Indexed OCR Text

Pages 401-420

إلینا، انتهى(١).
يحتمل أن يكون قولهن للمؤمنة السّيّة الخُلق: ((قاتلك الله)) من قبيل
قولهم: عَقْرَى حَلْقَى، وتَرِبَت يداك، من الأدعية الجارية على لسان العرب
من غير إرادة حقيقة معناها، ومرادُها أنت لا تقدرين قَدْرَ هذا العبد
الصالح، وتقدرين على أذاه ما دام في دار الدُّنيا، يوشك أن ينتقل عنها إلى
ما أعدَّ الله له من الكرامة، وينتقل إلينا، فلا يبقى لك بعد ذلك قُدرةٌ على
أذاه، أما في الدنيا: فظاهر، وأما في الجنة: فلقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى
صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وفائدة الحديث: الإعلام بعِظَم حَقِّ الزوج، وفضلهم على الزوجات.
٢٨٨ - وعن أسامةَ بنِ زيدٍ﴾، عن النبيِّ ◌َّفي قال: ((ما
تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» متفقٌ عليه.
* قوله وي: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)»:
(ط): وذلك، لأن المرأة إذا لم يمنعها الصلاحُ الذي ليس من
جبلَّتها، كانت عينَ المَفسدة، فلا تأمر زوجَها إلا بشَرِّ، ولا تَحُثُّه إلا على
فساد، وأقلُّ ذلك أن تُرَغِّبَه في الدنيا كي يتهالك فيها، ولهذا قَدَّمها في آية
ذكر الشهوات على سائر أنواعها، وجعلها نفسَ الشهوات، حيث بَيَّن
الشهوات بقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ثم
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٣٣٣).
٤٠١

عَقَّبها بغيرها، دلالةٌ على أنها أصلُها ورأسُها، انتهى(١).
قيل: لا فتنة أصعبُ منهن، فإن مَن نظر إليهن افتتن، ومن اتَّبعهن
افتتن ومن أحبَّهن افتتن، ومَن عرفهن افتتن، ومن تزوَّج شيئاً منهن افتتن،
فَكُلُّهن فتنةٌ.
وفي كلامٍ لعبدالله بن المبارك: معناه ليس على ما تذهبون إليه من فتنة
الشهوة، ولكنه لِمَا يُدخِلن على الأزواج من القطيعة في القرابات، وما يُبتلى به
الرجل من أجل النساء.
وقال بعضهم: المرأة حَيّة تسعى ما دامت حَيَّةً تسعى، وذلك لضيق
أخلاقهن، ونُقُصان عقولهن، وسرعة مَلَلِهِنَّ، وتنوُّع أهوائهن، وحَمْلٍ
أزواجهن على ما لا يُحمل، ولا يحمل إليهم، إلا مَن عصمَها الله، وتلك أعزّ
من الغُراب الأَعصَم، والكبريت الأحمر.
فإن قيل: ما وجه مناسبة هذا الحديث بهذا الباب؟
يقال: إن الزوجَ مع تعرُّضه لهذه الفتنة العظيمة، إذا تَجشَّم كُلفةً
الإنفاق عليها، وتحمّل مُؤَنَهَا، فقد عَظُمَ عليها حَقُّه .
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٦٠).
٤٠٢

٣٦- باب
النفقةِ على العيالِ
* قال الله تعالى: ﴿وَعَلَ اَلْمَلُودٍ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُونِّ﴾
[البقرة: ٢٣٣].
* وقال تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ.
فَلْيُنِفِقِ مِمَّاَ ءَائَنَهُ اَللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسَا إِلَّ مَآ ءَاتَنهَا﴾ [الطلاق: ٧].
* وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ,﴾ [سبأ: ٣٩].
(الباب السادس والثلاثون)
(في النفقة على العيال)
(الجوهري): عِيالُ الرجل: مَنْ يَعُولُه، وواحدُ العِيال: عَيِّل،
والجمع(١) عَيَايِلِ، مثل جَيِّد وجَيَايِدٍ، وأعال الرَّجلُ، أي: كثرُ عيالهُ، فهو
مُعِيلٌ (٢).
قال الرَّاغب: العَوْل يقال فيما يثقل، منه العِيال، لما فيه من الثِّقَل،
(١) أي: جمع الجمع.
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥ / ١٧٨٠)، (ماده: عيل).
٤٠٣

وعاله: تَحمَّل ثِقَلَ مُؤنته، ومنه قوله وَّهِ: ((ابدأ بمَنْ تَعُولُ))، انتهى(١).
شكا رجل إلى الشِّبْليِّ عِيالَه، فقال: ارجع إلى بيتك، ومَن لم يكن
رزقُه على الله، فأَخْرِجْه من دارك.
وقيل لرجل كثيرِ الحاشية: لو أخرجتَ بعضَهم كَثُر مالك، فهَمَّ بذلك،
فرأى ليلةً في المنام كأن العِيالَ الذين هَمَّ بإخراجهم يدخلون بيتَه، ويُخرِجُون
دقيقاً يحملونه، فسألهم عن حَمْل ذلك، فقالوا: هذا رزقُنا نخرجه من دارك
إلى دار مَن يتكفَّل بنا، فانتبه، ورأى خطأَ عَزْمه، فقارّهم وزاد لكل منهم .
* قوله تعالى: ﴿وَعَلَ اْؤُلُودِ لَُّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفٍِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛
أي: على والد الطفل نفقةُ الوالدات، ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ،﴾؛ أي: بما جرت
به عادةُ أمثالهن في بلدهن من غير إسرافٍ ولا إقتارٍ، بحسب قدرته في يساره،
وتوسُّطه وإقتاره.
وقال الضَّخَّاك: إذا طلَّق زوجته وله منها ولدٌ، وجب على الوالد نفقتُها
وكِسْوتُها بالمَعروف(٢).
(الكشاف): لم يقل: على الوالد، ليُعلم أن الوالدات إنما وَلَدْنَ لهم؛
لأن الأولاد للآباء، ولذلك يُنسبون إليهم لا إلى الأُمَّهات، وأُنشد للمأمون بن
الرشيد :
فَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ
مُسْتَوَدَعَاتٌ وَللآبَاءِ أَبْنَاءُ
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (١ / ٥٩٧)، والحديث تقدم تخريجه .
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٣٧٥).
٤٠٤

فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدَهم كالأظآر(١).
(م): فيه تنبيهٌ على أنه وُلِدَ لأجل الأب، فكان نفعُه عائداً إليه، ورعايةُ
مصالحه لازمةً [له]، كما قيلَ: كُلُّهُ لك وكلُّه عليك(٢) .
* قوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِنِ سَعَتِّةٍ﴾؛ أي: لينفق على المَولود
والدُه أو والدتُهُ بحسَب قُدرته.
روى ابن جرير: أن عمر بن الخطاب ﴿ه سأل عن أبي عُبيدة، فقيل: إنه
يلبس الغليظَ من الثياب، ويأكل أخشنَ الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال
للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها، فما لبث أن لبس اللَّيِّن من الثياب،
وأكل أطيبَ الطعام، فجاء الرسول فأخبره، فقال: رحمه الله تأوّل هذه الآية:
﴿ لِيُنْفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنِفِقْ مِمَّآ ءَ ائَنَهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧](٣).
روى الطبراني في ((معجمه)) عن أبي مالك الأشعريِّ قال: قال
رسولُ الله ◌َّهُ: (ثَلاثَةُ نَفَرِ، كَانَ لِأَحدِهم عَشَرةُ دنانيرَ، فَتَصَدَّقَ مِنها
بِدِينَارٍ، وكانَ لآخرَ عشَرَةُ أَوَاقٍ، فَتَصَدَّقَ منها بأُوقِيَّةٍ، وكانَ لآخرَ مئةُ
أُوِيَّةٍ، فتصَدَّقَ مِنها بعَشْرٍ أَوَاقٍ، فقالَ رَسولُ اللهِ وَّهِ: هُمْ فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ،
كُلِّ قَدْ تصَدَّقَ بِعُشْرِ مَالِهِ، قال الله تعالى: ﴿لِسُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّنِ سَعَتِهِ،﴾)) هذا
حديثٌ غريبٌ (٤).
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٣٠٧).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٦ / ١٠٢).
(٣) انظر: ((تفسير الطبري)) (٢٨ / ١٤٩).
(٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٤٣٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٣٤٤٩).
٤٠٥

(م): أمر أهل التوسُّع على أن يُوسِّعوا على نسائهم المُرضعات على
قَدْر سَعَتِهِم، ومن كان رزقُه مقدارَ القُوت فليُنتفق على مقدار ذلك.
وقوله: ﴿إِلَّامَآ ءَاتَنهَاً﴾؛ أي: أعطاها من الأرزاق(١).
* قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ [سبأ: ٣٩]؛ أي: وما
أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يُخلِفُه عليكم في الدنيا
بالبَدَل، وفي الآخرة بالجَزاء والثَّواب، كما في الخبر الإلهي: ((يا بنَ آدَمَ، أَنْفِقْ
أُنْفِقْ عَلَيْكَ))(٢).
روى الحافظ أبو يعلى المَوصِليُّ عن حذيفة ◌ُه قال: قال رسول الله وٍَّ:
(أَلا إِنَّ بعدَ زَمانِكُمْ هذا زَمَانٌ عَضُوضٌ، يَعَضُّ المُوسِرُ على مَا فِي يدَيْهِ حَذَارَ
الإِنفَاقِ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ، وَهُوَ خَيُْ الزَّزِقِينَ﴾
[سبأ: ٣٩]، ويَنْهَلُّ شِرَارُ الخَلْقِ يُبايعُونَ كلَّ مُضطرٍّ، أَلا إِنَّ بيعَ المُضطرِّينَ
حَرامٌ، أَلا إِنَّ بيعَ المُضطرِّينَ حَرامٌ، المُسلِمُ أَخُو المُسلِم، لا يَظْلِمُه ولا
يَخْذُلُه، إنْ كانَ عِندَكَ مَعْرُوفٌ فَفِذْيَةُ أَخِيكَ، وإلاَّ فلا تَزِدْهُ هَلاكاً إلى هَلاكهِ))،
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وفي إسناده ضَعْفٌ (٣).
وقال مُجاهدٌ: لا يتَأوَّلنَّ أحدُكم هذه الآيةَ: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُةٌ﴾، إذا كان عند أحدكم ما يُقيم فليقتصد فيه، فإن الرِّزقَ مَقسومٌ(٤).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٠/ ٣٤).
(٢) رواه البخاري (٤٤٠٧)، ومسلم (٩٩٣)، من حديث أبي هريرة څ .
(٣) انظر: ((المطالب العالية)) لابن حجر (١٤٢٢)، و((مسند)) الإمام أحمد (١ / ١١٦).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ٢٩٤).
٤٠٦

زاد في ((الكشاف)) عن مجاهد: فإن الرِّزق مَقسومٌ، ولعل ما قُسِم له
قليلٌ، وهو ينفق نفقةَ المُوسَّع عليه، فينفق جميعَ ما في يده، ثم يبقى طولَ
عمره في فقر، ولا يتأول ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ,﴾، فإن هذا في
الآخرة.
﴿خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ وأعلاهم رَبُّ العِزَّة، لأن كلَّ ما رَزق غيرَه، من
سُلطان يرزق جنده، أو سَيِّد یرزق عبده، أو رجل يرزق عیالَه، فهو من رزق
الله، أجراه على أيدي هؤلاء، وهو خالق الرِّزق، وخالق الأسباب التي ينتفع
بها المرزوق بالرِّزق.
وعن بعضهم: الحمدُ لله الذي أَوجدَني وجعلني مِمَّن يشتهي، فكم
من مُشتهٍ لا یجد، وواحدٍ لا یشتھي(١).
٢٨٩ - وعن أبي هريرة ه قال: قال رسول الله وَلٍ: ((دِينَارٌ
أَنفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ الله، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى
مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ؛ أَعْظَمُهَا أَجْراً الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى
أَهْلِكَ» رواه مسلم.
٢٩٠ - وعن أبي عبدِ الله - ويُقَالُ له: أَبي عبدِ الرَّحمنِ -
ثَوْبَانَ بْنِ بُجْدُدٍ مَوْلَى رسولِ اللهِّهِ قال: قالَ رسولُ الله ◌َلّى :
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٥٩٦).
٤٠٧

(أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِبَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ
عَلَى دَبَتِهِ في سَبيلِ الله، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ الله)»
رواه مسلم.
(الَّوْاُ وَالثَّانِى)
(ط): ((دينار)) مبتدأ ((أنفقته)) صفته، وما بعده معطوفٌ عليه، والخبرُ
جملةُ قوله: ((أعظمها أجراً الذي ... إلى آخره))(١).
(ن): مقصود الحديث: الحَثُّ على النفقة على العِيال، وبيانُ عِظَم
الثواب فيه، لأن منهم مَن تجبُ نفقته بالقرابة، ومنهم مَن تكون مندوبةً،
ويكون صدقةً وصِلَةً، ومنهم مَن تكون واجبةً بمُلك النكاح، أو بمُلك
اليمين، وهذا كُلُّه فاضلٌ [مَحثوثٌ عليه، وهو أفضل](٢) من صدقة التطوع،
ولهذا رَجَّح النفقة على العِيال على النفقة في سبيل الله وفي العِثْق وفي
الصدقة، وزاده تأكيداً بقوله في الحديث الآخر: ((كفَى بالمَرْءِ إِثْماً أَنْ
يَحْبِسَ عَمَّن يَملِكُ قُوتَهُ))(٣)، فـ (قوته) مفعولُ (يحبس) (٤).
(ق): هذا إذا ما استوى الحال في الأهل والأجنبي، فلو كان أحدُهما
أَحوجَ أو أَوْكَدَ، لكان المُنفِقُ في الأَوْكَد أعظمَ أجراً، فإذا استوت المراتبُ،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٦٢).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم) للنووي (٨٢/٧).
(٣) رواه مسلم (٩٩٦)، من حديث عبدالله بن عمرو طائًا.
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٢).
٤٠٨

فترتیبُ الأعظم کما وقع في الحديث، انتهى(١).
قال مسلم في «صحيحه)): قال أبو قلابةَ: وبدأ بالعِيال، وأَيُّ رجلٍ
أعظمُ أجراً من رجل ينفق على عِيال يُعِفُّهم الله، أو يَنفَعُهم الله به ويُغنيهم(٢).
٢٩١ - وعن أُمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قالَتْ: قلتُ: يا رسولَ
اللهِ! هَلْ لِي أَجْرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ
هَكَذَا وَهَكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فقالَ: ((نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ
عَلَيْهِمْ)) متفقٌ عليه.
٢٩٢ - وعن سعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴾، في حديثِ الطَّيلِ الذي
قَدَّمْنَاهُ في أَوَّلِ الكِتَابِ فِي بَابِ النِّيَّةِ: أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قَالَ لَهُ:
((وَإِنََّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلَّ أَجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ
في في امْرَأَتِكَ)) متفقٌ عليه.
(الثَّالِثُ وَالـ
* قولها: ((ولست بتاركتهم هكذا وهكذا»: هي من ألفاظ الكنايات،
ويُكنى بها عن المجهول، وعَمَّا لا يُراد التصريحُ به؛ أي: لستُ بتاركتهم
بلا طعامٍ، ولا شرابٍ، ولا كِسْوَةٍ، يَتردّدون ها هنا وها هنا، ويتكَفَّفون.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٠/٣٠).
(٢) انظر: ((صحيح مسلم)) (٢ / ٦٩١)، حديث رقم: (٩٩٤).
٤٠٩

(ن): ((لك أجر ما أنفقت عليهم)) المُراد به صدقةُ التطوّع، وسياق
الأحادیث یُدُّ علیه(١).
(ق): اختلف قولُ مالك في الصَّدقة الواجبة على القرابة غيرِ الوالدين
والولد والزَّوجة بالجَواز والكَراهِيَة، ووجهُ الكراهة مَخافَةُ المَيْل للمدح
بصلة الأرحام، فتفسد نيَّةُ أداء الفرض، أو تضعُف، وأما الوالدان والولد
الفقراء: فلا تُدفع الزكاة إليهم بالإجماع، واختلفوا في المرأة هل تعطي
زوجَها؟ فأجازه الشافعيُّ، وأبو يُوسفَ، ومحمَّدُ بن الحسن، وأبو ثور،
وأشهبُ إذا لم يصرفه إليها فيما يلزمه لها، ولم يُجِزْه مالك، ولا أبو
حنيفة، واختُلف فيه عن أحمد(٢).
٢٩٣ - وعن أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ﴿ه، عن النبيِّ وَّهِ قالَ:
(إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا، فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ)) متفقٌ
عليه .
* قوله : ((يحتسبها)):
(نه): أي: طلباً لوجه الله وثوابه، والاحتسابُ من الحَسْب، کالاعتداد
من العَدِّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجهَ الله: احتسَبه، لأن له حينئذ أن يَعتدَّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٦).
٤١٠

عملَه، فجُعل في حالِ مباشرةِ الفعل كأنه مُعتَدٌّ به، والاحتسابُ في الأعمال
الصَّالحات، وعند المكروهات: هو البِدَارُ إلى طلب الأجر وتحصيله
بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البِرِّ، والقيام بها على الوجه المرسوم
فيها، طلباً للثواب المَرجُوِّ منها (١).
(ك): ((يحتسبها)) هو حال من الفاعل، ويحتمل أن يكون من المفعول
المحذوف.
فإن قلت: فهل هو صدقةٌ حقيقةً حتى يترتَّب عليه أحكامُ الصدقات،
مثل أن يَحرُم على الرِّجال الإنفاقُ على الزوجات الهاشميات، أم لا؟
قلت: مجازٌ، والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة: هو الإجماعُ على
عدم حرمة الإنفاق على الزوجات هاشميةً وغيرَها، والعلاقةُ بين المعنى
الموضوع له والمعنى المَجازيّ: هو ترتيب الثواب عليهما، وتشابههما فيه
من حيث أصلُ الثواب، لا في کیفیته وكَمِّیته.
فإن قلت: الأهل خاصٌّ بالولد والزوجة، أو هو أعم من ذلك؟
قلت: الظاهر أنه خاصٌّ، سِيَّما في هذا المقام؛ لأنه إذا كان الإنفاق
في الأمر الواجب، كالصدقة، فلا شكَّ أن يكون آكَدَ، ويلزمُ منه كونُهُ
صدقةً في غير الواجب بالطريق الأَوْلى(٢).
(ن): فيه: الحَثُّ على الإخلاص، وإحضار النية في جميع الأعمال
الظاهرة والخَفِيَّة، وفيه دليلٌ على أن النفقةَ على العِيال وإن كانت من أفضل
الطاعات إنما تكون طاعةً إذا نوى بها وجهَ الله، وكذلك نفقتُه على نفسه،
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣٨٢/١).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٢١٤ - ٢١٥).
٤١١

وضَيفِه، ودَابّه، وغير ذلك، فكلُّها إذا نوى بها الطاعة كانت طاعةً، وإلا فلا(١).
٠٠٠
٢٩٤ - وعن عبدِالله بن عمرو بنِ العاص ﴾ قال: قالَ
رسولُ اللهِ وَِّ: (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّحَ مَنْ يَقُوتُ)) حديثٌ
صحیحُ رواه أبو داود وغيره.
ورواه مسلم في ((صحيحه)) بِمَعْنَاهُ، قال: ((كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً
أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)).
[السَّارِيُ)]
(نه): ((من يقوت))؛ أي: مَن يلزمُه نفقتُه، من أهله وعياله وعبيده،
ويروى: (مَن يُقِيت) على اللغة الأخرى(٢).
(خط): كأنه قال للمتصدق: لا تتصدق بما لا فضلَ فيه عن قُوت
أهلك تطلب به الأجرَ، فينقلب ذلك إثماً إذا أنت ضَيَّعتهم(٣).
* قوله القر: «أن یحبس عمن يملك قوته)):
(ن): قوله: ((قوته)) مفعول ((يحبس)) (٤).
٢٩٥ - وعن أبي هريرةَ ﴾: أَنَّ النبيَّ وَغِ قالَ: ((مَا مِنْ يَوْمِ
** *
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١١٩).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٨٢).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٨٢).
٤١٢

يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إلاَّ مَلَكَانٍ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ
مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً)) متفقٌ عليه.
[النّشَّا
* قوله ريق: ((ما من يوم)) :
(ط): ((ما)) بمعنى (ليس)، و((يوم)) اسمه، و ((مِن)) زائدة، ((يصبح
العباد)» صفةُ ((يوم))، و((ملكان)) مستثنى من مُتَعلَّقٍ محذوفٍ هو خبر ((ما))،
المعنى: ليس يومٌ موصوفٌ بهذا الوصف ينزلُ فيه أحدٌ إلا ملكان يقولان:
کیت کیت، فحذف المُستثنى منه، ودل عليه بوصف الملَكين ينزلان، نظيره
في مجيء الموصوف مع الصفة بعد (إلا) في الاستثناء المُفرّغ قولُك:
ما اخترتُ إلا رفيقاً منكم، التقدير: ما اخترتُ منكم أحداً إلا رفيقاً، وهو من
أمثلة كتاب ((المفتاح))، و((أعط)) الثاني مُشاكلةٌ للأول(١).
(ك): إذ التَّلَفُ لا يُعطى (٢).
(نه): ((خلفاً)؛ أي: عوَضاً، يقال: خَلَفَ الله لك خَلَفاً بخير، وأخلف
عليك خيراً؛ أي: أبدلك ما ذهب منك، وعَوَّضك عنه، وإذا ذهب للرجل
ما يُخلَفُه، مثل المال والولد، قيل: أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب له ما لا
يُخلَفُه غالباً، كالأب، والأُمّ، قيل: خلف الله عليك [وقد يقال: خلف الله
عليك، إذا مات لك ميت]؛ أي: كان الله خليفتَه عليك(٣) .
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٢٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧/ ٢٠٥).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٦٦)، وفيه: ((خليفة عليك))
مکان: «خلیفته علیك)).
٤١٣

(ن): قال العلماء: هذا الإنفاق في الطاعات، ومكارم الأخلاق، وعلى
العِيال والضِّفَان، والصدقات، ونحو ذلك، بحيث لا يُذمُّ، ولا يُسمَّى
سرفاً، والإمساك المَذموم هو الإمساك عن هذا(١).
(ق): هذا موافق في المعنى لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِّفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وهذا يَعُمُّ الواجباتِ والمَندوباتِ،
والمُمسك هنا هو الذي يُمسك عن النفقات الواجبات، وأما المُمسك عن
المندوبات فقد لا يستحقُّ هذا الدُّعاءَ، اللهم إلا أن يغلبَ عليه البُخلُ بها،
وإن قَلَّت في نفسها، كالحَبّة، واللُّقمة، وما شاكَلَ هذا، فهذا قد يتناوله
هذا الدُّعاءُ؛ لأنه إنما صار كذلك لغلَبة صفة البُخل المذمومة عليه، وقَلَّ
مَن يكون كذلك إلا ويبخَلُ بكثير من الواجبات، ولا تطِيبُ نفسُه بها(٢).
٢٩٦ - وعنه، عن النبيِّينَ﴿ِ، قال: ((اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ
السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرٍ غِنِىٌّ،
وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ، يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ، يُغْنِهِ اللهُ) رواه البخاري.
[(الثَّافُِ)]
* قوله ◌َّ ر: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)»:
(ن): المُراد عُلوُّ الفضل والمَجد، ونيل الثواب، وقد وقع في ((الصحيحين))
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٥٥).
٤١٤

أن العُليا: المُنفِقةُ، من الإنفاق، والسُّفلی: السَّائلة، وكذا ذكره أبو داود في أكثر
الرِّوايات، وفي رواية له عن ابن عمر: ((اليَدُ العُليا المُتَعفِّفةُ)) (١) من العِفَّة.
ورجَّح الخَطَّبيُّ هذه الروايةَ قال: لأن السِّياق في ذكر المسألة والتعفُّف
عنها، والصحيح: الرواية الأولى، ويحتمل صِحَّةُ الروايتين، فالمُنفقة أعلى
من السَّائلة، أي: الآخذة، والمُتعفِّقة أعلى من السَّائلة(٢).
(خط): عُلوُ المَجد والكَرَم: هو الترقُّعُ عن المسألة، والتعفُّف عنها،
وأنشدني أبو عمر، وقال: أنشدنا أبو العباس، قال: أنشدنا ابنُ الأَعرابيِّ في
معناه :
وَحَسْبُكَ أَنَّ اللهَ أَثْنَى عَلى الصَّبْرِ
صَبَرْتَ وكانَ الصَّبرُ مِنكَ سَجِيَّةً
سَمَوْتَ إِلىَ العَلْيَاءِ مِنْ جَانبِ الفَقْرِ
إِذا كانَ بَابُ الذُّلِّ مِنْ جَانِبِ الغِنَى
يريد به التعزّزَ، وتركَ المسألة، والتنزُّهَ عنهما(٣).
(ط): هذا إنما يتِمُّ إذا اقتصر على قوله: ((اليد العليا هي المنفقة))،
ولم يُعقِبْه بقوله: ((اليد السفلى هي السائلة))، لدلالتهما على عُلُوِّ المُنفقة
وسَفالة السائلة ورذالتها، وهي مِمَّا يُستنكَفُ عنها، ويُتعَفَّفُ عن الاتصاف
بهما، فظهر من هذا أن رواية الشيخين أرجحُ من إحدى روايتي أبي داود
نقلاً ودِرَايةً، لأنها حينئذ من باب الكِنَاية، وهي أبلغُ من التصريح (٤).
(١) رواه أبو داود (١٦٤٨). وهو حديث إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواية
عبد الوارث: ((متعففة)) لم أر من وصلها. انظر: ((صحيح أبو داود)) (١٤٥٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٥).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٧٠/٢).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٥).
٤١٥

(ق): تفسير العُليا من بالمُنفقة، والسُّفلى بالسائلة نَصٌّ يرفع تَعشُّفَ من
تَعَسَّف في تأويله، وذكر أبو داود أيضاً من حديث مالك بن نَضْلةَ مرفوعاً:
(الأَيْدِي ثلاثٌ، فيَدُ الله العُليَا، ويَدُ المُعْطِي التي تلِيها، ويَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى،
فَأَعْطِ الفَضْلَ، ولا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ))، انتهى(١).
وفي (شرح السنة)) عن عبدالله، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((الأيدِي ثَلاثةٌ: يَدُ
الله العُليا، ويَدُ المُعْطِي التي تَليِها، ويَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى إِلَى يَومِ القِيامِةِ،
فاستَغْفِفْ عَنِ السُّؤْالِ ما استَطَعْتَ))(٢).
ومن التعشُّفات قَولُ بعضهم: العُليا الآخِذةُ، والسُّفلى المُنفِقة، لأن
عادةَ الكُرَماء أنهم يبسطون الكَفَّ حتى يأخذَ الفقيرُ منها، فيد الآخذ هي
أعلى، وحينئذ يقال: إن المالك يفيد الفقيرَ الدُّنيا، وهو القليل الفاني،
والفقير يفيد المالكَ الآخرةَ، وهو خيرٌ وأبقى.
قال القاضي عياضٌ رحمه الله: وقيل: العُليا: الآخذة، والسُّفلى:
المانعة(٣).
* قوله ◌َله: ((وابدأ بمن تعول)):
(نه): يقال: عال الرجل عِيالَه يَعُولهم: إذا قام بما يحتاجون إليه،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٩)، والحديث رواه أبو داود (١٦٤٩). وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٧٩٤).
(٢) رواه البغوي في ((شرح السنة)) (١٦١٨). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب» (٤٩٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٥).
٤١٦

من قُوت، وكِسْوة، وغيرهما (١).
(ق): يعني: أنه يبدأ بکفایة مَن یلزمہ کفایتُه، ثم بعد ذلك يدفع لغيرهم،
لأن القِيام بكفاية العِيال واجبٌ، والصدقة على الغير مَندوبٌ إليها، ولا يدخل
في ذلك تَرفيهُ العِيال الزائدُ على الكفاية، فإن الصدقة بما يُرَفِّه به العِیال أولی،
لأن مَن لم تندفع حاجتُه أولى مِمَّن اندفعت حاجتُه في مقصود الشرع، انتهى(٢).
وذكر الطَّييُّ نحوَ هذا في الحديث العشرين من (الباب السادس
والخمسين).
(تو): ((عن ظهر غنى)) هو مثل قولهم: هو على ظهر سَيْر، وراكبٌ
متنَ السلامة، ومُمْتَطِ غارِبَ العِزَّ، ونحو ذلك من الألفاظ التي يُعبَّر بها عن
التمكُّن من الشيء، والاستعلاء عليه، والتنكير فيه للتفخيم.
(خط): ((الظهر)) قد يزاد به في مثل هذا، إشباعاً للكلام وتمكيناً،
كأنَّ صدقتَه مُستندةٌ إلى ظهر قويٌّ(٣).
(ط): استعير الصدقُة للإنفاق، حَثّاً عليه، ومُسارعةً، فيما يرجى منه
جزيلُ الثواب، ومِن ثَمَّ أتبعه قولَه: ((وابدأ بمن تعول)) قرينةً للاستعارة،
فيشمل النفقة على العيال، وصدقتي الواجب والتطوع، وأن يكون ذلك
الإنفاق من الرِّبح، لا من صُلْب المال، فعلى هذا: كان من الظاهر أن يؤتى
بالفاء، فعدل إلى الواو، ومن الجملة الإخبارية إلى الإنشائية، تفويضاً
للترتيب إلى الذِّهن، واهتماماً بشأن الإنفاق، وأن كلَّ مَن تمكَّن من ذلك
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٢١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٨٠).
(٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٣٧٥).
٤١٧

مأمورٌ بالبَذْء، والبَدْء يقتضي أُموراً تنتهي إلى الغاية(١).
(ن): يعني: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غِنِىٌ يَعتمدُه، صاحبُها،
ويستظهر به على مصالحه وحوائجه، لأن من تصدق بالجميع يندم غالباً،
وقد يحتاج بعده، ويَوَذُّ أنه لم يتصدق، بخلاف مَن بقي بعده مُستغنياً.
وقد اختلف في الصدقة بجميع المال، فمذهبنا: أنه مُستحبٌّ لمَن
لا دَيَّنَ عليه، ولا له عِيالٌ لا يصبرون، بشرط أن يكون مِمَّن يصبر على
الإِضَاقة والفَقْد فإن لم يجمع هذه الشروطَ، فهو مكروه.
قال القاضي: جَوَّز جمهور العُلماء، وأئمة الأمصار الصدقةَ بجميع
ماله، وهو مَرويٍّ عن عمر بن الخطاب ﴿ه، وقيل: ينفُذ في الثُّلث، وهو
مذهب أهل الشام، وقيل: إن زادت على الثلث، رُدَّت الزيادة، وهو مَحكيٍّ
عن مکحول.
وقال أبو جعفر الطبريُّ: ومع جوازه، فالمُستحبُّ أن لا يفعلَه، ويقتصرَ
على الثُّلث(٢).
(ق): يعني: أفضل الصدقة ما كان بعد القيام بحُقوق النفس، وحُقوق
العِيال، وهذا التأويل أَوْلى مِمَّا أوَّله الخَطَّابِيُّ وغيرُه، غير أنه يبقى علينا النظرُ
في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار، إذ قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: ٩].
وقد رُوي أن هذه الآية نزلت في أنصاريٍّ أتاه ضيفٌ، فَنَّومَ صِبْيتهَ،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٦٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٥).
٤١٨

وأطفأ السِّراجَ، وآثر الضّيفَ بقُوتهم(١)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطِعِمُونَ الَّعَامَ
عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]، أي: على شِدَّة الحاجة إليه والشَّهوة [له] ولا شكَّ أن
صدقةَ مَنْ هذه حالُه أفضلُ، وفي حديث أبي ذَرٍّ: ((أَفَضلُ الصَّدَقةِ جُهْدٌ مِنْ
مُقِلٌ) (٢)، وفي حديث أبي هريرة: ((سبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ)) قالوا:
كيف؟ قال: ((رَجُلٌ لهُ دِرهَمَانِ يَتصَدَّقُ بِأَحَدِهمَا، ورَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فأخذ
مِن عُرْضِ مَالِهِ مائةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا))(٣).
فأفاد مجموع ما ذكرناه أن صدقةَ المُؤثر والمُقِلِّ أفضلُ، وحينئذ ثبت
التعارضُ بين هذا المعنى، وبين قوله: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى))
على تأويل الخطابيِّ، فأما على ما تأولنا به: يرتفع التعارضُ، وبيانه أن الغِنى
يعني به في الحديث: حصولَ ما ترتفع به الحاجاتُ الضّرورية، كالأكل عند
الجُوع المُشوِّش الذي لا صبرَ عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به
عن نفسه الأذى، وما هذا سبيلُه، فهذا ونحوه مِمَّا لا يجوز الإيثارُ به،
ولا التصدقُ، بل يحرم، فإذا سقطت هذه الواجباتُ، صَحَّ الإيثارُ، وكان
صدقتُه هي الأفضلَ، لأجل ما يحمله من مَضَضِ الحاجة، وشِدَّة المَشْقَّة(٤).
* وقوله مثل: ((من يستعفف يعفه الله)):
(نه): ((الاستعفاف)): طلب العَفاف والتعفُّف وهو الكَفُّ عن الحرام،
(١) رواه مسلم (٢٠٥٤)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٧٨). وفي إسناده المسعودي، قال الهيثمي
في ))مجمع الزوائد)) (١ / ١٦٠): وهو ثقة، ولكنه اختلط.
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٥١٩)، من حديث أبي هريرة ظ﴾.
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٠).
٤١٩

والسُّؤالِ من الناس، أي: مَن طلب العِفَّةَ وتكلَّفها، أعطاه الله تعالى إياها،
وقيل: ((الاستعفاف)): الصبر والنَّزَاهةُ عن الشيء، يقال: عَفَّ يَعِفُّ عِفَّةً، فهو
(١) .
عفیف، انتھی"
قال الحافظ التيميُّ: ((من يستغن، يغنه الله)) شرط وجزاء، وعلامة
الجزم حذف الياء، أي: من يطلب الغنى من الله، يعطه الغِنى، ومن يطلب
العفافَ وهو ترك المسألةَ يُعطه الله العفافَ.
(ط): معناه: مَن طلب العِفَّةَ عن السُّؤال، ولم يظهرِ الاستغناءَ،
صَيَّره الله عفيفاً، ومَن ترقَّى من هذه المرتبة إلى ما هو أعلى منه، من إظهار
الاستغناء من الخلق، یملأ الله قلبه غنیٌ(٢).
(ق): أي: يخلق في قلبه غِنىّ، أو يعطه ما يستغني به عن الخلق(٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٦٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٩٩).
٤٢٠