Indexed OCR Text

Pages 21-40

(قض): هم الأربعة، ومن سار سَيْرَهم، وأئمةُ الإسلام المجتهدون
في الأحكام؛ فإنهم خلفاء الرسول وَّه في إحياء الحَقِّ، وإعلاء الدِّين،
وإرشاد الخَلْق إلى الطريق المستقيم(١).
(تو): وإنما ذكر سُنَّتهم في مقابلة سنته لأمرين:
أحدهما: أنه علم أنهم لا يخطئون سُنَّتَه فيما يستخرجون من سنته
بالاجتهاد، ومن هذا الباب قتالُ أبي بكر عه مانعي الزَّكاة، وقتالُ عليٍّ ◌َظُه
المَارقةَ، وقد تعلَّق بذلك أحكامٌ كثيرة.
وقد بلغنا عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لولا عليٌّ ﴿ه؛ ما كنا ندري
أحكامَ أهل البَغْيِ.
والثاني: أنه ◌َِّ علم أن بعضاً من سُننه لا تشتهر في زمانه، وإن عَلِمَه
الأفرادُ من صحابته، ثم يشتهر في زمان الخُلفاء، فيضاف إليهم، فربما
يَسْتَذْرِعُ أحدٌ إلى رَدِّ تلك السنة بإضافتها إليهم، فأطلق القولَ باتباع سُنَهم؛
سَدّاً لهذا الباب، ومن هذا النوع مَنْعُ عمر ◌َظُه عن بيع أُمَّهات الأولاد، وله
نظائرٌ كثيرةٌ .
و((النواجذ)): الأضراس، وقيل: الضواحك، وقيل: الأنياب، والعَضُّ
بالنواجذ: مُبالغةٌ في التمسك بهذه الوَصِيَّة بجميع(٢) ما يمكن من الأسباب
المُعِينة عليه؛ كمن يتمسَّك بالشيء ثم يستعين عليه بأسنانه استظهاراً للمحافظة.
ويجوز أن يكون معناه: المُحافظةَ على هذه الوصية بالصبر على
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٣٧).
(٢) في الأصل: ((يجمع على ما)).
٢١

مُقاساة الشَّدائد؛ كمن أصابه ألَمٌ، فأراد أن يصبرَ عليه ولا يستغيثَ بأحد،
ولا يريد أن يظهرَ ذلك عن نفسه، فيَشُدَّ بأسنانه بعضها على بعض.
(حس): في الحديث دليلٌ على أن واحداً من الخُلفاء الرَّاشدين إذا قال
قولاً وخالفه غيرُه من الصحابة؛ كان المصير إلى قوله أولى، وإليه ذهب
الشافعيُّ في القديم، قال: والحديث يدل على تفضيل الخُلفاء الراشدين على
غيرهم من الصحابة، وترتيبُهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة(١).
(ط): ((المحدثات)) بالفتح جمع مُحْدَثة، والمراد بها: البدَعُ والضَّلالات
من الأفعال والأقوال؛ يعني: كلّ خَصْلة أُتي بها جديداً فهي مُخالِفةٌ للسُّنة،
وكل مُخالَفة للسُّنة ضلالة.
(ن) في ((تهذيب الأسماء)): ((كل بدعة ضلالة)) عامّ مخصوص؛ كقوله
تعالى: ﴿تُدَمِرُكُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل:
٢٣]، والمراد بها: غالبُ البدعة، والبدعة: كل شيء عُمِلَ على غير مثال
سابق، وفي الشرع: إحداث ما لم يكن على عهد رسول الله وَل﴾(٢).
قال الشيخ المُجْمَعُ على إمامته وجلالته أبو مُحمَّد عبدُ العزيز بن عبد
السَّلام في آخر كتاب ((القواعد)»: البدع منقسمة إلى خمسة أقسام:
ــ واجبة: كالاشتغال بعلم النحو الذي يُفهم به كلامُ الله تعالی وکلامُ
رسول الله وَ الر؛ لأن حفظَ الشريعة واجبٌ، ولا يتأتى إلا بذلك، وما لا يتمُّ
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٢٠٧).
(٢) لم نقف عليه في ((تهذيب الأسماء واللغات)) وانظر: ((شرح مسلم)) للنووي
(٦ / ١٥٤).
٢٢

الواجب إلا به فهو واجب، ولحفظ غريب الكتاب والسنة، وكتدوين أصول
الفقه، والكلام في الجَرْح والتعديل، وتمييز الصَّحيح من السَّقيم.
ـ ومُحرَّمة: كمذهب الجَبْريةِ والقَدَرية والمُرجئة والمُجَسِّمة، والردُّ على
هؤلاء من البدع الواجبة؛ لأن حفظ الشريعة من هذه البدع فرضُ كفاية.
- ومندوبة: كإحداث الرُّبَط والمدارس، وكل [ما] لم يعهد في
العصر الأول، وكالتراويح، والكلام في دقائق التصوُّف، وكَجَمْع المَحافِل
للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالی.
- ومكروهة: كزخرفة المساجد، وتزويق المصاحف.
ـ ومباحة: كالمُصافحة عقيب الصُّبح والعصر، والتوسُّع في لَذائذ
المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، وتوسيع الأَكْمَام، وقد اختلف
في كراهية بعض ذلك.
روى البيهقيُّ عن الشافعيِّ في كتاب ((مناقبه)): المُحْدَثات من الأمور
ضربان :
ما أُحدث مِمَّا يخالف كتاباً، أو سُنَّة، أو إجماعاً، أو أَثْراً؛ فهذه البدعة
الضلالة.
وما أُحدث في الخير، لا خلاف فيه لواحد من المذكورات؛ فهذه
مُحْدَثةٌ غير مذمومة.
وقد قال عمر ظُه في قيام شهر رمضان: نِعْمَتِ البدعةُ هذه(١)؛ يعني:
(١) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ١١٤)، وهو أثر صحيح. انظر: ((صلاة التراويح))
(ص: ٤٩).
٢٣

أنها مُحدَثةٌ لم تكن، وإذا كانت؛ ليس فيها رَدٌّ لِمَا مضى، هذا آخر كلام
الشافعي ۶﴾(١).
١٥٨ - الثَّالثُ: عَنْ أَبي هريرةََ: أَنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قالَ:
(كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلاَّ مَنْ أَبَى)). قِيلَ: وَمَنْ يَأْبَى يا رسولَ الله؟
قالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)) رواه البخاري.
١٥٩ - الرَّابعُ: عن أبي مسلمٍ - وقِيلَ: أبِي إِيَاسٍ - سَلَمَةَ بْنِ
عَمْرِو بْنِ الأكْوَعِ : أَنَّ رَجُلاً أُكَلَ عنْدَ رسولِ الله ◌َِّ بِشِمَالِهِ،
فقالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ))، قالَ: لا أَسْتَطِيعُ. قالَ: ((لا اسْتَطَعْتَ))، ما مَنَعَهُ
إلاَّ الكِبْرُ، فَمَا رَفَعَهَا إلَى فِهِ. رواه مسلم.
١٦٠ - الخَامِسُ: عَنْ أبي عبدِ الله التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَ﴾ قال:
سَمِعْتُ رسولَ الله ◌َّهِ يقولُ: (لَتُسَؤُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ
بَيْنَ وُجُوهِكُمْ)) متفقٌ عليهِ.
وفي روايةٍ لِمسلمٍ: كانَ رسولُ اللهِلَّهِ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى
كأنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ
يَوماً، فقامَ حَتَّى كَادَ أنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ، فَقَالَ:
((عِبَادَ اللهِ! لَتُسَؤُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُومِكُمْ)).
(١) انظر: ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)) للعز بن عبد السلام (٢/ ١٧٢).
٢٤

(الثَّالِثُ إلىّ ◌ِأَ صْبَيْنِ)
* قوله لفر: ((كل أمتي)):
(ط): يحتمل أن يراد أُمَّةُ الدَّعوة؛ أي: كلهم يدخلون الجنة، فالآبي
هو الكافر، وأن يراد بها أُمَّةُ الإجابة، فالآبي هو العاصي من أمته، استثناهم
تغليظاً عليهم، وزجراً عن المعاصي .
و ((من أبى)): عطف على محذوف؛ أي: عرفنا الذين يدخلون الجنة،
ومن الذي أبى؟ أي: والذي أبى لا نعرفه، وكان من حَقِّ الجواب أن يقال:
مَنْ عصاني، فعدل إلى ما هو عليه تنبيهاً على أنهم ما عرفوا ذلك ولا هذا،
إذ التقدير(١): من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار، فوضع
((أبى)) موضِعَه؛ وضعاً للسبب موضعَ المُسبَّب(٢).
قوله: ((أن رجلاً)):
(ن): هذا الرجل هو بُشْر - بضم الباء والسين المهملة - بن راعي العَيْر
بفتح العين المهملة والمثناة، وهو صحابيٌّ مشهور، وأما قول القاضي: [إن
قوله: ((ما منعه إلا الكبر)) يدل على أنه كان منافقاً فليس بصحيح؛ فإن مجرد
الكبر والمخالفة لا يقتضي] (٣) النِّفاقَ والكفر، لكنه معصية إن كان الأمر أمرَ
إيجاب(٤).
(١) في الأصل: ((فقال)) مكان: ((إذ التقدير))، والمثبت من ((شرح المشكاة)) للطيبي.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٠٦).
(٣) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٢).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٢).
٢٥

(ق): ((لا استطعت)) دعاء منه وَ ﴿ عليه؛ لأنه لم يكن له في ترك الأكل
باليمين عُذرٌ، وما منعه إلا الكِبْرُ، وقد أجاب الله تعالى دعاء نَبَيِّهَ وٍَّ حتى
شَلَّت يمينُه، فلم يرفعها إلى فيه بعد ذلك اليوم(١).
(ن): فيه: جواز الدُّعاء على مَنْ خالف الحكمَ الشَّرعيَّ بلا عُذر،
وفيه: الأمر بالمعروف والنهيُ عن المُنكر على كُلِّ حال، حتَّى في حال الأكل،
واستحبابُ تعلیم الآکل إذا خالفه، انتهى(٢).
وفيه: مُعجزةٌ ظاهرة لرسول الله وَله.
(ط): ((ما منعه إلا الكبر)) هو من قول الراوي، ورد استئنافاً لبيان
مُوجَب دعاء النبيِّ وَِّ، كأن قائلاً قال: لمَ دعا عليه، وهو رحمة للعالمين؟
فأجيب: بأن ما منعه من الأكل باليمين العَجْزُ، بل الكِبْرُ(٣).
* قوله يتلقى: ((لتسون صفوفكم)):
(قض): اللام فيه هي التي يُتلقَّى بها القَسَمُ، ولكونه في مَعرِض قسمٍ
أكَّده بالنون المشددة، و((أو)) للعطف، رَدَّد بين تسويتهم للصُّفوف، وما هو
كاللازم لنقيضها (٤).
(ط): مثل هذا التركيب مُتضمِّنٌ للأمر توبيخاً وتهديداً؛ أي: ليكونن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٩٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٢).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٨٢).
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٣٥).
٢٦

أحدُ الأمرين؛ إما تسوية صفوفكم، أو أن يخالفَ الله بين وجوهكم(١).
(نه): أراد وُجوهَ القلوب؛ لما ورد: ((ألا، ولا تَخْتَلِفُوا فتختلفَ
قُلوبُكمْ))؛ أي: هواها وإرادتها(٢).
(ن): قيل: معناه: يَمسخُها ويُحوِّلها عن صُورتها؛ لقوله ◌َّهِ: (يَجْعلُ
اللهُ صُورتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ)(٣)، وقيل: يغير صفتَها، والأظهر - والله أعلم - أن
معناه: يوقعُ بينكم العداوةَ والبَغْضاءَ، واختلافَ القلوب؛ كما يقال: [تغيَّر]
وجه فلان عليَّ؛ أي: ظهر لي من وجهه كراهتُه لي وتَغيُّرُ قلبهِ عليَّ؛ لأن
مُخالفتَهم في الصُّفوف مُخالفةٌ في ظواهرهم، واختلافُ الظواهر سببٌ
لاختلاف البواطن (٤).
(قض): تقديم الخارج صدرَهُ عن الصفِّ تَفَوُّقٌ على الداخل، وذلك
يؤدي إلى وقوع الضَّغِينة(٥).
(مظ): أَدِبُ الظاهر علامةُ أدب الباطن؛ أي: فإن لم تطيعوا أمرَ الله
وأمرَ رسوله في الظاهر؛ يؤدي ذلك إلى اختلاف القُلوب، فيورتُ كُدورةً،
فيسري ذلك إلى ظَواهركم، فتقعُ بينكم العَداوةُ(٦).
(ط): يؤيد أن المراد باختلاف الوجوه اختلاف الكلمة قولُ أبي
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ /١١٤٠).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٥٧).
(٣) رواه البخاري (٦٥٩)، من حديث أبي هريرة ضـ
به .
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٧).
(٥) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٣٥).
(٦) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٢٢٣).
٢٧

مسعود: ((أنتم اليومَ أشدُّ اختلافاً)(١) لعله أراد الفتنَ التي وقعت بين الصّحابة،
و(أشد) يحتمل أن يجريَ على المُبالغة من وضع (أفعل) مقام اسم الفاعل؛
أي: فأنتم اليوم في اختلاف لا مزيدَ عليه(٢).
(ن): ((القداح)): هي خشبة السِّهام تنحت وتسوى، واحدتها: قِدْح
بكسر القاف، معناه: بالغ في تسويتها حتى تصيرَ كأنها تُقوَّمُ بها السِّهام؛
لشدة استوائها واعتدالها(٣).
(ط): روعي في قوله: ((يسوى بها القداح)) نُكْتَةٌ؛ لأن الظاهر أن
يقال: كأنما يسويها بالقِداح، والباء للآلة؛ كما في قوله: كتبت بالقلم،
فعكَس، وجعل الصُّفوف هي التي يُسوَّى بها القِداحُ؛ مبالغةً في استوائها .
وقوله: ((حتى رأى أنا قد عقلنا عنه))؛ يعني: لم يبرح يُسوِّي صُفوفنا
حتى استوينا استواء أراده منا، وتَعقَّلناهُ عن فعله(٤).
* قوله: ((فقام حتى يكبر فرأى رجلاً بادياً صدره، فقال: لتسون
صفوفكم)) :
(ن): فيه: الحَثُّ على تسويتها، وجواز الكلام بين الإقامة والدُّخول
في الصلاة، وهو مذهبنا ومذهبُ جماهير العلماء، سواء كان الكلام
لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة(٥).
(١) رواه مسلم (٤٣٢ / ١٢٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٤١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٧).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٤٠).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٧).
٢٨

(ق): خلافاً لأبي حنيفة في أنه قال: يجب عليه التكبير إذا قال: قد
قامت الصلاة، وقد اختلف العلماء في جواز الكلام حينئذ وكراهته(١).
(ك): فإن قلت: التَّسويةُ سُنَّة، والوَعيدُ على تركها يدل على أنها
واجبة.
قلت: هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد؛ تأكيداً وتحريضاً على
فعلها .
فإن قلت: بابُ المُفاعلة يقتضي المشاركةَ، وليس الله مُشاركاً لغيره
في المُخالفة .
قلت: معناه: ليُوقِعِنَّ اللهُ المُخالفةَ؛ لقرينة لفظ ((بين))، والمراد من
الوجه: إما الذَّاتُ، والمخالفةُ بحسَب المقاصد، وإما العُضْوُ المَخصوصُ؛
فالمُخالفة إما بحسَب الصُّورة الإنسانية وغيرها، وإما بحسَب الصِّفة، وإما
بحسَب القُدَّام والوَراء(٢).
١٦١ - السَّادِسُ: عن أبي موسى ﴿﴾، قال: احْتَرِق بَيْتٌ
بِالمَدِينَةِ علَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِشَأْنِهِمْ،
قال: ((إِنَّ هَذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)) متفقٌ
عليه .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٤).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٩٣).
٢٩

(الَّارِيُ) (١)
* قوله: ((على أهله):
(ط): إما حال؛ أي: ساقطاً عليهم، أو متعلق بـ ((احترق))؛ أي: ضَرَرُه
عليه(٢).
* قوله ويتاجر: ((فأطفئوها عنكم» :
(ن): هذا عامٌّ يدخل فيه نار السِّراج وغيرها، وأما القناديلُ المُعلَّقة
في المساجد وغيرها: فإن خِيفَ حريقٌ بسببها؛ دخلت في الأمر بالإطفاء،
وإن أُمِن ذلك كما هو الغالبُ؛ فالظاهر أنه لا بأس بها؛ لانتفاء العِلَّة؛ لأن
النبيَّ ◌َّهِ عَلَّلَ الأمرَ بالإطفاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: بأَنَّ
الفُوَيسِقةَ تُضْرِمُ على أَهْلِ البيت بيتَهُم، فإذا انتفت العِلَّة زال(٣) المنع.
والمراد بالفُوَيْسِقَة: الفأرةُ، وتُضْرم: بالتاء والضاد؛ أي: تُحرق سريعا٤ً).
١٦٣ - الثَّامِنُ: عن جابرٍ﴿ه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَثَلِي
وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَ الجَنَادِبُ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ
فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ
(١) في الأصل: ((التاسع)).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٨٨).
(٣) في الأصل: ((ونال)).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٨٧).
٣٠

منْ بَدَيَّ» رواه مسلم.
(الجَنَادِبُ)): نَحْوُ الجَرَادِ وَالفَرَاشِ، هَذَا هُوَ المَعْرُوفُ الَّذِي
يَقَعُ فِي النَّار. ((وَالحُجَزُ)): جَمْعُ حُجْزَةٍ، وَهِيَ مَعْقِدُ الإِزَارِ وَالسَّرَاويل.
[القَافُ)]
* قوله : ((فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها»:
(ن): ((الجنادب)»: جمع جُنْدُب، وفيها ثلاث لغات: بضم الدال
وفتحها، والجيم مضمومة فيهما، والثالث بكسر الجيم وفتح الدال،
و[الجنادب] هذا هو الصَّرَّار الذي يشبه الجراد.
وقال أبو حاتم: هو على خِلْقة الجَراد، له أربعة أجنحة كالجرادة،
وأصغر منها، يطير ويَصِرُّ بالليل صَرَّا شديداً.
و((الفراش)): هو ما تراه كصغار البَقِّ يتهافت في النار.
و((آخذ)) روي بوجهين: أحدهما: اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال،
والثاني: فعل مضارع بضم الذال بلا تنوين، والأول أشهر، وهما صحيحتان.
و ((تفلتون)) روي بوجهين: أحدهما: فتح التاء والفاء واللام المشددة،
والثاني: ضم التاء وإسكان الفاء وكسر اللام المخففة، وكلاهما صحيح،
يقال: أَقْلَتَ مني وتَفَلَّت: إذا نازعك الغلبةَ والهربَ ثم غلب وهرب، شَبَّه
تساقطَ الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحِرْصَهم
على الوقوع في ذلك، مع منعه إياهم، وقبضه على مواضع المَنْع منهم؛
بتساقط الفراش في نار الدُّنيا؛ لهواه وضَعْفٍ تمييزه، وكلاهما حريصٌ على
٣١

هلاك نفسه، ساعٍ في ذلك لجهله(١).
(ط): اعلم أن تحقيق هذا التشبيه موقوفٌ على معرفة قوله تعالى:
﴿َتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛
وذلك أن حدودَ الله مَحارِمُه ونواهيه؛ كما ورد: ((إنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهْ))(٢)،
ورأس المحارم: حُبُّ الدنيا وزينتها، واستيفاء لَذَّاتها وشهواتها، شَبَّه
صلوات الله عليه إظهارَ تلك الحدود باستيقاد الرَّجُل النارَ، وشَبَّه فُشُوَّ ذلك
الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المُستَوقِد،
وشَبَّه الناسَ وعدمَ مُبالاتهم بذلك البيان والكشف، وتعدِّيهم حدود الله،
وحرصَهم على استيفاء تلك اللذَّات والشهوات، ومَنْعَ رسول الله يَّر إياهم
عنه؛ بأخذ حُجَزِهم بالفَراش التي يقتحمن في النار، ويغلبن المُستوقِد على
دفعه إياها عن الاقتحام.
وكما أن المُستوقدَ كان غرضُه من فعله انتفاعَ الخلق به؛ من الاهتداء،
والاستدفاء، وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سبباً لھلاکھا، كذلك كان
القَصْدُ بتلك البيانات اهتداءَ الأمة وامتناعها (٣) عما هو سبب هلاكهم، ومع
ذلك؛ لجهلهم جعلوها موجبةً لتَردِّیھم .
وفي قوله: ((آخذ بحجزكم)) استعارة مَثَّلت حالةً منعه صلوات الله
عليه الأُمَّةَ عن الهلاك بحالة رجل أخذ بحُجْزَةِ صاحبه الذي يَهْوَى أن يَهْوِيَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٠).
(٢) رواه مسلم (٥٩٩/ ١٠٧)، من حديث النعمان بن بشير .
(٣) في الأصل: ((واجتماعها)).
٣٢

في فَعْرِ بئر مُرْدِیَةٍ.
وفيه: إشارة إلى أن الإنسان إلى النذير أَحوجُ منه إلى البشير؛ ولذلك
أفرده تعالى في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نََّ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾
[الفرقان: ١]؛ وذلك لأن جِيلَّةَ الإنسان مائلةٌ إلى الحُظوظ العاجلة دون الآجلة؛
لِمَا قال تعالى: ﴿لََّبَلْ تُونَ الْعَاِلَ ا وَذَرُونَ الْآَخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢١]، فأوجب
فعلَها أولاً؛ ليتمكَّن من تَحرِّي ما يُزْلِفُه إلى الله تعالى، ومِن ثَمَّ قيل:
النَّحلِيةُ بعد التَّخْليةِ.
وفيه: إظهارٌ لرأفته ورحمته على الأُمّة، وحرصه على نجاتهم، كما
قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨](١).
١٦٤ - التَّاسِعُ: عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابعِ
وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: ((إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أَيِّهَا البَرَكَةُ)) رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: ((إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَأْخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ
بِهَا مِنْ أَذِّى، ولْيَأْكُلُهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ
بِالمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ)) .
وفي رواية له: ((إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ
شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أحَدِكُمُ اللَّقْمَةُ،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦١٤).
٣٣

فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذِى، فَلْيَأْكُلْهَا، وَلاَ يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ)).
[الْنَا
* قوله : ((في أيَّةٍ البركة»:
(ط): المضاف إليه محذوف؛ أي: أَيَّةِ أَكلةٍ أو طُعْمة(١).
(ن): معناه: أن الطعام الذي يحضره الإنسانُ فيه بركة، ولا يدري أن
تلك البركةَ فيما أكل أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القَصْعة،
أو في اللُّقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظَ على هذا كلِّ؛ ليُحصِّل البركةَ.
وأصل البركة: الزيادة وثبوتُ الخير، والامتناع عن الشرور، والمراد
هاهنا - والله أعلم -: أن الله قد يخلق الشِّبع في الأكل عند لَعْق الأصابع، أو
القَصْعة، فلا يُترك شيءٌ من ذلك احتقاراً له، ومثل هذا يُفهم من قوله ◌ِّه:
((إذا سَقَطتْ لُقْمة))(٢) فإنها من نِعَمِ الله تعالى، لم تصل إلى الإنسان حتى
سَخَّر الله فيها أهلَ السماوات والأرض(٣).
(ن): ((يمط)) بضم الياء، معناه: يزيل ويُنَجِّي، والمراد بالأذى هاهنا:
المُستقذَرُ؛ من غُبار وتراب وقذَر، ونحو ذلك.
وفيه: استحباب أكل اللُّقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، هذا إذا
لم تقع على موضع نَجِسٍ، فإن تنجست؛ لا بُدَّ من غسلها إن أمكن، فإن
(١) المرجع السابق (٩ /٢٨٣٩).
(٢) رواه مسلم (٢٠٣٣)، من حديث جابر اته
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠٦).
٣٤

تعذَّر أطعمها حيواناً، ولا يُطعمها للشيطان (١).
(تو): إنما صار تركُها للشيطان؛ لأن فيه إضاعةَ نِعَم الله تعالى،
والاستحقارَ بها من غير ما بأس، ثم إنه من أخلاق المُتكبِّرِين، والمانعُ من
تناول تلك اللُّقمة في الغالب هو الكِبْرُ، وذلك من عمل الشيطان.
(ن): فيه: إثبات الشياطين، وأنهم يأكلون، وفيه: جوازُ مسح اليد
بالمِنْدِيل، لكنَّ السُّنةَ أن يكون بعد لَعْقِها (٢).
* وقوله ◌َّي : ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه))
فيه: التحذير منه، والتنبيه على مُلازمته للإنسان في تَصرُّفاته، فينبغي أن
يتأهَّبَ ويتحرَّزَ منه، ولا يغترَّ بما يُزِيِّنْهُ له.
١٦٥ - العَاشِرُ: عن ابنِ عباسٍ ﴾، قال: قَامَ فينَاَ رسولُ اللهِ وَه
بِمَوْعِظَةٍ فقالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلَى اللهِ تَعَالَى
حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَا كُنَ
فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، أَلاَ وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلاَئِقِ يُكْسى يَوْمَ القِيَامَةِ
إِبْرَاهِيمُ نَّهِ، ألا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِ جَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ
الشِّمالِ؛ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أَصْحَابِي، فَيَقَالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا
بَعْدَكَ، فَأَقُول كَما قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) المرجع السابق (١٣ / ٢٠٤).
٣٥

فِهِمْ﴾ إلَى قوله: ﴿اَلْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ -١١٨]، فيُقَالُ لِي:
إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ)) متفقٌ عليه.
((غُرْلاً)): أي: غَيْرَ مَخْتُونِينَ.
(الحَشْر)
(ن): إن الغُرل جمع أَغْرَل، وهو الذي لم يُخْتَن، وبقيت معه غُرْلَتُه،
وهي قُلْفَتُه، وهي الجِلدة التي تقطع في الختان.
والمقصود: أنهم يحشرون كما خُلقوا، لا شيءَ معهم، ولا يُفقد منهم
شيء، حتى الغرلة تكون معهم(١).
(مظ): فائدته: التنبيهُ على إحكام خِلْقته، وأنه خُلق للأبد؛ إذ لم تنقص
أعضاؤه، بل الناقص أُعيد كاملاً، وثلاثتها منصوبٌ على الحال من الضمير في
((محشورون))، و﴿كَمَا بَدَأَنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٣] متعلق بمحذوف دل عليه
﴿تُّعِيدُهُ,﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، تقديره: نعيد الخلقَ إعادةً مثلَ الخلق الأول.
قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيَّنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٣]؛ أي: علينا إنجازُه، و﴿وَعْدًا﴾
نصب على المصدر؛ أي: وَعَدْنا وعداً، ويجوز أن تكون ﴿عَلَيْنَا﴾ صفة
﴿وَعْدًا﴾؛ أي: وعداً واجباً علينا.
﴿إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾؛ أي: الإعادةَ والبَعْثَ (٢).
(ط): فإن قلت: سياق الآية في إثبات الحَشْرِ والنَّشْر؛ لأن المعنى:
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٩٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٤٧٧).
٣٦

نوجدکم من العَدَم [ثانیاً] کما أو جدناکم أولاً عن العَدَم، فکیف یستشهد به
للمعنی المذکور؟
قلت: دل سياق الآية وعبارتُها على إثبات الحشر، وإشارتُها على
المعنى المُراد من الحديث، فهو من باب الإدماج(١).
* قوله : ((ألا وإن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم)):
(ق): هذا يدل على أن الناس كلَّهم يحشرون عُراةً حتى الأنبياء، ثم
يُكسَوْن من ثياب الجنة، ولا شكَّ أن مَنْ لبسها؛ فقد لبس جُنَّةً تقيه مكاره
الحشر وعَرَقَهُ، وحَرَّ النار، وغير ذلك.
وظاهر عمومه: أن إبراهيم عليه السلام يُكسى قبل نبينا وَّر، فيكون
هذا من خصائصه؛ كما خُص موسى عليه السلام بأنه وَله يجده متعلقاً بساق
العرش، مع أن النبيَّ وَّهِ أَوَّلُ من تَنْشَقُّ عنه الأرض.
ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضلَ منه، بل هو أفضل مَنْ وافى القيامة،
وسَيِّد ولد آدم، ويجوز أن يراد بالناس مَنْ عداه، فلم يدخل تحت
الخطاب نفسِه(٢).
(تو): ورد في غير هذه الرواية: أن النبيَّ ◌َّه يُكسى على إِثْرِ إِبراهيم
عليه السلام، ونرى أن التقدمَ بهذه الفضيلة إنما وقع لإبراهيم عليه السلام
لأنه أول من عُرِّيَ في ذات الله حين أرادوا إلقاءَه في النار، وإذا استأثر الله
عبداً بفضيلة على آخر، واستأثر المُستأثَرَ عليه على المُستأثَر بتلك الواحدة
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ /٣٤٩٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٥٢).
٣٧

بعشر أمثالها، أو أفضلَ؛ كانت السَّابقةُ له، ولا يقدحُ استئثار صاحبه عليه
بفضيلة واحدة في فضله، ولا خفاءَ بأن الشفاعةَ حيث لا يؤذن لأحد في
الكلام لم تُبُقِ سابقةً لأُولي المُسابقة ولا فضيلةً لذوي الفضائل إلا أتت
علیه، وکم له من فضائلَ مُختصَّةٍ به لم يُسبق إليها.
(ك): ((ذات الشمال)) بكسر الشين، ضِدُّ اليمين، والمراد بها جهة
النار(١).
(ن): ((إنك لا تدري)) اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز [أن يُحشروا بالغُرَّة
و]التَّحْجيل، فيناديهم ◌َِّ؛ للسِّيماء التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مِمَّنْ وُعِدْتَ
بهم؛ إن هؤلاء بَدَّلوا بعدك؛ أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم(٢).
(ق): يدل على هذا قولُهُ وَّهِ: ((ويَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيَهَا مُنَافِقُوها))(٣)،
فيكون عليهم سِيماءُ هذه الأمة، فيناديهم: ((أَصْحَابِي، أَصْحَابي))، فيقال:
(إِنَّك لا تَدْرِي ما أَحدَثُوا بعدَكَ))، فيذهبُ عنهم الغُرَّةُ والتَحْجيل، ويُطْفَأُ
نورُهم، فيَبَقَون في الظَّلمات، فيقولون للمؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن تُرِكُمْ﴾
[الحديد: ١٣]، فيقال لهم: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَاءَ كُمْفَالْتَمِسُواْنُورٌ﴾ [الحديد: ١٣](٤).
(ن): الثاني: أن المُرادَ مَنْ كان في زمن النبيِّ وَِّ، ثم ارتدَّ بعده،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ١١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٦).
(٣) رواه البخاري (٧٧٣)، من حديث أبي هريرة
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٠٤).
٣٨

فيناديهم وإن لم يكن عليهم سيماءُ الوضوء؛ لما كان يعرفه ◌َ ﴿ في حياته من
إسلامهم، فيقال: ارتدُّوا بعدك.
الثالث: أن المراد به أصحابُ المعاصي [و]الكبائر الذين ماتوا على
التوحيد، [وأصحاب البِدَع] الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإيمان،
وعلى هذا لا يُقطع لهؤلاء الذين يُذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عُقوبةً
لهم، ثم يرحمهم الله، ويدخلهم الجنةَ من غير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غُرَّةٌ وتَحجيلٌ،
ويحتمل أنهم كانوا في زَمَن النبيِّ وَّهِ وبعده، لكن عرفهم بالسِّيماء.
قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البَرِّ: كلٌّ من أحدث في الدِّين فهو
من المطرودين عن الحَوْض؛ كالخوارج، والرَّوافض، وسائر أصحاب
الأهواء، وكذلك الظَّلَمةُ المُسرفون في الجَوْرِ وطَمْس الحق، والمُعلِنون
بالكبائر، فكلُّ هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا عُنوا بهذا الخبر(١).
(تو): إن الله تعالى قد رفع أقدارَ الصحابة؛ لهجرتهم إلى رسوله،
ونُصْرَتهم إياه، وأكرمهم بنشر سُنَّته، وتمهيد شرعه، والجُمهور منهم
دَرَجُوا على منهاج الحَقِّ، ومِمَّن أدرك نبيَّ اللهَ وَِّ، فلقيه لَقْيةً، أو صحبه
صُخْبةً وَشِيكةً، نَفَرٌ يسير لم تترسخ أقدامُهم في طُرُق الاستقامة، فلمَّا طوى
عنهم بساطَ الصُّحبة، وبسط عليهم ظِلَّ النعمة، رَكَنُوا إلى الخَفْض،
وأَخلدوا إلى الدَّعَةِ، ومال بهم مَخْيلَةُ الأمل وبارقُة الطمع عن سواء السبيل
إلى كُلِّ طريق مُعْوٍرٍ، وإلى ما لا يُحْمَل في الأحدوثة؛ كما كان من بُسْر بن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٦).
٣٩

أَرْطَاةَ، ومن نحا نَحْوَه من كَسِيرٍ وعَوِيرٍ، وقد دل عليه تصغيرُ (أصحابي)
إشارةٌ إلى قِلَّةِ أولئك النَّفَر.
وأما قوله: ((لن يزالوا مرتدين على أعقابهم)): أراد به إساءةَ السِّيرة
والرجوع عَمَّا كانوا عليه من صدق العزيمة، ولم يُرد به الرِّدَّةَ عن الإسلام،
ولم يوجد بحمد الله من الصحابة من ارتد.
نعم؛ قد كان من جُفاة الأعراب ورؤسائهم مِمَّن وفد على رسول الله وَّل
ثم ارتدَّ؛ كعيينة بن حِصْن الفَزاريٌّ، وعمرو بن معد يكرب الزّبيديِّ،
والأشعث بن قيس الكِنديِّ، وقد كان من طُليحةَ الأسَديِّ من ادعاء النبوة
ما كان، ثم إن الله تداركهم برحمته، فتابوا وحَسُنت توبتهم، وأصلحوا
ما أفسدوه، وهو التوَّاب الرحيم.
(قض): المراد بـ ((العبد الصالح)): عيسى عليه السلام، والآية حكايةٌ
قوله(١).
١٦٦ - الحَادِي عَشَرَ: عَن أبي سعيدٍ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ
قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عَنِ الخَذْفِ، وقالَ: ((إِنَّهُ لا يَقْتُلُ الصَّيْدَ،
وَلا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ) متفقٌ عليه.
وفي رواية: أنَّ قَريباً لابْن مُغَفَّلٍ خَذَفَ فَنَهَاهُ، وقالَ: إِنَّ
رسولَ اللهِ ﴿ نَهَى عن الخَذْفِ، وَقالَ: ((إِنَّهَا لا تَصِيدُ صَيْداً)، ثُمَّ
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣ / ٣٩٦).
٤٠