Indexed OCR Text
Pages 21-40
(ك): يحتمل أن يُراد المَصدوقُ من جهة الناس، فإذا قلت: ما الغرض
من ذكر الصادق المصدوق، وهو إعلام بالمعلوم؟
قلت: لمَّا كان مضمونُ الخبر أمراً مُخالفاً لِمَا عليه الأطباء؛ أراد
الإشارةَ إلى صدقة وبُطلان ما ذكروه.
أو ذكره؛ تلذُّذاً، وتبرُكاً، وافتخاراً.
قال الطبيب: إنما يُتصوَّر الجنين فيما بين ثلاثين يوماً إلى أربعين،
والمفهوم من الحديث: أن خلقته إنما تكون بعد أربعة أشهر(١).
(ن): ((إن أحدكم)) بكسر الهمزة على حكاية لفظه الي(٢).
(نه): يجوز أن يراد بالجَمع مُكْثُ النطفة في الرَّحِم أربعين يوماً،
تتحمّر فيه حَتَّى تتهيأ للخلق والتصوير، ثم تخلق بعد الأربعين(٣).
(خط): رُوي عن ابن مسعود في تفسيره هذا الحديث: أن النطفة إذا
وقعت في الرَّحِم، فأراد الله أن يخلق منها بشراً؛ طارت في بشرة المرأة
تحت كل ظُفر وشَعَر، ثم تمكُّث أربعين ليلة، ثم تنزل دماً في الرَّحِم،
فذلك جَمْعُها(٤)، والصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه، وأحقُّهم
بتأويله، وأولاهم بالصِّدْق فيما يتحدَّثون به، وأكثرهم احتياطاً للتوقِّي عن
خلافه، فليس لمَن بعدهم أن يرُدَّ عليهم(٥).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧٢/٢٣ - ٧٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٠).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٩٧).
(٤) أورده البغوي في ((شرح السنة)) (١ / ١٣٠).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٣٣).
٢١
(ق): إن المَنيَّ يقع في الرَّحِم حين انزعاجه بالقُوَّة الشَّهوانية الدافعة
مَبتُوثاً مُتفرِّقاً، فيجمعه الله تعالى في محَلِّ الولادة من الرَّحِم في هذه المُدَّة؛
كما ذكره ابن مسعود وقوله: ((ذلك)) إشارةٌ إلى الزمان الذي هو الأربعون،
وكذلك (ذلك) الثاني(١).
(ط): ((العلقة)): الدَّمُ الغليظ الجامد، و((المضغة)): هي قطعة من
اللَّحْم قَدْرُ ما يُمضغ، و((النطفة)): الماء القليل، وبه سُمِّي المنيُّ [نطفة]؛
لقلتها، وقيل: سُمِّت بها؛ لنطافتها؛ أي: سيلانها؛ من قولهم: ماء ناطف؛
أي: سَیَّالٌ(٢).
* قوله قاقير: ((ثم يرسل الملك»:
(ن): ظاهره أن إرساله يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وفي رواية
لمسلم: ((يدخل الملَكُ على النُّطْفَة بعدما تَسْتَقِرُّ في الرَّحِم بأربعين أو
بخمسة وأربعين ليلة فيقول: يا ربِّ! أشقيٍّ أم سعيد؟))(٣)، وفي رواية له:
((إِذ مَرَّ بالنُّطْفَةِ اثنتان وأربعون ليلةً، بعثَ اللهُ ملَكاً، فصَوَّرها، وخلقَ سَمْعَها
وبصَرَها))(٤)، وفي رواية: ((إن النُّطْفَة تقعُ في الرَّحِم أربعين ليلةً ثم يتصَوَّرُ
عليها المَلَكُ))(٥)، وفي رواية: ((أن ملَكاً مُوَّلاً بالرَّحِم إذا أراد اللهُ أن يخلُقَ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٤٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٣٤).
(٣) رواه مسلم (٢٦٤٤ / ٢)، من رواية حذيفة بن أسيد
(٤) رواه مسلم (٢٦٤٥/ ٣).
(٥) رواه مسلم (٢٦٤٥ / ٤).
٢٢
شيئاً بإذن الله لبِضْعٍ وأربعين ليلةً)) الحديثَ(١).
قال العُلماء: طريق الجمع بين هذه الروايات: أن للملَك مُلازمةً
ومراعاةً لحال النطفة، وأنه يقول: يا ربِّ؛ هذه النطفة (٢)، هذه عَلَقة هذه مُضْغَةٌ
في أوقاتها، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى، وهو أعلم
سبحانه وتعالى، ولكلام الملك وتصرُّفه أوقاتٌ؛ أحدها: حين يخلقها الله
نُطْفةً، ثم ينقلها عَلَقَةً، وهو أول علم الملَك بأنه ولد؛ لأنه ليس كل نُطْفة
تصير ولداً، وذلك عَقِبَ الأربعين الأولى، وحينئذ يكتب رزقُه، وأجلُه،
وعملُه، وسَعادتهُ أو شقاوته، ثم للملَك فيه تصرُّفٌ آخر، وهو تصويره،
وخَلْق سَمْعِه، وبصَرِهِ، وجلده، ولحمه، وعظمه، وكونه ذكراً، أو أنثى،
وذلك إنما يكون في الأربعين الثانية، وهي مدة المُضْغة، وقبل انقضاء هذه
الأربعين، وقبل نفخ الروح فیه؛ لأن نفخ الروح لا یکون إلا بعد تمام صورته.
وأما قوله: في إحدى الروايات ((إذا مَرَّ بالنُّطْفَةِ اثنتان وأربعون ليلةً؛
بعثَ اللهُ إليها ملكاً، وصَوَّرها، وخلقَ سَمْعَها، وبصَرَها، وجلدَها،
ولَحْمَها، وعَظْمَها، ثم قال: يا ربِّ؛ أَذكَرٌ أم أُنثى؟ فيقضي رَبُّك ما شاء،
ويَكتبُ الملَكُ)) وذكر رزقَه(٣).
قال القاضي عياضٌ وغيره: ليس هو على ظاهره، والمراد بتصويرها،
وخَلْقِ سَمْعِها وبصَرها: أنه يكتب ذلك، ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير
(١) رواه مسلم (٢٦٤٥ / ٤م).
(٢) قوله: ((هذه النطفة)) ليس في ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٠).
(٣) رواه مسلم (٢٦٤٥/ ٣).
٢٣
عقيب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة،
وهي مُدَّة المُضْغَة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَتِمِنطِينٍ
(٢) ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ) ثُرَّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، ثم يكون
للملَك فيه تصرُّفٌ آخرُ، وهو وقت نفخ الرُّوحِ عَقِيبَ الأربعين الثالثة، حین
يَكمُل له أربعة أشهر، واتفق العلماء على أن نفخ الرُّوح لا يكون إلا بعد أربعة
أشهر(١).
(ق): هذا موجودٌ بالمُشاهدة، وعليه يُعوَّل فيما يُحتاج إليه من
الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حَمْل
المُطلَّقات، وقد قيل: إنه الحكمة في عِدَّة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر
وعشر، وهذا الدخول في الخامس يحقّق براءة الرَّحِم ببلوغ هذه المُدَّة (٢).
(قض): يبعث إليه الملَك في الطور الرابع حينما يتكامل بُنيانه،
وتتشكَّل أعضاؤه، فيُعيَّن له ويُنقَشُ فيه ما يليق به من الأعمال، والأعمار،
والأرزاق، حسب ما اقتضته حكمته، وسبقت كلمتُه، فمَن وجده مُستعدّاً
القَبول الحق واتباعه، ورآه أهلاً للخير، وأسباب الصلاح مُتوجِّهاً إليه؛ أثبته
في عِدَاد السُّعداء، وكتب له أعمالاً صالحة تناسب ذلك، ومَن وجده كذا
جافياً قاسي القلب، ضارياً بالطّبْع، متنائياً عن الحق؛ أثبت ذكره في ديوان
الأشقياء الهالكين، وكتب له ما يُتوقَّع منه من الشُّرور والمَعاصي، هذا إذا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٥١).
٢٤
لم يُعلم من حاله وقوع ما يقتضي تغير ذلك، وإن علم من ذلك شيئاً؛ كتب
له أوائل أمره وأواخره، وحكم له وفق ما يتِمُّ به عملهُ؛ فإن مِلاك العمل
خواتيمُه، وهو الذي سبق إليه الكتابُ، فيعمل بعمل أهل الجنة(١).
(ق): نَفَعُ الملَك في الصُّورة سببٌ لخلق الله عنده فيها الرُّوحَ والحياةَ؛
لأن النفخ المُتعارَف إنما هو إخراج ريح من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، ولا
يلزم منه عقلاً ولا عادة في حَقِّنا تأثيرٌ في المنفوخ فيه؛ فإن قُدِّر حدوث شيء
عند ذلك النفخ؛ فذلك بإحداث الله تعالى، لا بالنَّفْخ، وغاية النفخ أن يكون
مُعِدّاً عادياً، لامُوجِباً(٢) عقلياً، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة؛
فتأمَّل هذا الأصلَ، وتمسّك به؛ ففيه النجاة من مذهب أهل الطبائع وغيرهم(٣).
* قوله: {ل: ((ويؤمر بأربع كلمات)):
(ط): ((الكلمات)): القضايا المُقدَّرة، وكل قضية تسمَّى كلمةً، قولاً
كان أو فعلاً(٤).
(ن): ((بكتب رزقه)) هو بالباء الموحدة في أوله على البدل من ((أربع)).
وقوله: ((شقي أو سعيد)) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شقيٍّ أو سعيد(٥).
(ط): كان من حق الظاهر أن يقال: تكتب سعادتُه وشقاوته، فعدل؛
إما حكاية لصورة ما يكتبه؛ لأنه يكتب ((شقي أو سعيد))، أو التقدير: أنه
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٩٢).
(٢) في الأصل: ((موجوداً».
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٥١).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٣٤).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٠).
٢٥
شقيٍّ أو سعيدٌ، فعدل؛ لأن الكلام مَسُوقٌ إليهما، والتفصيل واردٌ عليهما،
والفاء في ((فيسبق)) للتعقيب، يدل على حصول السَّبْق بلا مُهلة، ضَمَّن
(يسبق) معنى: (يغلب)؛ أي: يغلب عليه الكتاب، وما قُدِّر عليه سَبْقاً بلا
مُهلة، بُعَيْدَ ذلك يعمل عملَ أهل الجَنَّة، أو أهل النار (١).
(ق): ((الرزق)): هو الغِذاءُ حلالاً أو حراماً، وقيل: هو ما ساقه الله
إلى العبد؛ لينتفع به، وهو أعمُّ، و((الأجل)) يطلق لمعنَين: لمُدَّة العُمر من
أولها إلى [آخرها]، وللجُزء الأخير الذي یموت فیه.
(ن): قال القاضي وغيره: والمُراد بإرسال الملَك في هذه الأشياء أمرُه
بها، والتصرُّف فيها بهذه الأفعال، وإلا؛ فقد صرح في الحديث بأنه مُوگَّل
بالرَّحِم، وأنه يقول: ((يا ربِّ؛ نطفةٌ، يا ربِّ؛ علقةٌ)(٢)، ثم المُراد بجميع
ما ذكر؛ من الرِّزق، والأجل، والشَّقاوة، والسَّعادة، والعمل، والذُّكورة،
والأُنوثة: أنه يُظهِرُ ذلك للملَك، ويأمرُه بإنفاذه وكتابته، وإلا؛ فقضاء الله
تعالى سابقٌ على ذلك، وعلمُه وإرادتهُ لكلِّ ذلك مَوجودٌ في الأزل(٣).
(مظ): اعلم أنه تعالى يُحوِّل الإنسانَ في بطن أُمُّه حالةً بعد حالة مع
أنه قادرٌ على أن يخلقَه في لَمْحَة؛ وذلك أن في التحويل عِبَراً، وفوائدَ؛
منها: أنه لو خلقه دُفعةً؛ لشَقَّ على الأُمِّ؛ لأنَّها لم تكن مُعتادةً لذلك، وربما
تُظَنُّ علةٌ، فجعلت أولاً نُطفةً؛ لتعتاده مُدَّةً، ثم علَقةٌ مُدَّةً، وهلُمَّ جَرّاً
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٣٥).
(٢) رواه مسلم (٢٦٤٦ / ٥)، من حديث أنس ـ
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٢).
٢٦
إلى الولادة.
ومنها: إظهار قدرة الله تعالى، ونعمته؛ ليعبدوه ویشکروا له، حيث
قَلَّبَهُم من تلك الأطوار إلى كونهم إنساناً حسنَ الصُّورة مُتحلِّياً بالعقل
والشَّهامة، مُتزيِّناً بالفَهْم والفَطانة .
ومنها: إرشاد الناس وتنبيهُهم على كمال قدرته على الحَشْرِ والنَّشْرِ؛
لأن مَن قدَر على خلق إنسان مِن ماء مَهين، ثم مِن علَقٍ ومُضْغَة مهيأة لنفخ
الرُّوح فيه؛ يَقدِرُ على صَيرورته تراباً، ونفخ الرُّوح فيه، وحَشْره في
المَحْشَر للحِساب في الجَزاء (١). قوله: ((حتى)) هي الناصبة، و((ما)) نافية،
ولفظ ((يكون)) منصوبةٌ بـ (حتى)، و(ما) غير مانعة لها من العمل.
(ن): المراد بالذِّراع: التمثيل للقُرب من موته، ودخوله عقيبَه إلى
تلك الدار؛ أي: ما بقي بينه وبين أن يصل إليها إلا كمَن بقي بينه وبين
موضع من الأرض ذراعٌ، والمراد بهذا الحديث: أن هذا قد يقع في نادر
من الناس، لا أنه غالبٌ فيهم، ثم إنه مِن لُطف الله تعالى وسَعة رحمته
انقلاب الناس من الشرِّ إلى الخير في كثرة، وأما انقلابهم من الخير إلى
الشر: ففي غاية النُّدور، ونهاية القِلَّة، وهو نحو قوله تعالى: ((إنَّ رَحمَتي
سَبِقَتْ غَضَبِي، وغلبَتْ غَضَبِي)(٢).
ويدخل في هذا مَن انقلب إلى عمل النار بكُفر أو معصية، لكن يختلفان
في التخليد وعدمه، وفيه: تصريحٌ بإثبات القدَر، وأن التوبة تَهدِمُ الذنوب
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ١٧٧).
(٢) رواه البخاري (٧٥٥٣)، من حديث أبي هريرة
٢٧
قبلها، وأن مَن مات على شيء؛ حُكِم له به؛ مِن خير أو شرٍّ، إلا أن أصحابَ
المَعاصِي غيرِ الكُفر في المَشيئة(١).
(خط): فيه: بيان أن ظاهر الأعمال من الحسنات والسيئات أَمَاراتٌ،
وليست بمُوجِبات؛ فإن مصيرَ الأُمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء،
وجرى به القدَرُ في البداية (٢).
(ق): ظاهر هذا الحديث: أن هذا العامل كان عملُه صحيحاً، وأنه
قَرُبَ من الجنة أو النار حتى أشرف على دخولها، وإنما منعه من دخولها سابقُ
القدَر الذي يظهر عند الخاتمة، وعلى هذا: فالخوف على التحقيق إنما هو مِمَّا
سبق؛ إذ لا تبديلَ له، ولا تغيير، فإذاً الأعمال بالسَّوابق، لكن لمَّا كانت
السّابقة مستورةً عنا، والخاتمة ظاهرةٌ لنا؛ قال ◌َّةِ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ
بالخَوَاتيم)»(٣)؛ أي: عندنا، وبالنسبة إلى اطّلاعنا في بعض الأشخاص، وفي
بعض الأحوال.
مستفاد من هذا الحديث: تَركُ العُجْب بالأعمال، وترك الالتفات
والرُّكون إليها، والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته، والاعتراف بمِنَّته(٤).
((شف)): وفيه: حَثٌّ على مُواظبة الطاعات، ومراقبة الأوقات، وحفظها
من معاصي الله تعالى؛ خوفاً من أن يكون ذلك آخرَ عُمره، وفيه: زَجْرٌ عن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٩٢).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٣١٨).
(٣) رواه البخاري (٦٦٠٧)، من حديث سهل بن سعد څه
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٥٣).
٢٨
العُجْب والفرح بالأعمال، فُربَّ مُتَّكل هو مغرورٌ؛ فإن العبد لا يدري ماذا
يصيبه في العاقبة، وفيه: أنه لا يجوز لأحد أن يشهدَ لأحد بالجَنَّة أو النار؛ فإن
أُمورَ العبد بمشيئة الله تعالى وقدَرِه السّابق.
(ن): وفيه: أنه لا ينبغي لأحد أن يُقَنِّطَ أحداً من رحمة الله(١).
(ط): وفيه أيضاً: أن الله تعالى يتصرّف في مُلكه ما يشاء، وكيف يشاء،
وكل ذلك عَدْلٌ وصوابٌ، وليس لأحد الاعتراضُ عليه، قال الله تعالى: ﴿لَا
يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣](٢).
٣٩٧ - وعنه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ
لَهَا سَبْعُونَ أَلَّفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا))،
رواه مسلم .
(الثَّانِ))
(ق): ((جهنم)): اسم علم لنار الآخرة، وكذلك سقَر، ولها أسماءٌ كثيرةٌ
أعاذنا [الله] منها؛ يعني: أنها يُجَاء بها من المَحلِّ الذي خلقها فيه، فيدار
بأرض المَحْشَر حتى لا يبقى للجَنَّة [طريقٌ] إلا الصِّراطُ؛ كما دلت عليه
الأحاديثُ الصَّحيحة، و ((الزمام)): ما يُزَمُّ به الشيءُ؛ أي: يُشْدُّ ويُربط، وهذه
الأَزِمَّةُ التي تُساق جَهنَّمُ بها أيضاً تمنع من خروجها على أهل المَحْشَر، فلا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٣٥).
٢٩
يخرج منها إلا الأعناقُ التي أُمرت بأَخْذ مَن شاء الله أَخْذَه، ومَلائكُتها؛ كما
وصفهم الله تعالى: ﴿غِلَاظُ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾
[التحريم: ٦]، وأما العددُ المَحصور للملائكة: فكأنه عدد رؤسائهم، وأما
جُملتهم: فالعِبارةُ عنها ما قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَرَبِّكَ إِلَّهُوَ ﴾ [المدثر: ٣١](١).
٣٩٨ - وعنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَ﴾، قالَ: سمِعتُ رَسُولَ اللهعَ﴾
يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ يُوضَعُ في أَخْمَصٍ
قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ مِنْهِ عَذَاباً،
وَإِنَّه لأَهْوَنُهُمْ عَذَاباً)، متفق عليه.
له: أَنَّ نبِيَّ اللهِ قالَ: ((مِنْهُمْ
٣٩٩ - وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ .
مَنْ تَأْخُذهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ
تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَخُذُهُ إِلَى تَزْقُوَِّهِ)، رواه مسلم.
(الحُجْزَةُ)): مَعْقِدُ الإِزَارِ تَحْتَ السُّرَّةِ، و((التَّرْقُوَةُ)) بفتح التاءِ
وضم القاف: هِيَ العَظْمُ الَّذِي عِنْدَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ، وللإنْسَانِ تَرْقُوتَانِ
فِي جَانِبَيِ النَّحْرِ .
(الثَّالِثُ
هذان الحديثان فيهما دلالة على أن أهل النار مُتفاوتون فيها؛ كما قد
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٦).
٣٠
عُلم من الكتاب والسُّنة، ولأنا نعلم(١) بالقَطع والبَتات أنه ليس عذابُ مَن قتل
الأنبياء والمسلمين، وفتَك فيهم، وأفسد في الأرض وكفر مُساوياً لمَنْ كفر
فقط، وأحسن إلى الأنبياء والمسلمين، وهذا البحث يبتني على أن الكُفَّار
مُخاطبون بفروع الشريعة.
والحديث الثاني يحتمل أن يكون في الكُفَّار، ويَصِحُّ أن يكون ذلك
فيمَن يُعذَّب من المُوحِّدين، انتهى(٢).
وهذا الاحتمال الثاني أَقربُ؛ لِمَا في ((شرح السُّنة)) من حديث أبي سعيد
الخُذريِّ مرفوعاً(٣).
٤٠٠ - وعن ابنِ عمرَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴾ قال: ((يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ العَالَمِينَ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أَنْصَافٍ أُذُنَه)»،
متفقٌ عليه.
و ((الرَّشْحُ)): العَرَقُ.
(ق): هذا العرَق إنما هو؛ لشِدَّة الضغط، وحَرِّ الشمس التي
على الرُّؤوس، وحرارة الأنفاس، وحرارة النار المُحْدِقة بأرض المَخْشَر،
(١) في الأصل: ((ولا نعلم))، والتصويب من ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٩).
(٣) رواه البغوي في ((شرح السنة)) (٤٤٠٢).
٣١
ولأنها يخرج منها أَعناقُ تلتقط الناس من الموقف، فترشَحُ رُطوبةُ الأبدان
من كل إنسان بحسَب عمله، ثم يُجمع عليه ما يَرْشَح منه بعد أن يغوصَ
عرَقُهم في الأرض مقدارَ سبعين باعاً، أو ذراعاً، أو عاماً على اختلاف
الروايات.
فإن قيل: هذا: فيكون الناس في مثل البحر من العَرَق، فكيف يكونون
فیه متفاضلین؟!
قلنا: يزول هذا الاستبعاد بأَوجهٍ؛ أقربها: أن الله تعالى يخلق ارتفاعاً
في الأرض التي تحت قَدم كل إنسان بحسَب عمله، فيرتفع عن العَرق
بحسب ارتفاع ما تحته.
وثانيهما: أن يُحشر الناسُ جماعاتٍ مُتفرقةً، فيُحشر كل مَن يبلغ
عرقُه إلى كعبه في جهة، وكلُّ مَن يبلغ حَقْوَيْه في جهة، وهكذا.
والقُدرة صالحة أن تمسك عَرَقَ كلِّ إنسان عليه بحسَب عمله، فلا
يتصل بغيره وإن كان بإزائه؛ كما قد أمسك جَرْيةَ البحر لموسى عليه
السلام؛ حيث طلب لقاء الخضر؛ ولبني إسرائيل لمَّا اتَّبِعَهُم فِرعونُ، والله
أعلم بالواقع من هذه الأوجه.
والحاصل: أن هذا المقام مقامٌ هائل لا تفي بهَوله العبارات، ولا تحيط
به الأوهام والإشاراتُ، وأبلغُ ما نطق به في ذلك الناطقون، ﴿قُلْ هُوَ نَبَؤُّأَ
عَظِيمٌ ) أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨](١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٥٦).
٣٢
٤٠١ - وعن أَنَسِ ظُه، قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ خُطْبَةً
ما سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فقال: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُم
قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) فَغَطَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِنَّهِ وُجُوهَهُمْ،
ولهُمْ خَنِينٌ، متفقٌ عليه.
وفي رواية: بَلَغَ رَسُولَ اللهِِّ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ،
فقال: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمٍ في الخَيْرِ وَالشَّرِّ،
وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيُمْ كَثِيراً)، فَمَا أَنَى
عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِوَهِ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ، غَطّوْا رُؤُوسَهُمْ، وَلَهُمْ
خَنِینٌ.
(الخَنِينُ)) بِالخاءِ المعجمة: هُوَ الْبُكَاءُ مَعَ عُنَّةٍ وَانْتِشَاقِ الصَّوْتِ
مِنَ الأَنْفِ.
٤٠٢ - وعَنِ المِقْدَادِ ﴿ه، قال: سمعتُ رَسُولَ اللهِصلحه
يَقُولُ: ((تُذْنَى الشَّمسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ
كَمِقْدَارِ مِيل)»، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ الرَّاوِي عَنْ الِمِقْدَادِ: فَوَالله!
مَا أَدْرِي ما يَعني بِالمِيلِ، أَمَسَافَةَ الأَرْضِ، أَم المِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ
بِهِ العَيْنُ؟ ((فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي العَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ
يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلى رُكْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ
إلى حِقْوَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجاماً))، وَأَشَارَ رسولُ اللهِإِلَه
٣٣
بیدِهِ إلی فِيهِ، رواه مسلم.
٤٠٣ - وعن أبي هريرةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ، قال: ((يَعْرَقُ
النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعاً،
وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ»، متفقٌ عليه.
ومعنى ((يَذْهَبُ في الأَرْضِ)»: يَنْزِلُ ويَغُوصُ.
٤٠٤ - وعنه، قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِوَ﴿ِ، إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً،
فَقالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ ما هذا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال:
((هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفاً، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ
الآنَ حَتَّى انْتُهَى إِلَى قَعْرِهَا، فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا))، رواه مسلم.
(السَّاخِرُ إِلَى العَشِر)
* قوله ويليفير: ((لو تعلمون ما أعلم)):
(ط): أي: من عِقاب الله للعُصاة، وشِدَّة المُناقشة يوم الحساب للعُتاة،
وكشف السرائر وخُبْث النِيَّات.
قال الشيخ أبو حامد الغزاليُّ رحمه الله: هذا الحديث من الأسرار التي
أُودِعَها قلبُ الأمين الصَّادق محمد صلوات الله عليه، لا يجوز إفشاء السرِّ؛
فإن صدور الأحرار قُبُورُ الأسرار؛ ولولا ذلك؛ لکان یذکر لهم حتى يبكوا
ولا يضحكوا؛ فإن البُكاءَ ثمرة شجرة حياة القلب الحَيِّ بذكر الله تعالى،
٣٤
واستشعاره عظمتَه، وهَيْبتَه، وجَلالَه، والضَّحِك نتيجة القلب الغافل عن
ذلك، فبالحقيقة حَثَّ الخلقَ على طلب القلب الحَيِّ، والتعوُّذ من القلب
الغافل(١).
وقال أبو الدَّرداء ◌َه: قال رسول الله وَّهِ: (لَو تَعَلَمُونَ ما أعلَمُ؛ لَبَكيُم
كَثِيراً، ولضَحِكْتُم قليلاً، ولَهَانَتْ عَلَيْكُمْ الدُّنيا، ولآئرتُم الآخِرَةَ»، ثم قال أبو
الدَّرداء مِن قِبَلِ نَفْسِه: ولو تَعلَمُونَ ما أعلمُ؛ لخَرجْتُم إلى الصُّعُدَات تَبَكُونَ
على أَنْفُسِكُم، ولَتركتُمْ أَموالَكُم لا حارسَ(٢) لها، ولا راجعَ إليها إلا ما لا بُدَّ
لكم منه، ولكن يَغِيبُ عن قُلوبِكُم ذكرُ الآخرة، ويَحضُرها الأملُ، فصارتِ
الدُّنيا أَمْلَكَ بأَعمالِكُم، وصِرتُم كالذين لا يعلمون، وبعضُكم شرٌّ من البهائم
التي [لا] تدع هواها(٣).
* قوله منير: ((فلم أر كاليوم في الخير والشر)):
(ن): معناه: لم أر خيراً أكثرَ ممَّا رأيته اليوم في الجنة، ولا شَرَاً أكثرَ
ممَّا رأيته اليوم في النار(٤).
(ط): ((كاليوم)) الكاف في موضع الحال، وذو الحال: الجنة والنار،
والمعنى: لم أر الجنة والنار في الخير والشرِّ يوماً من الأيام مثلَ ما رأيت
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٣٧٨).
(٢) في الأصل: ((حاس)).
(٣) رواه بهذا اللفظ ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤٢٧)، وهو حديث ضعيف. انظر:
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٩٦٩).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١١٢).
٣٥
اليوم؛ أي: رأيتهما رؤية جَلِيَّة ظاهرة(١).
(ن): ((وجبة)) بفتح الواو وإسكان الجيم؛ أي: سَقْطةٌ (٢).
(ق): هذا دليل على أنهم حين سمعوا الوَجْبةَ؛ خرق الله لهم العادةَ،
فسمعوا ما مُنِعَه غيرُهم، وإلا؛ فالعادة تقتضي مُشاركةَ غيرهم في سماع
هذا الأمر العظيم، ففيه: دليلٌ على أن النار قد خُلقت وأُعِدَّ فيها ما شاء الله
أن يُعذّبَ به من يشاء(٣).
٤٠٥ - وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ◌َُه، قال: قالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ
أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلا يَرَى إِلَّ ما قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلاَ يَرَى إِلاَّ
ما قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلا يَرَى إلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا
النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، متفقٌ عليه.
(الجَادِيُّ عَنْشَ)
سبق شرحه في آخر (الباب الثالث عشر).
٤٠٦ - وعن أبي ذرٍّ، ﴿ُه، قال: قالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إِنِّي
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٩٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٨).
٣٦
أَرَى مَالا تَرَوْنَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَبِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضعُ
أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً لِلّهِ تَعَالَى، واللهِ! لَوْ
تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَثْتُمْ كَثِيراً، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ
بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ
تَعَالَى))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
و ((أَطَّتْ)) بفتح الهمزة وتشديد الطاءِ، وَتَشِطُ)) بفتح التاءِ وبعدها
همزة مكسورة، وَالأَطِيطُ: صَوْتُ الرَّحْلِ وَالقَتَبِ وَشِبْهِهِمَا، وَمَعْناهُ:
أَنَّ كَثْرَةَ مَنْ في السَّمَاءِ مِنَ المَلائِكَةِ العَابِدِينَ قَدْ أَنْقَلَتْهَا حَتَّى أَطَّتْ.
وَ«الصُّعُدَات)) بضم الصاد والعين: الطَّرُقَاتُ، ومعنى («تَجْأَرُونَ):
تَسْتَغِيثُونَ.
[الثَّانِيُّ عَبٌ]
ع ســ
: قوله عليه: «أطت السماء)):
(نه): ((الأطيط)): صوت الأقتاب، وأَطِيطُ الإبل: أصواتها وحَنينُها؛
أي: أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أَطَّت، وهذا مَثلٌ وإيذانٌ بكثرة
الملائكة، وإن لم يكن ثَمَّ أَطِيطٌ، وإنما هو كلام تقريب أُريد به تقريرُ عَظمَة الله
تعالى. ((والصعدات)) الطرق، وهي جمع صعُد، وصُعُد جمع صعيد، وقيل:
هي جمع صُعْدَة كظُلْمَة، وهي فِناء باب الدار، ومَمرُّ الناس بين يديه(١).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٥٤)، (٢٩/٣).
٣٧
(ط): (أربعة أصابع)) روي بالهاء وبغيرها، والإصبع يُذكَّر ويُؤنَّك،
و ((موضع أربعة أصابع)) فاعلٌ للظرف المُعتمد على حرف النفي، والمذكور
بعد (إلا) حال منه؛ أي: وفيه ملك(١).
(تو): المعنى: لخرجتم من منازلكم إلى الجَبَّانة مُتَضرِّعين إلى الله
تعالى، ومن حالة المَحزُون أن يضيق به المَنزلُ، فيطلب الفضاء الخالي
لبثِّ شكواه، انتھی.
ويحتمل أن يقال: معناه لا يقَرُّ بكم قرارٌ، ولا يُظلئكم سقف دار، بل
كنتم تخرجون وَالِهِينَ هائمين، لا تَقصِدُون منزلاً مُعيَّناً؛ كما ذكر عن
الفضيل بن عياض رحمه الله: أنه رُتي يوماً يمشي، فقيل: إلى أين؟ فقال:
لا أدري، وكان يمشي وَالِهاً مِن الخوف(٢)، ويروى أن أُوِيساً القَرَنِيَّ رحمه
الله كان يَحضُر القاصّ، فيبكي من كلامه، فإذا ذكر النارَ؛ صرخ أُوَيسٌ، ثم
يقوم مُنطلقاً، فيتبعه الناس، ويقولون: مَجنونٌ مَجنونٌ(٣).
٤٠٧ - وعن أبي بَرْزَةَ - بِراءٍ ثم زايٍ - نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ
الأَسْلَمِيِّ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى
يُسْأَلَ عَنْ عُمُرٍهٍ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١/ ٣٣٨٤).
(٢) أورده الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) (٤ / ١٨٧).
(٣) أورده الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) (٤ / ١٨٨).
٣٨
أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَن ◌ِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»، رواه الترمذي،
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[الثَّالِثُ عَشَر)]
* قوله : «لا تزول قدما عبد»:
(ق): ((عبد)) نكرة في سياق نفي، فتفيد العُمومَ، لكنه مُخصَّص بغالب
العبيد، فيخرج عنهم مَن لا حِسابَ عليه، وهم الزمرة السابقة إلى الجنة،
ويخرج منهم المجرمون الذين يُعرفون بِسيمَاهُم، فيؤخذون(١) بالنَّواصي، وأما
قوله: ((عن عمره فيما أفناه ... )) إلى آخره: ظاهره أنه يُسأل عن هذه الأربع
مُجملةً، وليس كذلك، بل يُسأل عن آحاد كل نوع منه، فيُسأل عن أزمانه من
وقت تكليفه زماناً زماناً، وعملاً عملاً، وعن معلوماته وما عمل بها واحداً
واحداً، وهكذا في سائرها تعييناً، وتعديداً، وتفصيلاً، والدليل على ذلك:
قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَاً﴾ [الكهف:
٤٩]، وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]،
ومثل هذا كثير في الشريعة، ومَن تَصفَّح ذلك؛ حصل على العلم القطعيِّ،
واليقين الضَّرُوريّ من ذلك(٢).
(١) في الأصل: ((فيؤخذ)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٥٨).
٣٩
٤٠٩ - وعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ◌َ﴿﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى :
(كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَّقَمَ القَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الإذْنَ مَتَّى
يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخَ؟!))، فَكَأَنَّ ذِلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِِّ،
فقال لهُمْ: ((قُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ))، رواه الترمذي،
وقال: حديثٌ حسنٌ.
((القَرْنُ)»: هُوَ الصُّورُ الَّذي قال الله تعالى: ﴿وَنُّفِيخَ فِي الصُّورِ﴾
[الزمر: ٦٨]، كَذَا فَسَرَهُ رَسُولُ اللهِ.
L
3
* قوله ﴿﴿: «كيف أنعم؟!):
(نه): مِن النَّعْمَة بالفتح، وهي المَسرَّة والفرح والترفهُ(١).
(قض): معناه: كيف يطيب عَيْشي، وقد قَرُب أن يُنفخ في الصُّور؟!
فكنى عن ذلك؛ بأن صاحبَ الصُّور وضع رأسَ الصور في فَمِه، وهو
مُترصِّدٌ مُترقّبٌ لأَن يُؤْمرَ، فَيَنفُخَ فِيه(٢).
* قوله *: «قولوا: حسبنا الله):
(مظ) أي: الله مُحْسِبنًا وكافينا؛ من أَحْسَبَهُ الشيءُ: إذا كفاه، والدليل
على أن حسبك بمعنى مُحْسِبك وقوعُه صفةً لنكرة، تقول: هو رجلٌ
حَسْبُك، فلو لم يكن اسمَ فاعل وإضافته في تقدير الانفصال؛ لَما وقع صفة
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٨٢).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٩١).
٤٠