Indexed OCR Text
Pages 241-260
إلى النار(١). (ط): وضعَ المُسبَّب وهو ((قطعة من النار)) موضعَ السَّبب، وهو ما حکم به له(٢) . ٢٢٠ - وعن ابنٍ عمرَ ﴿﴾، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَالَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً)) رواه البخاري. (الثَّامِنِ عَبَشَ، (ط): ((في فسحة))؛ أي: في سَعَة من دينه، يُرجى له رحمةُ الله ولُطفُه ولو باشرَ الكبائرَ سوى القتل، فإذا قتل، ضاقت عليه، ودخل في زُمرة الآيسين من رحمة الله، كما ورد في حديث أبي هريرة: (مَنْ أَعانَ على قَتْلِ مُؤمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لقيَ اللهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَهِ: آيِسٌ مِن رَحْمَةِ الله)(٣). وهو من باب التغليظ، ويجوز أن يُنزَّل معنى الحديث على معنى قوله ◌َّه: ((لا يَزالُ المُؤمنُ مُعْنِقاً صَالِحاً ما لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً، فإذا أَصابَ دَماً حَراماً، بَلَّحَ))(٤). (١) المرجع السابق (١٢ / ٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦١٢). (٣) رواه ابن ماجه (٢٦٢٠)، من حديث أبي هريرة ظُه . (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٤٥٤)، والحديث رواه أبو داود (٤٢٧٠)، من حديث أبي الدرداء ظُ، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٦٩٣). ٢٤١ المُعنِق: المُسرعُ في المَشْي، من العَنَقَ، وهو الإسراعِ، والخَطْوُ الفَسِيحُ، والتَّبليحُ: الإِعْيَاءُ؛ أي: لا يزال المُؤمن مُوقَّقاً للخيرات ومُسارعاً إليها ما لم يُصِبْ دماً حراماً، فإذا أصاب ذلك أعيى، وانقطع عنه ذلك بشؤم ما ارتكبَ من الإثم. ٢٢١ - وعن خَوْلَةَ بِنْتِ عَامِرِ الأَنْصَارِيَّةِ، وَهِيَ امْرَأَةٌ حَمْزَةَ - رضي الله عنه، وعنها - قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَلَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٌّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ) رواه البخاري. (الثَّانُ عَنْشَرٌ) (غب): ((الخوض)): هو الشُّروع في الماء، والمرور فيه، ويُستعار في الأُمور، وأكثرُ ما ورد ورد فيما يُذَمُّ الشروعُ فيه، نحو قوله تعالى: ﴿ُثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] (١). (ط): ((فلهم النار)) خبر ((إن)) وأدخل الفاء، لأن اسمَها نكرةٌ موصوفة بالفعل(٢) . (١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٠٢). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٠٣). ٢٤٢ ٢٧- باب تعظيمٍ حُرُماتِ المسلمين، وبيانِ حقوقِهِم، والشفقةِ عليهم، ورحمتِھم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ. عِندَ رَبِّةٍ﴾ [الحج: ٣٠]. * وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: ٣٢]. (الباب السابع والعشرون) (في تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم والرحمة لهم) * قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اَللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ ٢٤٣ رَيِّدٍ﴾ [الحج: ٣٠]؛ أي: هذا الذي أُمرنا به من الطاعات في أداء المَناسك، وما لفاعلها من الثواب. (الكشاف): ﴿ ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمرُ والشأن ذلك، كما يُقدِّم الكاتبُ جملةً من كلامه في بعض المعاني، فإذا أراد الخوضَ في معنى آخر، قال: هذا، وقد كان كذا(١). * قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: يجتنب مَعاصِيَه ومَحارمَه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ,﴾؛ أي: فله على ذلك خيرٌ كثير، وثوابٌ جَزِيل، فكما يثاب على فعل الطاعات، كذلك يُثاب على ترك المَحظورات والمُحرَّمات. قال مجاهد: الحُرُمات: مكةُ والحَجُّ، والعُمرةُ، وما نهى الله عنه من معاصيه كُلِّها(٢). (الكشاف): الحُرمة: ما لا يحِلُّ هَتْكُه، وجميع ما كَلَّفه الله رَّ بهذه الصفة، من مناسك الحَجِّ وغيرها، فيحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصّاً فيما يتعلق بالحَجِّ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ ؛ أي: فالتعظيم خيرٌ، ومعنى التعظيم: العِلمُ بأنها واجبةُ المُراعاة والحِفْظِ، والقيامُ بمراعاتها. قال المُتكلِّمون: لا يدخل النَّوافلُ في حُرُمات الله. (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ١٥٥). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٥١). ٢٤٤ وقوله: ﴿عِندَ رَبّةٍ،﴾ يدلُّ على الثوابِ المُدَّخَر، انتهى(١). قال أبو عثمان: لا يُعظِّمُ حُرماتِ الله إلا مَنْ حرمه الله، ولا يُعظِّمُ اللهَ إلا مَنْ عَرَفَهُ، ومَنْ عَرَفَهُ خضعَ له وخشع، ومن خُضوعه وخُشوعه المُتولِّد من تعظيمه لربِّه تعظيمُ حرمات المؤمنين. * قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَِّمْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]؛ أي: أوامرَه. (م): يدخل فيه كلُّ عبادة، وقيل: بل المناسك في الحَجِّ، وقيل: بل المُراد الهَدْيُ خاصة، والأصل في الشعائر: الأعلام التي يُعرف بها الشيءُ، وإذا فسرناه بالهدي، فتعظیمُها یحتمل وجهین : أحدهما: أن يختار عظامَ الأجسام سِمَاناً، غاليةَ الأثمان، ويترك المِكاسَ في شرائها، فقد كانوا يَتغالَوْنَ في ثلاثة، ويكرهون المِكاسَ فيهنَّ: الهَدْي والأُضحية، والرَّقبة. وروی ابنُ عمر عن أبيه: أنه أُهدي نَجِيبةً طلبت [منه] بثلاث مئة دينار، فسأل رسولَ الله ◌َ ◌ّ﴿ أن يبيعَها ويشتريَ بثمنها بُدْناً، فقال: (بَلْ، أَهدِهَا))(٢)، وأَهْدَى رسولُ اللهِوَّهِ مئة بدنة فيها جملٌ لأبي جَهْل في أنفه بُرَةٌ من ذهب(٣). والثاني: أن يعتقد أن طاعةَ الله في التقرُّب بها وإهدائها إلى بيته المُعظّم أمرٌ مُعظَّمٌ لا بدَّ أن يُقام ويسارعَ فيه (٤). (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ١٥٥)، و((التفسير الكبير)) للرازي (٢٩/٢٣). (٢) رواه أبو داود (١٧٥٦)، وفيه: ((انحرها))، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف سنن أبي داود» (٣٨٥). (٣) رواه أبو داود (١٧٤٩)، من حديث ابن عباس (٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٩/٢٣). ٢٤٥ ، قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]: (الكشاف): أي: فإن تعظيمَها من أفعال ذوي [تقوى] القُلوب، فحُذفت هذه المُضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بدَّ من راجع مَن الجزاء إلى من ليرتبطَ (١) به، وإنما ذُكِرت القُلوب، لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتَمكَّنت، ظهر أثرُها في سائر الأعضاء(٢). (م): ولأن المنافق قد يُظهر التقوى من نفسه، و[لكن] لمَّا كان قلبه خالياً منها، لا يكون مُجِدًّا في أداء الطاعات، انتهى(٣). قال السُّلَميُّ في ((الحقائق)): تقوى القلوب ما يَزُُّ الجوارحَ عن المُخالفات، وقال الجنيد: مِن تعظيم شعائر الله إظهارُ التوكل، واليقين، والتفويض، والتسليم، فإنها من شعائر الحَقِّ في أسرار أوليائه، فإذا عَظّمه وعظَّم حُرْمتَه، زيَّن الله ظاهره بقُنون الآداب(٤). * قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]: سيأتي تفسيره (في الباب الثالث والثلاثين). : قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] الآية، قال مجاهد: مَن قَتَلَ النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناسَ كلَّهم، وفي رواية: مَنْ قتلَ النَّفْسَ المُؤمنةَ مُتعمِّداً، جعلَ اللهُ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ، وَغَضِبَ (١) في الأصل: ((ارتبط))، والمثبت من ((الكشاف)). (٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ١٥٨). (٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٣ /٢٩). (٤) انظر: ((تفسير السلمي)) (٢ / ٢٣). ٢٤٦ عَليهِ، ولَعنَهُ، وأَعدَّ لهُ عَذاباً عَظِيماً، ولو قتلَ الناسَ جَمِيعاً لم يَزِدْ على ذلكَ العَذَابِ . وقال عبدُ الرحمن بنُ زيد بن أسلمَ: مَنْ قتل نفساً فقد وجبَ عليه القِصاصُ، فلا فرقَ بين الواحد والجماعة. قال أبو هريرة: دخلت على عثمانَ ◌َُ يومَ الدَّار، فقلت: جئتك لأنصركَ، وقد طاب الضَّرْبُ يا أميرَ المؤمنين، فقال: يا أبا هريرة! أَيسُّك أن تَقتلَ الناسَ جميعاً وإيَّايَ معهم(١)؟! قلت: لا، قال: فإنك إن قتلت نَفْساً واحداً فكأنما قتلتَ الناسَ جميعاً، فانصرِفْ مَأْذُوناً لك، مأجوراً غير مأزور(٢)، قال: فانصرفتُ، ولم أقاتل. وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾؛ أي: عفا عن قاتل وَليِّه، وقال مجاهد: أنجاها من غرَق، أو حَرْق، أو هَلَكَة، وقيل للحسن: يا أبا سعيد! هذه الآيةُ لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، وما جعل دماءً بني إسرائيل أكرمَ على الله من دمائنا(٣). ((الكشاف)): الفائدةُ في تشبيه الواحد بالجمع: تعظيمُ قتل النفس وإحيائها في القُلوب، ليشمئزَّ الناسُ عن الجَسارة عليها، ويتراغبوا في المُحاماة في حُرمتها، لأن المُتعرِّضَ لقتل النفس إذا تصوَّر قتلَها بصورةٍ قتلِ الناسِ جميعاً، عَظُمَ ذلك عليه، فتبَّطه، وكذلك الذي أراد إحياءها. (١) في الأصل: ((تعمهم))، والمثبت من ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٣٩٦/٣٩). (٢) في الأصل: ((غير مأموناً)). (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥ / ١٨٠، ١٨٢). ٢٤٧ وعن الحسن: يابن آدمَ، لو قتلتَ الناسَ جميعاً، أكنتَ تطمعُ أن يكون لك عمل يوازي ذلك [فيغفر لك] به؟! كلاً، إنه شيءٌ سَوَّلَتْه لكَ نفسُك والشيطانُ، فكذلك إذا قتلت واحدا١ً). ٢٢٢ - وعن أبي موسى ظه قال: قالَ رسولُ الله ◌ٍَّ: ((المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً))، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. متفقٌ عليه. (الأَقْلُ) (ط): التعريف في (المؤمن)) للجنس، والمراد: بعضُ المُؤمن للبعض، وقوله: ((يشد)) بيانٌ لوجه التشبيه(٢) و((البنيان)): الحائطُ، وهو واحد، قال الله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَئُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةٌ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠]. (ق): هذا تمثيلٌ في الحَضِّ على معونة(٣) المؤمن للمؤمن، وأن ذلك أمرٌ هو متأكِّدٌ لا بدَّ منه، فإن البناء لا يتمُّ أمرُه إلا بأن يُمسِكَ بعضُه بعضاً ويُقوِّيه، فإن [لم] يكن كذلك، انحلَّت أجزاؤه، وخَرِبَ بناؤه، كذلك المؤمنُ لا يَستقِلُّ بأمر دُنياه ودينه إلا بمَعونة أخيه ومُعاضَدتهِ (٤). (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٦٦١). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٦). (٣) في الأصل: ((مؤنته)). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٦٥). ٢٤٨ (ن): فيه: تعظيمُ حقوق المُسلمين بعضِهِم على بعض، وحَتُّهم على الثَّراحُم، والمُلاطفة، والتَّعَاضُد في غير إِثْمٍ ولا مَكروه، وفيه: جوازٌ التشبيه وضَرْبِ الأمثال؛ لتقريب المعاني إلى الأفهام(١). ٢٢٣ - وعنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَن مَرَّ في شَيءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا وَمَعَهُ نَّلٌ فَلْيُمْسِكْ، أَوْ لِيَقْبِضْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ؛ أَنْ يُصِيبَ أَحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيءٍ)) متفقٌ عليه. (الثانى) (ط)(٢): ((النصال)): جمع نَصْل، وهو حديدةُ السَّهم. فيه: استحبابُ الأخذ بنِصَالها عند إرادة المُرور بين الناس في مسجد أو سُوق أو غيرها، وفيه: اجتنابُ كلِّ ما يُخاف منه ضررٌ (٣). (ك): هذا من تأكيد حُرمة المُسلمين، لأن المساجدَ مَوْرُودَةٌ للخَلْقِ، لا سيما في الأوقات الخمس، وهذا من کرائم خُلُقه ورأفته بالمؤمنين، وفيه: التعظيمُ لقليل الدَّم وكثيره، وفيه: أن المسجدَ يجوزُ فيه إدخالُ السِّلاح(٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٩). (٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (ن). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٩). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١١١). ٢٤٩ (ق): هذا مِمَّا استُدِلَّ به لمالكِ على أصله في سَدُّ الذَّرائع، فقوله: (كي لا يخدش مسلماً)) فيه ما يُدّلُّ على صِحَّة القول بالقياس، وتعليلٍ الأحكام الشرعية(١). ٢٢٤ - وعن النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ ﴾ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّى: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ: إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) متفقٌ عليه . (الثَّالُِّ) * قوله تلف: ((تداعى له سائر الجسد)): (نه): كأن بعضَه دعا بعضاً، ومنه قولهم: تداعت الحِيطانُ؛ أي: تساقطت، أو كادت، ووجهُ التشبيه فيه: هو التوافُق في المَشَّقة والرَّاحة، والنَّفْع والضَّرِّ(٢). (ق): هکذا صحیح الرواية: «في توادهم) ومعناه واضحٌ، وقد وقع في رواية: ((توادِّهم)) بغير ((في))، ويصح ذلك، ويكون مخفوضاً(٣) على أنه (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٠١). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ١٢١)، وانظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (٩ / ١٦٦). (٣) في الأصل: ((محفوظاً». ٢٥٠ بدلُ الاشتمال [من ((المؤمنين))]، ومقصود الحديث: الحَثُّ على ما يتعيَّن من مَحبَّة المؤمن، ونُصحه، والاهتمام بأمره(١). ٠٠ ٢٢٥ - وعن أبي هُرَيْرَةَ ﴾ قال: قَبَّلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﴾، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فقال الأَفْرَعُ: إنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رسولُ اللهِفقال: ((مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ» متفقٌ عليه. قوله: ((فنظر إليه رسول الله ﴿) هذا نظرُ تَعجُّب من قسوة قلبه، وغِلَظِ طَبْعِه وجَفائه. (ق): ((الرحمة)) في حقُّنا: رِقَّة وحُنُوٌّ يجده الإنسان من نفسه عند مُشاهدة مُبتلّى، أو ضعيفٍ، أو صغيرٍ، يحملُه على الإحسان إليه، والُّطف به، والرّفْق، والسَّعي في كشف ما به، وقد جعل الله هذه الرحمةَ في الحَيوان كلِّه، فبها تَعطِفُ الحيوانات على نوعها وأولادها، فتَحْنُو عليها، وتَلَطُف بها في حال ضَعفها أو صِغَرها، وحكمةُ هذه الرَّحمة تسخيرُها القويَّ للضعيف، والكبيرَ للصغير، حتى ينحفظ نوعُه، وتتِمَّ مَصلحتُه، وذلك تدبير اللطيف الخبير . وهذه الرحمة جزءٌ من مئة رحمةٍ ادَّخرها الله ليوم القيامة، فيرحمُ بها (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٦٥). ٢٥١ عبادَه المؤمنين، ورحمةُ الله تعالى راجعةٌ إلى ثمرة تلك الرِّقَّة والرَّأفة، وهي اللُّطف بالمُبتلى والضعيف، والإحسانُ إليه، وكشفُ ما هو فيه من البلاء، وإذا تَقَرَّرَ هذا، فمَن خَلَق الله في قلبه هذه الرحمةَ فقد رحمه في الحال، وجعل ذلك علامةً على رحمته إياه في المَآل، ومَنْ سُلِبَ ذلك المعنی منه، وابتُلي بنقيض ذلك من القَسْوة والغِلَظ، فلم يلطُف بضعيف، ولا أشفق على مُبتلّى، فقد شَقِيَ في الحال، وجعل ذلك عَلمَاً على شِقْوتهِ في المَآل، نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال رَّ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهمُ الرَّحمنُ)(١) وقال: ((إنَّما يَرحمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَماءَ)(٢) وقال: ((لا تنزَعُ الرَّحمةُ إلاَّ مِن شَقِيٍّ)(٣). وفي هذا الحديث: جوازُ تقبيل الصغير على جهة الرحمة والشفقة، وكراهةُ الامتناع من ذلك على جهة الأنَفَة، وهذه القُبلة هي على الفَم، ويُكره مثلُها في الكِبار، إذ لم يكن ذلك معروفاً في الصَّدْر الأوَّل، ولا يَدلُّ على شفقة. وأما تقبيلُ الرأس: فإكرامٌ عند مَنْ جرت عادتُهم بذلك، كالأب، والأُمّ. وأما تقبيل اليد: فكرِهَهُ مالكٌ، ورآه من باب الكِبْرِ، وإذا كان ذلك (١) رواه الترمذي (١٩٢٤)، من حديث عبدالله بن عمرو ﴾، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٥٢٢). (٢) رواه البخاري (٦٢٧٩)، ومسلم (٩٢٣/ ١١)، من حديث أسامة بن زيد (٣) رواه الترمذي (١٩٢٣)، من حديث أبي هريرة ظه، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٤٦٧). ٢٥٢ مكروهاً في اليد، كان أولى وأحرى في الرِّجل، وقد أجاز بعضهم في اليد والرِّجل مُستدِلاً بأن اليهودَ قَبَلوا يدَ رسول الله وَّهُ ورِجْلَيْه حين سألوه عن مسائلَ فأخبرهم بها، ولا حُجَّةَ في ذلك؛ لأنه وَِّ قد نَزَّهَهُ الله من الكِبْر، وليس كذلك غيرُه، ولأن ذلك إظهارٌ من اليهود تعظيمَه واعتقادَهم صِدْقَه، فَأَقرَّهم على ذلك ليتبيَّنَ للحاضرين ما عندهم من معرفتهم بصِدْقِهِ، وأن کُفرَهم عِنادٌ وجَحْدٌ، ولو فهمت الصّحابةُ جواز ذلك، کانوا یفعلون به ذلك دائماً، وفي كل وقت، كما كانوا يتبرَّكُون بُزاقه، ونُخَامته، ويَدْلُكُونَ بها وَجوهَهم، ويَتطيِّبُون بعَرَقِهِ، ويقتتلون على وَضوئه، ولم يُرْوَ قَطُّ عن واحد منهم بطريقٍ صحيحٍ أنه قَبَّل له يداً ولا رِجْلاً، فصَحَّ ما قلناه، والله وليُّ التوفيق، انتھی(١). لعل الكراهة هي قولُ أصحاب مالك، والمُصنِّفُ رحمه الله عقد لاستحبابه باباً، فقال في (الباب الرابع بعد المئة): (بابُ استحباب المُصافحة في اللِّقاء، وتقبيل يدِ الرَّجُل الصّالح)، وسيأتي هناك الأحاديثُ الدالة على استحباب ذلك. ٢٢٦ - وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قَدِم نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَى رسولِ الله ◌ِّهِ، فقالوا: أَتْقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فقال: (نَعَمْ))، قالوا: لَكِنَّا واللهِ مَا نُقَبِّلُ! فقال رسولُ اللهَِِّ: ((أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْ قُلُوبِكُمُ الرَّحْمَةَ!)) متفقٌ عليه. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١٠٨). ٢٥٣ (ط): الهمزة الاستفهامية [في] ((أو أملك)) إنكارية(١). (شف): يُروى ((أن)) بفتح الهمزة، فهي مصدرية، ويقدَّر مضافٌ؛ أي: لا أملك لك دفعَ نَزّعِ اللهِ عن قلبك الرَّحمةَ، ويروى بكسر الهمزة شرطاً، وجزاؤه محذوفٌ مِنْ جنس ما قبله؛ أي: إنْ نَزَعَ الله من قلبك الرَّحمةَ، لا أملكُ لك دفعَه ومَنْعَهُ. (ق): قد أَبْعَدَ مَن كَسَرَها، ولم تصِحَّ روايةُ الكسر، ومعنى الكلام: نفيُ قدرته عليه الصلاة والسلام عن الإتيان بما نزعَ اللهُ من قلبه من الرَّحمة(٢) . ٢٢٧ - وعن جريرِ بنِ عبدِ الله﴾ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّفى: ((مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لا يَرْحَمْهُ اللهُ) متفقٌ عليه. ـا * قوله : ((إن من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)): (ن): قال العلماء: هذا عامٌّ يتناول رحمةَ الأطفال وغيرِهم، انتهى(٣). قال الحافظ محمد بن معمر: إن مَنْ لا يرحم الناس إنما لا يرحمُھم لعدم تَوَفِّي حَظُّه من الرحمة التي أفاضها الله تعالى على خلقه، من جملة (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٤). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١٠٨). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧٧). ٢٥٤ ما أنزلها الله من مئة [جزء من] الرَّحمة التي خلقها، وبها يتراحم الناس ويتعاطفون، وتتراءمُ الدَّوابُ [ ... ](١)، ومَنْ لا يَرحم لا يُرحم، إنما هي أعمالُكم تُردُ إليكم . ٢٢٨ - وعن أبي هُريرة ◌ُ: أَنَّ رسولَ اللهِه قال: ((إِذَا صَلَّىَ أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» متفقٌ عليه. وفي رواية: ((وَذَا الحَاجَةِ)). ٢٢٩ - وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنْ كَانَ رسولُ الله ◌َله لَيَدَعُ العَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْبَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ)) متفقٌ عليه. الشَّائِقُ وَالتَّافُِ (ن): هذا الأمرُ بتخفيف الصلاة، حيث لا يُخِلُّ بسُننها ومقاصدها، وأنه إذا صلَّى لنفسه طَوَّل ما شاء في الأركان التي تحتمِلُ التطويلَ، وهي: القِيام، والرُّكوع، والسُّجود، والتشهُّد، دون الاعتدالِ، والجُلوسِ بين السَّجدتين(٢). (١) كلمة غير واضحة في الأصل. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٨٤). ٢٥٥ (قض): خِفَّة الصلاة عبارةٌ عن عدم تطويل قراءتها، وعن ترك الدَّعَوات الطويلة في الانتقالات، وتمامُها [عبارةٌ] عن الإتيان بجميع الأركان والسُّنن، والُّبْثُ راكعاً وساجداً بَقدْر ما يُسبِّح ثلاثاً، انتهى(١). * قولها: ((خشية أن يفرض عليهم)) : قال بعض العلماء: كان النبيُّ ◌َلم يدع كثيراً من الأعمال الظاهرة. ٢٣٠ - وَعَنْهَا رضي الله عنها، قَالَتْ: نَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فقالوا: إنَّكَ تُوَاصلُ؟ قال: ((إنِّي لَسْتُ كَهَيْتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِنِي)) متفقٌ عليه. مَعْنَاهُ: يَجْعَلُ فِيَّ قُوَّةَ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ. (التَّالَّى) (ن): اتفق أصحابنا على النهي عن الوِصَال، وهو صومُ يومين فصاعداً من غير أكلٍ وشُرب بينهما، ونَصَّ الشافعي وأصحابه على كراهته، والأصحُّ أنها کرامةُ تحریم، وقيل : تنزیه. قال القاضي عياضٌ : قيل: النھيُ عن الوِصَال نھيُ رحمة وتخفيف، فمَنْ قَدَر فلا حَرَجَ، وقد واصل جماعةٌ من السَّلَف الأيامَ، وقال: أجازه ابن وَهْب وأحمدُ وإسحاقُ إلى السَّحَر، ثم حكى عن الأكثرين كراهته. (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٤٤). ٢٥٦ قال الخَطَّبيُّ: احتجَّ مَن أباحَهُ بقوله: ((رحمة لهم))، وبأنه ێـ واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رَأوا الهلالَ، فقال: لو مُدَّ لنا الشهرُ لواصلنا وصالاً يدع المُتعمِّقُون تَعمُّقَهم، واحتجَّ الجُمهور بعُموم النهي، وأجابوا عن قوله: ((رحمة)) بأنه لا يمنع ذلك أن يكون مَنهيّاً عنه للتحريم، وسببُ تحريمه الشَّفَقَةُ عليهم، لئلا يتكلَّفوا ما يَشُقُّ عليهم، وأما الوِصَال بهم: فاحتُمل للمَصلحة في تأكيد زَجْرهم، وبيانِ الحكمة في نهيهم، والمفسدةِ المترتبة على الوصال، وهي المَلَلُ من العبادة، والتعرُّضُ للتقصير في بعض وظائف الدِّين، من إتمام الصَّلاة، وخُشوعها، وأذكارها، وآدابها، وملازمةِ الأذكار، وسائرِ الوظائف المشروعة في نهاره وليله(١). (قض)(٢): يريد بقوله: ((لست كهيئتكم)) الفرقَ بينه وبين غيره، لأنه سبحانه يفيض عليه ما يَسُدُّ مَسَدَّ طعامه وشرابه، من حيث إنه يشغله عن إحساس الجُوع والعطش، ويُقوِّيه على الطاعة، ويَحرُسه عن تحليلٍ يُفضي إلى كَلال القِوَى، وضَعْفِ الأعضاء(٣). (ن): معناه: يُجعل في قُوَّة الطَّاعِم والشَّارِب، وقيل: هو على ظاهره، وأنه يُطعَم من طعام الجنة كرامةً له، والصَّحيحُ الأول، لأنه لو أكل حقيقةً، لم يكن مُواصلاً، ومِمَّا يُوضَّح هذا التأويلَ ويقطع كلَّ نزاع قولُه ◌َّر، كما رواه مسلم في ((صحيحه)): ((إِنِّي أَظَلُّ يُطعِمُني رَبِّي))(٤)، ولفظ: (ظل) لا يكون إلا (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢١١). (٢) في الأصل: ((قض، ق))، والكلام للبيضاوي. (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٩٤) (٤) رواه مسلم (١١٠٤ / ٦٠)، من حديث أنس ◌ُه. ٢٥٧ في النهار بلا شك(١). (ق): قيل في معناه: إن الله يخلق فِيَّ من الشِّبع والرِّيِّ مثلَ ما يخلُقه فيمَن أكل وشرب. وهذا القول يُبعِدُه النظرُ إلى حاله عليه السلام، فإنه كان يجوع أكثرَ مِمَّا يشبع، ويربط على بطنه الحجارةَ من الجُوع، وكان يقول: ((الجُوعُ حِرْفَتِي)) على ما رُوي عنه، ويُبعِدُه أيضاً النظرُ إلى المعنى، وذلك أنه لو خُلِقَ فيه الشِّبَعُ والرِّبيُّ، لَما وجدَ لعبادة الصوم رُوحَها الذي هو الجُوع والمَشقّة، وحينئذ يكون تركُ الوِصَال أَوْلی. وقيل: معناه: إن الله يحفظ عليَّ قَوَّتي بقدرته من غير طعام ولا شراب، كما يحفظها بالطعام والشراب(٢). (ش): المُراد به ما يُغذِّيه الله من معارفه، وما يُفيضُ على قلبه من لَذَّة مناجاته التي هي غِذاءُ القلوب، ونَعِيم الأرواح، وللرُّوح والقلب بها أعظمُ غذاءٍ وأجَلُّه وأَنفعُه، وقد يَقْوَى هذا الغذاءُ حتى يُغنيَ عن غذاء الأجسام مُدَّةً من الزمان، کما قيل: لهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُها عَنِ الشَّرابِ وتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ ومِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِي لهَا بوَجْهِكَ نُورٌ تَستَضِيُ بِهِ رَوْحُ القُدُومِ فَتَحْيَا عندَ مِيعَادِ إذا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أوْعَدَها ومَنْ له أدنى تجربةٍ وشوقٍ يعلم استغناءَ الجسم بغذاء القلب والرُّوح (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢١١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٦١). ٢٥٨ عن كثير من الغذاء الحيوانيِّ(١)، لا سِيَّما إذا أُقِرَّت عينُ المُحِبِّ بمَحبوبه، وتنعَّم بقرُبه، وألطافُ مَحبوبه وهداياه وتُخَفُه تصلُ إلیه كلَّ وقت، أفليس في هذا أعظمُ غذاء لهذا المُحِبُّ؟! وقد واصل پڼ بأصحابه مُنگِّلاً بهم، مُعْجِزاً لهم، فلو كان يأكل ويشرب ليلاً ونهاراً، لَمَا كان في ذلك تنكيلٌ ولا تعجيزٌ بل ولا وصالٌ، وهذا بحَمْد الله واضحٌ(٢). ٣٣١ - وعن أبي قَتَادَةَ الحَارِثِ بنِ رِبْعِيٍّ ﴾ قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: (إِنِّي لأَ قُومُ إلَى الصَّلاةِ وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّز في صَلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» رواه البخاري. (الَشِيَ) (ط): ((فأتجوَّز))؛ أي: فأُخفِّف، كأنه يُجاوِزِ عَمَّا كان يقصِدُه ويفعله لولا بكاءُ الصبيِّ(٣). (ن): أي: أخفّف؛ لاشتغال قلبها به، وفيه دليلٌ على الرِّفق بالمَأمومين وسائرِ الأَتباع، ومُراعاتهم، وفيه: جوازُ الصلاة للنساء مع الرجال في المسجد، (١) في الأصل ((الروحاني))، والمثبت من ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢/ ٣٣). (٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٣٣). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٥٩). ٢٥٩ وأن الصبيَّ يجوز إدخالُه المسجدَ وإن كان الأَوْلَى تنزيهَه عن المسجد فيمَن لا يُؤمَنُ منه حدَثٌ(١). (خط): فيه دليلٌ على أن للإمام إذا أحسَّ برجل يريد معه الصلاةَ وهو راكعٌ أن ينتظرَ راكعاً ليُدرك الركعةَ؛ لأنه إذا كان له أن يقتصر لحاجة إنسان في أمر دُنيويٍّ كان له أن يزيد في أُخرَويٌّ بالأحرى(٢) وكرهَهُ بعضُهم وقال: أخاف أن يكونَ مشركاً، وهو مذهب مالك(٣). (ق): لأن هذه الزِّيادة عملٌ في الصلاة، بخلاف الحديث(٤). ٢٣٢ - وعن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله﴾ قال: قالَ رسولُ الله ◌ِلوفه: (مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلا يَطْلُبَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ؛ فَإنَهُ مَنْ يَطلُبُهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ يُدرِكْهُ، ثُمَّ يَكُّهُ عَلَى وَجْهِهِ في نَرِ جَهَنَّم» رواه مسلم. (الجَادِيُّ عَشَرَ) (ق): ((في ذمة الله))؛ أي: في أمان الله، وفي جِوَاره؛ أي: قد استجار بالله، والله تعالى قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرَّض له بُضرٍّ أو أذىً، فمَن (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٨٧). (٢) في الأصل: ((أحرى)). (٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٢٠١). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٧٩). ٢٦٠