Indexed OCR Text

Pages 241-260

(الأَوْاُ إلى التَّادِ)
* قوله: ((ثلاث ليالي تباعاً):
(ك): أي: مُتواليات(١)، وذلك إما لفقرهم، وإما الإيثارهم على الغير،
وإما لأنه مذمومٌ.
(ن): ((يعيشكم)) بفتح العين وكسر الياء المشددة، وفي بعض النسخ
المعتمدة: «فما کان یُقیتکم؟))(٢).
(نه): ((الأسودان)) هما التمر والماء، أما التمر: فأسودُ، وهو الغالب
على تمر المدينة، فأضيف الماء إليه، ونُعت بنَعْته، إتباعاً، والعرب تفعل
ذلك في الشيئين يصطحبان، فيسمان معاً باسم الأَشهَر؛ كالقَمرين،
والعُمرين(٣).
(تو): هذا قول أصحاب الغريب: وقد بقيت عليهم [بقيةٌ]؛ وذلك أنهم
لم يُبيِّنوا وجهَ التسوية(٤) بين الماء والتمر في العَوَز؛ كما في الحديث المتفق
عليه: ((تُوفِّي رسولُ اللهِّهِ، وما شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ)(٥)، ومن المعلوم
أنهم كانوا في سَعةٍ من الماء، وإنما قالت ذلك؛ لأن الرِّيَّ من الماء لم يكن
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢٠/٢٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٠٧ - ١٠٨).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤١٩).
(٤) في الأصل: ((التسمية))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٤٩).
(٥) رواه البخاري (٥٠٦٨)، ومسلم (٢٩٧٥) من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظ
البخاري: ((حين شبعنا ... )).
٢٤١

ليحصل لهم من دون الشِّبَع من الطعام؛ فإن أكثر الأُمم لا سيَّما العربِ يرون
شُرْبَ الماء على الرِّيق بالغاً في المَضرَّة، فَقَرَنت بينهما؛ لعَوَزِ التمتُّع بأحدهما
بدون الإصابة من الآخر، وعبرت عن الأمرين؛ أعني: الشِّبَعَ والرِّيَّ بفعل
واحد؛ كما عبّرت عن التمر والماء بوصف واحد.
* قولها: «کانت لهم منائح) :
(ق): (المنيحة): عطيةٌ ذَوات الألبان؛ لينتفع المُعطى له باللبن، ثم
يَردُّ المَحْلوبَ(١).
(نه): ((شاة سميطاً)؛ أي: مشوية، فعيل بمعنى مفعول، وأصل
السَّمْط: أن يُنزِعَ صُوف الشاة المذبوحة بالماء الحَارِّ، وإنما يفعل ذلك في
الغالب؛ لتُشوى، ((الخوان)): ما يُوضَع عليه الطعام عند الأكل، انتهى(٢).
قال في ((ديوان الأدب)): وهو الخِوان بكسر الخاء، والضمُّ لغةٌ فيه.
(تو): الأكل عليه من دَأْبِ المُترَفين، وصَنيع الجَبَّارين؛ لئلا يفتقروا
إلى التَّطأطُؤْ عند الأكل .
(نه): ((المرفق)): هو الأرغفة الواسعة الرقيقة، يقال: رَقيقٌ ورِقاق؛
کطويل وطِوال(٣).
و((الدَّقَل)»: رديءُ التمر، ويابسُه، وما ليس له اسمٌ خاص، فتراه ليَيَسِه
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٥).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٠)، (٢ / ٤٠٠ -٤٠١).
(٣) المرجع السابق (٢ / ٢٥٢).
٢٤٢

ورداءته لا يجتمع، ویکون منثوراً(١).
(ن): في هذه الأحاديث بيان ما كان عليه النبيُّ ◌َِّ وكبارُ أصحابه؛
من التقلُّل من الدنيا، وما ابتُلُوا به من الجُوع، وضِيقِ العَيْش في أوقات،
وزعم بعضُ الناس أن هذا كان قبل فتح الفُتوح والقُرى عليهم، وهذا زعمٌ
باطل؛ فإن راويَ بعض هذه الأحاديث أبو هريرة، ومَعلومٌ أنه أسلم بعد
فتح خيبر، فإن قيل: لا يلزمُ من كونه رواه أنه أدرك القَضيّة، فلعله سمعها
من غيره.
والجواب: أن هذا خلافُ الظاهر، ولا ضرورة إليه، بل الصَّوابُ
خلافُه، وأن رسول الله وَّه لم يزل يتقلَّب في اليَسار والقِلَّةُ حتى تُوفِّيَّ وَِّ،
فتارة يُوسِر، وتارة يَنفَدُ ما عنده؛ لإخراجه في طاعة الله؛ من وُجوه البرِّ،
وإيثار المُحتاجين، وضِيَافة الطارقين، وتجهيز السَّرايا، وغير ذلك.
وهكذا كان خُلُق صاحبيه، بل أكثر أصحابه وظشه، وكان أهلُ اليَسار
من المهاجرين والأنصار مع بِرِّهم له ◌ِّز، وإكرامهم إياه، وإتحافه بالُرَف
وغيرها؛ رُبَّما لم يعرفوا حاجتَه في بعض الأحيان؛ لكونهم لا يعرفون فراغَ
ما عنده من القُوت بإيثاره، ومَن علم ذلك منهم؛ ربما كان ضَيِّقَ الحال في
ذلك الوقت؛ كما جرى لصاحبيه .
ولا نعلم أحداً من الصحابة علم حاجةَ النبيِّي ◌َّ، وهو مُتمكُّن من
إزالتها؛ إلا بادر إليها، لكن كان ◌َّهُ يَكتمُها عنهم؛ إيثاراً لتحمُّل المشاقِّ،
وحملاً عنهم، وقد بادر أبو طلحة حين قال: سمعت صوتَ رسول الله وَّه،
(١) المرجع السابق (٢ / ١٢٧).
٢٤٣

أَعرِفُ فيه الجُوعَ إلى إزالة تلك الحاجة، وكذا جابرٌ، وأبو شُعيب
الأنصاريُّ، وأشباه هذا كثيرةٌ في الصحيح مشهورة، وكذلك كانوا يُؤثِرُ
بعضُهم بعضاً، ولا يَعلمُ أحدٌ ضرورةَ صاحبه؛ إلا سعى في إزالتها، وقد
وصفهم الله تعالى بذلك، فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[الحشر: ٩]، وقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ ﴾ [الفتح: ٢٩](١) .
(ق): هذه الأحاديث تدلُّ على شِدَّة حال النبيِّ وَّهِ وأصحابه في أول
أمرهم، وسبب ذلك: أن أهل المدينة كانوا في شَظَفٍ من العَيْش عندما
قدم عليهم النبيُّ نَّهِ مع المهاجرين، وكان المهاجرون فَرُوا بأنفسهم،
وتركوا أموالَهم وديارَهم، فقدموا فُقراءَ على أهل شِدَّة وحاجة، مع أن
الأنصار واسَوْهُم، وشَرَكُوهم فيما كان لهم، ومَنخُوهم، وهَادَوهم، غيرَ
أن ذلك ما كان لِيسُدَّ خَلاَّتِهم، ولا يرفع فَاقاتِهم، مع إيثارهم الضرَّاء على
السَّرَّاء، والفقر على الغِنى، ولم يزل ذلك دأبَهُم إلى أن فتح الله عليهم
واديَ القُرى، وخيبرَ، وغير ذلك، فاستَغْنَوا بما فتح الله عليهم، ومع ذلك
فلم يزل عيشُهم شديداً، وجُهدهم جَهِيداً حتى لقوا اللهَ مُؤثرين بما عندهم،
صابرين على شِدَّة عَيْشِهم، مُعرضين عن الدنيا، وزَهرتِها ولَذَّتِها، مُقبلين
على الآخرة ونَعِيمها، وكراماتها، فحمَاهُم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى
ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زُمرتهم، واستعملنا بسُنَّتِهِم(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٣٠٥).
٢٤٤

٤٩٧ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ه، قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَلِ ذاتَ
يَوْم، أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَ﴾، فقالَ: ((ما أَخْرَ جَكُما
مِنْ بُيُوتِكُما هَذِهِ السَّاعَةَ؟))، قالا: الجُوعُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ:
((وَأَنَا، والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ! لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومَا»،
فقاما مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ، فَإِذا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا
رَأَتْهُ المَرْأَةُ، قَالَتْ: مَرْحَباً وَأَهْلاً، فقال لها رَسُولُ اللهِ وَفِ: «أَيْنَ
فُلانٌ؟))، قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الماءَ، إذْ جاءَ الأَنْصَارِيُّ،
فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهَِّهِ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ للهِ، ما أَحَدٌ
اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيافاً مِنِّي، فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ
ورُطَبٌ، فقالَ: كُلُوا، وَأَخَذَ المُدْيَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(إِيَّاكَ وَالحَلُونَ))، فَذَبَحَ لهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ
العِذْقِ، وشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَؤُوا، قالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لأبي
بَكْرٍ وعُمَرَ ﴾: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعيمِ يَوْمَ
القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتى
أَصَابَكُمُ هَذَا النَّعِيمُ))، رواهُ مسلم.
قَوْلُها: ((يَسْتَعْذِبُ)): أَيْ: يَطْلُبُ الماءَ العَذْبَ، وهُوَ الطَّيِّبُ.
و((الِذْقُ)) بكسر العين وإسكان الذال المعجمة، وَهوَ: الكِبَاسَةُ،
وهِيَ الغُصْنُ. و((المُدْيَةُ)) بضم الميم وكسرِها: هي السِّكِّينُ.
و («الحَلُوبُ)»: ذاتُ اللبنَ.
٢٤٥

وَالسؤالُ عَنْ هذا النعِيمِ سُؤالُ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، لا سُؤالُ توبيخٍ
وتَعْذِيبٍ، والله أَعْلَمُ.
وهذا الأنصارِيُّ الَّذِي أَتَوْهُ هُوَ أَبَو الهَيْثَمِ بْنُ الَّيِّهَانِ ◌َ﴿ه،
كذا جاءَ مُبَّناً في رواية الترمذيِّ وغیرِه.
التَّـ
* قوله يفر: ((ما أخرجكما»:
(ن): معناه: أنهما ﴿4﴾ا لِما كانا عليه من مراقبة الله تعالى، ولزوم طاعته،
والاشتغال به، فعرَض لهما هذا الجوعُ الذي يُزْعِجُهما، ويُقلِقُهما، ويَمنعُهما
من كمال النشاط للعبادة، وتمام التلذُّذ بها؛ سعياً في إزالته بالخُروج في طلب
سَببٍ مُباح يدفعانه به، وهذا من أكمل الطاعات، وأبلغ أنواع المُراقبات، وقد نُي
عن الصلاة مع مُدافعة الأخبثين، وبحضرة طعام تتوق النفسُ إليه، وفي ثوب له
أعلامٌ، وبحضرة المتحدثين وغير ذلك مِمَّا يُشغَل به قلبه، وفيه: جواز ذكر الإنسان
ما ينالهُ من ألم ونحوه، لا على التشكِّي وعدم الرِّضا، بل للتسلية والتصبير؛
كقوله ﴿ ﴿ هاهنا، ولالتماس دُعاء، أو مساعدة على التسبُّب(١) في [إزالة](٢) ذلك
العارض، فهذا كله ليس بمذموم، وإنما يُذَمُّ ما كان تشكِّياً، وتَسخُطاً، وتَجِزُّعاً.
وقوله پێ: ((فأنا)» هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها بالواو، وفيه:
جواز الحَلِف من غير استحلاف، وقوله: ((قوموا)) هكذا هو في الأُصول
(١) في الأصل: ((التشبيه)).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٢).
٢٤٦

بضمير الجمع، وهو جائزٌ بلا خلاف، لكن الجمهور يقولون: إطلاقه على
الاثنين مَجازٌ، وآخرون يقولون: حقيقةٌ(١).
(ق): أَمَرٌ بالقيام لطلب العَيْش عند الحاجة، وهو دليلٌ على أن مَن
غلب عليه الجوعُ؛ تعيَّن أن يرتادَ ما يردُّ جوعَه(٢).
* قوله: «فأتی رجلاً»:
(شف): إفراد الضمير، وإسناده إلى النبيِّ وَّر بعد قوله: ((قوموا
فقاموا)) إيذانٌ بأنه ◌َِّ هو المُطاع، وأنهما كانا مُطيعين له مُنقادَين؛ كمَن
لا اختیار له.
(ن): ((التيهان)) بفتح التاء المثناة فوق، وتشديد المثناة تحت، مع کسرها،
فيه: جواز الإدلال على الصاحب الذي يُوثَقَ به، وفيه: مَنقبَةٌ لأبي الهيثم؛ إذ
جعله النبيُّ ◌َّ﴿ أهلاً لذلك، وفيه: استحبابُ إكرام الضَّيْفِ بقوله: ((مرحباً
وأهلاً))، معناه: صادفتَ رُحْباً وسَعةً، وأهلاً تأنس بهم وفيه: جواز سماع كلام
الأجنبية، ومُراجعتها الكلام للحاجة، وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها
لمَن علمت علماً مُحقَّقاً أنه لا يَكرهُه؛ بحيث لا يخلو بها الخلوةَ المُحرَّمة(٣).
* قوله: «يستعذب لنا الماء)) :
(ن): أي: يأتينا بماء عَذْب، وهو الطيِّب، وفيه: جوازُ استعذابه
وتطييبه(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣٠٥/٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٢ - ٢١٣).
(٤) المرجع السابق (١٣ / ٢١٣).
٢٤٧

(ق): فيه: دليلٌ على جواز المَيْل للمُستطابات؛ من الماء وغيره(١).
(ط): قوله: ((إذ جاء الأنصاري))؛ أي: هم في ذلك؛ إذ جاء
الأنصاري(٢).
* قوله: ((الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني)»:
(ق): قولٌ صِدْقٌ، ومَقالٌ حَقٌّ؛ إذ لم تُقِلَّ الأرضُ، ولا أظلَّت السماء
في ذلك الوقت أفضلَ من أضيافه، ولمَّا تَحقَّق الرجلُ عِظَمَ هذه النعمة؛ قابلها
بغاية مقدُوره من الشُّکر(٣).
(ن): فیه: جواز حمد الله عند حصول نعمة ظاهرة، وکذا يُستحبُّ عند
اندفاع نِقْمُةٍ كانت متوقعةً، وفي غيرها من الأحوال، وقد جمعتها في کتاب
((الأذكار)).
وفيه: استحباب إظهار البِشْرِ والفرح بالضَّيْف في وجهه، وحمد
الله، وهو يسمع، والثناء على ضيفه إن لم يخف فتنةً، فإن خاف؛ لم ◌ُثْنِ
عليه في وجهه، وهذا طريقُ الجمع بين الأحاديث الواردة بجواز ذلك
ومنعه، وقد بسطت الكلام فيها في ((الأذكار))، وفيه: دليلٌ على كمال
فضيلة هذا الأنصاريِّ، وبلاغته، وعظيم معرفته؛ لأنه أتى بكلام مُختصَر
بديعٍ في الحُسن في هذا المَوطِن (٤).
* قوله: ((فانطلق فجاءهم بعذق» :
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٣٠٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٦٧).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٣٠٦).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٢).
٢٤٨

(ن): (العذق) هنا بكسر العين: الكِبَاسَةُ، وهي الغُصْنُ من النخل،
وإنما أتى بهذا العِذْق المُلوَّن؛ ليكون أطرفَ، وليجمعوا بين أكل الأنواع، فقد
يطِيبُ لبعضهم هذا، ولبعضهم الآخر.
وفيه: دليل على استحباب تقديم أكل الفاكهة على الخُبز واللَّحم
وغيرهما، وفيه: استحباب المُبادرة إلى الضَّيف بما يتيسَّر به، وإكرامه بعده
بطعام يصنعه له، لاسيما إن غلب على ظَنِّه حاجتُه في الحال إلى الطعام،
وقد يكون شديدَ الحاجة إلى التعجيل، وقد یشُقُّ علیه انتظار ما يُصنع له؛
لاستعجاله للانصراف.
وقد كره جماعة من السّلف التكلُّفَ للضيف، وهو محمول على ما يَشُق
على صاحب البيت مَشقّة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص، وكمال
السُّرور بالضيف، وربما ظهر شيء من ذلك، فيتأذى به الضيفُ لشفقته، وكل
هذا مُخالفٌ لإكرام الضيف؛ لأن أكملَ إكرامه إراحةُ خاطره، وإظهار السُّرور
به، وأما فعلُ الأنصاريِّ وذبحُه الشاةَ: فليس مما يَشُق عليه، بل لو ذبح
أغناماً، بل أجمالاً، وأنفق أموالاً في ضيافته وَّه وصاحبيه؛ كان مَسرُوراً بذلك
مَغْبُوطاً فيه(١).
قوله: ((وأخذ المدية)» :
(ن): ((المدية)) بضم الميم وكسرها: هي السِّكِّين، و((الحَلوب)) ذات
اللبن، (فَعول) بمعنى (مفعول)؛ کرَكُوب(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)» للنووي (١٣ / ٢١٣ - ٢١٤).
(٢) المرجع السابق (١٣ / ٢١٤).
٢٤٩

(ق): في قوله: ((فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق)» دليلٌ على جواز
جمع طعامين فأكثرَ على مائدة(١).
* قوله: «فلما أن شبعوا ورووا»:
(ن): فيه: دليلٌ على جواز الشِّبَع، وما جاء في كراهة الشِّبَع محمولٌ
على المُداومة عليه؛ لأنه يُقَسِّ القلبَ، ويُنسِي المُحتاجين(٢).
(ق): كراهة الشِّبَع إنما هي في الشِّبَع المُثْقِل للمَعِدة، المُبْطِئ بصاحبه
عن الصلوات والأذكار، المُضِرِّ بالإنسان بالُّخَم وغيرها، الذي يفضي
بصاحبه إلى البَطَر، والأَشَر، والنوم، والكسل، فهذا هو المكروهُ، وقد يُلحق
بالمُحرَّم إذا كَثُرت آفاتهُ، وعَمَّت بلياتُهُ(٣).
(ط): ((أخرجكم من بيوتكم ... )) إلى آخره مُستأنفٌ بيانٌ لمُوجِب
السؤال عن النعيم؛ يعني: حيث كنتم مُحتاجين إلى الطعام مُضطرِّينَ إليه،
فِلْتُم غايةَ مطلوبكم من الشِّبَع والرِّيِّ؛ يجب أن تُسألوا، ويقال: هل أدَّيتم
شُكرَها أم لا؟!(٤)
* وقوله: ((لتسألن عن هذا النعيم)):
(ق): أي: سؤال العَرْض، وإظهار التفضُّل والمِنَن، لا سؤالُ مُناقشة
يقتضي المُعاتبةَ، والمِحَن، و((النعيم)) كلُّ ما يُتنغَّم به؛ أي: يُستطاب ويُتلذَّذ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣٠٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢١٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٣٠٧).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٦٨).
٢٥٠

به، وإنما قال رَّ﴿ هذا؛ استخراجاً للشُّكر على تلك النِّعَم، وتعليماً لذلك(١).
(ن): قال القاضي: المراد سؤالُ القيام بحَقِّ شُكرها، والذي نعتقده
أن السؤال هاهنا سؤال تَعدادِ النِّعَم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهارِ الكرامة،
وإشاعتها، لا سؤال تَقريعٍ وتَوْبِيخٍ .
[يدل عليه] ما خَرَّجه الإمام أحمد والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن أبي
عَسِيب قال: خرج رسول الله وَِّ، فمَرَّ بي، فدعاني، فخرجت إليه، ثم مَرَّ
بعمر، فانطلق حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط:
أطعمنا بُسْراً، فجاء بِعِذْق، فوضعه، فأکل رسول الله ◌َّ وأصحابُه، ثم دعا
بماء فشرب، فقال: ((لتُسْأَلُنَّ عَنْ هذا النَّعِيمِ يومَ القِيَامَةِ))، قال: فأخذ عمرُ
العِذْقَ، فضرب به الأرض حتى تناثر البُسْرُ قِبَل رسول الله وَّ، ثم قال:
يا رسولَ الله؛ إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: ((نعم، إلاَّ مِنْ ثَلاثٍ:
خِرْقَةٍ كَفَّ بها الرَّجُل عَورَتَهُ، وكِسْرَةٍ سَدَّ بها جَوْعتَهُ، أو حَجَرٍ بِتِدخَّلُ فيه منَ
الحَرِّ والقَرِّ»(٢).
٤٩٨ - وعن خالدِ بْنِ عُمَيْرِ العَدَوِيِّ، قال: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ
غَزْوَانَ، وكانَ أَمِيراً عَلى البَصْرَةِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣٠٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٢١٤)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند))
(٥/ ٨١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٦٠١)، وهو حديث حسن. انظر:
«صحیح الترغيب والترهيب)» (٣٢٢١).
٢٥١

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، ووَلَّتْ حَذَّاءَ، ولَمْ يَيْقَ مِنْهَا إِلاَّ
صُبَابَةٌ كَصُبابَةِ الإِناءِ يَتَصابُّها صاحِبُها، وإِنكُمْ مُنْتُقِلونَ مِنْها إِلَى دارٍ
لا زَوَالَ لهَا، فانْتُقِلُوا بخَيْرِ ما بِحَضْرَتِكُمْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا: أَنَّ
الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فيها سَبْعِينَ عاماً، لا يُدْرِكُ
لها قَعْراً، والله! لَتُمْلأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ؟! ولَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ما بَيْنَ
مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصاريعِ الجَنَّةِ مَسِيرَةً أَرْبَعِينَ عاماً، وَلَيَأْتِينَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ
وهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِلَّهِ،
مالَنَا طَعامٌ إلَّ وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِ حَتْ أَشْدَاقُنَا، فَالتَّقَطْتُ بُرْدَةً،
فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مالك، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِها، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ
بِنِصِفِها، فَما أَصْبَحَ اليَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّ أَصْبَحَ أَمِيراً عَلى مِصْرٍ مِنَ
الأمْصارِ، وَإِّي أَعُوذُ باللهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيماً، وعِنْدَ الله
صَغِيراً، رواهُ مسلم.
قوله: ((آذَنَتْ)): هُوَ بِمَدِّ الألِفِ: أيْ: أَعْلَمَتْ.
وقوله: ((بِصُرْمِ)): هو بضم الصاد؛ أي: بِانْقِطاعِها وفَنَائِها.
وقوله: ((وَوَلَّتْ حَذَّاءَ»: هو بحاءٍ مهملةٍ مفتوحَةٍ، ثُمَّ ذال
معجمة مشدّدة، ثمّ ألف ممدودة: أي: سَرِيعَةً، وَ«الصُّبَابَةُ)) بضم
الصاد المهملة: وهي : البَقِيَّةُ الْيَسِيرَةُ.
وقولُهُ: ((يَتَصَابُّها)): هو بتشديد الباءِ قبل الهاءِ: أيْ: يجْمَعُها.
٢٥٢

و((الكَظِيظُ)): الكَثِيرُ المُمْتَلئُ.
وقوله: ((فَرِحَتْ)): هو بفتح القاف وكسر الراءِ: أي: صارَتْ
فِيها قُرُوحٌ.
(التَّافُِ)
(ق): ((عتبة بن غزوان)) مَازنيٌّ قديم الإسلام، أسلم سابعَ سبعة،
وهاجر، وشهد بدراً والمشاهد كلَّها، أمّره عمرُ على جيش، فتوجَّه إلى
العراق، ففتح الأُبلَّة، والبصرة، ووليها، وبنى مسجدَها الأعظمَ بالقَصَب،
ثم إنه حَجَّ فاستعفى عمرَ عن ولاية البصرة، فلم يُعْفِهِ، فقال: اللَّهُمَّ؛
لا تردَّني إليها، فسقط عن راحلته، فمات سنة سبع عشرة، وهو مُنصَرفٌ
من مكَّهَ إلى البصرة بموضع يقال له: مَعْدِن بني سُلَيْم، قاله ابنُ سعد،
ويقال: بالرّبَذة، قاله المَدائنيُّ (١).
* قوله: ((فانتقلوا بخير ما بحضرتكم)»:
(ق): أي: انتقلوا إلى الآخرة بخير ما بحضرتكم من أعمال البِرَّ،
جعل المُتمكَّن منه كالحاضر، وقوله: ((فإنه قد ذكر لنا))؛ يعني: أنه ذكر له
عن رسول الله ◌َّ؛ لأن مثل هذا لا يُعرف إلا مِن جهة [النبي ◌َّر، فكأنه لم
يسمعه هو من النبي (َ﴾](٢) سمعه من غيره، فسكت عنه؛ إما نسياناً، أو
لأمرٍ يسوِّغ له ذلك، ويحتمل أن يكون هو سمعه من النبيِّ وَّ، وسكت عن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٢٢ - ١٢٣).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ١٢٣).
٢٥٣

رفعه؛ للعلم بذلك(١).
((وشفير جهنم)): حرفها الأعلى، وحرف كل شيء شَفِيرُه، و((مِصْرَاع
الباب)): ما بين عِضادتيه، وجمعه مصاريع، وهو ما يَسُدُّه الغَلَق.
* قوله: «قرحت أشداقنا»:
[(ن)]: أي: بسبب خُشونة الورَق الذي نأكله وحرارته، و((سعد بن
مالك)) هو ابن أبي وَقَّاص(٢).
* قوله في آخر الحديث: ((إنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت، حتى
یکون آخرها ملكاً» :
(ق): يعني: أن زمانَ النبوة يكون الناس فيه يعملون بالشَّرع،
ويقومون بالحَقِّ، ويزهدون في الدنيا، ويرغبون في الآخرة، ثم إنه بعد
انقراضهم، وانقراض خلفائهم يتغيَّرُ الحال، ثم لا يزال الأمر في تناقُصٍ
وإدبار إلى أن لا يبقى على الأرض مَن يقول: الله الله، فيرتفع ما كان الصَّدرُ
الأول عليه، وهذا هو المُعبَّر عنه بالتناسُخ؛ فإن النسخَ هو الرَّفعُ والإزالة،
وقوله: ((حتى يكون ملكاً))؛ يعني: أنهم يعدلون عن سُنن النبوة وخلفائهم
إلى الإقبال على الدنيا، واتباع الهوى، وهذه أحوال أكثر الملوك، إلا من
سلك منهم سبيلَ الصَّدْر الأول؛ كعمر بن عبد العزيز، انتهى(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٠٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٢٤ _ ١٢٥).
٢٥٤

٤٩٩ - وعن أبي موسى الأشْعَرِيِّ ﴿، قال: أَخْرَجَتْ لَنَا
عائِشَةُ رضيَ الله عنها كِساءً وَإزاراً غَلِيظاً، قالَتْ: قُبِضَ رَسُولُ الله ◌َه
فِي هَذَيْنٍ، متفقٌ عليه .
* قولها: ((قبض رسول الله ﴿ في هذين)): فيه استحبابُ التواضع في
اللِّباس، والاقتصار على الغليظ منه، واليسير في اللباس والفراش ونحوهما،
وفيه: بيانُ ما كان عليه النبيُّ ◌َّهِ من الزَّهادة في الدنيا، والإعراض عن
مَلاذِها، ومتاعها، وشهواتها، وفاخِر لباسها، ونحوه، واجتزائه بما يَحصُل به
أدنى التجزئة، وفيه: الندبُ إلى الاقتداء به.
٥٠٠ - وعَنْ سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ه، قالَ: إِنِّيَ لأَوَّلُ العَرَبِ
رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ كُنَا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِوَلِ مَالَنَا
طَعامٌ إلاَّ وَرَقُ الحُبْلَةِ، وَهذا السَّمُرُ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنا لَيَضَعُ كما
تَضَعُ الشاةُ ما لَهُ خِلْطٌّ، متفقٌ عليه.
((الحُبْلَةِ)) بضم الحاء المهملة وإسكانِ الباءِ الموحدةِ، وهيَ
والسَّمُرُ نَوْعانِ مَعْرُوفانِ مِنْ شَجَرِ البَادِيَةِ.
،١٧
[الحَشَارُ)]
* قوله: ((إني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله)):
٢٥٥

(ن): فيه: مَنْقَبَةٌ ظاهرة له، وجواز مدح الإنسان نفسَه عند الحاجة،
و((الحُبْلَة)) ثمرة العِضَاه، وهذا يظهر على رواية البخاري: ((إلا الحُبْلَة
وورق السَّمُر))، وفيه: بيانُ ما كانوا عليه من الزُّهد في الدنيا، والتقلُّل منها،
والصبر في طاعة الله على المشاقِّ الشديدة(١).
٥٠١ - وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَيِ: ((اللَّهُمَّ
اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً)، متفقٌ عليه.
قالَ أهْلُ اللغَةِ وَالغَرِيبِ: مَعْنَى ((قُوتاً)): أَيْ: مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ.
[مُجَادِي عَنْشَرَ]
* قوله ◌َّل: ((اللهم؛ اجعل رزق آل محمد قوتاً):
(ن): قيل: كفايتهم من غير إسراف، وهو معنى قوله في الرواية الأخرى:
(كَفافاً))، وقيل: هو سَدُّ الرَّمَق (٢).
(ق): يعني به: ما يقوت الأبدان، ويَكُفُّ عن الحاجة والفاقة، ولا يكون
في ذلك أيضاً فُضول يخرج إلى الترقُّه والتبسُّط في الدنيا، والرُّكون إليها (٣).
(ط): قيل: سُمِّي قوتاً؛ لحصول القوة منه، سلك * طريق الاقتصاد
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٠١).
(٢) المرجع السابق (١٨ / ١٠٥ - ١٠٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٣٠).
٢٥٦

المَحمود؛ فإن كثرة المال تلهي، وقِلَّتَه تنسي، فما قَلَّ وكفى؛ خيرٌ مِمَّا كَثُر
وألھی.
وفي دُعاء النبيِّ وَّهِ إرشادٌ لأُمَّته كلَّ الإرشاد إلى أن الزيادة على
الكَفاف لا ينبغي أن يتعب(١) الرجل في طلبه؛ لأنه لا خيرَ فيه، وحُكم
الكَفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وهو غير مُقدَّر، ومِقدَراه
غير مُعيَّن، إلا أن المَحمُودَ ما يحصل به القُوَّةُ على الطاعة(٢).
(ق): فيه: حُجَّة لمن قال: إن الكفاف أفضلُ من الفقر والغنى؛ لأن
النبيَّ ◌َّ إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال، وأيضاً؛ فإن الكَفافَ حالةُ
مُتوسِّطة بين الغِنى والفقر، وخير الأُمور أَوسَطُها، وأيضاً؛ فإن هذه حالةٌ
سَليمة من آفات الغِنى وآفات الفقر، فكانت أفضلَ منها، ثم إن حالة صاحب
الكَفاف حالةُ الفقير؛ إذ لا يترقَّهُ في طيبات الدنيا، ولا في زهرتها، فكانت
حالُهُ إلى الفقر أقربَ، فقد حصل له ما حصل للفقير؛ من الثواب على
الصَّبر، وكُفي مَرارتهُ وآفاتِهِ .
لا يقال: فقد كانت حالُ رسول الله وَِّ الفقرَ الشديد المُدْقِع؛ كما دل
عليه أحاديثُ هذا الباب وغيرُها، ألا ترى أنه كان يطوي أياماً، ولا يشبع
يومين مُتواليين، ويَشُدُّ على بطنه الحجرَ من شِدَّة الجُوع، والحَجرين، ولم
يكن له سوى ثوبٍ واحد، فإذا غسله؛ انتظره إلى أن يَجِفَّ، وربما خرج
وفيه بُقَعُ الماء، ومات ودِرْعُه مَرهونةٌ في شعير لأهله، ولم يخلِّفْ ديناراً
(١) في الأصل: ((يبعث)).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٩).
٢٥٧

ولا درهماً، ولا شاةً، ولا بعيراً، ولا حالةَ في الفقر أشدُّ من هذه؟!
وعلى هذا: فلم يكن حالُه الكفافَ، بل الفقر، فلم يُجبْه الله تعالى
في الكفاف؛ لعلمه بأن الفقرَ أفضلُ له.
لأنا نقول: إن النبيَّ وَّه قد جُمِع له حالُ الفقر والغِنِى والكَفاف،
فكانت أوَّلُ أحواله الفقرَ؛ مُبالغةً في مُجاهدة النفس وفِطامها عن مألوفات
عاداتها، فلمَّا حصلت له [ملكةٌ] مَلكَها، وتَخلَّصت له خُلاصة سَبكها؛ خَيَّره
الله تعالى في أن يجعل له جبالَ تِهَامةَ ذهباً تسير معه حيث سار، فلم يلتفت
إليها، وجاءته فُتوحات، فلم يُعرِّج عليها، بل صرفها وانصرف عنها، حتى
قال: ((مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إلَّ الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرَدُودٌ فِيكُم))(١).
هذه حالة الغنيِّ الشاكر، ثم اقتصر من ذلك كُلُّه على قدر ما يردُّ
ضَرُوراتِهِ، وضَرُوراتِ عياله، ويردُّ حاجتَهم، فاقتنى أرضَه بخَيْرَ فكان يأخذُ
منه قُوتَ عياله، ويدَّخِره لهم سنة، فاندفع عنهم الفقرُ المُدْقِع، وحصل لهم
الكفافُ الذي دعا به، ثم إنه لمَّا احتُضر؛ وقف تلك الأرضَ على أهله؛ ليَدُومَ
لهم ذلك الذي دعاه لنفسه، ولتظهرَ إجابةُ دعوته حتى في أهله من بعده،
وعلى ذلك المَنهج نهجَ الخُلفاء الراشدون على ما تدلُّ عليه سِيرتُهم
وأخبارُهم.
وعلى هذا فأهلُ الكَفاف هم صَدْرُ كتيبة الفُقراء الداخلين قبل الأغنياء
(١) رواه أبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي (٤١٣٩) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده عبدالله بن عمرو بن العاص ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغليل))
(١٢٤٠).
٢٥٨

بخمسمائة عام؛ لأنهم وَسَطُهم، والوسَطُ العَدْل، وليسوا من الأغنياء؛ كما
قررناه، فاقتضى ذلك ما ذكرناه(١).
٥٠٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَه، قال: واللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ!
إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لِأَشُدُّ
الحَجَرَ عَلى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْماً عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي
يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ بِيَ النبيُّ ◌ِ﴿ِ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا في
وَجْهِي، وَمَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ قال: (أَبَا هِرّ!))، قُلتُ: لَيْكَ يا رسولَ
الله، قال: ((الْحَقْ))، وَمَضَى، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لي
فَدَخَلْتُ، فَوَجَدَ لَبَّناً في قَدَح، فقالَ: (مِنْ أَيْنَ هَذَا اللََّنُ؟»،
قالوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ - أَوْ فُلاَنَةُ - قال: ((أَبَا هِرّ!))، قلتُ: لَبَّيْكَ
يَا رَسُولَ الله، قال: ((الحَقْ إِلى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ لي)»، قال:
وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإسْلامِ، لا يَأْوُونَ عَلَى أَهْلٍ، ولاَ عَلَى
أَحَدٍ، وَكَانَ إِذَا أَتَتَّهُ صَدَقَةٌ، بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئاً،
وَإِذا أَنَّهُ هَدِيَةٌ، أَرْسَلَ إلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِهَا،
فَسَاءَني ذلكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟! كُنْتُ أَحَقَّ
أَنْ أُصِيبَ مِنْ هذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطاعَةِ رَسُولِه ◌ِلَهُ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ١٣٠ - ١٣٢).
٢٥٩

بُدٌّ، فَأَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا وَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا
مَجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْتِ، قال: ((يا أَبَا هِرّ!))، قلتُ: لَبَيْكَ يا رسولَ الله،
قال: ((خُذْ فَأَعْطِهِمْ))، قال: فَأَخَذْتُ القَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ،
فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُ عَلَيَّ القَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الآخَرَ، فَيَشْرَبُ
حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُ عَلَيَّ القَدَحَ، حَتَّى انْتُهَيْتُ إِلى النَِّّ ◌َهِ، وَقَدْ
رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ القَدَحَ، فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِليَّ
فَتَبَسَّمَ، فقال: ((أَبَا هٍِّ!)) قلتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله، قال: ((بَقِيتُ أَنَا
وَأَنْتَ))، قلتُ: صَدَقْتَ يا رَسُولَ الله، قال: ((اقْعُدْ فَاشْرَبْ))،
فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فقالَ: ((اشْرَبْ))، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ:
(شْرَبْ)) حَتَّى قُلْتُ: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ! مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكاً،
قال: ((فَأَرِنِي))، فَأَعْطَيْتُهُ القَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى، وَسَمَّى، وَشَرِبَ
الفَضْلَةَ))، رواه البخاري.
(الثَّانِي عَنْشَرٌ)
(ك): ((إن كنت)) مخففة من الثقيلة، وفائدة شَدِّه الحجرَ على البطن
المُساعدة على الاعتدال، والانتصاب على القيام، أو المنع من كثرة التحَلُّل من
الغداء الذي في البطن؛ لكونها حجارةٌ رِقاقاً بقَدْر البطن، ربما تشُدُّ طرفَ
الأمعاء، فيكون الضَّعْفُ أقلّ، أو تقليل حرارة الجُوع ببرودة الحَجر، أو الإشارة
إلى كَسْر النفس وإلقامها الحَجر، وأنه لا يملأ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ(١).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ٢١٧)
٢٦٠