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٩٢ - ٣٢٩٣).
(٣) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ١٨).
٢٧٧

قال الشيخ أبو حامد الغزاليُّ رحمه الله: في الجوع عشر فوائدَ:
[الأولى]: صَفاء القلب، وإيقاد القَريحة، ونفاذ البصيرة؛ فإن الشَّبَع
يورث البلادة، ويُعمي الفكرَ، ويكثر البُخار في الدِّماغ كشِبْه السُّكْر، حتى
يحتويَ على مَعادِن الفكر، فيَتْقُل القلبُ بسببه عن الجريان.
الثانية: رِقَّة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لَذَّة المُناجاة، والتأثُّر
ـالذِّكر.
والثالثة: الانكسار والذُّلُّ وزوال البَطَر والأَشَر، والفرح الذي هو مبدأ
الطغيان، ولا تنكسر النفسُ بشيء، ولا تذِلُّ كما تذِلُّ بالجُوع، فعنده
تَسْتكِينُ لربِّها، وتقف على عَجْزها.
الرابعة: أن لا ينسى بلاءَ الله، وعذابَه، وأهلَ البلاء؛ فإن الشَّبعان
ينسى الجائعين، وينسى الجُوعَ.
قيل ليوسف عليه السلام: لمَ تجوعُ، وفي يدك خزائنُ الأرض؟! فقال:
أخاف أن أشبعَ، فأنسى الجياعَ.
الخامسة - وهي من أكبر فوائده -: كَسْرُ شهوات المعاصي كلُّها،
والاستيلاء على النفس الأَمَّارة بالسُّوء، وتقليلُها يضعِفُ كلَّ شَهوة وقُوة،
والسَّعادة كلُّها في أن يملك الرجل نفسَه، والشقاوة(١) كلها في أن تملكه
نفسه .
قيل لبعضهم: ما بالك مع كِبَرك لا تتعهد بدنك، وقد انْهَدَّ؟ فقال:
لأنه سريعُ المَرح فاحشُ الأَشَر، فأخاف أن يجمح فيُورِّطني، ولأن أحمله
(١) في الأصل: ((السعادة)).
٢٧٨

على الشدائد أحبُّ إليَّ من أن يحملني على الفَوَاحش.
وقال ذو النُّون: ما شبعت قَطُّ إلا وقد عَصَيْتُ، أو هَمَمْتُ بمعصية.
وقالت عائشة رضي الله عنها: أول بدعة حدثت بعد رسول الله وليه
الشِّبَعُ، إنَّ القومَ لمَّا شبعت بطونُهم؛ جمحت بهم نفوسُهم إلى الدنيا.
وهذه ليست فائدةً واحدة، بل هي خزائنُ الفوائد؛ ولذلك قيل: الجوع
خزانةٌ من خزائن الله.
السادسة: دفع النوم ودوام السَّهر؛ فإن مَن شبع؛ شرب كثيراً، ومن
كَثُرِ شُربُه؛ كثر نَوَمُه، وفي كثرة النوم ضياعُ العُمر، وفَوْتُ التهجُّد، وَلادةٌ
الطّبْعِ، وقَساوة القلب، والعُمر أنفسُ الجواهر، وهو رأسُ مال العبد، فيه
يَتَّجِرُ، والنوم موتٌ، فتكثيره يُنقص من العمر.
السابعة: تيسير المواظبة على العبادة؛ فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات؛
لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في شراء
الطعام، أو طبخه، ثم يحتاج إلى غسل اليد والخِلال، ثم يكثر تَردُّده إلى بيت
الماء، ولو صرف هذه الأوقات في الذِّكر، والمناجاة، وسائر العبادات؛ لكَثُر
ربحُه.
قال السَّرِيُّ: رأيت مع أبي علي الجُرجانيِّ سَويقاً يَستَفُّ منه، فقلت
له: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: حَسَبْتُ ما بين المَضْغ إلى الاستفاف سبعين
تسبيحةً، فما مضغتُ الخُبزَ منذ أربعين سنة.
فانظر كيف أشفق على وقته، فلم يُضيِّعْهُ.
ومِن جُملة ما يتعذّر بكثرة الأكل الدَّوامُ على الطهارة، ومُلازمة
المسجد .
٢٧٩

ومن جُملته الصَّوم؛ فإنه يتيسَّر لمَن یتعوَّد الجُوعَ، وما ذكرناه أرباحٌ
عظيمة إنما يَستَحِقِرُها الغافلون، الذين لم يعرفوا قدر الدِّين، لكن ورضوا
بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ
غَفِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
الثامنة: صحَّة البدن، ودفع الأمراض؛ فإن سببها كثرةُ الأكل، وحصول
فَضْلة أخلاطٍ في المَعِدة والعُروق، ثم المرض يمنع من العبادات، ويُشوِّش
القلب، ويمنع من الذِّكر والفِكر، ويُنْغِّص العيشَ، ويُحْوِجُ إلى الفَصْد،
والحِجامة، والدَّواء، والطبيب، وكل ذلك يحتاج إلى مُؤَن وتَبِعَات لا يخلو
الإنسان فيها بعد التعب من أنواع من المَعاصي، ومن اقتحام الشُّبُهات، وفي
الجوع ما يدفع كل ذلك.
التاسعة: خِفَّة المُؤنة، فإن مَن تعوَّد قِلَّةَ الأكل؛ كفاه من المال قَدْرٌ
يسير، والذي تعوَّد الشِّبَع؛ صار بطنُهُ غَريماً مُلازماً له، يأخذه بمُخَتَّقِه كلَّ
يوم، فيقول: ماذا تأكل اليوم؟ فيحتاج إلى أن يدخل المَداخلَ، فيكتسبَ
من الحرام؛ فيعصي، أو من الحلال؛ فيَذْلَّ ويتعبَ، وربما يحتاج إلى أن
يمد عينَ الطَّمَع إلى الخلق، وهو غايةُ الذلِّ.
كان إبراهيم بن أدهمَ يسأل أصحابه عن الشيء من المأكولات،
فيقال: إنه غَالٍ، فيقول: أَرْخِصُوه بالتَّرك.
قال بعضُ الحكماء: إني لأقضي عامَّة حوائجي بالتَّرك، فيكون أَرْوَحَ
لنفسي .
العاشرة: أن يَتمكَّن من الإيثار والتصدُّق بما فضَل من الأطعمة، فيكون
يوم القيامة في ظِلِّ صدقته، فما يأكله؛ فخِزانتُه الكَنِيفُ، وما يتصدَّق به،
٢٨٠