Indexed OCR Text

Pages 121-140

حاضراً إذ ذاك بمَكَّةَ، وإما لأمر آخر (١).
* قوله: ((إني متبعك ... )) إلى آخره:
(ن): أي: على إظهار الإسلام هنا، وإقامتي معك، فقال: ((لا تستطيع
ذلك))؛ لضعف شَوْكة المُسلمین، ویُخاف عليك من أذى كفار قريش، ولکن
قد حصل أجرُك؛ فابقَ على إسلامك، وارجع إلى قومك، واستمِرَّ على
الإسلام في مَوْضِعِك حَتَّى تعلمَني ظهرتُ فأتني، وفيه: معجزة للنبيِّ ◌َچ،
وهي: إعلامُه بأنه سيظهر(٢).
(ق): لم يردّ عليه إسلامَه، وإنما رَدَّ كونهَ معه(٣).
* قوله وَله: ((أنت الذي لقيتني بمكة؟، قلت: بلى)):
(ن): فيه: صِحَّةُ الجواب بـ (بلى)، وإن لم يكن قبلها نفيٌ، وصِحّة
الإقرار بها، وهو الصحيح، وشرط بعضُ أصحابنا أن يتقدَّمها نفيٌ(٤).
قوله: «أخبرني مما علمك الله):
(ن): معناه: أخبرني عن حِكمَته وصِفَته، وبيِّنْه لي(٥).
(ق): ((أخبرني عن الصلاة)) سؤال عن تعيين الوقت الذي لا يجوز،
والذي يجوز؛ إذ لو كان سؤاله عن غير ذلك؛ لَما كان جوابُه مطابقاً للُّؤال،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦١).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٦).
(٥) المرجع السابق، الموضع نفسه.
١٢١

وقوله: ((ثم اقصر))؛ أي: كُفَّ عن الصلاة (١).
* قوله: ((حتى تطلع الشمس حتى ترتفع)):
(ن): فيه: أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس الطلوع،
بل لا بُدَّ من الارتفاع.
قال القاضي: والمُراد بالطلوع في الروايات الأُخَر: ارتفاعُها، وإشراقُها،
وإضاءَتُها، لا مُجرَّد ظهور قُرصها، والمراد بقَرْنَي الشيطان: حِزْبُه وأتباعه،
وقيل: قُوَّته وغلبته، وانتشار فساده، وقيل: القرنان ناحيتا الرأس وإنه على
ظاهره، وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه: أنه يُدني رأسَه إلى الشمس في هذه
الأوقات؛ ليكون السَّاجدون لها من الكُفَّار كالساجدين له في الصُّورة، وحينئذ
يكون له ولشيعته تسلُّطٌ ظاهر، وتَمُّن أن يَلبِّسُوا على المُصلِّين صلواتِهم،
فكُرهت الصلاة حينئذ؛ صيانةً لها؛ كما كُرهت في الأماكن التي هي مأوى
الشيطان(٢).
(نه): كل هذا تمثيلٌ لمن يسجد للشمس عند طلوعها، فكأنَّ الشيطان
سَوَّل له ذلك، فإذا سجد لها؛ كان كأن الشيطان مُقترنٌ بها(٣).
(ن): سُمِّي شيطاناً؛ لتمرُّدِه وعُتُوُّه، وكلُّ مارد عاتٍ شيطانٌ، والأظهر:
أنه مُشتقٌّ من شَطَن: إذا بَعُد؛ لبعده من الخير والرَّحمة، وقيل: مُشتٌّ من
شاط : إذا هلَكَ واحترق(٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٦).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٥٢).
(٤) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٦ / ١١٢).
١٢٢

وقوله: ((محضورة))؛ أي: يحضرها الملائكة، فهي أقربُ إلى القَبول
وحصول الرَّحمة.
(ط): أي: يشهدها، ويحضرها أهلُ الطاعة من سُكَّان السماوات
والأرض، ورُوي: مشهودة مكتوبة(١)؛ أي: يشهدها الملائكةُ، فتكتب
أجرَها للمُصلِّين، وهذه الرواية أحسنُ (٢).
* قوله: ((حتى يستقل الظل بالرمح)):
(ن): أي: يقوم مُقابلَه في جهة الشَّمال، ليس مائلاً إلى المغرب،
ولا إلى المَشرق، وهذه حالة الاستواء(٣).
(ق): أي: يكون ظِلُّه قليلاً، كأنه قال: حتى يقِلَّ ظلُّ الرُّمح، والباء
زائدة؛ كقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وقد روى الخُشَيُّ لفظَ (كتاب
مسلم)): ((حتى يَستقِلَّ ظلُّ الرُّمح))(٤)؛ أي: يقوم ولا تظهر زيادته(٥).
(نه): أي: حتى يبلغ ظل الرُّمح المغروس في الأرض أدنى غاية
القِلَّةِ والنَّقْص؛ لأن ظلَّ كل شخص في أول النهار يكون طويلاً، ثم لا يزال
يَنْقُص حتى يبلغ أقصرَه، وذلك عند انتصاف النهار، فإذا زالت الشمس؛
عاد الظل يزيد، وحينئذ يدخل وقتُ الظهر، وتجوز الصلاة، ويذهب وقت
(١) رواه أبو داود (١٢٧٧)، من حديث عمرو بن عبسة ه. وهو حديث إسناده صحيح.
انظر: «صحيح سنن أبي داود)) (١١٥٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٢٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٦).
(٤) رواه مسلم (٨٣٢ / ٢٩٤).
(٥) انظر ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦٢).
١٢٣

الكراهة، وهذا الظلُّ المُتناهي في القِصَر هو الذي يُسمَّى الزوالَ؛ أي:
الظل الذي تزول الشمس عن وسط السماء، وهو موجود قبل الزيادة،
فقوله: ((يستقل الرمح بالظل)) هو من القِلَّة، لا من الاستقلال والإقلال
الذي بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلَّل الشيءَ واستقلَّه وتَقالَّه: إذا
رآه قليلاً(١).
(تو): فيه: تحريف، وصوابه: يَستقِلّ الرمح بالظل.
(ط): ما وقع في ((مسلم)) له مَحامِلُ؛ أحدها: أن معنى (يستقل الظل
بالرمح): أنه يرتفع معه، ولا يقع منه شيء على الأرض؛ من قولهم:
استقَلَّت السماء: ارتفعت.
وثانيها: أن يكون المُضافُ محذوفاً؛ أي: يعلم قِلَّة الظل بواسطة ظل
الرُّمح.
وثالثها: أن يكون من باب: عَرضْتُ الناقةَ على الحوض، و:
[كما] طَيِّنْتُ بِالفَدَنِ السِّيَاعا
والسِّياع: الطين، والفَدَن: القَصْر.
قال ((صاحب المفتاح)): ولا يُشجِّع على القلب إلا كمالُ البلاغة، مع
ما فيه من المُبالغة بأن الرُّمح صار بمنزلة الظل في القِلَّة، والظلَّ بمنزلة
الُّمح(٢).
(ن): في الحديث: التصريح بالنَّهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٠٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١١٩).
١٢٤

الشمس، واستثنى الشافعيُّ حالة الاستواء يوم الجمعة، وللقاضي عياض
في تفسير هذا الموضع كلامٌ عَجِيبٌ، نبّهت عليه؛ لئلا يغترَّ به، و((جهنم))
قيل: عربي مُشتقٌّ من الجُهومة، وهي كراهية المَنظر، وقيل: من قولهم بئرٌ
جِهِنَّامٌ؛ أي: عميقة، فعلى هذا: لم يُصرف؛ للعلمية والتأنيث، وقال
الأكثرون: هي عجمية مُعرَّبة، وامتنع صَرفُها؛ للعلمية والعُجمة (١).
(غب): ((السجر): تهييج النار، يقال: سجرت النار، ومنه ﴿ وَالْبَحْرِ
اٌلْسْجُورِ﴾ [الطور: ٦](٢).
(ق): اسم (إن) محذوف، وهو ضمير الأمر والشأن، تقديره: فإنه
حينئذ تسجر(٣).
(ط): قيل: لا يحذف ضمير الشأن؛ لأن المقصود من الكلام المُصدّر
به التعظيمُ والفخامة، فلا يلائمه الاختصار، وأُجيب بأن ضميرَ الشأن إنما
يُنبئء عن التعظيم؛ لإبهامه، وحَذْفُه أَدُّ على الإبهام، وقيل: اسم (إن)
(تسجر)) على إضمار (أن)؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَنِهِ، يُرِيِكُمُ
اُلْبَرَّقَ﴾ [الروم: ٢٤](٤) .
* قوله: ((فإذا أقبل الفيء»:
(ن): ظهر إلى جهة المَشرق، والفَيْءُ يختص بما بعد الزوال، وأما
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٧).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٢٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦٢).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ /١١٢٠).
١٢٥

الظل: فيقع على ما قبل الزوال وبعده، وفي قوله: ((حتى تصلي العصر))
دلالةٌ على أن النهيَ لا يدخل بدخول وقت العصر، ولا بصلاة غير
الإنسان، وإنما يُكره لكل إنسان بعد صلاته العصرَ حتى لو أخّرها عن أول
الوقت؛ لم يكره التنفُّل(١).
وقوله: ((يقرب وضوءه)) بضم الياء، وفتح القاف، وكسر الراء
المُشدَّدة؛ أي: يُدنيه، و((الوَضوء)) بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوضّأ به،
والمراد بالخطايا: الصَّغائِرُ؛ لقوله ◌َِّ: ((ما اجتنبت الكبائر)) و ((الخياشيم)):
جمع خيشوم، وهو أقصى الأنف، وقيل: الخياشم: عِظامٌ رِقَاق في أصل
الأنف، بينه وبين الدماغ، وقيل غير ذلك.
(إلا خَرَّت)) خبر (ما)، والمستثنى منه مُقدَّرٌ؛ أي: ما منكم رجلٌ
مُتَّصِف بهذه الأوصاف كائنٌ على حال من الأحوال إلا على هذه الحالة،
وعلى هذا المعنى: يُنزَّل سائر الاستثناء، وإن لم يصرح بالنفي فيها؛
لكونها في سياق النفي بواسطة (ثم) العاطفة .
* قوله: ((فإن هو قام)):
(ط): (إن) شرطية، والضمير المرفوع بعدها رافعُه فعلٌ مُضمَر
يُفسِّره ما بعده، فلما حُذف؛ أُبرز الضمير المُستكِنُّ فيه، وجواب الشرط
محذوف، وهو المُستثنى منه؛ أي: فلا ينصرف من شيء من الأشياء إلا
من خطيئته [كهيئته] يومَ ولدته أُمُّه، وجاز تقدير النفي؛ لما مَرَّ أن الكلام
في سياق النفي، أما ابن الحاجب: فيُجوِّزه في الإثبات؛ كما يقال: قرأت
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٧).
١٢٦

إلا يوم كذا (١).
* قوله: «ففرَّغ قلبه لله)):
(ق): أي: مِمَّا يشغله عن الصلاة؛ كما قال: ((لا يُحدِّث فيها
نفسَه))، وقوله: ((كيوم ولدته أمه))؛ أي: لا يبقى عليه شيءٌ، لا صغيرة ولا
كبيرة، وهذا ظاهرُه، لكن عارضه النصوص الصَّحيحة الصَّريحة في أن
المُراد به الصَّغائرُ(٢).
* قوله: ((حتی عد سبع مرات)):
(ن): معناه: لو لم أَتَحقَّق وأَجزِمْ به؛ لَما حَدَّثت، وذكر المَرَّات؛
بياناً لصورة حاله، ولم يُرِدْ أن ذلك شَرطُه(٣).
٤٣٩ - وعن أَبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ لُه، عن النبيِّ وَِّ، قال:
(إذا أرادَ اللهُ تعالى، رَحْمَةَ أُمَّةٍ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَها، فَجَعَلَهُ لَها
فَرَطاً وسَلَفَأَ بَيْنَ يَدَيْها، وإذا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبها ونَبِيُّهَا حَيٍّ،
فَأَهْلَكَهَا وهوَ حَيِّ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلاكِها حِينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوا
أَمْرَهُ»، رواه مسلم.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ /١١٢٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٨).
١٢٧

(السَّائِقُ وَالَُّع)
(ن): ((الفرط)) بفتح الفاء والراء، والفارط: هو الذي يتقدم الواردَ؛
ليُصلِحَ لهم الحِياضَ، والدِّلاءَ، ونحوَها(١).
(نه): سَلَفُ الإنسان: مَن تقدمه بالموت من آبائه، وذوي قرابته؛
ولهذا سُمِّ الصَّدْر الأول من التابعين بالسَّلَف الصَّالح، انتهى(٢).
فموقع الرجاء من هذا الحديث: أنه وَّ قُبِضَ قبل أُمَّته، وهو نِعْم
الفَرَطُ والسَّلَفُ لهم، فتكون هذه الأُمَّة مِمَّن أراد الله رحمتَها، فهي أُمَّة
مَرحومة.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٩٠).
١٢٨

٥٢- باس
٥٢ _ ب.
فضلِ الرجاءِ
* قال الله تعالى إخباراً عن العبدِ الصَّالِحِ: ﴿وَأَفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى
اَللَّهِ إِنَّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) فَوَقَنَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾
[غافر: ٤٤ - ٤٥].
(الباب الثاني والخمسون)
(في فضل الرجاء)
* قوله تعالى: ﴿وَأَفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ، فَوَقَدُهُ
اللَّهُ سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٥]، هذا العبد الصالح عَوَّل في دفع
تخويفهم وكَيْدِهم ومَكرِهم على الله تعالى، وهو إنما تعلَّم هذه الطريقةَ من
موسى عليه السلام؛ فإن فرعون لمَّا خَوَّفه بالقتل؛ رجع موسى في دفع ذلك
الشرِّ إلى فضل الله تعالى، فقال: ﴿إِّ عُدْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّنْ كُلِّ مُتَكٍَّ﴾
[غافر: ٢٧]، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [غافر: ٤٤] عالمٌ بأحوالهم،
ومَقادير حاجاتهم، ثم إن الله تعالى حَقّق رجاءه، ورد عنه کیدَ الكافرين قال
مُقاتل: قصدوا قتلَه، فهرب منهم إلى الجبل، فطلبوه، فلم يقدروا عليه(١).
(قض): قيل: فرَّ إلى الجبل، فاتبعه طائفةٌ، فوجدوه يُصلِّي، والوحوش
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ٦٣).
١٢٩

صُفوفٌ حوله، فرجعوا رُعْباً(١).
*
٠٠
٤٤١ - وعن جابرِ بنِ عبدِ الله ﴾: أَنَّهُ سمعَ النبيَّ ◌َّهِ، قَبْلَ
مَوْتِهِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يقولُ: ((لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ
بالله ۶۶))، رواه مسلم.
* قوله : ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)):
(ن): أن يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حال الصِّحَّة يكون خائفاً راجياً،
ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجحَ، فإذا دنت أَمَاراتُ الموت؛ غلّب
الرَّجاءَ، أو مَخَّضَهُ؛ لأن المقصود من الخوف الانكفافُ عن المعاصي،
والحِرْصُ على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تَعذَّر ذلك، أو مُعظمُه في
هذا الحال، فاستُحِبَّ الظنُّ المُتضمِّن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له(٢).
(ق): أي: استصحبوا الأعمال الصَّالحةَ، والآدابَ الحَسَنة التي
يرتجي العاملُ [لها] قَبُولَها، ويتحقَّق ظنُّه برحمة ربه عند فعلها؛ فإن
رحمة الله قريب من المُحسنين، وحُسن الظنِّ بغير عمل غِرَّةٌ؛ كما قال ◌َّ:
((الكَيِّسُ مَنْ دانَ نفسَهُ، وعَمِلَ لِمَا بعدَ المَوْتِ، والفَاجِرُ مَنْ أتْبَعَ نفسَهُ
هَواها وتَمنَّى على الله)(٣)، وهذا إنما يكون في حال الصِّحَّة، وأما في
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٩٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢١٠).
(٣) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، من حديث شداد بن أوس پته
وفيهما ((العاجز)) بدل: ((الفاجر)). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع
الصغير)) (٤٣٠٥).
١٣٠

حال حضور الموت: فليس ذلك الوقتُ وقتاً یقدرُ فیه علی استئناف عمل
غير الفِكْرِ في سَعة رحمة الله، وعِظَمٍ فضله، وأنه لا يتَعاظمُه ذنبٌ يغفرُه،
وأنه الحَلِيمُ الكريم، الغفور الشَّكُور، المُنعِمُ الرَّحيم، ويتذكر أحاديثَ
الرُّخَص وآياتِها؛ لعل ذلك يقع بقلبه، فيُختم عليه بذلك، فيلقى الله تعالى
وهو مُحِبٌّ الله، فيَحشُره في زُمرة المُحبِّيِّن بعد أن كان في زُمرة
الخاطئين، ويشهد له قوله وَليهِ: ((يُبعَثُ كُلُّ عَبدٍ على ما مَاتَ عَلَيْهِ))(١)،
انتھی(٢).
أَنشد بعضُهم :
إنَّ ظَنِّي فِيكَ أَنْ تَرْحَمَنِي
يا كَرِيمَ الصَّفْحِ يَا ذَا المِنَنِ
مِنْ ذُنُوبٍ ذِكْرُها أَمْرَضَنِي
غَافرَ الذَّنْبِ إِليكَ المُشْتَكَى
ذكر الغزاليُّ رحمه الله: أن يحيى بن أكثمَ رُتي في النوم، فقيل له:
ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بین یدیه، وقال: يا شيخ؛ فعلتَ وفعلتَ، قال:
فأخذني من الرُّعْبِ ما يعلم الله، ثم قلت: يا ربِّ؛ ما هكذا حُدِّثْتُ عنك!
فقال: وما حُدِّثْتَ عني؟ فقلت: حَذَّثنا عبدُ الرزّاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ،
عن أنس، عن نبيِّك ◌َّهِ: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي؛ فليَظُنَّ بي ما شَاءَ))(٣)،
وكنتُ أظنُّ بك أن لا تُعذِّبَنِي، فقال: صدق نبيِّي، وصدق أنسٌ، وصدق
الزُّهرُّ، وصدق مَعْمَرٌ، وصدق عبد الرزاق، وصدقت، قُمْ وامشٍ بين يدي
(١) رواه مسلم ((٢٨٧٨ / ٨٣)، من حديث جابر ظـ
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٤٢).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٩١)، من حديث واثلة بن الأسقع ظه. ورجاله
ثقات. انظر: ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٢ / ٣١٨).
١٣١

الوِلِدَان إلى الجنة، فقلت: يا لها مِن فَرحة!(١)
٤٤٢ - وعن أَنَسِ ﴿ه، قال: سمعتُ رَسُولَ اللهِ وَ له يقول:
((قالَ اللهُ تَعَالَى: يَا بْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ
عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا بْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ
السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ، ◌َا بْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي
بِقُرابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً، لأَيُكَ
بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
(عَنَانُ السماء)) بفتح العين: قيل: هو مَا عَنَّ لَكَ منها؛ أَي:
ظَهَرَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ، وقيلَ: هو السَّحَابُ، و((قُرَابُ الأرض))
بضم القاف، وقيلَ بكسرها، والضم أصح وأشهر، وهو: ما يُقارِبُ
مِلأَهَا، والله أعلم.
* قوله: ((ما دعوتني)):
(ط): أي: ما دُمتَ تدعوني، وترجو مغفرتي، ولا تَقْنَطُ من رحمتي؛
فإني أغفر لك، ولا تَعظُم عليّ مَغفرتُك، وإن كانت ذُنوبُك كثيرةً، وفي عدم
المُبالاة معنى قوله: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣](٢).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ١٤٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٦ / ١٨٤٥).
١٣٢

(نه): ((العنان)) بالفتح: السَّحَاب، والواحدة عَنانة، وقيل: ما عَنَّ لك
منها؛ أي: اعترض، وبدا لك إذا رفعت رأسَك، ويُرُوى: (أَعْنَانِ السَّماء)(١)؛
أي: نواحيها، واحدها عَنَنٌ وعَنٌّ (٢).
(تو): ((العَنان)): السَّحَاب، وإضافته على هذا المعنى إلى السَّحاب غيرُ
فَصِيحِ، وأرى الصَّوابَ: (أعنان السماء)، وهي صَفائِحُها، وما اعترض من
أقطارها .
(ط): يحتمل أن يجعل من [باب] قوله: ﴿ أَوْكَصَيْبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾
[البقرة: ١٩]؛ فإن فائدةَ ذكر السَّماء والصيِّب لا يكون إلا منها: أنه جيء بها
مَعرفةً، فنفي أن يتصوَّبَ من سماء؛ أي: من أُفق واحد من بين سائر الآفاق؛
لأن كلَّ أُفق من آفاقها سماءٌ (٣).
وقوله: ((خطايا)) تمييزٌ من الإضافة؛ نحو قولك: مِثْلُ الإناء عسلاً.
* وقوله: ((ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً):
(ط): (ثم)) هاهنا للتراخي في الإخبار، وأن عدمَ الشِّرْكِ منه مطلوبٌ
أَوْلى؛ ولذلك أعاد (لقيتني)، وعَلَّقه به، وإلا؛ لكان يكفى أن يقال: لو لقيتني
بقُراب الأرض خطايا لا تُشرك بي(٤)، وسبق معناه في أول (باب الرجاء).
(١) رواه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (٤ / ٣٩٩)، من حديث أنس
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣١٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٦).
(٤) المرجع السابق، الموضع نفسه .
١٣٣

٥٣- باب
الجمع بين الخوفِ والرجاء
اعْلَمْ أَنَّ المُخْتَارَ لِلِعَبْدِ فِي حَالِ صِخَّتِهِ أَنْ يَكُونَ خائِفاً راحِیاً،
ويَكونَ خَوْفُهُ ورجاؤُهُ سَواءً، وفي حالِ المَرَضِ يُمَخِّضُ الرَّجَاءَ،
وقواعِدُ الشَّرْعِ مِن نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَغَيْرِ ذلكَ مُتظاهِرَةٌ على
ذلك.
· قال الله تعالى: ﴿فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلََّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾
[الأعراف: ٩٩].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيِئَسُ مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إِلَّ اُلْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾
[يوسف: ٨٧].
* وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَائِّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[الأعراف: ١٦٧].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴾ وَإِنَّالْفُجَّارَ لَفِىِ ◌َّحِيمٍ﴾
[الانفطار: ١٣ - ١٤].
١٣٤

* وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ، فَهُوَ فِ عِيشَةٍ
رَّاضِيَةِ ، وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ، ٥ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:
٦ - ٩].
والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ. فَيَجْتَمعُ الخوْفُ والرَّجاءُ في
آيَتَيْنِ مُقْتَرِنَتَيْنٍ، أو آيات، أو آية.
(الباب الثالث والخمسون)
(في الجمع بين الخوف والرجاء)
قال تعالى مُخوِّفاً من مُخالفة أوامره، والتجرؤ على زواجره: ﴿أَفَأَ مِنُواْ
مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]؛ أي: بأسَه، ونَقْمَتَه، وقُدرتَه عليهم، وأَخْذَه إياهم
في حال سَهْوِهِم وغَفْلَتهم، قال الحسن البصريُّ: المُؤمن: مَن يعمل
بالطاعات، وهو مُشِفِقٌ وَجِلٌ خائف، والفاجر: يعمل بالمَعاصي وهو آمِنٌ(١).
* قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْتِشَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]؛ أي: لا يقطع الرَّجاءَ،
ويقع في الإياس من الله ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، انتهى(٢).
فيُستفاد من هاتين الآيتين: أنه ينبغي للمؤمن أن يكون خائفاً وَجِلاً
من مَعاصيه، لا يأمن مكرَ الله، ولا يقطع رجاءَه من رَوْحِ الله.
* قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوَةٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٦]؛
يعني: يومَ القيامة تَبَيضُ وجوهُ أهل السُّنة والجماعة، وتَسوَدُّ وجوهُ أهل
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥/ ٤٧٣).
(٢) المرجع السابق (٨ / ٦٦).
١٣٥

البِذْعة والفُرْقةِ (١).
(قض): ﴿يَوْمَ﴾ نُصِبَ بما في ﴿لَهُمْ﴾ من معنى الفعل، أو بإضمار:
اذكر، وبياضُ الوجه وسَوادهُ كنايتان عن ظهور بهجة السُّرور، وكآبة الخوف
فيه، وقيل: يُوسَم أهل الحَقِّ ببياض الوجه والصَّحيفة، وإشراق البَشَرة،
وسَعْي النُّور بين يديه، وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك(٢).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]،
ترهيبٌ وترغيبٌ أَنَّ عقابَه سريع مِمَّن عصَاه، وخالف رُسُلَه، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
لمَن وَالاه واتبع رُسُلَه، وكثيراً ما يُقرَنُ في القرآن بين هاتين الصفتين(٣).
(م): وصف العِقابَ بالسُّرعة؛ لأن ما هو آتٍ قريبٌ (٤).
(قض): أو لأنه يسرع إذا أراده، وصف العِقابَ، ولم يضفه إلى
نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة، وضَمَّ إليه الوصفَ بالرحمة، وأتى ببناء
المُبالغة، واللام المُؤكِّدة؛ تنبيهاً على أنه تعالى غفورٌ بالذَّات مُعاقِبٌ
بالعَرَض، كثيرُ الرحمة، مُبالِغٌ فيها، قليل العُقوبة، مُسامِحٌ فيها (٥).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، روى ابن عساكر
عن ابن عمر عُْهًا، عن النبيِّ وَّه قال: ((إنَّمَا سَمَّاهُم اللهُ الأَبْرَارَ؛ لأنَّهم بَرُّوا
(١) المرجع السابق (٣/ ١٣٩).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٧٧).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥ / ٤٥٩).
(٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٤ / ١٢).
(٥) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٤٧٢).
١٣٦

الآباءَ والأَبناءَ))(١).
* قوله تعالى: ﴿فَأَمَّامَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ [القارعة: ٦]:
(قض): بأن ترجَّحت مقاديرُ أنواع حسناته؛ ﴿فَهُوَ فِى عِشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾
[الحاقة: ٢١] ذاتُ رِضاً؛ أي: مرضية، ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ [القارعة:
٨]؛ بأن لم يكن له حسنةٌ يُعبأ بها، أو ترجَّحت سيئاتُه على حسناته، ﴿فَأُتُّهُ.
هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] فمأواها النار، والهَاويةُ من أسمائها، انتهى (٢).
(ابن كثير): قيل: معناه: فهو ساقط بأُمِّ رأسه في نار جهنم، وعَبَّر
عنه بأُمِّه؛ يعني: دماغه، رُوي هذا عن ابن عباس، وعِكرمة، وأبي صالح،
قال قتادة: يَهوِي في النار على رأسه، قال ابن جرير: إنما قال: أُمه؛ لأنه
لا مأوی له غیرُھا(٣).
٤٤٣ - وعن أَبِي هُرِيرةَ هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ
المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ، ما طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ
الكافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ))، رواه مسلم.
* قوله: ((لو يعلم المؤمن)):
(مظ): ورد الحديث في بيان كثرة عُقوبته ورحمته؛ لئلا يغترَّ مُؤمنٌ
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦١/ ١٩٩)، وهو حديث ضعيف. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٣٢٢١).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٥٢٢).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٤٣٩).
١٣٧

برحمة؛ فیأمن عذابه، ولا ییٹس کافر من رحمته(١).
(ط): سياق الحديث في بيان صِفَتي القَهْر والرحمة الله، وكما أن
صفاتِ الله غيرُ مُتناهية لا يبلغ كُنْهَ معرفتها أحدٌ؛ كذلك عُقوبته ورحمتُه،
فلو فُرض أن مؤمناً وقف على كُنْهِ صفة القَهَّارية؛ لَظَهر منها ما يُقنِّط من
ذلك الناسَ طُرًّا، فلا يطمع بجثَتِهِ أحدٌ، ويجوز أن يُرادَ بالمؤمن الجِنسُ
على سبيل الاستغراق، فالتقدير: أحدٌ منهم، ويجوز أن يكون المعنى على
وجه آخر، وهو: أن المُؤْمِنَ قد اختُصَّ بأن يطمع في الجَنَّة، فإذ انتفى
الطَّمَع منه؛ فقد انتفى عن الكُلِّ، وكذلك الكافر اختُصَّ بالقُنوط، فإذا
انتفى القُنوط عنه؛ فقد انتفى عن الكُلِّ (٢).
(ق): يعني: لو علم ذلك، وجَرَّد النظرَ إليه، ولم يلتفت إلى مُقابله،
فأما إذا نظر إلى مُقابل كل واحد من الطرفين؛ فالكافر بيئس من رحمة الله،
والمؤمن يرجو رحمة الله، ويخاف عقابَه؛ كما قال بعضهم: لو وُزن خَوفُ
المؤمن ورجاؤه؛ لاعتدلا(٣).
٤٤٤ _ وعَنْ أَبِي سَعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ:
(إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ، واحْتَمَلَهَا النَّاسُ أَوْ الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاتِهِمْ،
فَإِنْ كَانَتْ صالِحَةً قالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كانَتْ غَيرَ صَالِحَةٍ،
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٩٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٦١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٧٤).
١٣٨

قالَتْ: يا وَيْلَها! أَيْنَ تَذْهَبُونَ بها؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ
الإِنْسانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ، صَعِقَ))، رواهُ البخاري.
* قوله : ((إذا وضعت الجنازة»:
(نه): ((الجنازة)) بالفتح والكسر: المَيِّت بسريره، قيل: بالكسر:
السَّرير، وبالفتح: المَيِّت(١).
* قوله: ((واحتملها الرجال»:
(ن): قالوا: لا يحملها إلا الرِّجال، وإن كانت الميتة امرأةً؛ لأنهم
أقوى لذلك، والنساء ضعيفاتٌ، وربما انكشف من الحامل بعضُ بدنه(٢).
(ك): قال ابن بطال: قوله: ((قدموني))؛ أي: إلى العمل الصالح الذي
عملته؛ يعني: إلى ثوابه، وفي لفظ ((يسمع)) دلالةٌ أن القول هنا حقيقة لا
مجاز، وأنه تعالى يُحدِثُ النُّطْقَ في الميت إذا شاء، وقوله: ((يا ويلها))؛ لأنها
تعلم أنها لم تقدّم خيراً، وأنها تقدَمُ على ما يسوءها، فتكره القُدومَ عليها (٣).
(ط): كلُّ مَن وقع في هَلَكَة؛ دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني،
ويا هلاكي، ويا عذابي؛ احضُر، فهذا وقتك، وأوانك، وأضاف الويلَ إلى
ضمير الغائب؛ حملاً على المعنى، وعدل عن حكاية قول الجنازة:
(يا ويلي)؛ كراهيةَ أن يُضيفَ المُتكلِّمُ الويلَ إلى نفسه(٤).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٠٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ١٠٤).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٩١).
١٣٩

(ك): أضاف إلى الغائب؛ حملاً على المعنى، كأنه لمَّا أبصر نفسَه غيرَ
صالحة؛ نفَر عنها، وجعلها كأنه غيرُه، والضمير في ((لو سمعه)) راجع إلى
دُعائه بالويل على نفسها؛ أي: تصيح بصوت مُنكَر لو سمعه الإنسانُ؛ لغُشِي
عليه(١).
(نه): (الصعق): أن يُغشَى على الإنسان من صوت شديد يسمعه،
وربما مات منه، ثم استُعمل في الموت منه كثيراً، انتهى (٢).
روى ابن أبي الدنيا عن عليٍّ بن الحسين ﴾: أنه كان يذكر أن العبدَ
إذا احتُمل إلى قبره؛ نادى حَمَلَتَهُ إذا بُشِّر بالنار، فيقول: يا إخوتاه؛ أما
عَلِمتم ما عاينتُ بعدَكم؛ إن أخاكم بُشِّر بالنار، وغضَبِ العزيز الجَبَّار،
فحَلَّ به الذُّلُّ والصَّغَار، ألا وإني أُحذِّرُكم دنيا غرَّتني، وبماذا صرعتني،
فسُلبت المالَ، وحللت دار البوار، وتبرَّأ مني كلُّ نسيب وجار، فيا حسرتاه
على ما فرَّطت في جنب الله، ويا طولَ ثُبُوراه، يا إخوتاه؛ احذروا مثلَ ما
لقيتُ، فقد خُزِيت، وشَقِيت، أَنَشُدُ بالله كلَّ ولد وجار، أو صديق، أو أخ،
إلا أجلسني من قبري؛ فإنه ليس بين صاحبكم وبين النار إلا أن تُواروه في
التراب والطين، يا غُوْثَاه بالله، والملائكة ينادون: امضٍ عدوَّ الله؛ فإن الله
تعالى يقول: ﴿ وَمَا طَلَتْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦].
قال أبو جعفر: كان علي بن الحسين ﴿﴿ إذا ذكر هذا الحديثَ؛ بكى
حَتَّی یرني له كلُّ صدیق.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧/ ١٠٥).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٢).
١٤٠