Indexed OCR Text
Pages 641-660
وثانيهما: ما يتعلق به وبخواصِّه وأهل منزله، وشُعبُها ثمان: التعقُّفُ عن الزِّنا، والنكاحُ، والقيام بحقوقه، والبِرُّ بالوالدين، وصِلةُ الرَّحِم، وطاعةُ السادة، والإحسان إلى المماليك، والعتق. وثالثها: ما يَعُمُّ الناسَ، وينوط به إصلاحُ العباد، وشُعبها سبع عشرة: القيامُ بإمارة المسلمين، واتِباعُ الجماعة، ومُطاوعة أُولي الأمر، ومعاونتهم على البِرِّ، وإحياء معالم الدِّين ونشرُها، والأمر بالمعروف، والنهيُ عن المنكر، وحفظُ الدين بالزَّجر عن الكُفْرِ، ومجاهدةُ الكفار، والمُرابطةُ في سبيل الله، وحفظُ النفس بالكَفِّ عن الجنايات، وإقامةُ حقوقها من القِصاص والدِّيَات، وحفظُ أموال الناس بطلب الحلال وأداء الحقوق، والتجافي عن المظالم، وحفظُ الأنساب وأعراضٍ الناس بإقامة حُدود الزِّنًا والقَذْف، وصيانةٌ العقل بالمنع عن تناول المُسكرات والمُجنِّنات بالتهديد والتأدیبِ علیه، ودفعُ الضَّرر عن المسلمين، ومن هذا القبيل إماطةُ الأذى عن الطريق(١). (ط): الأظهر أن يُذْهَبَ إلى معنى التكثير، ويكون ذكر البِضْع للترِّي؛ يعني: أن شُعبَ الإيمان أعدادٌ مبهمة، ولا نهاية لكثرتها؛ إذ لو أُريد التحديدُ لم تُبُهَم. وبيانه: أنه ◌َّهُ بَيَّن ابتداءَها وانتهاءَها ووسطها، فلو أُخذت من الابتداء إلى الانتهاء؛ كان على وَزان قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]. معناه: مَنْ رضي بالله رَبّاً وعمل بمقتضاه؛ لم يَدَعْ ما يجب عليه أن يأتي ويذر؛ فإنك إن تَنزَّلْتَ من حديث خالق الموجودات إلى (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١/ ٣٥). ٥٤٧ حديث الشَّوْكة وإماطتها؛ هل تجد شيئاً مِمَّا يَستحسِنُهُ الشرعُ والعقل من محاسن الأخلاق ومراضي الأعمال خارجاً عن ذلك؟ وكذلك لو عكست، وترقَّيت عن إماطة الشَّوْكة إلى الأعلى، ولو شرعت في معنى الحياء وفسَّرته بما رُوي عن رسول اللهِ وَّهِ: ((استَحْيُوا مِنَ اللهِ) قالوا: إنا نَسَتَحْيِي منَ الله يا رسولَ الله والحمدُ لله، قال: ((لَيسَ ذلكَ، ولكنَّ الاسْتِخْياءَ منَ اللهِ حَقَّ الحياءِ: أَنْ تحفظَ الرَّأسَ وما وَعى، والبَطْنَ وما حَوى، وتَذْكُرَ المَوْتَ والبِلَى، ومَنْ أراد الآخرة ترك زينة الدُّنيا، وآثر الآخرة على الأُولى، مَنْ فعل ذلك فقد استحيى من الله حَقَّ الحياء))؛ لقد حاولت أمراً عظيماً، وفيه إشارةٌ إلى منازل السّائرين. فهذه شُعبةٌ واحدة من شُعَبهِ، فهل تُحصى وتُعَدُّ شعبها؟ هيهات؛ إن البحرَ لا يُستنزَفُ، فظهر من هذا معنى التكثير في السبعين(١). * قوله والفر: «فأفضلها»: (ط): الفاء جزاء شرط محذوف، کأنه قيل: إذا كان ذا شُعب؛ يلزم التعددُ وحصولُ الفاضل والمفضول(٢). وأما قوله: ((وأدناها إماطة الأذى)): سبق شرحه في الحديث الثالث من هذا الباب. * قوله : ((والحياء شعبة من الإيمان)): (ن): ((الحياء)»: هو الاستحياء. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤٠). (٢) المرجع السابق، (٤ / ٤٣٨). ٥٤٨ قال الواحدي: قال أهل اللغة: الاستحياءُ من الحياة، واستحياءُ الرجل من قُوَّةِ الحياة فيه؛ لشدة علمه بمواقع العيب، قال: فالحياء من قوة الحِسِّ ولطفه، وقوة الحياة. روينا عن السيد الجليل أبي القاسم الجُنيدِ قال: الحياء رؤية الآلاء - أي: النِّعَم - ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالةٌ تُسمَّى الحياءِ(١). (قض): (الحياء): تَغيُّر وانكسارٌ يعتري المرءَ من خوف ما يُلام به، قيل: هو مأخوذ من الحياة، فكأن الحَيَّ صار لِما يعتريه من التغير والانكسار منتقِضَ الحياة، مُنكسرَ القوى، ولذلك قيل: مات حياءً، وجمَد في مكانه خجلاً . وإنما أفرده بالذكر؛ لأنه كالدَّاعي والباعث إلى سائر الشُّعب؛ فإن الحَيِيَّ يخاف فضيحةَ الدنيا، وفظاعةَ الآخرة، فينزجرُ عن المعاصي، ويَتثبَّط عنها(٢) . (ك): التَّيميُّ: (الحياء): الاستحياء، وهو ترك الشيء لدَهشة تلحقك عنده، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]؛ أي: يتركون، قال: وأَظنُّ أن الحياةَ منه؛ لأنه البقاءُ من الشخص. أقول: ليس هو تركَ الشيء، بل هو دهشةٌ تكون سبباً لترك الشيء(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١/ ٣٩). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢١). ٥٤٩ (ق): (الشعبة) في الأصل: واحدة الشُّعَب، وهي أغصان الشجر، وهي بضم الشين، ويراد بالشعبة في الحديث: الخَصْلَة؛ يعني: أن الإيمان ذو خصال معدودة(١). (خط): إنما كان الحياءُ شعبةً من الإيمان؛ لأنه يَحجز صاحبَهُ عن المعاصي، فصار [من] الإيمان؛ إذ الإيمان ينقسم إلى ائتمار لِمَا أمر الله، وانتهاءٍ عَمَّا نهى عنه(٢). (ن): قال القاضي: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كانت غريزةً؛ لأنه قد يكون تَخلُّقاً واكتساباً؛ كسائر أعمال البِرِّ، وقد يكون غريزة، لكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب نِيَّة وعلم، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثاً على أفعال البِرِّ، مانعاً من المعاصي(٣). (ق): هذا المُكتسَبُ هو الذي جعله الشرعُ من الإيمان، وهو الذي يكلّفُ به، وأما الغَریزيُّ: فلا يكلف به؛ إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وُسْعِنا، غير أن هذا الغَريزيَّ يَحملُ على المُكتسَب ويُعين عليه؛ ولذلك قال ◌َله: ((الحَياءُ لا يأتي إلاَّ بخَيْرِ)) (٤)، و(الحَياءُ خيرٌ كُلُّهُ»(٥). وأَوَّلُ الحياء وأَوْلاهُ: الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك مولاك (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٦). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٣١٢). (٣) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٢ / ٥). (٤) رواه البخاري (٥٧٦٦)، من حديث عمران بن حصين ـ (٥) رواه مسلم (٣٧/ ٦١)، من حديث عمران بن حصين ﴿ه. ٥٥٠ حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفةٍ بالله كاملةٍ، ومُراقبةٍ له، وهي المُعبَّرُ عنها بقوله: ((أَنْ تَعْبُدَاللهَ كأنَّكَ تَراهُ)) (١). وقد روى الترمذيُّ من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((استَحْيُوا منَ اللهِ حَقَّ الحَياءِ)) الحديثَ (٢)، وقد سبق قريباً، وأهل المعرفة في هذا الحياء مُنقسمون؛ كما أنهم في أحوالهم مُتفاوتون(٣). ١٢٦ - العاشرُ: عنهُ: أن رَسُولَ اللهِوَ له قال: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِثْراً، فَنَزَلَ فيها فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُل الثَّرَى مِنَ العَطَش، فقال الرَّجُل: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِّي، فَنَزَلَ البِثْرَ، فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَه بِفِيهِ، حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَه))، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْراً؟ فَقَالَ: ((في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)) متفقٌ عليه. وفي روايةٍ للبخاري: ((فَشَكَرَ اللهُ لَه، فَغَفَرَ لَه، فَأَدْخَلَه الجنَّةَ». وفي روايةٍ: لَهُما: ((بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطيف بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُه ◌ُته. (١) رواه البخاري (٥٠)، من حديث أبي هريرة (٢) رواه الترمذي (٢٤٥٨)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩٣٥). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٨). ٥٥١ العَطَش، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ». (المُوقُ)): الخُفُّ. ((وَيُطِيفُ)): يَدُورُ حَوْلَ ((رَكِيَّةٍ)) وَهِيَ البِثْرُ. (الجَشِرُ) (ن): (لهث) بفتح الهاء وكسرها (يَلْهَثُ) بفتحها لا غير (لَهْئاً) بإسكانها، والاسم (اللَّهَثُ) بفتحها، ورجل لَهْثَانُ، وامرأةٌ لَهْثى، وهو الذي أخرج لسانَه من شِدَّة العطش والحَرِّ، و(شَكَرَ اللهُ له) معناه: قَبِلَ عنه، وأثابه، فغفر له(١). (ق): أي: أظهر ما جازاه به عند ملائكته، أو أثنى عليه عندهم، وأصل الشكر: الظُّهور؛ كما قالوا: دابة شَكور: إذا ظهر عليها من السِّمَن أكثرَ ممَّا تأكلُه من العَلَف(٢). (ن): ((في كل كبد رطبة أجر)) معناه: أن في الإحسان إلى كُلِّ حَيَوان بسقيه ونحوه أجراً، وسُمِّي الحَيُّ ذا كبد رطبة؛ لأن المَيْتَ يَجِفُّ جسمه وکَبِدُه. وفيه: الحَثُّ على الإحسان إلى الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، سواء كان مملوكاً له أو لغيره، فأما المأمورُ بقتله؛ كالكافر الحَربِيِّ، والمُرتدِّ، والكلب العقور، والفَواسق الخمس، وما في معناهن: فيمتثل أمرَ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٤١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٥٤٥). ٥٥٢ الشرع في قتله(١). (ق): فيه: أن الإحسان إلى الحيوان والرِّفق به يُعْظِمُ الأُجورَ، ولا يناقضه أنا قد أمرنا بقتل البعض، وأبيح لنا ذبح البعض؛ فإن ذلك إنما شُرع لمصلحة راجحة، ومع ذلك قد أمرنا بإحسان القتل والرِّفق بالذبيحة(٢). (تو): قيل: إن الكبد إذا ظمئت تَرَطَّبت، وكذا إذا أُلقيت على النار، وقيل: هو من باب وصف الشيء باعتبارِ ما يَؤُول إليه، فمعناه: في كلِّ كبد حَرَّى لمن سقاها حتى تصيرَ رَطْبةً أَجرٌ، والأول أوجُه؛ لأن (الرَّطبة) قد وردت في الحديث بدل (الحارة)، فيجب أن يكون بمعناها. (ط): التركيب وارد على سبيل المبالغة؛ وذلك أنهم لمَّا سمعوا حديثَ سَقْي المُومِسة وغفران الله لها، فتعجبوا من ذلك وقالوا: ((إن لنا)؛ أتوا بالاستفهام المولِّد للتعجّب، وأكَّدوا بـ (إنّ)؛ بالَغَ صلواتُ الله عليه [في الجواب]؛ حيث عَمَّ أجناسَ الحيوان كلَّها، وقيد الكبد بالرطبة لتدل على أن الكبد الحَدَّى أَوْلَی وأَخْری(٣). * قوله: «إذ رأته بغي)): (الأزهري): يقال: امرأة بَغِيٌّ؛ وبغت المرأة تبغي بِغاءً: إذا زنت، وفي رواية في ((الصحيح)): ((غُفِرَ لامرأةٍ مُومِسةٍ مَرَّتْ بِكَلبٍ على رَأسِ رَكِيِّ يَلْهَثُ فَسَقَتْهُ)) الحديثَ. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٤١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٤٦). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤٨)، وفيه: ((المؤكد للتعجب)) مكان: ((المولد للتعجب». ٥٥٣ و(المُومسة): الفاجرة المجاهرة. ١٢٧ - الحَادِي عَشَرَ: عَنْهُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَريقِ كَانَتْ تُؤْذِي المُسْلِمِینَ) رواه مسلم. وفي رواية: ((مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنٍ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لْأُنَكُيَنَّ هَذَا عَنِ المُسْلِمِينَ لا يُؤْذِيهِمْ، فَأُدْخِلَ الجَنَّة)». وفي رواية لهما: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». (الجَّادِي عَيْشَرَ» (ق): ((يتقلب في الجنة))؛ أي: في نعيم الجنة، وملابسها، وقُصورها، وسائر ما أَعدَّ الله فيها . وقوله وَلافي: ((فشكر الله له))؛ أي: أظهر لملائكته أو لمَنْ شاء من خلقه الثناءَ عليه بما فعل من الإحسان لعبيده، أو جازاه جزاء الشاكر، فسُمِّي الجزاء شكراً، وعُبِّر عنه بـ (شَكَر)، وكل ذلك إنما حصل لهذا الرجل بحُسن نيته في تنحية الأذى، ألا ترى إلى قوله: ((والله لأنحين هذا))؟(١) (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٠٣). ٥٥٤ ١٢٨ - الثَّاني عَشَرَ: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لِ: ((مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ، وَزِيادَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسنَّ الحَصَا فَقَدْ لَغَا)) رواه مسلم. (الثَّانِي عَنَّ) * قوله ولي: ((من توضأ فأحسن وضوءه، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت؛ غفر له)) يستدل به على أن غُسل الجمعة ليس بواجب مُتحَتِّم؛ إذ رتَّبَ المدحَ على تحسين الوضوء فقط. (ن): ((فاستمع وأنصت)» هما شيئان متمایزان، وقد يجتمعان، فالاستماع: الإصغاء، والإنصات: السُّكوت. ((وزيادة)) نصب على الظرف، معناه: أن الحسنة بعشر أمثالها، والمُرادُ ما بين الجُمُعتين من صلاة الجمعة وخُطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية، حتى يكونَ سبعةَ أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويُضمُّ إليه ثلاثة أيام، فيكون عشرة(١). * قوله: ((ومن مس الحصا فقد لغا)) قال في ((الفائق)): المراد بمَسِّ الحصا: تسوية الأرض للسجود؛ فإنهم كانوا يسجدون عليها، وقيل: هو تقليب السُبْحَة ونحوها . (ن): فيه: النهيُ عن مَسِّ الحصا وغيره من أنواع العَبَث حالَ الخطبة، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٤٧). ٥٥٥ وفيه: إشارةٌ إلى إقبال القلب والجوارح على الخُطبة، والمراد باللغو هنا الباطلُ المَذمومُ المَردودُ(١). (ق): ((فقد لغا))؛ أي: أتى لغواً من القول والفعل، قال الهروي: تكلم بما لا يجوز له، وقيل: لغا عن الصواب؛ أي: مال عنه، وقال النَّضْرُ بن شُمَيل: لغا؛ أي: خاب، وألغيته؛ أي: خَيَّتُه. وقال ابن عرفة: اللَّغوُ: الشيء المُسْقَط؛ أي: المُلْغَى، يقال: لغا يلغو، ولَغِيَ يَلْغَى. وفيه: دليل على وجوب الإقبال لاستماع الخُطبة، والتجرد لذلك، والإعراض عن كُلِّ ما يشغَلُ عنها؛ ولذلك قال نَّهِ: ((مَنْ قال لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ، يومَ الجُمعَةِ والإمامُ يَخطُبُ؛ فَقَدْ لَغَ))(٢)، وهو حُجَّةٌ على وُجوب، الإنصات للخُطبة لمن كان مستمعاً، وذهب الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ وبعضُ السَّلَف إلى أنه ليس بواجب إلا عند تلاوة القرآن، وهذه الأحاديثُ حُجَّةٌ عليهم. واختلف الجمهور فيمن لا يستمع الخطبة، هل يلزمه الإنصات أم لا؟ فأكثرهم على أن ذلك لازمٌ، وقال أحمدُ والشافعيُّ في أحد قوليه: إنما يلزم مَنْ يسمع. ونحوُه عن النَّخَعِيِّ، فلو لغا الإمام؛ فهل يلزم الإنصاتُ أم لا؟ قولان لأهل العلم ولمالك(٣). (١) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٢) رواه البخاري (٨٩٢)، من حديث أبي هريرة (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٨٧). ٥٥٦ ١٢٩ - الثَّالثَ عَشَرَ: عَنْهُ: أن رَسُولَ اللهِله قال: ((إِذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ - أوِ المُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَّةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ المَاءِ - أوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خُطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ مَعَ المَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ» رواه مسلم. (الثَّالِثُ عَشْرِ (ن): ((المسلم أو المؤمن)» هو شَكٌّ من الراوي، وكذلك قوله: ((مع الماء أو مع آخر قطر الماء)»، والمراد بالخطايا: الصَّغائرُ دون الكبائر. قال القاضي: والمراد بخروجها مع الماء المَجازُ والاستعارةُ في غُفرانها؛ لأنها ليست بأجسام فتخرجَ حقيقةً(١). (ق): ويفهم منه (٢): أن غايةَ الغَسْل أن يَقطُر الماءُ، وقد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على نجاسة الماء المستعمل، ولا حُجَّة له، ذكره القاضي. وعند مالك: أن الماء المستعمل طاهر مُطَهِّر، غير أنه يُكره استعماله (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٣). (٢) في ((المفهم)): ((ولا يُفهم منه)). ٥٥٧ مع وجود غيره؛ للخلاف فيه. وعند أَصْبِغَ: أنه طاهر غير مُطَهِّر، وقيل: إنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، وقد سَمَّاه بعضهم: ماءَ الذُّنوب(١). (ط): ((كل خطيئة نظر إليها))؛ أي: نظر إلى سببها؛ إطلاقاً لاسم المُسبَّب على السبب؛ مُبالغةً، وكذلك في البواقي. فإن قلت: ذكر لكل عضو ما يختصُّ به من الذنوب، والوجه مشتمل على العين، والفم، والأنف، والأذن، فلم خصت بالذكر دونها؟ قلت: العين طَليعةُ القلب ورائدُهُ، فإذا ذُكرت أغنت عن سائرها، انتهى. أو يقال: إن المُكتسَبةَ بالأنف والأذن قليلة بالنسبة إلى النظر غالباً، والمُكتسَبةُ بالفم واللِّسان غالبُها مُتعلِّقٌ بحقٌّ الآدمي، فلا يُمحى بالعبادات(٢). (ق): قد روى هذا الحديثَ مالكٌ، وزاد: ((فإذا مسحَ بَرأسهِ خَرجَتِ الخَطَايا من رَأسهِ حَتَّى تخرجَ مِنْ أُذُنَّهِ))(٣)، استدل به بعض أصحابنا على صِحَّة قول مالك: الأُذنان من الرأس، ولم يُرِدْ مالك بذلك أن الأُذنين جزء من الرأس؛ بدليل أنه لم يختلف عنه أنهما يُمسحان بماء جديد، وأن من تركهما حتى صلى؛ لم يلزمه الإعادة، وإنما أراد أنهما يُمسحان كما يُمسَحُ الرأسُ، لا أنهما يغسلان كما يغسل الوجهُ؛ تَحرُّزاً ممَّا يُحكى عن ابن (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٤٤). (٣) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١/ ٣١)، من حديث عبدالله الصنابحي ته، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٤٩). ٥٥٨ شهاب(١) أنه قال: إن ما أقبل منهما على الوجه هو من الوجه، فيغسل، وما يلي الرأسَ هو من الرأس، فيمسح معه(٢). (ط): الضمير في (مشتها)) راجع إلى الخطيئة، ونصب بنزع الخافض، أو يكون مصدراً؛ أي: مشت المَشْيَةَ؛ كقوله بَّهِ: ((واجْعَلْهُ الوَارثَ مِنَّ)(٣)؛ أي: اجعل الجعل، و((بعينيه))، و((يداه))، و((رجلاه)) كلُّها تأكيداتٌ تُفيد المبالغةَ في الإزالة (٤). ١٣٠ - الرَّابعَ عَشَرَ: عنه، عن رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قالَ: (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتُ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ)) رواه مسلم. 3 (ن): قد يقال: إذا كَفَّر الوضوء فماذا تُكفِّر الصلاة؟ وإذا كَفَّرت الصلاة فماذا تُكَفِّرِ الجُمُعاتُ ورمضان؟ وكذلك صومُ عرفة كفارةُ سنتين، ويومُ عاشوراء كفارةُ سنة، وإذا وافق تأمينَه تأمينُ الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه؟ (١) في الأصل: ((هشام))، والتصويب من ((المفهم)) (١١ / ٤٩٤). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٣). (٣) رواه الترمذي (٣٥٠٢)، من حديث ابن عمر رائها، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٢٦٨). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ٧٤٤). ٥٥٩ فالجواب: أن كلَّ واحد من هذه المذكورات صالحٌ للتكفير، فإن وَجد ما يكَفِّره من الصَّغائر كَفَّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة ◌ُتب به حسناتٌ، ورُفع به درجات، وإن صادف به كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرة؛ رجونا أن يُخفِّفَ من الكبائر، والله أعلم(١) . (ق): أو نقول: إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فلا بُعْدَ في أن يكون بعضُ المتوضئين يحصل له من الخُضور ومراعاة الآداب المُكمِّلة ما يَستقِلُّ بسببها وضوؤه بالتكفير، ورُبَّ متوضئ لا یحصل له مثلُ ذلك، فيُكَفَّر عنه بمجموع الوضوء والصلاة. وقوله: ((إذا اجتنبت الكبائر)): يدل على أن الكبائر إنما تغفر بالتوبة المُعبَّر عنها بالاجتناب في قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ ، تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١](٢) . (ن): هذا هو مذهب أهل السنة؛ فإن الكبائر إنما يُكفِّرها التوبةُ ورحمةٌ الله وفضله. وفيه: جوازُ قول: (رمضان) من غیرِ إضافة (شهر) إليه، ولا وجهَ لإنكارِ مَن أنکر. وقوله: ((إذا اجتنب)) هكذا هو في أكثر الأصول آخِرُه باء موحدة، و ((الكبائر)) منصوب؛ أي: إذا اجتنب فاعلُها الكبائرَ، وفي بعض الأصول: ((اجتنبت)) بزيادة تاء مثناة في آخره على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ورفع ((الكبائر))، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١١٣). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩١). ٥٦٠ وكلاهما صحيح ظاهر(١). ** * ١٣١ - الخَامسَ عَشَرَ: عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَاَ أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟))، قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قال: ((إِسْبَاغُ الوُضوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاة بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ)) رواه مسلم. (الجَُّعَبْشَ) (ن): مَحْوُ الخطايا كنايةٌ عن غُفرانها، ويحتمل مَحْوُها من كتاب الحَفَظة، فيكون دليلاً على غُفرانها، ورفعُ الدرجات: إعلاءُ المنازل في الجَنَّةَ، وإسباغُ الوضوء: إتمامه، والمَكارهُ تكون بشِدَّة البرد، وألمِ الجسم، ونحوِ ذلك(٢). (نه): ((المكاره)): جمع مَكْرَه بفتح الميم؛ من الكُره: المَشقَّةُ والألم، وقيل: منها إعْوازُ الماء، والحاجة إلى طلبه وابتياعه بالثمن الغالي(٣). (ن): ((كثرة الخطا)): تكون بُبُعد الدار، وكثرة التكرار، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١١٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤١). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٦٨). ٥٦١ قال أبو الوليد الباجي: هذا في المشتركتين من الصلوات في الوقت، وأما غیرهما؛ فلم یکن من عمل الناس . قلت: هذا فيه نظر، والله أعلم(١). (مظ): إذا صلى بالجماعة أو منفرداً ينتظر صلاة أخرى، وتعلُّقُ قلبه بها؛ إما بأن يجلس في المسجد ينتظرها، أو يكون في بيته، أو يشتغل بكَسْبهِ وقلبُه مُتعلِّقٌ بها ينتظر حضورها، وكل ذلك داخل في هذا الحكم(٢). (ن): في رواية مسلم تكرار: ((فذلكم الرباط)) مرتين، وفي ((الموطأ»: ثلاثَ مرات(٣)، وأما حِكمةُ التكرار(٤): فقيل: للاهتمام به وتعظيم شأنه، وقيل: كرره روّي على عادته في تكرار الكلام؛ لُيُفَهَم عنه، والأول أظهر. وقوله: (فذلكم الرباط))؛ أي: الرِّباط فيه، وأصل الرِّباط: الحَبْسُ على، الشيء، كأنه حبس نفسَه على هذه الطاعة، وقيل: يحتمل أنه أفضلُ الرِّباط؛ كما قيل: الجِهادُ جهادُ النفس(٥) . (قض): (الرباط): المرابطة، وهي ملازمة ثَغْر العدو؛ مأخوذٌ من الرَّبْطِ، وهو السَّدُّ، والمعنى: أن هذه الأعمال هي المُرابطة الحقيقية؛ لأنها (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤١). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٤٨). (٣) رواه مسلم (٢٥١)، والإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ١٦١)، من حديث أبي هريرة څته . (٤) في الأصل: ((النهار)). (٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٤١). ٥٦٢ تَسُدُّ طُرقَ الشيطان على النفوس، وتقهر الهوى، وتمنعها عن قبول الوَساوس، واتباع الشَّهوات، فيغلب بها حزبُ الله جنودَ الشيطان، وذلك هو الجهاد الأكبر؛ إذ الحكمة في شرع الجهاد تكميلُ الناقصين، ومَنْعُهم عن الإفساد والإغواء(١). (ط): وفيما ذكر معنى ما يروى: ((رَجَعْنا منَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إلى الجهَادِ الأَكْبرِ))(٢)؛ لإتيان اسم الإشارة الدالِّ على بُعد منزلة المشار إليه القريب في مقام التعظيم، وإيقاعِ (الرباط) المُحلَّى بلام الجنس خبراً لاسم الإشارة؛ كما في قوله تعالى: ﴿الّ ن ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ [البقرة: ١ -٢]؛ إذ التعريف في الخبر للجنس، فالمعنى: المذكورُ هو الذي يستحق أن يُسمَّی رباطاً، وأن غير ذلك لا يَستأهِلُ أن يُسمَّى هذا الاسم بالنسبة إليه؛ لما فيه من قهر أَعدى عَدُوِّ الله؛ النَّفْسِ الأَمَّارة بالسُّوء، ولمّا أُريد تقريرُ ذلك مزيدَ تقریر، واهتمامٌ بشأنه بعد اهتمام؛ کرره تکریراً(٣). ١٣٢ - السَّادسَ عَشَرَ: عن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ ◌َلُبه قال: قال رسولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ» متفقٌ عليه. ((البَرْدَانِ)»: الصُّبْحُ وَالعَصْرُ. (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٦٩). (٢) رواه البيهقي في ((الزهد)) (٣٧٣)، من حديث جابر ﴿ه، وقال: هذا إسناد فيه ضعف. (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٤٣). ٥٦٣ ـي (خط): ((البردين)): صلاة الفجر وصلاة العصر، سُمِّيا بذلك لأنهما يكونان أبرد من وسط النهار(١). وإنما خُصَّتا بهذا الفضل لأنهما مشهودتان، يشهدهما ملائكة الليل والنهار، ولأن الصبحَ مِمَّا يثقل على النفوس؛ إذ النوم والكسل يغلب عليها في وقتها، والعصر يقام عند قيام الأسواق، واشتغالنا بالمعاملات. والمعنى: أن المسلم إذا حافظ [عليهما مع ما فيه من التثاقل والمشاغل؛ كان الظاهر من حاله أن يحافظ](٢) على غيرهما أشدَّ مُحافظة، وما عسى [أن] يقع منه التفريط فبالأحرى أن يقع مُكَفِّراً، فيُغفرَ له، ويدخلَ الجنة . (ك): خص (البَردين) بالذكر؛ إظهاراً لزيادة شرفهما، وترغيباً في حفظهما، و((دخل الجنة)) من باب قوله: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] جُعِلَ مُحقَّقُ الوقوع في حكم الواقع، أو ضَمَّن (مَنْ) معنى الشرطية، وأعطاها حكمَ (إن) في جعل الماضي مستقبلاً (٣). ١٣٤ - الثَّامنَ عَشَرَ: عَنْ جَابِرِ ◌َ﴿ه قال: قال رسولُ الله ◌َلِ: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)) رواه البخاري، ورواه مسلم مِن رواية حُذَيْفَةَ ﴾. (١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٢٠٠). (٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٩٥). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٢١٦). ٥٦٤ [(الثَّامِنِ عَبْشَةَ﴾](١) * قوله ◌َ : ((كل معروف صدقة»: (نه): ((المعروف)): اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله تعالى، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وهو من الصفات الغالبة؛ أي: أَمرٌ مَعروفٌ بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، ومن المعروف النَّصَفَةُ، وحُسن الصُّحبة مع الأهل وغيرهم، وتلقِّي الناس بوجه طَلْق وبَشاشة (٢). (ن): فيه: بيان أن [اسم] الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، و[فيه]: أنه لا يحتقر شيئاً من المعروف، و[أنه ينبغي] أن لا يبخل به، بل ينبغي أن يحضره، انتهى(٣). قال الحافظُ محمَّدُ بن معمر القرشيُّ: (المعروف): اسمٌ لكل ما عُرف حُسْنُه في قضايا العقول؛ من إعانةِ مظلوم، أو إغاثةِ مهضوم، أو تفريجٍ عن مَكروب، أو مساعدةٍ على مطلوب، أو جَبْرِ كَسِير، أو إنقاذِ أسير، أو مسامحةٍ في فُرُط (٤)، أو تخليصٍ من وَرْطة، أو تبسمٍ في وجه ضعيفٍ، أو ترطيبٍ کبدٍ حَرَّى، أو تنفيسٍ عن نفس حَيْرى، أو دفعٍ جَوْعَة، أو سترِ عورة، أو سترِ خُلَّة، (١) كذا في الأصل قد ترك الكلام على الحديث السابع عشر. (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢١٦). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩١) ووقع في الأصل: ((يختص)) مكان ((يحتقر))، و((يُخلَّ)) مكان ((يبخل))، والمثبت من ((شرح مسلم))، وهو الأنسب بمراد النووي رحمه الله . (٤) الفُرُط: الظلم والاعتداء. انظر: ((القاموس المحيط)) للفيروز أبادي (ص: ٨٧٩): مادة: (فرط). ٥٦٥ أو إقالةٍ من زَلَّة، أو صلةِ رحمٍ كاشحٍ، أو عفوِ ذنبٍ عند القدرة، أو إنظارِ ذي عُسرة إلى أوان الميسرة، أو إغضاءٍ عن حق، أو فكِّ رقبة، أو إطعامٍ في يومٍ ذي مَسْغَبة، يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا مَتْربة، أو إلقاء كلمة طيبة. وقوله: ((صدقة))؛ أي: يدفع البلایا کالصَّدقات، ويثاب عليه كما يثاب عليها، فعلاً كان أو نية : إِنَّ اهتمَامَكَ بالمَعْرُوفِ مَعْرُوفُ لأَشْكُرنَّكَ معروفاً هممتَ به فالشَّيءُ بالقَدَرِ المَخْتُومِ مَصْرُوفُ ولا أَلَومُكَ إِنْ لَمْ يُمْضِهِ قَدَرٌ وروي: أن النبيَّ نَّهِ قال: «أَهلُ المَعرُوفِ فِي الدُّنيا هُمْ أَهلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ))(١)، قيل: إن معناه: أن مَنْ تَعوَّد إبلاءَ المعروف في الدنيا؛ جوزي بفعله وأُولي إليه في الآخرة. وقيل: المعروف هنا الشفاعةُ للعجزة والضَّعَفة فيما دون الحَدِّ؛ أي: من اشتهر بالشفاعة في الدنيا صار من أهل الشفاعة للمُذنبين في العُقْبى. وقيل: إنه يُغفرُ لهم يوم القيامة لمَعْرُوفهم، وتبقى حسناتُهم نافلةً، فيُعْبتونها فيمَنْ رَجَحَتْ سيئاتُه على حسناته لينجو . وفي رواية: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقةٌ، ولَوْ أَنْ تلقَى أَخَاكَ بوَجْهِ طَلْقٍ، ولَوْ أَن تُفْرِغَ من دَلْوِكَ في إناءِ أَخيكَ))(٢). (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦١١٢)، من حديث سلمان ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٠٣١). (٢) رواه الترمذي (١٩٧٠)، من حديث جابر ره، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)» (٤٥٥٧). ٥٦٦