Indexed OCR Text

Pages 521-540

الكذبَ فيها، ولا كَفَّارة عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمدَ في أحد الرِّوايتين
عنه، وسُمِّيت غَمُوساً؛ لغَمْس صاحبها في الإثم، ثم في النار.
وقال أبو عُبيد: هي أن يقتطِعَ الرَّجلُ بها مالَ غيره.
(ك) فإن قلت: ما وجه تخصيص هذه الأربعة بالذِّكر؟
قلت: لأنها أكبر الكبائر، ولأن الله تعالى أَوْعَد على القتل ما أَوْعَد
على الشِّرك؛ حيث قال: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، والآخران يُشابهان الشَّرك(١).
وقد تقدم قريباً قولُه ◌َّهِ: (مِن أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ)(٢).
*
٣٣٨ - وعنه: أَنَّ رسولَ اللهِ﴿ِ قالَ: ((مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ
الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ))، قالوا: يا رسول الله! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟!
قال: ((نَعَمْ؛ يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاه، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ
◌ُمَّهُ»، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: ((إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ»،
قِيلَ: يا رسولَ الله! كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟! قال: ((يَسُبُّ أَبَا
الرَّجُل، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ)).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ١٧٤).
(٢) رواه البخاري (٥٦٢٨)، من حديث عبدالله بن عمرو وا
ـا .
٥٢١

[الثّالث]
(ق): لأن شَتْمَ المسلم الذي ليس بأب كبيرةٌ، فشَتْم الآباء أكبرُ منه،
وقولُهم: ((هل))، و((كيف يلعن)) استفهامُ إنكار واستبعاد لوقوع ذلك عن
أحد من الناس، وهو دليلٌ على ما كانوا عليه من المُبالغة في برِّ الوالدين،
ومن المُلازمة لمَكارم الأخلاق والآداب(١).
(ن): فيه: دليل على أن من يتسبب في شيء؛ جاز أن يُنسبَ إليه
ذلك الشيءُ، وإنما جُعِل هذا عُقوقاً؛ لكونه يحصل منه ما يتأذَّى به الوالدُ
تأذياً ليس بالهَيِّن، وفيه: قَطعُ الذَّرَائع، فيؤخذ منه النهيُ عن بيع العَصير
مِمَّن يَتَّخِذ الخمرَ، والسِّلاح مِمَّن يقطع الطريقَ، ونحو ذلك(٢).
(ق): وهو نحو قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، الذَّريعة: هو الامتناع مِمَّا ليس
مَحظوراً في نفسه؛ مخافةَ الوقوع في مَحظور(٣).
٣٣٩ - وعن أبي محمدٍ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ : أَنَّ رسولَ الله وَله
قالَ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ))، قال سفيانَ في روايتهِ: يَعْني: قَاطِعَ
رچِم، متفق عليه.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٨٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٥).
٥٢٢

ـه
3
* قوله: ((قال سفيان: يعني: قاطع الرحم)):
(ق): هذا التفسير صحيح؛ لكثرة مجيء لفظ ((قاطع)) في الشرع مُضافاً
إلى الرَّحِم، فإذا أُورد عَرِيّاً عن الإضافة؛ حمل على ذلك الغالب، وهذا
الحديث يُحمل على المُستحِلِّ لقطع الرَّحِم، فيكون القاطع كافراً، ويُخاف
عليه أن يَفسُد قلبُه بسبب تلك المعصية، فيُختَم عليه بالكفر، فلا يدخل
الجنة، أو لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلها الواصل لرَحِمه؛ لأن القاطع
يُحبس في النار بمعصيته، ثم بعد ذلك يُخَلَّص منها بتوحيده، كلُّ ذلك
مُحتمِلٌ، والله ورسوله أعلم.
وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على وُجوب صِلَة الرَّحِم على
الجملة، وعلى تحريم قطعها، وأنه كبيرة، ولا خلافَ فيه، ولكن الصِّلَة
درجاتٌ بعضُها أرفع من بعض، فأدناها ترك المُهاجرة؛ كما قال ◌َله:
((صِلُوا أَرْحَامَكُم ولو بالسَّلام) (١)، وهذا بحسب القُدرة عليها، والحاجة
إليها، ومنها ما يُستحبُّ، أو يُرغب فيه، وليس مَن لم يبلغ أقصى الصِّلة
يُسمَّى قاطعاً، ولا مَن قَصَّر عَمَّا ينبغي له ويَقدِرُ عليه يُسمَّى واصلاً(٢).
٣٤٠ - وعَنْ أَبِي عِيسى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴿ه، عن النبيِّ وَّهِ،
(١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٦٥٤)، من حديث سويد بن عامر، مرسلاً.
وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤ / ٣٢٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٦).
٥٢٣

قال: ((إنَّ الله تعالى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، ومَنْعاً وهاتِ،
وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وقالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ المَالِ))،
متفقٌ عليه.
قولُهُ: ((مَنْعاً) مَعْنَاهُ: مَنْعُ ما وَجَبَ عَلَيْهِ، وَ«هَاتٍ)): طَلَبُ مَا
لَيْسَ لهُ. وَ«وَأْدَ الْبَنَاتِ)) مَعْنَاهُ: دَفْنُهُنَّ فِي الحَيَاةِ، وَ«قِيلَ وقَالَ))
مَعْنَاهُ: الحَدِيثُ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُهُ، فَيَقُولُ: قِيلَ كَذَا، وَقَالَ فُلانُ كَذَا؛
مِمَّا لا يَعْلَمُ صِخَتَهُ، وَلا يَظُنُّهَا، وكَفَى بالمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ
مَا سَمِعَ. وَ(إِضَاعَةُ المَال)»: تَبَّذِيرُهُ وصَرْفُهُ فِي غَيْرِ الوُجُوهِ المَأْذُونِ
فِيهَا مِنْ مَقَاصِدِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، وتَرْكُ حِفْظِهِ مَعَ إِمْكَانِ الحِفْظِ.
وَ«كَثْرَةُ السُّؤَالِ)»: الإِلحَاحُ فِيمَا لا حَاجَةَ إِلَيْهِ.
وفي البابِ أَحَادِيثُ سَبَقَتْ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ؛ كَحَدِيثٍ: ((وَأَقْطَعُ
مَنْ قَطَعَكِ))، وحديث: ((مَنْ قَطَعَنِي، قَطَعَهُ الله)).
و
١١٧
(ن): عُقوق الأُمَّهات من الكبائر بالإجماع، وكذلك عُقوق الآباء من
الكبائر، واقتصر ههنا على الأُمَّهات؛ لأن حُرمتَهن آكدُ من حرمة الآباء؛
ولهذا قال بَّه حين قال له السَّائلُ: مَنْ أَبَرُّ؟ قال: ((أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ)) ثلاثاً،
ثم قال في الرابعة: (ثُمَّ أَبَاكَ))(١)، ولأن أكثرَ العُقوق يقع للأُمَّهات، ويطمع
(١) تقدم تخريجه .
٥٢٤

الأولاد فیھن(١).
(خط): لم يخصنَّ الأُمّ بالعُقوق فقط، بل نَبَّه بأحدهما على الآخر؛ لأن
لعُقوق الأُمَّهات مَزِيَّةً في القُبح، وحق الأب مُقدَّم في الطاعة، وحُسن المتابعة
لرأيه، والنفوذ لأمره، وقبول الأدب منه(٢).
(ن): «وأد البنات» دفنھن أحیاءَ، فیمتن تحت التراب، وهو من كبائر
المُوبقات؛ لأنه قتل نفس بغير حَقِّ، ويتضمَّن أيضاً قطيعةَ الرَّحِم، وإنما
اقتصر على البنات، لأنه المُعتاد الذي كانت الجاهلية تفعله (٣).
(ط): قيل: قدَّم عُقوق الأُمَّهات؛ لأنهن الأُصول، وعَقَّبه بوأد البنات؛
لأنهن الفُروع، وكان ذلك تنبيهاً على أن أكبر الكبائر هو قطعُ النَّسْل الذي هو
مُوجِبٌ لخراب العالم (٤).
(ن): ((وهات)) بكسر التاء(٥).
(ط): قيل: نهى عن مَنْع الواجب من ماله، وأقواله، وأخلاقه من
الحُقوق اللازمة فيها، ونهى عن استدعاء ما لا يجب عليهم من الحُقوق،
وتكليفِه إيَّهم بالقيام بما لا يجب عليهم، فكأنه [ينصف ولا] يَنتصِفُ،
فهذا من أَسْمَجِ الخِلال(٦).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٢ / ٦١٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٢).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٥٧).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٢).
(٦) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٥٧).
٥٢٥

قوله: ((قيل وقال)»:
(نه): أي: نهى عن فُضول ما يَتحدَّث به المُتجالسون؛ من قولهم: قيل:
كذا، وقال: كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين ماضيين مُتَضمِّنين للضمير،
والإعراب على إجرائهما مُجرى الأسماء خِلْوَيْنِ من الضمير، وإدخال حرف
التعريف عليهما في قولهم: القِيلُ والقَال، وقيل: القَالُ: الابتداء، والقِيلُ:
الجواب، وهذا إنما يصح إذا كانت الرواية: (قيل وقال) على أنهما فعلان،
فيكون النهي عن القول بما لا يصِحُّ ولا تعلَمُ حَقيقتُه، وهو كحديثه الآخر:
(بئسَ مَطِيَّةُ الرَّجُل زعَمُوا))(١)، فأما مَن حكى ما يصِحُ ويُعرف حَقيقتُه وأسنده
إلى ثِقَة صادق: فلا وجهَ للنهي عنه، ولا ذَمَّ.
وقال أبو عُبيد: فيه تجوُّزٌ عربيةً، وذلك أنه جعل القال مصدراً، كأنه
قال: نهى عن قِيل وقَول، يقال: قلت قولاً، وقَالاً، وقيلاً، وهذا التأويل على
أنهما اسمان، وقيل: أراد النهيَ عن كثرة الكلام مُبتَدِئاً ومُجيباً، وقيل: أراد به
حكايةَ أقوال الناس، والبحثَ عما لا يُجري عليه خيراً، ولا يَعنيه أمرُ،(٢).
(ط): قيل: هذا الكلام مُتضمِّن لعُموم حُرمة النَّميمة والغِيبة؛ فإن
تبليغَ الكلام من أَقبح الخِصَال، والإصْغَاء إليهما أقبحُ وأفحَشُ (٣).
* قوله: ((وكثرة السؤال)»:
(ن): المُراد به التنطُّع في المسائل، والإكثار من السؤال عَمَّا لا يقع،
(١) رواه أبو داود (٤٩٧٢)، من حديث حذيفة ﴿. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٢٨٤٦).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٢٢).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٥٨).
٥٢٦

ولا تدعو إليه حاجة، وقيل: المراد به سؤال الناس أموالهم، وما في
أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديثُ الصَّحيحة بالنهي عنهما، وقيل: يحتمل أن
يكون المُراد به كثرةَ سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره، فيدخل في ذلك
سؤالُهُ عَمَّا لا يَعنيهِ، ويتضمَّن ذلك حُصولَ الحَرَج في حَقِّ المسؤول؛ فإنه
قد لا يُؤثِرُ إخبارَه بأحواله، فإن أخبره؛ شَقَّ عليه، وإن كذَبه في الإخبار، أو
تكلّف التعريضَ؛ لَحِقَته المَشِقَّة، وإن أهمل جوابَه؛ ارتكب سُوءَ الأدب.
وقيل: يحتمل أن المُراد كثرةُ السؤال عن أخبار الناس، وأحداث
الزَّمان، وما لا يعني الإنسان، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه قد عُرف هذا من النَّهي
عن قِيلَ وقال(١).
(تو): وقيل: المراد كثرة السُّؤال في العلم؛ وللامتحان، وإظهار
المِرَاء، وقيل: المراد كثرة سؤال النبيِّ وَّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
* قوله: ((وإضاعة المال)):
(ن): هو صَرفُه في غير وُجوهه الشرعية، وتعريضه للتلَف، وسببُ
النهي: أنه إفساد، والله لا يحبُّ الفسادَ؛ لأنه إذا ضاع ماله؛ تعرَّض لِما في
أيدي الناس(٢).
(ط): التقسيم الحَاصِرُ فيه: أن تقول إن الذي يُصرَف إليه المالُ؛ إما
أن يكون واجباً؛ كالنفقة، والزكاة، ونحوها، فهذا لا ضياعَ فیه، وهکذا إن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٥٢٧

كان مَندُوباً إليه، وإما أن يكون حراماً، أو مكروهاً، وهذا قليلهُ و كثيرُه
إضاعةٌ وسَرَف، وإما أن يكون مُباحاً؛ فلا إشكال إلا في هذا القِسْم؛ إذ
كثيرٌ من الأُمور يَعُدُّه بعضُ الناس من المُباحات، وعند التحقيق ليس
كذلك؛ كتشييد الأبنية، وتزيينها، والإسراف في النفقة، والتوسُّع في لُبس
الثياب الناعمة، والأطعمة الشَّهِية اللَّذِيذة، وأنت تعلم أن القسوةَ، وغِلَظَ
الطَّبع يتولد من لُبس الرِّقاق، ويدخل فيه تَمْوِيهُ الأواني والسُّقُوف بالذهب
والفضة، وسُوءُ القيام على ما يملِكُه من الرَّقيق والدوابٌ، وقِسْمةُ ما لا
ينتفع الشَّريكُ به؛ كاللُّؤلؤة، والسَّيف يُكسرانِ، وكذا احتمال الغَبْنِ
الفاحش في البِيَاعات، وهذا الحديث أصلٌ في معرفة حُسن الخلق(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٥٨).
٥٢٨

٤٣- باب
فضلٍ بِرِّ أصدقاء الأبِ والأمِّ
والأقاربِ والزوجةِ وسائرٍ مَنْ يُندبُ إكرامُه
(الباب الثاني والأربعون)
(في فضل بِرِّ أصدقاء الأب
والأُمِّ والأقارب والزوجة وسائر مَن يُندَبُ إكرامُه)
٣٤١ - عن ابنِ عمرَ﴾: أن النبيَّ ◌َ﴿ قال: ((إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ أَنْ
يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ)).
[الأَقْلُ]
٧٩١
* قوله وقال: ((أهل ود أبيه)):
(ن): (الود) ههنا مضموم الواو، وفيه: فضل صِلَة أصدقاء الآباء،
والإحسان إليهم، وإكرامهم وهو مُتضمِّن لبرِّ الأب، وإكرامه؛ لكونه بسببه،
ويلتحق به أصدقاءُ الأُمّ، والأجداد، والمشايخ، والزَّوج، والزَّوجة (١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٩).
٥٢٩

٣٤٢ - وعن عبدِ الله بنِ دينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ﴾: أَنَّ
رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُالله بْنُ عُمَرَ،
وحَمَلَهُ عَلى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ،
قال ابنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ الله، إنَّهُمُ الأَعْرَابُ، وهُمْ
يَرْضَوْنَ بِاليَسِيرِ، فقال عبدُالله بنُ عمرَ: إنَّ هذا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بنِ
الخطابِ ، وإِنِّي سَمِعْتُ رسول اللهِ وَله يقول: ((إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ
الرَّجُلِ أهْلَ وُدِّ أَبِيهِ».
وفي روايةٍ عن ابن دِينارٍ عن ابن عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا خَرَجَ إلى
مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وعِمَامَةٌ
يَشُدُّ بها رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْماً عَلى الحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ،
فقال: أَلَسْتَ ابنَ فُلانِ بنِ فُلانٍ؟ قال: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الحِمَارَ،
فقال: ارْكَبْ هذا، وأَعْطَاهُ العِمَامَةَ، وقال: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ،
فقال لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا الأعْرَابِيَّ
حِمَاراً كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ؟! فقال:
إِنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله وَّهِ يقُولُ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ
أَهْلَ وُدِّ أبيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ))، وإنَّ أبَاهُ كَانَ صَدِيقاً لِعُمَرَ څ﴾، روی
هذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا مسلمٌ.
٥٣٠

[الثَّانِىُّ وَالثَّالِثُ)
* قوله: «کان ودًّا لعمر»:
(ن): قال القاضي: رَويناه بضم الواو وكسرها؛ أي: صديقاً، ومِن
أهل مَودَّته، وهي مَحبَّتُه(١).
(نه): وهو على حذف المُضاف، تقديره: كان ذا وُدِّ لعمر؛ أي:
صديقاً، وإن كانت الواو مكسورة؛ فلا يحتاج إلى حذف؛ فإن الوٍدَّ - بالكسر -
الصدیقُ(٢).
* وقوله: ((يتروح عليه)) معناه: يستريح عليه إذا ضَجِر من رُكوب البعير.
(تو): ((بعد أن يولي)) هذه الكلمة مِمَّا يتخبط الناس فيها، والذي
أعرفه هو [أنَّ] الفعل مُسندٌ إلى (أبيه)؛ أي: بعد أن يُغيَّبَ أبوه، أو يموتُ؛
من وَلَّى يُولِّي، يؤيده حديثُ أبي أُسَيْد(٣) السَّاعدِيِّ: ((وإِنفَاذُ عَهْدِهمَا مِن
بَعدِهمَا، وصِلَةُ الرَّحِم التي لا تُوصَلُ إلا بهِمَا، وإكرَامُ صَدِيقِهِمَا))(٤).
(ط): هكذا صُحح في ((جامع الأصول)): ((يولي)) بضم الياء، وفتح
الواو، وكسر اللام المُشدَّدة، المعنى: أن مِن جُملة المبَرَّات الفُضْلَى مَبَرَّةَ
الرجل مع أحِبَّاء أبيه؛ فإن مَودَّةَ الآباء قَرابةُ الأبناء؛ أي: إذا غاب، أو مات؛
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٦٤).
(٣) في الأصل: ((سعيد)).
(٤) رواه أبو داود (٥١٤٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(١٤٨٢).
٥٣١

يحفظ أهل وُدِّه، ويُحسن إليهم؛ فإنه من تمام الإحسان إلى الأب، وإنما كان
أبرَّ؛ لأنه إذا حفظ غَيْتَهُ؛ فهو بحفظ حُضوره أَوْلَی وأَخْرَى، انتهى(١).
قيل: لأنه برٌّ من وجهين، أحدهما: التقرُّب إلى الله تعالى في برِّ والده
المُتوفَّى، وما أعظمَ البرّ إلى ما انقطعت وُصُلاتُه وزالت أسبابهُ، والثاني:
الاصْطِنَاعُ إلى أصدقاء الأب، وفي ((صحيح ابن حبان)) عن أبي بُرْدَةً(٢) قال:
قَدِمتُ المدينةَ، فأتاني عبدُالله بن عمر، فقال أتدري لم أتيتك؟ قال: قلت:
لا ، قال سمعتُ رسولَ الله ◌َّ يقول: ((مَن أَحبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ؛ فليَصِل
إِخْوَانَ أَبِيهِ بَعده))، وإنه كان بين أبي عُمرَ وبين أبيك إِخَاءٌ ووُدٌّ، فأحببتُ أن
أَصِلَ ذاك(٣).
٣٤٣ - وعن أَبِي أَسَيْدٍ - بضم الهمزة وفتح السين - مالِكِ بنِ
رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ ◌َبه، قال: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رسولِ اللهِوَّهِ،
إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فقالَ: يا رَسُولَ الله! هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ
أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ فقال: ((نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا،
وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتي
لا تُوصَلُ إلاَّ بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِیقهما)، رواه أبو داود.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣١٥٩).
(٢) في الأصل: ((هريرة)).
(٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٣٢). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٥٩٦٠).
٥٣٢

٤
* قوله: ((الصلاة عليهما))؛ أي: الدُّعاء لهما بالعفو والمغفرة؛
امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَا رَبَيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، ((وإنفاذ
عهدهما)) إذا عُهِد إلى الولد بأمر؛ ينبغي أن يُنْفِذَه.
* قوله: ((وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما»:
(ط): ((التي لا توصل إلا بهما)) ليس بصفة للمُضاف إليه، بل
للمضاف؛ أي: الصِّلة الموصوفة بأنها خالصة لحَقِّهما ورضائهما، لا لأَمرِ
آخرَ ونحوه.
قال الغزاليُّ في ((الإِحياء)): وهو هذا؛ أن العباد أُمروا أن لا يعبدوا إلا
الله، ولا يريدوا بطاعتهم غيرَه، وكذلك مَن يَخدِمُ أبويه لا ينبغي أن يَخدِمَ
لطلب منزلة عندهما؛ إلا من حيث إن رضا الله في رضا الوالدين، ولا يجوز
له [أن] يُرائي بطاعته؛ لينال بها منزلة عند الوالدين؛ فإن ذلك معصيةٌ في
الحال، وسيكشف الله عن ريائه، ويسقِطُ منزلته من قلبهما أيضاً، انتهى(١).
جَعَلُ الصفة لأقرب المذكورين أَوْلَى، بل هو الظاهر، إلا أن يَصرِفَ
عنه قرينةٌ فـ((التي)) هنا صفة ((الرحم))؛ أي: القَرابة المَوصوفةُ بأنها لا تُوصَل
إلا بسببهما، فيكون المراد صلةَ أقارب الأبوين بعد موتهما، ولو جُعِل صفةً
للصِّلة(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٦٨).
(٢) كذا في الأصل، ولعل فيه نقصاً.
٥٣٣

٣٤٤ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: مَا غِرْتُ عَلى
أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النبيِِّ ﴿ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجةَ رضي الله عنها، وَمَا
رَأَيْتُهَا قَطُ، وَلكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطَّعُهَا
أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقٍ خَدِيجةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنْ لَمْ
يَكُنْ فِي الدُّنْيَا إِلَّ خَديجَةُ! فيقولُ: ((إِنَّهَا كَانَتْ وكَانَتْ، وَكَانَ لي
مِنْهَا وَلَدٌ))، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: وإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا
مَا يَسَعُهُنَّ.
وفي روايةٍ: كَانَ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ يَقُولُ: (أَرْسِلُوا بِهَا إلى
أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ».
وفي روايةٍ: قالتِ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَهُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ
عَلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَحَ لِذلِكَ،
فقالَ: ((اللَّهُمَّ هَالَهُ بِنْتُ خُوَيْلٍِ)).
قولُهَا: ((فَارْتَاحَ)): هو بِالحاءِ، وفي ((الجَمْع بين الصحيحين))
للحُمَيَدِيِّ: ((فَارْتَاعَ) بِالعينِ، ومعناه: اهْتَمَّ بِهِ.
* «ما غرت على خديجة» :
(ط): [((ما)) فيه] يجوز أن تكون مصدرية وموصولة؛ أي: ما غرت مثلَ
٥٣٤

غيرتي، أو مثلَ التي غرتها، والغَيْرة: الحَمِيَّة والأَنْفَة، يقال: رجل غَيورٌ،
وامرأة غَيُورٌ بلا هاء؛ لأن فَعُولاً يشترك فيه الذَّكَر والأنثى(١).
· قولها: ((یکثر ذكرها)):
(ق): أي: يمدحها ويثني عليها، ويذكر فضائلَها؛ وذلك لفَرْطِ محبّته
إيّاها ولما اتصل له من الخير بسببها، وفي بيتها، ومن أحب شيئاً؛ أكثر ذكره،
وذبحه الشاةَ وإهداؤها إلى صَدائقِ خديجةَ دليلٌ على كرم خُلُقه، وحُسن
عَهْدِه(٢) .
(ط): ((إنها كانت وكانت)) كرر، ولم يرد به التثنية، ولكن التكرير
ليعلِّق به كلَّ مرة من خَصائلها ما يدلُّ على فضلها؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنْزُ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا
صَلِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، ولم يذكر ههنا مُتعلَّقه؛ للشُّهرة؛ تفخيماً (٣).
* قوله : ((وكان لي منها ولد»:
(ق): أجمع أهلُ النَّقل أنها ولدت له أربعَ بنات، كلُّهن أدركن
الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينبُ وفاطمةُ ورُقَيَّةُ وأُمُّ كُلثوم، وأجمعوا
أنها ولدت ابناً يُسمَّى القاسم، وبه كان يُكْنَى، مات بمكة صغيراً، قيل: إنه
بلغ إلى أن مشى وقيل: لم يعش إلا أياماً يسيرة، قيل: لم تلد له ذكراً
غيره، وقيل: بل ولدت له عبدَالله، والطيِّب، والطاهرَ، وقيل: بل ولدت
(١) المرجع السابق، (١٢ / ٣٩٢١).
(٢) انظر: (المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣١٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٩٢١).
٥٣٥

عبدَالله، والطيِّبُ والطاهرُ اسمان له، ولم يكن للنبيِّ وَّهِ ولدٌ من غير
خديجة إلا إبراهيمَ ولدته مَارِيَةُ القِبْطِيةُ، توفي بالمدينة وهو رَضِيعٌ(١).
؛ قولها: ((فعرف استئذان خديجة»:
(ق): أي: تذكَّر عند استئذان هالة خديجةَ، وكانت نغمةُ هالةَ تشبه
نغمةَ خديجةَ، وأصل هذا كلِّه أن مَن أحبَّ شيئاً؛ أَحبَّ مَحبُوباتِهِ،
وما يتعلَّقُ به، وما يُشبهه(٢).
(ن): هذا كلُّه دليلٌ لحُسن العَهد، وحفظ الوُدِّ، وحُرمة الصَّاحب(٣)،
انتھی.
وعن محمد بن زيد بن مهاجر بن قُنْفُذ أن عجوزاً سوداءَ دخلت على
النبيِّ ◌َّهُ فِحَيَّاها، وقال: ((كيفَ أَنْتُم؟ كيفَ حَالُكُم؟))، فلمَّا خرجت؛
قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله؛ ألهذه السَّوداء تُحيِ وتصنعُ
ما أرى؟! قال: ((إنَّها كَانَتْ تَغْشَانا فِي حَيَاةِ خَدِيجَةَ، وإنَّ حُسْنَ العَهْدِ مِنَ
الإيمَانِ))(٤).
قال أبو بكر الحافظُ: كانت هذه العَجُوزُ ماشطةَ خديجةَ رضي الله
عنها، واسمها جَثَّامةُ المُزنية، وتُكنى أُمّ زُفَر، انتهى.
ولعلها هي التي قالت للنبيِّ وَّ: إني أُصْرَعُ؛ وإني أتكشّفُ؛ فادع الله
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣١٣).
(٢) المرجع السابق، (٦ / ٣١٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٢٠٢).
(٤) رواه الزبير بن بكار في ((المنتخب من كتاب أزواج النبي وَّ)) (ص: ٣٤).
٥٣٦

لي، وقد سبق في (باب الصبر).
٠٠٠
٣٤٥ - وعن أَنَسِ بْنِ مالكٍ ﴿، قال: خَرَجْتُ مَعَ جَریرِ بْنِ
عبدِ اللهِ البَجَلَيِّ ﴿هُ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُني، فقلتُ لَهُ: لا تَفْعَلْ،
فقال: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللهِ وَلِهِ شَيْئاً آلَيْتُ عَلى
نَفْسِي أَنْ لا أَصْحَبَ أَحَداً مِنْهُمْ إلاَّ خَدَمْتُهُ، متفقٌ عليه.
[التسَّادِينَ)]
١١٧٥
في ((صحيح مسلم)) زاد ابن المثنَّی وابنُ بشار في حديثهما: وکان جریرٌ
أكبرَ من أنس، وقال ابنُ بشار: أسَنَّ من أنس(١).
(ن): فيه: دليلٌ لإكرام المُحسن، والمُتَتَسِب إليه، وإن كان أصغرَ سِنَّا،
وفيه: تواضع جرير وفضيلَتُه، وإكرامُه للنبيِّ وَِّ، وإحسانُهُ إلى منتسب إلى مَن
أحسن إليه ◌َل﴾(٢) .
(١) رواه مسلم (٢٥١٣ / ١٨١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٧٠).
٥٣٧

٤٣- باب
إكرامِ أهلِ بيتِ
رسولِ اللَّهِ ﴿، وبيانِ فضلِهم
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
؛ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَيِرَ اَللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾
[الحج: ٣٢].
(الباب الثالث والأربعون)
(في إكرام أهل بيت رسول الله (وَّفي وبيان فضلهم)
(غب): أهلُ الرَّجُل مَن يَجمعُه وإياهم نسبٌ أو دِين، وما يجري
مَجراهما؛ من صناعة، وبيت، وبلد، فأهل الرجل [في الأصل] مَن يَجمعُه
وإياهم مَسكنٌ، ثم تُجوِّز به، فقيل: أهل بيت الرجل لمَن يجمعه وإياهم
نسبٌ، وتُعورف في أُسرة النبيِّ نَّهُ وعِتْرَته مُطلقاً إذا قيل: أهل البيت؛
لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:
٣٣] (١) .
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٩).
٥٣٨

قال الشيخ عِمادُ الدِّين بنُ كثير رحمه الله: سياق هذه الآية نَصٌّ في
[دخول] أزواج النبيِّ يَّه في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية،
وسبب النزول داخل فيه قولاً واحداً؛ إما وحده على قول، أو مع غيره على
الصَّحیح.
روى ابنُ جرير عن عكرمةَ: أنه كان ينادي في السوق: ﴿إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ
لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُ تَطَهِيْرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أُنزلت
في نساء النبيِّ ◌َّر خاصَّة(١)، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن هذه
الآية نزلت في نساء النبيِّ وَّ، وقال عكرمة: مَن شاء باهَلتُه: أنها نزلت في
أزواج النبي ◌َّر.
فإن كان المُراد أنهن سببُ النزول دون غيرهن؛ ففيه نظر؛ فإنه قد
وردت أحاديثُ كثيرة تدلُّ على أن المُرادَ أعمُّ من ذلك، روى الإمام أحمد
عن أنس ظه أن رسولَ اللهِ وَ ﴿ كان يمُرُّ بباب فاطمةَ رضي الله عنها سِتَّة
أَشُر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: ((الصَّلاةَ يا أهلَ البيت، ﴿إِنَّمَايُرِيدُ
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ تَطْهِيْرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣]»،
رواه الترمذيُّ وحسّنه(٢).
وروى ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبيُّ ◌َِّ ذات
غَداة، وعليه مِرْطٌ مُرخَلٌ من شعر أسود، فجاء الحسنُ، فأدخله معه، ثم
جاء الحُسين، فأدخله معه، ثم جاءت فاطمةُ، فأدخلها معه، ثم جاء عليٌّ،
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٢/ ٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٢٥٩)، والترمذي (٣٢٠٦). وهو حديث
ضعيف. انظر: ((ضعيف سنن الترمذي)) (٦٢٧).
٥٣٩

فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُطَهِّرَكُمْ
تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ورواه مسلم في ((صحيحه)) أيضاً (١).
وروى ابن أبي حاتم: أن الحسن بن علي عطائها استُخلف حين قُتِل
عليٌّ ◌َُّه، قال: فبينا هو يصلي؛ إذ وثبَ عليه رجلٌ، فطعنه بخِنْجَر،
وزعم حُصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجلٌ من بني أَسَد، قال: فيزعمون أن
الطعنة وقعت في وَرِكه، فمرض منها شهراً، ثم برَأْ، فقعد على المِنْبَر،
فقال: يا أهلَ العراق؛ اتقوا الله فينا؛ فإنا أُمَراؤكم، وضِيِفَانِكم، ونحن
أهلُ البيت الذي قال [الله رَ]: ﴿إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قال فما زال يقرؤها حتى ما بقي أحدٌ
من أهل المسجد وإلا ويخُّ بُكاءً.
وقال عليُّ بن الحسين عَلَئًا لرجل من أهل الشام: أما قرأت في
(الأحزاب): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ
تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]؟ قال ولأنتم هم؟ قال: نعم(٢).
* قوله تعالى: ﴿عَنكُمُ الرَّحْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]:
(ط): استعار للذنوب الرِّجسَ، وللتقوى الظُّهرَ؛ لأن عِرْضَ
المُقترف للمُقَبَّحات يتلوَّث بها، ويتَدنَّس؛ كما يتلوَّثُ بدنُهُ بالأرجاس،
وأما المُحسَّنات، فالعِرضُ منها نقيٌّ مَصُون؛ كالثوب الطاهر، وفي هذه
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢٢ / ٦)، ومسلم (٢٠٨١ / ٣٦).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١/ ١٥٢)، والحديث رواه ابن جرير الطبري في
((تفسيره)) (٢٢ / ٨).
٥٤٠