Indexed OCR Text

Pages 221-240

بأن جعل في نُفُوسهم احترامَ أُمور يمتنعون فيها من الغارة والقتال، فيَأْمنُ
بعضُهم بعضاً، وينصرفون في حوائجهم، ولا يَهيجُ فيها أحدٌ أحداً، حتى إن
الرجلَ يلتقي فيها قاتل أبيه فلا يَتعرَّضُ له، ولا يَبِعُد أن يكون أصلُ ذلك
مشروعاً من دين إبراهيم عليه السلام؛ [كالحج والعمرة وغيرهما]، وهذه
الأُمور من الزَّمان: الأشهر الحُرم، ومن المكان: حَرمُ مكةَ، ومن الأموال:
الهَدْيُ والقَلائدُ، فلمَّا جاء الإسلام لم يزد تلك الأُمورَ إلا تعظيماً وتشريفاً،
غير أنه لمَّا حَدَّ الحُدود، وشَرَعَ الشرائعَ، اتفقت كلمة المسلمين، والتُّزمت
شرائعُ الدِّين فأمن الناسُ على دِمائهم، ونُفُوسهم، وأموالهم، فمن صدَر عنه
بَغْيٌ أو عُدوان، قَمَعتهُ كلمةُ الإسلام، وأُقيمت عليه الأحكام(١).
* قوله: ((ثلاث متواليات)»:
(ط): إنما حذف التاء من العدد باعتبارِ أن الشهر الذي هو واحدُ الأشهر
بمعنى اللَّيالي، فاعتبر لذلك تأنيثَه(٢).
(ق): أي: يتلو بعضُها بعضاً، كما قال في الرواية الأُخرى «ثلاثةٌ سَرْدٌ،
وواحد فَرْدٌ)(٣).
* قوله ويتلقى: ((أي شهر هذا؟»:
(ن)(٤): هذا السؤال والسُّكوتُ والتفسيرُ أراد به التقريرَ والتَّفخيمَ والتنبيه
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ /٢٠١٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٧).
(٤) في الأصل: ((ط)).
٢٢١

على عِظَم مرتبة هذا الشهر، والبلد، واليوم، وقولهم: ((الله ورسوله أعلم)) من
حُسْن أدبهم، فإنهم علموا أنه وَّي لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب،
فعرفوا أنه ليس المرادُ مُطلقَ الإخبار (١).
(ط): في قولهم: ((سيسميه)) إشارةٌ إلى تفويض الأُمور بالكُلِّية إلى
الشارع، وعَزْلٌ لِمَا أَلِفِوه من المُتعارف المَشهور، و((أليس ذا الحجة؟»
بالنصب، وفي أصل المالكيُّ: بالرفع، وقال: الأصل: أَليسَهُ ذو الحِجَّة؟
ومِن حَذْفِ الضَّمير المُتَّصل خبراً لـ (كان) وأخواته قولُ الشاعر:
شِواءً وخيرُ الخَيْرِ مَا كَانَ عَاجِلُهْ
فَأَطعَمَنا مِنْ لَحْمِها وسَدِیفِهَا
أراد: خير الخير الذي كأنه عاجلُه.
وقال:
أَنَّ المُفَضَّلَ لَنْ يَزالَ عَتِيقُ
شَهِدَتْ دَلائِلُ جَمَّةٌ لَمْ أُحْصِها
أراد: لن يزالَهُ(٢).
(ك): الخَطَائيُّ: يقال: إن البلدة اسمٌ خاصٌّ لمكة، أو اللام للعَهْد
عَنْ قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِالْبَلْدَةِ ﴾ [النمل: ٩١](٣) .
(تو): وجه تسمية مكة بالبلدة - وهي تقع على سائر البلدان -: أنها
البلدةُ الجامعة للخير، المُستحِقَّة أن تُسمَّى هذا الاسمَ، لتفوُّقِها [على] سائر
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٦٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ٢٠١٥).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ / ٢٠٣).
٢٢٢

مُسمَّيات أجناسها تَفَوُّقَ الكعبة في تسميتها بالبيت [على] سائر مسميات
أجناسها، حتى كأنها هي المَحلُّ المُستحِقُّ للإقامة بها .
قال ابنُ جِنِّي: مِن عادة العرب أن يوقعوا [على] الشيء الذي يختصُّونه
بالمدح اسمَ الجنس، ألا تراهم كيف سَمَّوا [الكعبةَ] بالبيت، و((كتاب سيبويه))
بالکتاب؟!
وقوله: (أعراضكم)؛ أي: أنفسكم وأَحسابكم، فإن العِرضَ : يقال
للنَّفْسِ وللحَسَب، يقال: فلان نقِيُّ العِرض؛ أي: بريء أن يُشتَمَ ويُعابَ،
والعِرضُ : رائحة الجسد وغيرِهِ طَيِّبَةً كانت أو خبيثة.
(حس): لو كان المُرادُ من الأعراض النفوسَ، لكان تكراراً، إذ المرادُ
بالدِّماء النُّفُوس (١).
(نه): ((العِرْض)»: موضعُ المَدح والذَّمِّ من الإنسان، سواء كان في نفسه
أو سلَفِه(٢).
ولمَّا كان موضعُ العِرض النفسَ، قال من قال: العرض النفس، إطلاقاً
للمَحلِّ على الحَالِّ، وحين كان المدحُ نسبةَ الشخص إلى الأخلاق الحَمِيدة،
والذُّ نسبةً إلى الذميمة، سواء كانت فيه أو لا، قال من قال: العِرض الخُلُق،
إطلاقاً لاسم اللازم على المَلزوم.
* قوله {َظافر: ((أليس يوم النحر)):
(ك)(٣): ((يوم النحر)) بالنصب خبر (ليس)؛ أي: أليس اليومُ يومَ النحر؟
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٧ / ٢١٨).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢٠٩/٣).
(٣) في الأصل: ((ن))، والصواب المثبت.
٢٢٣

ويجوز الرفع على أنه اسمُه، والتقدير أليس يومُ النحر هذا اليوم (١).
(ن): ((كحرمة يومكم هذا) المرادُ بهذا كلِّه بيانُ تأكيد غِلَظ تحريم
الأموال، والدِّماء، والأعراض، والتحذير من ذلك، وفيه دليلٌ على استحباب
ضَرْب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير(٢).
(تو): إنما شَبَّهها في الحُرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يَرَوْنَ استباحةَ
تلك الأشياء، وانتهاكَ حُرمتها بحال.
* قوله مقليفي: ((وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم)) :
(ق): أي: ستقفون في العَرْض الأكبر موقفَ من حُبس حتى تُعرضَ
عليه أعمالهُ ويُسأل عنها، وهذا إخبارٌ بمقام عظيم، وأَمرٍ هائلٍ، لا يُقدر قَدْرُه،
ولا يُتصوَّرَ هَوْلُه، فأصبح الناس عن التَفكّر فيه مُعرضين، وعن الاستعداد له
مُتشاغلين، فالأمر كما قال في كتابه المَكنون: ﴿قُلْ هُوَ نَبَوْ عَظِيمٌ ) أَنَتُ عَنْهُ
مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ -٦٨](٣).
* قوله ريقى: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً):
(ط): قال المالكي: (رجع) هاهنا استعمل کـ (صار) معنیً وعملاً،
أي: تَصِيروا، ومنه قول الشاعر :
قَدْ يَرجِعُ المَرْءُ بعدَ المَقْتِ ذَا مِقَةٍ
بِالحِلمِ فَادْرَأُ بِهِ بُغضَ ذي (٤) إِحَنِ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ / ٢٠٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ١٨٢)، (١١ /١٦٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٨).
(٤) في الأصل: ((بغضاً إذا))، وهو مكسور الوزن على كلا الحالتين، ولعله يستقيم لو
قال: «بغضاً لذي إحن»
٢٢٤

[((كفاراً)] سبق شرحه في (الحديث الثالث) من هذا الباب، وسبق
أنه لا حُجَّةَ فيه لمَن يقول بالتكفير بالمعاصي، بل المُراد كُفرانُ النِّعم، أو
هو مَحمولٌ على المُستَحِلِّ بلا شُبْهَةٍ (١).
(ق): بهذا وأشباهه كَفَّر الخوارجُ أميرَ المؤمنين علياً، ومُعاويةَ
لأنهم سمعوا أحاديثَ ولم يُحِطْ بها فهمُهم، كما قرؤوا القرآنَ ولم يُجاوز
تَراقيَهُم، وكأنهم ما قرؤوا: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، فأبقى عليهم
اسمَ الإيمان وأُخوَّتَه، مع أنهم قد تقاتلوا، وبَغَتْ إحداهما على الأُخرى،
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء:
٤٨]، والقتل ليس بشرك بالاتفاق، وإنما مَحْمِلُ الحديث على التشبيه،
تغليظاً؛ لأنهم إذا تقاتلوا فقد تَشْبَّهوا بالكُفَّار، فكأنه وَِّ الطَّلِعَ على ما يكون
في أُمَّته من المِحَن والفِتَن، فحَذَّر من ذلك، بَذْلاً للنَّصِيحة، ومُبالغةً في
الشّفَقَةِ(٢) .
(ق): ((ليبلغ)) على صيغة الأمر، فالغين مكسورة(٣).
(ن): فيه: وجوب تبليغ العِلْم، وهو فرض كفاية، فيجب تبليغهُ
بحیث ينتشر (٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ /٢٠١٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٦٩).
٢٢٥

* قوله ﴿: ((فلعل بعضَ مَنْ يبلغه أن يكون أوعی له مَنْ بعضٍ مَن
سمعه»:
(ن): احتجَّ به العُلماءُ على جواز رواية الفُضلاء عن الشيوخ الذين
لا علمَ عندهم ولا فِقْهَ إذا ضَبَط ما يُحدِّثُ به(١).
(ق): وفيه حُجَّةٌ على أن المتأخرَ قد يفهم من الكتاب والسنة ما لم
يحضر المُتقدِّمَ، فإن الفَهْمَ فضلُ الله يؤتيه من يشاء، ولكن هذا يَندُرُ ويَقِلُّ،
فأين البَحْرُ من الوَشَلِ؟! [والعَلُّ من العَلَلِ ](٢)، و:
ليسَ التَكَثُّلُ في العَيْنَينِ كالْكَحَلِ
وقوله وله: ((ألا هل بلغت؟)) استفهام على جهة التقرير؛ أي: قد
بلغتكم ما أُمِرِتُ بتبليغه، فلا عُذْرَ، إذ لم يقع مني تقصيرٌ في التبليغ، ويحتمل
أن يكون على جهة استعلام ما عندهم، واسْتِنْطَاقِهم بذلك، كما في حديث
جابر، حيث خطبَ وَّه، فقال في خُطبته: ((وأَنْتُمْ تُسأَلُونَ عَنِّي، فمَا أَنْتُمْ
قَائِلُونَ؟)) قالوا: نَشهدُ أنك قد بَلَّغت وأَدَّيت ونَصحت، فقال بإصبعه السَّبَّابة
يرفعُها إلى السَّماء، ويَنكُتُها إلى الأرض: ((اللَّهُمَّ اشهَدْ)) ثلاث مرات(٣).
(ك): لمّا كان التبليغُ واجباً عليه، أَشْهَدَ اللهَ على أداء الواجب(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٧٠).
(٢) من ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٤٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٩/٥).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ / ٢٠٣).
٢٢٦

٢١٤ - وعن أبي أُمَامَةَ إِيَاسِ بنِ ثَعْلَبَةَ الحَارِثِيِّ﴾: أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((مَن اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ
أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»، فقال رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً
يَسِيراً يا رسولَ الله؟ فقال: ((وإنْ قَضِيِباً مِنْ أَرَاكِ» رواه مسلم.
(الثَّانِى عَشَِّ»
(ق): ((اقتطع)): افتعل، من القَطْع، وهو الأَخذُ هنا، لأن مَنْ أخذ شيئاً
لنفسه فقد قطعه(١).
(ن): في قوله {وَّجْرِ: ((حق امرئ مسلم)) لطيفةٌ، إذ يدخل فيه مَنْ
حلف على غير مال، كجلد المَيتة والسِّرْجِين، وغير ذلك من النجاسات
التي يُنتفع بها، وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال، كحَدِّ القذْف،
ونَصِيب الزَّوجة في القَسْم، وغير ذلك، وتقييده وَّهِ بالمُسلم لا يدلُّ على
تحريم حَقِّ الذِّميِّ، بل معناه أن هذا الوعيدَ الشديد لمَن اقتطع حقَّ مسلم،
وأما الذِّميُّ: فاقتطاع حَقُّه حرامٌ، لكنه ليس يلزم أن يكون في هذه العُقوبة
العظيمة، هذا مذهب مَنْ يقول بالمفهوم، وعند مَنْ نفاه لا يحتاج إلى
تأويل.
قال القاضي عياضٌ: تخصيص المُسلم لكونِهِم المُخاطَبين، وعامَّةً
المُتعاملين في الشريعة، لا أن غیرَ المسلم بخلافه، بل حُکمُہ حُکمُه، ثم
إن هذه العقوبةَ لمَن لم يتب .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٤٧).
٢٢٧

وأما قوله: ((حرم عليه الجنة)): فمَحمولٌ على المُستَحِلِّ لذلك إذا
مات على ذلك، فإنه يَكْفُرُ ويُخلَّد في النار، أو يكون معناه: استحقَّ النارَ
ويجوز العَفوُ عنه، أو قد يُحرِّم عليه دخولَ الجنة أولَ وَهْلة مع الفائزين .
وفيه: بيانُ غِلَظ تحريم حُقوق المسلمين، وأنه لا فرق بين قليل الحَقِّ
وكثيره، لقوله: ((وإن قضيب من أراك)) هكذا هو في أكثر الأُصول، وفي
كثير منها ((وإن قضيباً)) على أنه خبر (كان) المَحذوفة، أو أنه مفعول لفعل
محذوف تقديره: وإن اقتطع قضيباً.
وفي هذا الحديث دلالةٌ لمذهب مالك، والشافعيِّ، وأحمدَ،
والجماهير: أَنَّ حُكمَ الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن له، خلافاً لأبي
حنيفة(١).
٢١٥ - وعن عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ ﴿ه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَ م
يُقُول: ((مَنِ اسْتَعْمَلْنَهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَّنَا مِخْيَطاً فَمَا فَوْقَهُ،
كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ
الأَنْصَارِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ! اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ،
قال: ((وَمَالَكَ؟))، قال: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، قال: ((وَأَنَا
أَقُولهُ الآنَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا
أُوِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتُهَى)) رواه مسلم .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦١).
٢٢٨

٢١٦ - وعن عمرَ بنِ الخطاب ﴾ قالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْرَ أَقْبَلَ
نَفَّرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ، فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ، وفُلانٌ شَهِيدٌ،
حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فقالوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فقالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((كَلاَ،
إِنِّي رَأَنْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا - أَوْ عَبَاءَةٍ -)) رواه مسلم.
(الثَّالِثُ عَنشَرِّ وَالْقَارَةُ عَنْشِّ)
(ن): ((مخيطاً) بكسر الميم وإسكان الخاء، هو الإبرة(١).
* قوله : «فلیچی بقلیله و کثیرہ» :
(ق): هذا يدلُّ على أنه لا يجوز أن يَقتطِعَ منه شيئاً لنفسه لا أُجرةً ولا
غيرَها، ولا لغيره، إلا بإذن الإمام(٢).
؛ قوله: «لما کان یوم خییر):
(ن): هو بالخاء المعجمة آخره راء، هكذا وقع في ((مسلم))، وهو
الصواب، ورواه بعضُهم (حنين) بالحاء المهملة والنون(٣).
قوله: ((فلان شهيد)»: سيأتى معنى الشهيد واشتقاقه فى (كتاب الجهاد).
* قوله: ((حتى مروا على رجل)):
(ق): هذا الرجل هو المُسمَّى بمِدْعَم، وكان عبداً للنبيِّ وََّ، فبينا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٣).
(٣) انظر: شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٨).
٢٢٩

هو يَحُطُّ رَحْلَ النبيِّ وَِّ، إذا أصابه سَهْمٌ، فقال الناس: هنيئاً له الجنّة، فقال
النبيُّ ◌َ﴿: (كَلا) هذا رَدْعٌ لهم وزَجْرٌ عن الحكم بالشَّهادة له(١).
(ن): وقيل: إنه غير مِدْعَم، لما في رواية البخاري: أن اسمه:
(حَرْكِرَةُ)(٢).
* قوله : ((إني رأيته في النار)):
(ق): ظاهره أنها رؤية عَيْن ومُشاهدة، لا رؤيا منام، فهو حُجَّةٌ لأهل
السنة على قولهم: إن الجنة والنار قد خلقتا ووُجدتا، وفيه أن بعض مَنْ يدخل
النارَ يدخلها ويُعذَّب فيها قبل يوم القيامة، ولا حُجَّةَ فيه للمُكَفِّرة بالذُّنوب،
لأنا نقول: إن طائفة من المؤمنين يدخلون النارَ بذُنوبهم، ثم يَخرُجون منها
بتَوحيدِهم، أو بالشَّفاعة لهم، فيجوز أن يكون هذا الغالُّ منهم(٣).
(ن): ((البردة)) بضم الباء: كِسَاء مُخَطَّط، وهي الشَّمْلَةُ والنَّمِرةُ، وقال
أبو عُبيد: كِساءٌ أسودُ فيه صِغَر، وجمعها: بُرَد بفتح الراء(٤).
(ق): هي كِسَاءٌ صغير مُربَّع يلبسُه الأعرابُ، قاله الجوهرُّ، وقيل :
هي الشَّمْلةُ المُخَطَّطة، وهي كِساء يُؤتزر به، و((العَباءة)) ممدود: الكِساءِ(٥).
(ن): يقال فيها: (عباية) بالياء أيضاً، وقوله: ((في بردة))؛ أي: من
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٢١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٢١).
(٤) انظر: «شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٨)، وفيه: «فيه صور) بدل: ((فیه صغر)).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٢١).
٢٣٠

أجلها وسببها، انتهى(١).
ويحتمل أنه وَ ﴿ رآه في ذلك الكساء أو العَباء؛ أي: كان مُشتَملاً به
لابساً به، كما في رواية أخرى: ((إن الشَّمْلةَ لتَلْتَهِبُ عَليهِ ناراً»(٢).
وسبق معنى الغُلول في (الحديث العاشر) من هذا الباب.
(ن): فيه: غِلَظ تحريم الغُلول، وفيه: أنه لا فرق بين قليله وكثيره،
حتى الشِّرَاك.
وفيه: أن الغُلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على الغَالِّ إذا قُتْل.
وفيه: أن مَنْ غَلَّ شيئاً من الغنيمة يجب عليه رَدُّه، وأنه إذا رَدَّه يُقبل
منه .
ولا يُحرق مَتاعه، رَدَّه أو لم يَردُّه، فإنه ◌َِّ لم يحرق مَتَاعَ صاحب
الشِّراك، كما رواه مسلم، ولو كان واجباً لفعله، ولو فعله لَنْقِل.
وأما حديث: ((مَن غَلَّ فَأَحرِقُوا مَتَاعَهُ واضرِبُوهُ))(٣)، وفي رواية:
((واضرِبُوا عُنُقَهُ))(٤): فضعيفٌ، قال الطَّحَاويُّ: ولو كان صحيحاً لكان
منسوخاً، انتھی(٥).
بقيةُ هذا الحديث: (ثم قال رسولُ اللهِ وَّهُ: يا بنَ الخَطَّاب! اذهَبْ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٨)
(٢) رواه مسلم (١١٥)، من حديث أبي هريرة ظُه
(٣) رواه أبو داود (٢٧١٣)، من حديث عمر بن الخطاب ظُه، وهو حديث ضعيف.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٧١٧).
(٤) انظر: ((شرح مشكل الآثار)) للطحاوي (١٠ / ٤٤٨).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٠).
٢٣١

فنادِ في النَّاسِ: ألا إنه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ المُؤمنونَ)، قال: فخرجتُ،
فناديت في الناس: ألا إنه لا يَدخُلِ الجَنةَ إلا المُؤمنونَ).
(ط): فإن قلت: الكلامُ في الشهادة لا في الإيمان، فما معنى هذا
القول؟
قلت: هو تغليظُ واردٌ على سبيل المُبالغة، [يعني]: جزمهم أنه من
الشُّهداء وأنه من أهل الجنة، وقد رأيتُه في النار، فدعوا هذا الكلامَ؛ لأن
الكلامَ في إيمانه، زَجْراً ورَدْعاً عن الغُلول(١).
٢١٧ - وعن أَبِي قَتَادَة الحارِثِ بْنِ رِبْعِيٍ ﴾، عن
رَسُولِ اللهِ وَّهِ: أنَّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الچِهَادَ في سَبيلِ اللهِ
وَالإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ!
أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ الله، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَاي؟ فَقَالَ لَهُ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ في سَبيلِ الله وَأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ،
مُقْبِلٌ غَيْرُ مُذْبِرٍ))، ثُمَّ قال رسولُ اللهِ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟))، قال:
أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ الله، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِر،
إِلَّ الدَّيْنَ؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ قال لِي ذلِكَ)) رواه مسلم.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٧٨٠).
٢٣٢

(الجُمَّيُعَبيَّة)
(ن): ((المحتسب)) هو المُخْلِص لله، فإن قاتل لعَصَبِيَّة، أو لغَنيمة،
أو لصِيتٍ، أو نحو ذلك، فليس له هذا الثوابُ ولا غیرُه(١).
وقوله: ((مقبلاً غير مدبر)) احترازٌ مِمَّن يُقبِلُ في وقت ويدبر في وقت.
(ط): يجوز أن يكون ((غير مدبر)) تأكيداً، على منوال قولهم: أمسٍ
الدَّابر، لأن الكَرَّ والفَرَّ، في المُبارزة مَحمودٌ، وقوله: ((إلا الدَّين)) استثناءٌ
مُنْقِطِعٌ، ويجوز أن يكون مُتَّصلاً(٢).
(تو): أراد بالدّين هاهنا ما يتعلَّق بذِمَّته من حُقوق المسلمين، إذ
ليس الدَّائنُ أحقَّ بالوَعيد والمُطالبة منه من الجَاني، والغَاصِب، والخَائن،
والسَّارق.
(ق): لكن هذا كلُّه إذا امتنع من أداء الحُقوق معَ تَمكّنه منه، أما إذا
لم يجد للخُروج من ذلك سبيلاً، فالمَرجُوُّ من كرم الله إذا صَحَّت توبته
وصَدَق في قَصْده أن يُرضيَ خُصومَه، كما في حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ
المَشهور، ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن هذا إنما كان قبل قوله عليه
الصلاة والسلام: ((مَنْ تركَ دَيَّناً أو ضَياعاً، فعَلَيَّ))(٣) يشير بذلك إلى أن
حديث أبي قتادة منسوخٌ، فإنه قولٌ باطِلٌ منسوخٌ، فإن المقصودَ من قوله:
((فعليَّ)) بيانُ أحكام الدُّون في الدُّنيا، فإن من أحكامها دوامَ المُطالبة.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٦٣٥).
(٣) رواه مسلم (٨٦٧)، من حديث جابر ◌ُه
٢٣٣

وحديث أبي قتادة لم يَتعرَّض لهذه الأحكام، وإنما تَعرَّضَ لمغفرة
الذُّنوب فقط، هذا إذا قلنا: إن هذا ناسخٌ، وأما إذا حَقَّقنا النظرَ فيه: فلا
يكون ناسخاً، وإنما غايتُه أنه وَّهِ على مقتضى كَرَم خُلُقه تحمَّل عن المُعسر
دينَه، ويدلُّ عليه قولُه: ((أنا أَوْلَى بَكُلٌ مُؤمنٍ من نَفْسِهِ)(١)، فعلى هذا:
يكون هذا التحمُّل مَخصوصاً به، أو من جُملة تبرُّعَاته لمَّا وسَّع الله عليه
وعلى المُسلمين(٢).
(ن): فيه: هذه الفضيلة العظيمة للمُجاهد، وهي تكفير خطاياه إلا
حُقوقَ الآدميين، وإنما يكون التكفير بهذه الشروط المذكورة، وفيه: أن
الأعمالَ لا تنفعُ إلا بالنية والإخلاص.
وأما قوله {يَّر: ((نعم))، ثم قوله بعد ذلك: ((إلا الدين)): فمحمولٌ
على أنه أُوحي به في الحال، ولهذا قال: ((قال لي جبريل))(٣).
(ق): فيه: جواز تأخير الاستثناء قَدْراً يسيراً، وقد يجاب عنه بأنه لمّا
أراد أن يستثنيَ، أعاد اللفظ الأول، ووصل الاستثناءَ به في الحال، فلا
يجوز التأخير، إذ الاستثناء والتَّخصيصُ وغيرُهما الصادرةُ عنه عليه الصلاة
والسلام كلٌّ من عند الله، لا من عنده ◌َ﴿ بالاجتهاد، انتهى (٤).
وفيه: غِلَظُ حُرمة حقوق الآدميين، فإن الذي قُتل في سبيل الله صابراً
(١) رواه مسلم (٨٦٧ / ٤٣)، من حديث جابر څ.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧١٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧١٥).
٢٣٤

مُحتسباً مُقبلاً غيرَ مُدبر، معَ ما نال من رِفعة المَنازل ودرجة الشهادة وغُفرانِ
جميع خطاياه، لا يُكَفَّر عنه مَظالِمُ العباد، فكيف بالمُقصِّر المُخلِّط؟!
٢١٨ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه: أن رسولَ الله وَّهِ قال: ((أَتَدْرُونَ
مَا المُفْلِسُ؟))، قَالُوا: المُفْلِسُ فِيْنَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فقال:
(إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ،
وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هذَا، وَقَذَفَ هذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هذا،
وَضَرَبَ هذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ
حَسَنَتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ،
ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) رواه مسلم.
السََّسَ عَّ
* قوله ◌َّةٍ: ((ما المفلس؟)):
(ط): كذا في ((صحيح مسلم)) و((الترمذي))، و((كتاب الحميدي))،
و((جامع الأصول))، و((شرح السنة))(١)، فعلى هذا: السُّؤالُ عن وَصف
المُفلِس، لا عن حقيقته، ومِن ثَمَّ أجاب ◌َّهِ بوصفه في قوله: ((شتم))،
(١) انظر: ((صحيح مسلم)) (٢٥٨١)، و((سنن الترمذي)) (٢٤١٨)، و((الجمع بين
الصحيحين)) للحميدي (٢٧٤٠)، و((جامع الأصول)) لابن الأثير (٧٩٥٩)،
و((شرح السنة)) للبغوي (١٤ / ٣٦٠).
٢٣٥

((وقذف))، ((وأکل)).
وفي ((مشارق الأنوار))، وبعض نسخ ((المصابيح)): ((مَن المفلس؟))،
وهذا سؤال إرشاد لا استعلام، ولذلك قال: ((إن المفلس كذا وكذا))(١).
(ق): هكذا صَحَّت الرواية بـ (ما) وقعت [هنا] على مَنْ يعقل، وأصلها
لما لا يعقل، و((المفلس)) اسم فاعلٍ من أَفْلَسَ: إذا صار مُفلِساً؛ أي: صارت
دراهمُهُ فُلوساً، كما يقال: أجبن الرجلُ: إذا كان أصحابُه جُنباءَ، وأقطف: إذا
صارت دابته قطوفاً، ويجوز أن يُراد: أنه صار إلى حال يقال فيه: ليس معه
فُلَيْسٌ، كما يقال: أَقْهَرَ الرَّجلُ: إذا صار إلى حال يُقْهَر عليها، وأَذلَّ الرجلُ:
صار إلى حال يُذَلُّ فيها(٢).
(ن): معناه: أن هذا حقيقةُ المُفلِس، فأما مَنْ ليس له مالٌ، أو قَلَّ
مالُهُ: فالناسُ يُسُونه مُفلِساً، وليس هو حقيقة المُفلِس، لأن هذا أمرٌ يزول
وينقطع بمَوته، وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، بخلاف
هذا المُفلِس، فإنه الهالك الهلاكَ التامّ، والمُعدِمُ الإعدام المُنقطِعَ .
وزعم بعضُ المبتدعة أن هذا الحديثَ مُعارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٣).
وقد سبق الجوابُ عنه في (الحديث الثامن) من هذا الباب.
(ق): أي: أن هذا أحقُّ باسم المُفلِس، إذ يُؤخذ منه أعمالُه التي
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٥٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٦٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٥).
٢٣٦

تعِبَ في تصحيحها بشروطها حتى قُبلت منه، فلمَّا كانت في وقت فَقْرِهِ
إليها ومَنفعته بها، أُخذت منه، ثم طُرِحَ في النار، ففيه دلالةٌ على وُجوب
السَّعي في التخلّص من حُقوق الناس بكل مُمكن، والاجتهادِ في ذلك، فإن
لم يمكن، فالإكثار في الأعمال الصالحة، فلعل بعدما أخذ ما عليه يبقى له
بَقِيَّةٌ راجحةٌ، والمَرجُوُّ من كرم الكريم لمن صَحَت في الأداء نيتُهُ، وعجَزت
عن ذلك قُدرتُه، أن يرضيَ الله عنه خُصومَه، فيغفر للطَّالِب والمطلوب،
ويُوصلهم إلى أفضل مَحبوب(١).
وفيه: دلالةٌ على أن الصيامَ يُؤخذ فيما عليه من الحُقوق، كسائر
الأعمال، خلافاً لمَن زعم أنه لله ليس لأحد من أصحاب الحُقوق أن يأخذَ منه
شيئاً، لما رُوي: ((الصَّوْمُ لي))(٢)، وقد كنتُ أَستحسِنُهُ إلى أن عثرتُ على هذا
الحدیث.
٢١٩ - وعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أَن رسولَ اللهِوَّه قال:
(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ
بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌ
أَخِيهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٦٣).
(٢) رواه البخاري (٧٠٥٤)، من حديث أبي هريرةله، ومسلم (١١٥١ / ١٦٥)،
من حديث أبي هريرة وأبي سعيد
٢٣٧

(ألْحَنَ)) أَيْ: أَعْلَمَ.
(الشََّاءُ عَيْشَرٌ)
(ن): ((ألحن)) بالحاء المهملة: أعلم وأبلغ في الحُجَّة (١).
(غب): أي: أَلَسَنَ وأَفصحَ وأَبينَ كلاماً، وأَقْدَرَ على الحُجَّة، وأَلحنَ
في الكلام: صَرفَه عن سَنَتَهِ الجاري عليه، إما بإزالة الإعراب، أو
التّصْحِيف، وهو المَذمومُ، وذلك أكثر استعمالاً(٢).
(تو): إنما ابتدأ في الحديث بقوله: ((إنما أنا بشر))، تنبيهاً على أن
السَّهْوَ والنَّسيانَ غيرُ مستبعَد من الإنسان، وأن الوضعَ البشريّ يقتضي أن لا
يُدرِكَ من الأُمور إلا ظواهرَها، فإنه خُلق خَلْقاً لا يسلم من قضايا تحجُبُهُ
عن حقائق الأشياء، ومن الجائز أن يسمعَ الشيءَ فيسبقَ إلى وَهَمه أنه
صِدْقٌ، ويكون الأمر بخلاف ذلك، يعني: إن تُركْتُ على ما جُبلْتُ عليه
من القضايا البشرية، ولم أُؤْيَّدْ بالوَحْي السَّماويِّ، طرأ عليَّ منها ما يطرأ
على سائر البشر.
فإن قيل: أوَلم يكن النبيُّ ◌َّهِ مَصُوناً في أقواله وأفعاله، مَعصُوماً على
سائر أحواله؟
قلنا: إن العِصْمةَ تتحقق فيما يُعدُّ عليه ذنباً، ويَقصده قصداً، وأما
[ما] نحن فيه: فليس بداخل في جملته، فإن الله تعالى لم يُكلِّفه فيما لم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٥).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٧٣٩).
٢٣٨

ينزل عليه إلا ما كلَّف غيرَه، وهو الاجتهاد في الإصابة، ويدل على هذا
ما روت أُمُّ سَلمةَ رضي الله عنها: ((إنَّمَا أَقَضِي بَيَنكُم برَأْيِي فِيمَا لُمْ يُنْزَلْ
علَيَّ)).
(ن): معناه: التنبيه على الحالة البشرية، وأن البشرَ لا يعلمون من
الغَيْبِ وبَواطن الأُمور شيئاً، إلا أن يُطلِعَهم الله على شيء من ذلك، وأنه
يجوز عليه في أُمور الأحكام ما يجوز عليهم، وإنما يحكم بين الناس
بالظاهر، والله يتولى السَّرائر، فيحكم بالبَيِّنة وباليمين مع إمكان كونه في
الباطن خلافَ ذلك، وهذا نحو قوله ◌َّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى
يَقُولوا: لا إِلهَ إِلَّ الله﴾ الحديثَ(١).
وفي حديث المُتلاعِنَين: (لَوْلا الإِيمانُ، لكانَ لِي ولها شَأْنٌ)(٢).
ولو شاء الله لأطلعه على باطن أمر الخَصْمَين، فحكم بيقينٍ من غير
حاجةٍ إلى شهادةٍ ويمين، ولكن لمَّا أمر الله تعالى أُمَّتَه باتِّباعه والاقتداءِ
بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى عليه حُكمَهم في عدم الاطّلاع على باطن
الأمور، لیکون حُكمُ الأمة في ذلك حُكمه، فأجری الله تعالی أحكامه على
الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيرُه، ليصِحَّ الاقتداءُ وتطيبَ نفوس العباد في
الانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظرٍ إلى الباطن.
فإن قيل: هذا الحديث ظاهرُه أنه ◌َِّ يقع منه حكمٌ في الظاهر مُخالفٌ
للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه مَّ [لا] يُقَرُّ على خطأ في الأحكام.
(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢)، من حديث ابن عمر ظائًا.
(٢) رواه البخاري (٤٤٧٠)، من حديث ابن عباس ظا
٢٣٩

فالجواب: أن مُرادَ الأُصوليين فيما حكم باجتهاده، فمن جَوَّز منهم
فيه الخطأ، قالوا: لا يُقَرُّ علی إمضائه، بل يُعلِمُه الله به، ويتداركُه، وأما في
الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد، كالبينة، واليمين، فالحكم على
هذا لا يُسمَّى خطأ، بل الحكم صحيح، بناءً على ما استقرَّ به التكليفُ،
وهو وجوب العمل بشاهدين أو بيمين، فإن كانا شاهِدَي زُور، فالتقصير
منهما ومِمَّن ساعدهما، فأما الحاكم: فلا حِيلةَ له في ذلك، ولا عَتْبَ عليه
بسببه، بخلافٍ ما إذا أخطأ في الاجتهاد.
وفيه دلالةٌ لمذهب مالك والشافعيِّ وأحمدَ والجماهير: أن حُكمَ
الحاكم لا يُحِيل الباطن، ولا يُحِلُّ حراماً، فإذا شهد الإنسان بمالٍ، فحكم
به الحاكم، لم يَحِلَّ للمَحكوم عليه ذلك المالُ، وإن شهدا أنه طَلَّق امرأته،
لم يَحِلَّ لمَن علم كذبَهما أن يتزوجها بعد حُكم القاضي بالطلاق.
وقال أبو حنيفة: يُحِلُّ حكمُ الحاكم الفَروجَ دون الأموال، فقال:
يَحِلُّ نكاح المذكورة، وهذا مخالفٌ لهذا الحديث الصَّحيح، ولإجماع مَن
قبلَه، ومُخالفٌ لقاعدةٍ وافق هو وغيرُه عليها، وهي: أن الأَبْضَاعَ أولى
بالاحتياط من الأموال، والتقييد بـ ((أخيه)) خرجَ مَخْرِجَ الغالب، وليس
المراد الاحترازَ به عن الكافر، فإن مال الذمِّي، والمُعاهَد، والمُرتد في هذا
كمال المسلم(١).
* قوله وقيل: ((فإنما أقطع له قطعة من النار)):
(ن): معناه: إن قضيتُ له بظاهرٍ يُخالف الباطنَ، فهو حرامٌ يَؤُولُ به
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٥).
٢٤٠