Indexed OCR Text

Pages 681-700

انقطاع خصمه، بل یکون علی ما كان عليه قبل ذلك.
(ك): ((ما دام))؛ أي: ما واظب مواظبةً عُرفية، وإلا فحقيقةُ الدوام
شُمولُ جميع الأزمنة، وذلك غير مقدورٍ .
قال ابن بطال: سَمَّى الأعمالَ في هذا الحدیث دیناً، بخلاف قول
المُرجئة، وإنما قال رسول الله بَّ ر ذلك خشية الملال اللاحق بمَن انقطع في
العبادة، وقد ذَمَّ الله تعالى مَن التزم فعل البِرِّ ثم قطعَه بقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَاحَقَّ
رِعَايَتَهَا﴾ [الحديد: ٢٧](١).
(خط): ((أحب الدين)) أَحبُّ الطاعة، والدِّين في كلامهم الطّاعة، وفي
صفة الخوارج: ((يَمْرُقُون منَ الدِّينِ))؛ أي: من طاعة الأئمّة، ويحتملُ أن
يكون المُراد بذلك: أحبَّ أعمال الدِّين، بحذف المُضاف(٢).
(ن): في الحديث فوائدُ:
منها: أن الأعمال تُسمَّى دِيناً، وأن استعمال المجاز جائز في إطلاق
المَلل على الله.
وفيه: جواز الحَلِف من غير استحلاف، وأن لا كراهةَ فیه إذا كان فيه
تفخيمُ أمر، وحَثٌّ على طاعة، أو تنفيرٌ عن مَحذور، ونحوه.
وفيه: فضيلةُ الدَّوام على العمل .
وفيه: بيانُ شفقته بَّهِ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّته؛ لأنه أرشدهم إلى ما يُصلِحُهم،
وهو ما يُمْكِنُهم الدَّوامُ عليه بلا مَشقَّة؛ لأن النفسَ تكون فيه أنشطَ،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٧٣).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٤٨).
٥٨٧

ويحصل منه مقصودُ الأعمال، وهو الحضور فيها، والدَّوام عليها، بخلاف
ما يَشُقُّ عليه؛ بأن يترك كُلَّه أو بعضَه، أو يفعلَه بكُلفة، فيفوتَهُ الخيرُ
العظيم(١).
١٤٣ - وعن أنسٍ ﴾ قالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إلَى بُيُوتٍ أَزْوَاجِ
النَّبِّ ◌َّهِ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النبيِّ لَهُ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كأنَّهُمْ
تَقَالُّوهَا، وَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِّ وَ﴿ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قالَ أَحَدُهُمْ: أمَّا أَنَا فَأُصَلِّيِ اللَّيْلَ أبداً، وَقالَ
الآخَرُ: وأنا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ، وقالَ الآخَرُ: وَأَنَا أَعْتَزِلُ
النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجِ أَبَداً، فَجَاءَ رسولُ اللهِ وَّهِ إِلَيْهِمْ، فقالَ: ((أَنْتُمُ
الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذا؟! أمَا واللهِ! إنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَنْقَاكُمْ لَه،
لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَزْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ
عَنْ سُنَِّي فَلَيْسَ مِنِّي)) متفقٌ عليه.
(الثَّانِى)
(نه): الرَّهط من الرجال: دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون
فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه، ويُجمع على: أَرْهُط وأَرْهَاطِ، وأَرَاهِطُ
جمعُ الجمع.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٧١).
٥٨٨

إنما جاء ((الرهط)) تمييزاً لـ ((ثلاثة))؛ لأنه في معنى الجماعة، كأنه قال:
ثلاثة أنفس، قيل: هم عليٍّ وعثمانُ بن مَظْعُون وعبد الله بن رواحةَ
وقولهم: ((تقالوها))؛ أي: وجدوها قليلةً، وهو تفاعُلٌ من القِلَّة بمعنى
استقلُّوها(١).
(مظ): ظنوا أن وظائفَ رسول الله وَّل كثيرةٌ، فلمَّا سمعوا عَدُّوها قليلةً،
وقد راعوا الأدبَ حيث لم ينسبوه إلى التقصير، بل أظهروا كمالَه، ولاموا
أَنْفُسَهم في مُقابلتهم إياها بالنبيِّ ◌َّهِ.
وفيه: تعليمٌ للمُريد بأن لا ينظر إلى الشيخ بعين الاحتقار، فإن رأى
عبادتَه قليلةً يُظهر عُذْرَهُ، وليَلُمْ نفسَه إن جرى فيها إنكارٌ على شيخه؛ لأن
من اعترض على شيخه لن يفلح.
وفيه: أن قلَّةَ وظائف النبيِّ وَِّ كانت رحمةً لأُمَّته وشفقةً عليهم؛ كيلا
يتضرروا؛ فإن لأنفسهم عليهم حقاً، ولأزواجهم عليهم حقاً؛ لأن الله تعالى
خلق الإنسانَ مُحتاجاً إلى الطعام؛ ليتقوى به صُلْبُه فيقومَ على عبادة الله،
ولا بدَّ للرجال من النساء؛ لبقاء النَّسْلِ، فيكثرَ به عبادُ الله، وتحصین دینه،
ويُنفقُ عليها فيُؤْجَرُ به(٢) .
(ق): القوم أبدَوا فارقاً بينهم وبين النبيِّ وَّ بأنه مغفورٌ له، فأجابهم
بأنْ ألغى الفارق بقوله: ((إني أخشاكم لله)).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٨٣)، و(٤ / ١٠٤)، و((شرح
المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٠٩).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٢٤٤).
٥٨٩

وتقرير ذلك: إني وإن كنت مغفوراً لي؛ فخَشْبةُ الله وخوفُه تَحمِلُني
على العبادة، لکنْ طريقُ العبادة ما أنا علیه، فمَنْ رغب عنه وترکه فلیس
على طريق العبادة.
قلت: ويوضّحُ هذا المعنى أن عبادةَ الله إنما هي امتثال أوامره الواجبة
والمَندوبة، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما مِن زمان من الأزمان
إلا ويتوجَّه على المُكلَّف فيه أوامرُ ونواهٍ، فمَنْ قام بوظيفة كل وقت؛ فقد أَدَّى
العبادةَ، وقام بها، وإذا قام بالليل مُصلِّياً؛ فقد قام بوظيفة ذلك الوقت، فإذا
احتاج إلى النوم لدفع ألَمِ السَّهَر، ولتقوية النفس على العبادة، ولإزالة تشويش
مُدافعة النوم المُشوِّشة للقراءة، أو لإعطاء الزوجة حقَّها من المُضَاجعة؛ كان
نومُه ذلك عبادةٌ كصلاته؛ كما قال سَلمانُ ظُ: وأَحْتِسِبُ فِي نَوْمَتي ما أَحْتَسِبُ.
فِي قَوْمَتِي، وكذلك القول في الصيام.
وأما التزويج: فيجري [فيه] مِثْلُ ذلك، وزيادةُ نية تحصين الفَرْجِ والعَيْنِ،
وسلامةِ الدِّين، وتكثير نَسْل المسلمين، وما من شيء من المُباحات المُستَلَذَّات
وغیرها إلا ویمکن لمن شرح الله صدره أن یصرفه إلى باب العبادات بإحضار
معانيها بباله، وقَصْدِ نية التقرُّب بها؛ كما ذكره المُحاسبيُّ وغيره.
ومن فهم هذا المعنى؛ تحقق أن النبيَّ بَّ قد حصَّل من العبادات
أعلاها؛ لانشراح صدره، وحُضور قَصْدِه، ولعلمه بحدود الله تعالى، وبما
يُقرِّب منه.
ولمّا لم ينكشف هذا المعنى لهؤلاء النَّفر استقلُّوها؛ بناءً منهم على
أن العبادةَ إنما هي استفراغ الوُسْعِ في الصلاة والصوم، والانقطاعُ عن
٥٩٠

المَلاذٌ، وهيهاتَ، بينَهما ما بين الثُّرِيًّا والثَّرَى، وسُهَيلٍ والسُّهَى.
وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقَّقُ أن فيه رَداً
على غُلاة المُتزهِّدين، وعلى أهل البطالة من المُتصَوِّفين؛ إذ كل فريق منهم
قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه(١).
(قض): قولهم: ((أين نحن من النبي ﴿))؛ أي: بيننا وبينه بَوْنٌ بعيد؛
فإِنَّا على صَدَد التفريط وسُوء العاقبة، وهو معصومٌ مأمونُ العاقبة، واثقٌ بقوله
تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَاتَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
و(الذَّنْبُ): ما له تَبِعَةٌ؛ مأخوذٌ من الذَّنَبِ، ولمَّا كان النبيُّ نَِّ مُعاتَبًاً
بترك ما هو أَوْلَى تأكيداً للعِصْمَة؛ أُطلق عليه اسمُ الذَّنْب.
وقوله وَله: ((أما والله ... )) إلى آخره؛ أي: إنِّي أعلمُ به، وما هو أَعزّ
لديه وأكرمُ عنده، فلو كان ما استأثر تُموه من الإفراط في الرِّياضة أحسنَ مما
أنا عليه من الاعتدال في الأمور؛ لَما أعرضت عنه(٢).
(ك): ((أتقاكم)) إشارة إلى كمال القدرة العملية، و(أخشاكم)) إشارة إلى
كمال القوة العلمية؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْا﴾ [فاطر: ٢٨].
وفي ((صحيح البخاري)) مرفوعاً: ((إنَّ أَنْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا))(٣)،
ويُعلم منه: أن رسولَ الله ◌َچ﴿ كما هو [أفضل من كل واحد وأكرم عند الله
وأكمل يجوز أن يكون أفضل وأكرم و] أكمل من الجميع معاً؛ حيث قال:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٨٦).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٢٣).
(٣) رواه البخاري (٢٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٥٩١

((أتقاكم وأعلمكم)) خطاباً للجميع؛ لأن كمالَ الإنسان مُنحصرٌ في الحكمتين
العلمية والعملية، وهو الذي بلغ الدرجةَ العُليا والمرتبةَ الأقصى منهما(١).
(ن): في الحدیث فوائدُ:
منها: أن الأَوْلَى في العبادة القَصْدُ وملازمةُ ما يمكن الدَّوام عليه، وأن
الْقُرْبَ إليه سبحانه وتعالى والخشيةَ له على حسَبٍ ما أمر به، لا بخيالات
النُّفوس، وتكلُّفٍ أعمال لم يأمر بها.
وفيه: الحَثُّ على الاقتداء به بَّهِ، والنهيُ عن التعمُّق في العبادة،
وذَُ التنزُّه عن المُباح شكّاً في إباحته.
وفيه: أن الرجلَ الصالح ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في العمل اعتماداً
على صلاحه، وأن له الإخبارَ بفضله فيه إذا دعت إلى ذلك حاجةٌ، وينبغي ،
أن يحرص على كِثْمَانها؛ فإنه يُخاف من إشاعتها زوالُها، وأن الصحابةَ
كانوا من الرَّغبة التامة في طاعة الله تعالى والازديادِ من أنواع الخير(٢).
(ط): ((أنتم الذين قلتم؟))؛ أي: أأنتم، حذفت همزة الإنكار التي
وَلِيَتِ الفاعلَ المعنويَّ المُزال عن مَقرَّه؛ لمزيد الإنكار؛ كقوله تعالى:
﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ ﴾ [المائدة: ١١٦]، فكما أكد هذه الفِقْرةَ؛
أَّد قرينتَها، وهي قوله: ((أما والله إني لأخشاكم))؛ حيث صَدَّرها بحرف
التنبيه التي هي مِنْ طلائع القَسَم ومقدماتها، وقرنها بالقسم؛ لتحقيق
ما بعدها، وإثباته في خَلَدِ السَّامع، و(لله)) مفعول به لـ ((أخشاكم))، و(أفعل)
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١١٣)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٠٧).
٥٩٢

لا يعمل في الظاهر إلا في الظرف(١).
(ك): سِرُّ المسألة أن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى، فخيرُ
العمل ما دام وإن قلَّ، وإذا تحملوا ما لا يُطيقون الدَّوامَ عليه؛ تركوه أو
بعضَه بعد ذلك، وصاروا في صورة ناقض العهد، واللائقُ بطالب الآخرة
التَّرَقِي، فإن لم يكن؛ فالبقاءُ على حاله، ولأنه إذا اعتاد من الطاعة ما يمكنه
الدَّوامُ عليه؛ دخل فيها بانشراحِ واسْتِلِذَاذٍ لها ونشاط، ولا يلحقُه مَلَلٌ
ولا سَآمة.
(ن): ((فمن رغب عن سنتي)) معناه: مَنْ رغب عنها غيرَ معتقد لها على
ما هي عليه(٢).
(قض): أي: مالَ عنها استهانةً وزَهِدَ فيها، لا كسلاً وتهاوناً(٣).
(ط): كان من حق الظاهر: من رغب عن ذلك، فعَمَّ ليشمل كل
ما جاء به وما أَمر به ونهى عنه، والفاء في ((فمن رغب)) متعلق بمحذوف؛
أي: لكني أفعل ذلك؛ لأَسُنَّ للناظر الطريقةَ المُثلى، والسُّنةَ الكُمْلَى، فمن
رغب عنها فليس مني(٤).
١٤٤ - وعن ابن مسعودٍ ﴿ه: أن النبيَّ ◌َ﴿ِ قالَ: ((هَلَكَ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦١٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٧٤).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٢٣).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦١٠).
٥٩٣

المُتَتَطِّعُونَ)) قالَهَا ثَلاثاً، رواه مسلم.
(المُتَطّعُونَ)): المُتَعَمِّقُونَ المُشَدِّدُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشْدِيدِ.
(الثَّالُِّ))
(تو): ((المتنطعون)) أراد بهم المُتعمِّقين الغَالِين في خَوضهم فيما
لا يعنيهم من كلام، والأصل في المتنطع: الذي يتكلم بأقصى حَلْقه؛
مأخوذٌ من النَّطَع، وهو الغار الأعلى(١)، وإنما ردَّد القول ثلاثاً تهويلاً منه،
وتنبيهاً على ما فيه من الغائلة، وتحريضاً على التيقُّظ والتبصُّر دونه، وكم
تحت هذه الكلمة مِن مُصيبة تعود على أهل اللِّسان والمُتكلِّفين في القول،
الذين يَرومُون بسبك الكلام سَبْيَ قُلوب الرِّجال، نسأل اللهَ العافيةَ.
(ط): لعل المذمومَ من هذا ما يكون القصدُ فيه مقصوراً على مراعاة
اللفظ، ويجيء المعنى تابعاً للَّفظ، أما إذا كان بالعكس؛ فكلامُ الله تعالی وکلامُ
رسول الله وَ﴿ مَصبوبٌ في هذا القالب، فيرفع الكلام إلى الدرجة القُصوى(٢).
(ق): يعني بهم: الغَالِين في التأويل، العادلين عن ظواهر الشرع بغير
دليل؛ كالباطنية وغُلاط الشِّيعة، وهلاكُهم بأن صُرِفوا عن الحق في الدنيا،
وبأن يُعذَّبوا في الآخرة، والتكرار تأكيدٌ وتَفَخِيمٌ لِعِظَمِ هلاكهم(٣).
(١) أي: غار الفم الأعلى.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للمصابيح (١٠ / ٣٠٩٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٧٠٠).
٥٩٤

١٤٥ - عن أبي هريرةَ ، عن النبي ◌َ﴿ قالَ: ((إنَّ الدِّينَ
يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينُ أحدٌ إلاَّ غَلَبَه، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا،
وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)) رواه البخاري.
وفي رواية له: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ
الدُّلْجَةِ، القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا)).
قوله: (الدِّينُ)) هُو مَرْفُوعٌ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَروِبِيَ
مَنْصُوباً، وَروِيَ: ((لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ)).
وقوله وَله: ((إلَّ غَلَبَهُ))؛ أَيْ: غَلَبَه الدِّينُ، وَعَجَزَ ذلكَ
المُشَادُّ عَنْ مُقَاوَمَةِ الدِّينِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. ((وَالغَدْوَةُ»: سَيْرُ أَوَّلِ
النَّهَارِ. ((وَالرَّوْحَةُ)): آخِرُ النَّهَارِ. ((وَالذُّلْجَةُ)): آخِرُ اللَّيْلِ. وَهَذَا
اسْتِعَارَةٌ وَتَمْثِيلٌ، وَمَعْناهُ: اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَكَ بِالأعْمَال
فِي وَقْتِ نَشَاطِكُمْ وَفَرَاغِ قُلُوبِكُمْ بِحَيْثُ تَسْتَلِذُّونَ العِبَادَةَ
ولا تَسْأَمُونَ، وَتَبْلُغُونَ مَقْصُودَكُمْ، كَمَا أَنَّ المُسَافِرَ الحَاذِقَ يَسِيرُ
فِي هَذِهِ الأوْقَاتِ، ويَسْتَرِيحُ هُوَ وَدَتُهُ فِي غَيْرِهَا، فَيَصِلُ المَقْصُودَ
بِغَيْرِ تَعَبٍ، واللهُ أعلم.
٦
* قوله عملية: ((الدين يسر)) :
(قض): الدِّين في الأصل: الطاعةُ والجَزاء، والمراد به: الشَّريعة، أطلق
٥٩٥

عليها لما فيه من الطاعة والانقياد، والمعنى: إن دينَ الله الذي أمر به عبادَه مَبنيٌّ
على اليُسر والسُّهولة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج:
٧٨]، وقوله وَّهِ: (بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَة))(١).
((ولن يشاد الدين))؛ أي: لن يقاومه بشِدَّة، والمُشادَّة: التشديد، والمعنى:
أن مَن تشدَّد على نفسه وتَعمَّق في أمر الدين بما لم يُوجَب كما هو دأبُ الرَّهبانية؛
يُغلَبُ ويَضْعُفُ.
((سددوا))؛ أي: الزموا الطريقَ المستقيم، من السَّداد، وهو الاستقامة.
((وقاربوا)): اقتصدوا وتوسَّطوا، فلا تفتَروا وتُشدِّدوا، واستعينوا على
حوائجكم واستنجاحكم بالصلاة طرفي النهار وزُلَفاً من الليل.
و((الغدوة)) بضم الغين نقيضُ الرَّوحة، وهما السير طرفي النهار.
و((الدلجة)) بفتح الدال وضمها: السّير في الليل، يقال: أَدْلَج القومُ: إذا
ساروا ليلاً؛ استُغير بها عن الصلاة في هذه الأوقات؛ لأنها سلوكٌ وانتقال من
العادة إلى العبادة، ومن الطَّبيعة إلى الشريعة، ومن الغَيْبة إلى الخُضور(٢).
(ط): ((يسر)) خبر ((إن)) مصدرٌ وضع موضع اسم المفعول مُبالغةً،
والتنكير فيه للتعليل؛ كما في (شيء) في قوله: ((وشيء من الدلجة))؛ أي:
لا ينبغي أن يُحمِّل النفس السَّهرَ في سائر الليل، بل يكتفي بشيء منه، وأما
[بناء] المفاعلة في ((يشاد)): فليس للمغالبة، بل للمبالغة؛ نحو: طارَقْتُ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٦٦)، من حديث أبي أمامة ﴿ه، وإسناده
ضعيف. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢٩٢٤).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٦٨).
٥٩٦

النَّعَلَ، وهو من جانب المُكلَّف، ويحتمل أن يكون للمغالبة على سبيل
الاستعارة، وفي وَضْعِ المُظْهَر موضعَ المُضمَر تتميم [لمعنى الإنكار](١).
(ك): ((يسر)): معناه: إما ذو يُسر، وإما أنه يُسْرٌ على سبيل المُبالغة؛
نحو : أبو حنيفة فِقْهُ؛ أي: لشِدَّة اليُسر وكثرته كأنه نفسُه، و(الیسر) بإسكان
السين وضمها: نقيض العُسر(٢).
(ن): معناه: اغتنموا أوقات نشاطكم للعبادة؛ فإن الدوام
لا تطيقونه، واستعينوا بها على تحصيل السَّداد؛ كما أن المسافر إذا سار
الليل والنهار دائماً؛ عجَز وانقطع عن مَقصِدِه، وإذا سار في هذه الأوقات؛
أي: أوَّل النهار وآخرَه؛ حصل مقصودُه بغير مَشقّة ظاهرة، وهذه هي أفضل
أوقات المسافر للسير، فاستُعيرت لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة.
(ك): كأنه عليه السلام خاطب مسافراً يقطع طريقه إلى مَقصِدِه،
فنبَّههُ إلى أوقات نشاطه، بل على الحقيقة الدنيا دار نُقْلةٍ إلى الآخرة(٣).
١٤٦ - وعن أَنَسٍ ﴿ه قال: دَخَلَ النبيُّونَ﴿ِالمَسْجِدَ، فَإِذَا
حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فقالَ: ((مَا هَذَا الحَبْلُ؟))، قالُوا: هَذا
حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فإذا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((حُلُّوهُ،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ /١٢١٤).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٦١).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٦٢).
٥٩٧

لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ)) متفقٌ عليه.
قوله : ((حلوه، ليصل أحدكم نشاطه)) :
(ن): فيه: الحَثُّ على الاقتصاد في العبادة، والنهيُ عن التعمُّق،
والأمرُ بالإقبال عليها بنشاط، وأنه إذا فتَر فليرقد حتى يذهب الفُتور.
وفيه: إزالة المنکر بالید إن تمكَّن منه.
وفيه: جواز التنفل في المسجد؛ فإنها كانت تُصلِّي النافلةَ فيه فلم
يُنکر علیھا(١) .
حيه
١٤٧ - وعن عائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رسولَ اللهِ ◌ِ قالَ:
(إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فإنَّ
أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُ
نَفْسَهُ» متفقٌ عليه.
[السَّادِيُ ]
· قوله تلقى: ((إذا نعس أحدكم)):
(ن): ((نعس)) بفتح العين، فيه: الحَثُّ على الإقبال على الصلاة بخُشوع
وفراغ قلب ونشاط.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٧٣).
٥٩٨

وفيه: أمر الناعس بالنوم أو نحوه مِمَّا يُذهِبُ عنه النُّعاسَ، وهذا عام
في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، هذا مذهبنا ومذهبُ الجمهور،
لكن لا يُخرِجُ فريضةً عن وقتها.
قال القاضي: وحمله مالك وجماعة على نفل الليل؛ لأنها محلُّ النوم
غالباً(١).
(ق): ((إذا نعس أحدكم فليرقد)) نبه في آخره على عِلَّة ذلك، وهي
أنه توقَّع منه ما يكون من الغلط فيما يقرأ أو يقول، ولم يجعل علَّةَ ذلك
نقضَ طهارته، فدل على أن النوم ليس بحدث(٢).
(ك): معنى ((فليرقد)»: ليتجوَّز(٣) في الصلاة، ويُتمَّها وينام.
قال ابن بطال: قد ذكر ◌َّي﴿ العِلَّةَ المُوجبة لقطع الصلاة، وذلك أنه
خاف إذا غلبه النوم أن يخلط الاستغفار بالسَّبِّ، ومن أراد أن يستغفر وسَبَّ
نفسَه؛ فقد حَصَلَ من فَقْدِ العقل بمنزلة مَن لا يعلم ما يقول من سُكر الخَمْر
الذي نهى الله عن [مقاربة] الصلاة فيها بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُوا مَا نَقُولُونَ ﴾ [النساء: ٤٣]، ومن کان کذلك لا تجوز صلاته؛
لأنه فَقَدَ العقلَ الذي خاطب الله أهلَه بالفرائض، فرُفِعَ التكليفُ عنه(٤).
(ق): رويناه برفع الباء من ((فيسب)) ونصبه، فمن رفع يعطف على
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٧٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤١٥).
(٣) في الأصل: ((ليتحول)).
(٤) انظر: ((الكوكب الدراري)) للكرماني (٣/ ٦١).
٥٩٩

(ذهب))، ومن نصبه فعلى جواب (لعل)، ولعله إشارة إلى معنى التمنِّي؛
كما قرأ حفص: ﴿َّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَطَّلِعَ ﴾ [غافر: ٣٦ -
٣٧] بنصب العين(١).
قال القاضي عياض: معنى ((يستغفر)) هاهنا: يدعو (٢).
(ك): فإن قلت: (لعل) معناه الترجِّي، فكيف صح هاهنا؟
قلت: الترجي فيه عائد إلى المصلِّي لا إلى المتكلِّم به؛ أي: لا يدري
أسْتَغْفرَ أم سابَّ مُترجِّياً للاستغفار وهو في الواقع بضدٌّ ذلك، أو استعمل
لمعنى التمكُّن بين الاستغفار والسَّبِّ؛ كما أن المُرَجِّيَ بين حصول المَرجوِ
وعدمه، فمعناه: لا يدري أیستغفر أم یسب؟
(ن): اختلفوا في انتقاض الوضوء بالنوم على مذاهب:
أحدها: أنه لا ينقض الوضوء على أيّ حال كان، وعليه أبو موسى
الأشعري، وابن المُسيَّب.
الثاني: أنه ناقضٌ بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري، والمُزنيِّ،
وابن راهويه، وابن المنذر، وروي عن ابن عباس، وأنس، وأبي هريرة، وهو
قولٌ غريبٌ للشافعي.
الثالث: كثيره ينقض بكُلِّ حال، وقليلُه لا ينقض بحال، وبه قال
مالك.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤١٦).
(٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٣/ ١٥١).
٦٠٠

الرابع: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المُصلِّين؛ كالراكع، والسَّاجد،
والقائم، والقاعد؛ لا ينقض وضوءه، سواء كان في الصلاة أم لا، وهو مذهب
أبي حنيفة.
الخامس : أنه لا ينقض إلا نومُ الراكع والساجد، وروي عن أحمد.
السادس: لا ينقض إلا نومُ الساجد، وروي أيضاً عنه.
السابع: لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارجَ الصلاة،
وهو قول ضعيفٌ للشافعي.
الثامن: إذا نام مُمَكِّناً مقعده من الأرض لم ينقض، وإلا نقض، سواء
قَلَّ أو كَثُر، سواءٌ في الصلاة أو خارجَها، هذا مذهبُ الشافعي، وعنده أن
النومَ ليس حدثاً في نفسه، إنما هو دليلٌ على الحدث، فإذا نام غيرَ مُتمكُّن
غلب على الظَّنِّ خروجُ الرِّيحِ، فجعل الشرع هذا الغالبَ كالمُحقّق، وأما
إذا كان مُتمكِّناً فلا يغلب الخروجُ، والأصلُ بقاء الطهارة(١).
١٤٨ - وعن أبي عبدِ اللهِ جابرٍ بِنِ سَمُرَةَ ﴾ قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي
مَعَ النبيِّ نَّهِالصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلاتُهُ قَصْداً، وخُطْبَتُهُ قَصْداً. رواه
مسلم.
قولُهُ: قَصْداً: أَيْ بَيْنَ الطُولِ وَالقِصَرِ .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٧٣).
٦٠١

[الشّا
ســ
* قوله: ((فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً) :
(ق): منه القَصْدُ من الرِّجال، والقَصْدُ في المعيشة، والإكثار في الخطبة
مكروهٌ؛ للتشدُّق والإِمْلالِ الطويل(١).
(نه): القَصْدُ من الأمور: المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طَرَفي
التَّفريط والإِفْراط (٢).
١٤٩ - وعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبٍ بْنِ عبدِ اللهِ ﴾ قال: آخَی
النَّبِيُّ وَهَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِيِ الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، ،
فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فقالَ: ما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أَخُوكَ أَبَّو
الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَه حَاجَةٌ في الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَه
طِعَاماً، فقالَ لَهُ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قالَ: ما أَنَا بِآكِلِ حَتَّى تَأْكُلَ،
فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فقالَ لَهُ: نَمْ،
فَمَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فقالَ لَه: نَمْ، فَلَمَّا كانَ من آخرِ اللَّيْلِ، قالَ
سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا جَميعاً، فقالَ لَه سَلْمَانُ: إِنَّ لرَبِّكَ
عَلَيْكَ حَقّاً، وإنَّ لنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فَأَعْطِ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٠٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٦٧).
٦٠٢

كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَأَتَى النبيَّ ◌َهِ فَذَكَرَ ذلكَ لَه، فقالَ النبيُّ أَّ:
((صَدَقَ سَلْمَانُ)) رواه البخاري.
(الثَّافُِ)
* (مبتذلة)) روي: بتقديم المثناة على الموحدة، وبالعكس، وهما
بمعنىّ، وهو ترك التزيُّن والتهيُّؤْ بالهيئة الحسنة الجميلة.
(ك): ((مبتذلة))؛ أي: لابسةً ثياب البِذْلَةِ والخِدْمة، وعَمَّمت بلفظ :
(في الدنيا»؛ للاستحياء من أن تُصرِّح بعدم حاجته إلى مُباشرتها.
وفي الحديث: زيارةُ الصديق(١)، ودخولُ داره في غَيْبته، والإفطارُ
للضيف، وكراهةُ التشدُّد في العبادة، وأن الأفضل التوسُّطُ، وأن الصلاةَ
آخر الليل أولى، ومَنْقَبَةٌ لسَلْمانَ حيث صَدَّقه رسول الله ◌َِّ، انتهى(٢).
وفيه: فضيلة التواخي في الله، وهو من أَوْثَقَ عُرى الإيمان.
وقوله: ((إن لنفسك عليك حقاً) حقُّها ما يكون عوناً لها على ما خُلقت
لأجله من العبادة، فينبغي للعبد أن يدرك الفرق بين حَقِّ النفس وبين هواها
وحَظُّها؛ فإنهما على طَرَفي نقيض، وأداءُ حقٌّها مأمور به، واتِّباعُ هواها مَنهيٍّ
عنه نهيَ تَنزيهِ أو تحريم، فَحُّ النفس من الطعام لُقَيْماتٌ يُقِمن الصُّلْبَ،
ويتقوى بها على العبادة وما والاها، وهواها التنعمُ بالألوان، والشِّبَعُ المُثْقِلُ
للبدن، المُثْبِّطُ عن العبادة، وحَقُّها من النوم: أن يدفع عنه النُّعاسَ والفُتور
الذي رُبَّما أراد الدُّعاءَ لنفسه فيدعو عليها، وهواها: استلانةُ فراش الكَسل،
(١) في الأصل: ((زيادة التصديق))، والتصويب من ((عمدة القاري)) للعيني (٢٢ / ١٧٧).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٢).
٦٠٣

والدَّعَةُ، والاستمرارُ في النوم بحيث يُفوِّت التهجُّدَ، ويُضيِّعُ الأنفاسَ
النفيسة .
وكذلك حقها من المَلبس والمَسكن والمَنكَح، وهواها منها على
ما ذكرنا، وكثير من المُنهمكين في فُضول المُباحات يزعم أنه مُؤدِّ لحق
النفس، ولم يعلم أنه تابعٌ لهواها المَنهيِّ عنه.
١٥٠ - وعن أبي محمد عبداللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ
قال: أُخْبِرَ النبيُّ نَ﴿ أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ
اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذلكَ؟))،.
فَقُلْتُ لَه: قَدْ قُلْتُه بأبِي أَنْتَ وَأُمِّي ◌َا رسول الله، قَالَ: ((فَإنَّكَ
لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ
أَّامِ؛ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»، قُلْت:
فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلكَ، قَالَ: ((فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ)،
قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلكَ، قَالَ: ((فَصُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ
يَوْماً، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاودَ ع ◌َهِ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ)) - وفي رواية:
(هوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» - فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلكَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ))، وَلَأنْ أَكُونَ قَبَلْتُ الثَّلاثَةَ
الأيّامِ الَّتِي قالَ رسولُ اللهِوَّهِ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي.
٦٠٤

وَفي روايةٍ: (أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلِ؟»،
قلتُ: بَلَى يَا رسولَ الله، قال: ((فَلا تَفْعَل، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَتَمْ
وَقُمْ؛ فإنَّ لجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ
لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ في كُلِّ شَهْرِ ثَلاثَةَ
أَيَّامِ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ))،
فَشَذَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يا رَسُولَ الله! إنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قال:
(صُمْ صِيَامَ نَبَيِّ اللهِ دَاوُدَ، وَلا تَزِدْ عَلَيْهِ))، قلت: وَمَا كَانَ صِيَامُ
داود؟ قالَ: ((نِصْفُ الدَّهْرِ))، فَكَان عَبْدُاللهِ يقولُ بَعْدمَا كَبِر:
يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رسولِ الله ◌ِوَّهِ.
وفي روايةٍ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ القُرْآنَ كُلَّ
لَيْلَةٍ؟))، فَقُلْتُ: بَلَى يا رسولَ الله، ولَمْ أُرِدْ بذلِكَ إلاَّ الخَيْرَ،
قَالَ: ((فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللهِ دَودَ، فَإِنَّه كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَاقْرَأْ
القُرْآنَ في كُلِّ شَهْرٍ))، قُلْت: يَا نَبِيَّ الله! إنِّي أُطِيقٍ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟
قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ في كُلِّ عِشْرِينَ)، قُلْت: يَا نبيَّ الله! إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ
مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشٍْ))، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! إنِّي
أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذِلِكَ، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلا تَزِدْ عَلَى
ذَلِكَ))، فشدَّدتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، وَقَالَ لِي النَّبيُّ وَِّ: ((إنَّكَ لا تَدْرِي
لَعَلَّكَ يَطُولِ بِكَ عُمُرٌ))، قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبيُّ ◌ََّ،
فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْت قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِوَِّ.
٦٠٥

وفي رواية: ((وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً)، وفي روايةٍ: ((لا صَامَ
مَن صام الأَبَدَ، ثَلاثاً، وفي روايةٍ: ((أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله تَعَالَى
صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إلَى اللهِ تَعَالَى صَلاةُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَامُ
نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَمُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ
يَوْماً، وَلا يَفِرُّ إذَا لاتَى)).
وفي رِوايةٍ: قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، وَكَانَ
يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ - أي: امْرَأَةَ وَلَدِهِ -، فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ لَهُ:
نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشَاً، وَلَمْ يُقْتِّئْ لَنَا كَنَفَاً مُنْذُ
أَتَيْنَاهُ. فَلَمَّا طَالَ ذلِكَ عليه، ذَكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ، فَقَالَ: ((الْقَنِي
بِهِ»، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذلكَ، فَقَالَ: ((كَيْفَ تَصُومُ؟))، قُلْتُ: كُلَّ يَوْمِ،
قالَ: ((وَكَيْفَ تَخْتِمُ))، قلتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ، وَذَكَرَ نَحْوَ ما سَبَقَ، وَكَانَ
يَقْرَأُ عَلَى بَعْضٍ أَهْلِهِ السُّبُعَ الَّذِي يَقْرَؤُه، يَعْرِضُهُ مِنَ النّهَارِ لِيَكُونَ
أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّاماً وَأَحْصَى وَصَامَ
مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئاً فَارَقَ عَلَيْهِ النَّبِيَّ ◌َِّ.
كُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةٌ، مُعْظَمُهَا في ((الصَّحيحَيْن))،
وَقَليلٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا .
[الشَّاءة
* قوله: ((والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت)):
٦٠٦