Indexed OCR Text
Pages 401-420
البراهينَ التي حَرَّرها المُتكلِّمون إنما أخذ بها المُتأخِّرون، ولم يخُضْ في
تلك الأساليب السّلفُ الماضون، فمِنَ المُحَال والهذيان أن يُشترَطَ في
صِحَّة الإيمان ما لم يكن معروفاً لأهل ذلك الزَّمان(١).
* قوله يلقي: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه»:
(ن): هذا من جوامع الكلم الذي أُوتيها وَِّ؛ لأنَّا لو قَدَّرنا أن أحدنا قام
في عبادة وهو يُعاين رَبَّه سبحانه وتعالى؛ لم يترك شيئاً مِمَّا يُقدر عليه؛ من
الخُضوع والخُشوع، وحُسن السَّمْت، واجتماعِه بظاهره وباطنه على أحسن
وجوهها: إلا أتى به، فقال ◌َّهِ: اعبدِ اللهَ في جميع أحوالك كعبادتك في حال
العِيان، فمقصود الكلام: الحَثُّ على الإخلاص في العبادة، ومُراقبةِ العبد
ربَّه تبارك وتعالى في إتمام الخُضوع والخُشوع وغير ذلك، وقد ندبَ أهلُ
الحقائق إلى مُجالسةِ الصَّالحين؛ ليكون ذلك مانعاً من تلبُّسهِ بشيء من
النقائص، واحتراماً لهم، واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله سبحانه
وتعالى مُطَّلعاً عليه في سره وعلانيته(٢)؟!
(ق): ((الإحسان)): مصدر أَحسنَ يُحسِنُ إحساناً، ويجيء على معنيين:
أحدهما: مُتعدٍّ بنفسه؛ كقولك: أحسنت كذا وفي كذا: إذا أحسنْتُه
وكَمَّلْتَه.
وثانيهما: مُتعدٍّ بحرف الجر؛ كقولك: أحسنت إلى كذا؛ أي: أوصلت
إليه ما ينتفع به .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٤٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٥٧).
٣٠٧
وهو في الحديث بالمعنى الأول لا بالمعنى الثاني؛ إذ حاصلُه يرجع
إلى إتقان العبادات، ومراعاةٍ حقوق الله تعالى فيها، ومُراقبته، واستحضار
عظمته وجلاله حالةَ الشُّروع، وحالةَ الاستمرار فيها.
وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالین:
أحدهما: غالبٌ عليه مشاهدةُ الحق وكأنه يراه، ولعل النبيَّ ◌َّ أشار
إلى هذه الحالة بقوله: ((وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيِنِي فِي عِبَادَة رَبِّيٍ))(١).
ثانيهما: يغلبُ عليه أن الحقَّ مُطَّلع عليه ومُشاهِدٌ له، وإليه الإشارةُ
بقوله: ﴿الَّذِى يَرَبِكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨]، وبقوله: ﴿ وَمَا تَكُنُ فِ شَأْنٍ وَمَا
تَثْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهٍ﴾
[يونس: ٦١].
وهاتان الحالتان ثمرةُ معرفة الله تعالى وخَشيتهِ، ولذلك فُسِّر الإحسانُ
في حديث أبي هريرة بقوله: ((أَنْ تَعْبدَ اللهَ كأَنَّكَ تَراهُ))(٢)، فعَبَّر عن المُسبَّب
باسم السّبب توسُّعاً، والألف واللام في (الإحسانِ) المسؤولِ عنه للعهد، وهو
الذي قال الله فيه: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، و﴿هَلْ جَزَآءُ
اُلْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، و﴿وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]،
ولما تكرر الإحسان في القرآن، وترتَّبَ عليه هذا الثوابُ العظيم؛ سأل عنه
جبريلُ النبيَّ ◌ََّ، فأجابه(٣).
(١) رواه النسائي (٣٩٣٩)، من حديث أنس ظه، ولفظه: ((وجعلت قرة عيني في
الصلاة)). وهو حديث حسن. انظر: ((تخريج أحاديث المشكاة)) (٥٢٦١).
(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٤٢).
٣٠٨
(ط): يجوز أن يحمل على المعنى الثاني، وذلك أن العاملَ المُرائي
يُبطِلُ عملَه ويُحبِطُه، فيَظلِمُ نفسَهُ، فقيل له: أَحسِن إلى (١) نفسك،
ولا تُشركْ بالله، واعبدِ الله كأنك تراه، وإلا فتَهلِكُ.
وأما تقدير الشرط والجزاء: فهو أن يقال: إن لم تعبد الله كأنك تراه؛
فاعبده كأنه (٢) يراك؛ أي: كن عالماً مُتَيقُّظاً مُجِدّاً في مواقف العُبودية،
مُخلِصاً في نيتك.
واعلم أن للعبد بين يدي مولاه حالاتٍ ثلاثةً:
إحداها: حالة اشتغاله بالعبادة على سُنَنِ تُسقط عنه القضاءَ؛ من
حِفظ شرائطها وأركانها وهيئاتها .
و[الثانية]: حالة تمكُّنه من الإخلاص في القَصد، وأنه بمرأَى من مَولاه،
وأنه مُراقِبٌ لحركاته وسكناته.
و[الثالثة]: حالة مشاهدته واستغراقه في بحار المُكاشَفة، وإليه لمحَ
قولُه ◌َّهِ: ((جُعِلَ قُرَّةُ عَيِنِي فِي الصَّلاةِ)(٣)، و(أَرِحْنَاَ يا بِلالُ))(٤)، فشَبَّه الحالةَ
الثانية التي هي المُراقبة بحالة المُكاشَفة التي هي من خواصِّ سيد المرسلين وَل
في الدُّنيا.
(١) في الأصل: ((كما)).
(٢) في الأصل: ((كأنك)).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) رواه أبو داود (٤٩٨٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٧٨٩٢).
٣٠٩
ووجه التشبيه: حُصول الاستلذاذ بالطاعة، والراحةِ بالعبادة،
وانسدادُ مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكَشف عليه، وهو ثمرةٌ
امتلاء زوايا القلب من المَحبوب، واشتغالِ السِّرِّ به.
فقوله: ((فإن لم تكن تراه)) تَنزُّلُ من مقام المُكاشَفة إلى مقام المُراقبة،
فينبغي أن يقدَّر: فاعلم قولي: إنه يراك، انتهى(١).
قال الشيخ أبو العَبَّاس أحمدُ بن رجب الحنبليُّ رحمه الله لأبي عبادة
البُحتُريِّ في معنى الإحسان أبياتاً حسنةً، لكنه أساء بقولها في مخلوق، وقد
أصلحْتُ منها كلماتٍ حتى استقامت على الطريقة:
وآخرَ یَرعَى نَاظِري ولِسَانِي
كَأنَّ رَقِيباً مِنْكَ يَرِعَى خَوَاطِري
م
يَسُوءُك إلا قُلتُ قَدْ رَمَقَانِي
فما أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ بَعدَكَ مَنْظَراً
لِغَيرِكَ إلا قلتُ قَدْ سَمِعَانِي
ولا بَدَرَتْ من فِيَّ بعدَكَ لَفْظَةٌ
على القَلبِ إلا عَرَّجا بعِنَاني
ولا خَطرَتْ من ذكر غَيْرِكَ خَطْرَةٌ
بذكرٍ فُلانٍ أو كَلامِ فُلانٍ
إذا ما تَسلَّى القَاعِدُونَ عنِ الهَوى
إلى قُرْبِكُم حَتَّى أَملَّ مَكَاني
وَجِدْتُ الذِي يُسْلِي سِوَايَ يَشُوقُنِي
وغَضَضْتُ طَرْفِي عَنْهِمُ ولِسَاني
وإخوانِ صِدْقٍ قد سَئِمتُ لِقَاهُمُ
أَرَاكَ على كُلِّ الجِهَاتِ تَرَانِي(٢)
وبالبُغْضِ أَسْلَى عَنْهُمُ غيرَ أَنَّنِي
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٣٠).
(٢) انظر: ((كلمة الإخلاص)) لابن رجب (ص: ٥١).
٣١٠
قوله: ((فأخبرني عن الساعة)) في ((الكشاف)): سُمِّيت ساعةً؛ لوقوعها
بَغْتَةً، أو لسُرعة حسابها، أو على العكس؛ لطولها، أو لأنها عند الله على
طُولها كساعة من الساعات(١).
أراد بقوله: (على العكس): [أنها سُمِّيت بها بناءً على عكس](٢)
ما هي عليه - أي: من الطُّول - تلميحاً؛ كما سُمِّي المَهْمَه(٣) مَفازةً،
والأَسودُ كافوراً.
وقوله: ((ما المسؤول عنها)): الضمير المرفوع فيه عائد إلى اللام(٤)،
والمجرور إلى الساعة، فلا بد من تقدير مُضاف في السؤال والجواب؛
نحو: (وقت) و(أيان)؛ إذ وجودُ الساعة ومجيئها مقطوعٌ به، وإنما يُسأل
عن وقتها.
فإن قلت: لفظة (أعلم) مُشعرةٌ بوقوع الاشتراك في العلم، وأحدهما
أزيدُ من الآخر، وهما متساويان في انتفاء العلم منهما.
فالجواب: أنه رَّ نفى أن يكون صالحاً لأن يُسألَ عنه على سبيل
الكناية؛ لما عرفت أن المسؤول في الجملة ينبغي أن يكون أعلمَ من
السائل، فهو من باب قوله: ﴿وَلَا شَفِيعِبُطَاعُ ﴾ [غافر: ١٨].
أو يقال: إنه وَّ نفى عن نفسه العلمَ بالمسؤول عنه بوجه خاصٍّ،
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢ / ١٧٢).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (١ / ٤٣١).
(٣) المَهْمَهُ: الصحراء.
(٤) يعني: (أل) في قوله: ((المسؤول)).
٣١١
تلخيصه: إنا متساويان في أنا نعلم أن للساعة مجيئاً في وقت ما من
الأوقات، وذلك هو العلمُ المُشترك بيننا، ولا مزيدَ للمسؤول على هذا العلم
حتى يتيقَّنَ عنده المسؤول عنه، وهو الوقت المُتعيِّن الذي يتحقَّق فيه
مجيءُ الساعة(١).
(ن): فيه: أنه ينبغي للعالم والمُفتي وغيرهما إذا سُئل عَمَّا لا يعلم أن
يقول: لا أعلم، وأن ذلك لا يُنقِصُه، بل يُستدَلُّ به على وَرَعِه وتقواه وُفور
علمه(٢) .
(نه): الأمَارُ والأَمَارةُ: العلامة، وقيل: الأَمارُ جمع الأَمارة(٣).
* قوله وقال: ((أن تلد الأمة ربتها)):
(ن): وفي الرواية الأخرى: ((ربها)) على التذكير، وفي الرواية الأخرى: ،
(بعلها»، وقال: يعني: السَّراري، ومعنى (ربها) و(ربتها): سيدها ومالكها،
وسيدتها ومالکتها .
قال الأكثرون من العلماء: هو إخبارٌ عن كثرة السَّراري وأولادهن؛
فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مالَ الإنسان صائرٌ إلى ولده، وقد
يتصرف فيه في الحال تَصرُّفَ المالكين؛ إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما
بما يعلمُه من قرينة الحال أو عُرف الاستعمال (٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢/ ٤٣١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٥٨).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٦٧).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٥٨).
٣١٢
(قض): هذا إشارة إلى قوة الإسلام؛ لأن كثرة السَّبِيٍ والسَّراري دليلٌ
على استعلاء الدِّين، واستيلاء المؤمنين، وهي من الأَمَارات؛ لأن قوته
وبلوغَ الأمر غايتَه مُنذرٌ بالتراجع والانحطاط المُؤذن بأن القيامةَ ستقوم (١).
وقيل: إن معناه: أن الإماءَ يَلِدن المُلوكَ، فتكون ◌ُقُّه من جملة
رَعِيَّته، وهو سيِّدُها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيمَ الحَرْبيِّ.
وقيل: معناه: أنه تفسد أحوال الناس فيكثر أُمَّهات الأولاد في آخر
الزمان، فيكثر تَردادُها في أيدي المُشترين، حتى يشتريها أبوها ولا يدري،
ويحتمل على هذا القول أن لا يختصَّ بأُمَّهات الأولاد؛ فإنه منصورٌ في
غيرهن؛ فإن الأمةَ تلِدُ ولداً حُراً من غير سيدها بشُبهة، أو ولداً رقيقاً بنكاح
أو زناً، ثم تباعُ الأمةُ في الصُّورتین بیعاً صحيحاً، وتدورُ في الأيدي حتى
يشتريها، وهذا أكثر وأعَمُّ من تقديره في أُمَّهات الأولاد.
وقيل فيه غير ما ذكرناه، ولكنها أقوالٌ ضعيفة جِدّاً، أو فاسدةٌ،
فتركتُها .
(ق): وقيل: يكثر العُقوق في الأولاد، فيعامل الولد أُمَّه مُعاملةَ
السيد؛ من الإهانة والسَّبِّ، ويشهد لهذا قولُه في حديث أبي هريرة:
(المرأة)) مكان ((الأمة)) (٢)، وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تقومُ السَّاعةُ
حتى يكونَ الولدُ غَيْظاً))(٣).
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٤٨)، والحديث رواه القضاعي في ((مسند =
٣١٣
(ط): القَرينة الثابتة دَّت بالكناية الزُّبدية التي لا يُنظر فيها إلى
مفردات التركيب، لا حقيقة ولا مجازاً، بل تؤخذ الزُّبدةُ والخُلاصة من
المجموع، على أن الأذِلَّةَ من الناس ينقلبون أَعِزَّةً مُلوكَ الأرض، وينبغي أن
تُؤَوَّل القَرينةُ السابقة بما يقابلُها؛ ليتطابقا في أن يصيرَ الأَعِزَّة أَذِلَّةً، ومعلومٌ
أن الأُمّ مربية للولد، ومُدبرةٌ أمرَه، فإذا صار الولد رباً ومالكاً لها لا سيما إذا
كانت بنتاً؛ ينقلبُ الأمرُ.
ثم في وَضع الأَمة ووضعها بالولادة موضعَ الأُمِّ إشعارٌ بمعنى
الاسترقاق والاستيلاد، وأن أولئك الضَّعَفةَ الأَزِلَّة الذين فُهِموا من القَرينة
الثانية هم الذين يَتعزَّزون ويتسلَّطون، ويفتحون البلاد، ويَسترِقُون كرائمَ
النساء وشرائفَها، ويستولدونها فتلدُ الأَمةُ ربَّتها.
٠۔۔
فالحاصل أن قوله: ((أن تلد الأمة ربتها)) دَلَّ بعبارته على المقصود،
وبإشارته على معنىّ آخرَ، وهو كثرة المُستَولدات، وإنما وُصِفَ النساءُ
بالشَّرف والكرامة؛ ليفيد المعنى المقصودَ، وكان الواقع كذلك، ألا ترى
إلى الملكةِ حُرَقَةَ بنت النُّعمان حين سُبِيَت وأُحضرت بين يدي سعد بن أبي
وقاص څ کیف أنشدت:
إذا نَحْنُ فِيهم سُوقَةٌ نَتَنصَّفُ
فَبينا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمرُ أَمرُّنا
تُقُلَّبُ تَاراتٍ بنا وتُصَرَّفُ
فأُفِّ لِدُنيا لا يَدومُ نَعِيمُها
وإلى قول أبي الطيب :
= الشهاب)) (٩٤٩)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦٤٢٧)، من حديث عائشة
رضي الله عنها. وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦١٦٠).
٣١٤
وهُنَّ لدينا مُلْقَيَاتٌ كَوَاسِدُ
تَبَكِي عَليهِنَّ البَطارِيقُ في الدُّجَى
وفي معناه أنشد :
أَعِزَّتُها ذُلاً وسَادَ مَسُودُها
إذا ذَلَّ في الدُّنيا الأَعِزَّةُ واكْتَسی
وَلا أَمْرَعَتْ أَرضٌ ولا اخضَرَّ عُودُها
هُناكَ فلا جَادَتْ سَمَاءٌ بِضَوْئِهَا
وفي القَرينتين إيذانٌ بنُصرة المؤمنين، وفتحهم البلادَ مَشارِقَها ومَغارِبَها (١).
* قوله يقول : ((وأن ترى الحفاة):
(ق): ((الحفاة)): جمع حافٍ، [وهو الذي لا] يلبس في رجليه شيئاً،
و(العراة)): جمع عار، وهو الذي لا يلبس على جسده أثواباً، و((العالة))
مخففة اللام جمع عائل، وهو الفقير، وهذه الأوصاف هي غالبةٌ على أهل
البادية، وقد وصفهم في حديث أبي هريرة: بأنهم صُمُّ بُكْمٌ عُمْيٌ (٢)، فهم
لا يَعْقِلُون، أطلق ذلك عليهم مع أنهم كانت لهم أسماعٌ وأبصار ونُطق،
لكنهم لما لم يحصل لهم ثمراتُ تلك الإدراكات؛ صارت كأنهم عَدِمُوا
أصلَها، وقد أوضح هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ
أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآيةَ.
ومقصود الحديث: الإخبارُ عن تبدُّل الحال وتغيُّرِه؛ بأن يستوليَ أهلُ
البادية الذين هذه صفاتُهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغَلَبة
أموالَهم، وتتسع في حُطام الدنيا آمالُهم، فينصرفَ هَمُّهم إلى تشييد المَباني،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٣٣).
(٢) رواه مسلم (١٠).
٣١٥
وهَدمِ الدِّين وشُرَف المعاني.
ويؤيد هذا ما رُوي عن رسول الله وَِّ أنه قال: ((لا تَقَومُ السَّاعةُ حتَّى
يكونَ أَسْعدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعُ بنُ لُكَع))(١)، وقد شوهد ذلك عِياناً، فكان
ذلك [على صدق رسول الله ]وَّ﴿ فِي قُرب الساعة حُجَّةً وبرهاناً.
وفيه دليل على كراهة ما لا تدعو الحاجةُ إليه من تَطويل البناء وتشييده،
وقد قال رَّهُ: ((يُؤْجَرُ ابنُ آدَمَ في كُلِّ شَيءٍ إلا ما يضعُهُ فِي هَذا الْتُّرابِ))(٢)،
ومات رسول الله وَ﴿ ولم يضع حجراً على حجر، ولا لبِنَةً على لبنة؛ أي: لم
يُشِيِّد بناءً ولا طَوَّله، ولا تأنَّ فيه.
و ((الرعاء): جمع راع، وأصل الرَّعْي: الحِفْظُ.
و((الشاء»: جمع شاة، وهي مِنَ الجمع الذي بينه وبين واحده الهاءُ؛
كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خُصَّ رِعاءُ الشاء بالذِّكر؛ لأنهم أضعفُ
أهل البادية .
ووقع في البخاري: ((رِعاءُ الإبل البُهْم) (٣) بضم الباء، وهو جمع بَهیم،
وهو الأسود الذي لا يخالطه لون آخر، وقُيِّدت ميم (البهم) بالكسر والضم،
فمن كسرها؛ جعلها صفة للإبل، ومن رفعها؛ جعلها صفة للرعاء، ومعناه:
لا شيء لهم(٤).
(١) رواه الترمذي (٢٢٠٩)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٣٨٩)، من حديث
حذيفة . وهو حديث صحيح. انظر: (صحيح الجامع الصغير)) (٧٤٣١).
(٢) رواه البخاري (٥٣٤٨)، من حديث خباب څ .
(٣) رواه البخاري (٥٠)، من حديث أبي هريرة ظه .
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٤٩).
٣١٦
* قوله: «فلبثت ملياً):
(ن)(١): معناه: وقتاً طويلاً، وفي رواية أبي داود والترمذي: أنه قال
ذلك بعد ثلاث(٢)، وفي ظاهر هذا مخالفةٌ لقوله في حديث أبي هريرة - كما
رواه مسلم -: ثُمَّ أدبر، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((رُدُّوا عليَّ الرَّجُلَ))، فأخذوا
ليردُّوه، فلم يروا شيئاً، فقال النبي ◌َِّ: ((هَذا جِبْرِيلُ))(٣).
فيحتمل الجمع بينهما: أن عمرَ لم يحضر قول النبي ◌َّر لهم في
الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبيُّ ◌َّير الحاضرين في الحال،
وأخبر عمرَ بعد ثلاث؛ إذ لم يكن حاضراً وقت إخبار الباقين (٤).
(ق): هذا يدل على أن النبيَّ ◌َّ عرف جبريلَ، لكن في آخر الأمر،
فأما قبل ذلك: فقد جاء في ((كتاب البخاري)) التصريحُ بأنه لم يعرف أنه
جبريل إلا في آخر الأمر(٥).
(ن): فيه: أن الإيمانَ والإسلامَ والإحسانَ كلُّها تَسمَّى دِيناً.
وفيه: أنه ينبغي لمن حضر مجلسَ العالم إذا عَلِم بأهل المجلس حاجةً
(١) في الأصل: ((ق)).
(٢) رواه أبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، من حديث عمر حظه.
(٣) رواه مسلم (٩).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٦٠).
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)» (١ / ١٢٥): وهو جمع حسن، انتهى . وقيام
عمر ته إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من
رجع لعارض عرض له، والله أعلم.
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٥٢)، و((صحيح البخاري)) (٥٠).
٣١٧
إلى مسألة لا يَسألون عنها، أن يسأل عنها؛ ليَحصُلَ الجوابُ للجميع.
وفيه: أنه ينبغي للعالم أن یرفُقَ بالسائل ويُدنیه منه؛ ليتمگَّن من سؤاله
غيرَ هائب ولا مُنقَبضٍ، وأنه ينبغي للسائل أن يَرْفُقَ(١) في سُؤاله.
واعلم أن هذا الحديثَ جمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب
واللطائف .
قال القاضي في هذا الحديث: [قد اشتمل] على شرح جميع العبادات
الظاهرة والباطنة؛ من عُقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السَّرائر،
والتَّحقُّظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلَّها راجعةٌ إليه، ومُتشعِبةٌ
منه .
وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاث ألَّفنا كتابنا الذي سميناه بـ ((المَقاصِد
الحِسَان فيما يلزمُ الإنسانَ))؛ إذ لا يَشُدُّ شيءٌ من الواجبات والسُّنن والرَّغائب
والمَحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة(٢).
(ق): قلت: فيصلُح هذا الحديثُ أن يقال فيه: إنه أُمُّ السُّنَّة؛ لِما
تضمَّنه من جُمل عِلْمِ السنة؛ كما سُمِّيت (الفاتحة) أُمَّ القرآن(٣).
(تو): هذه الأسئلة والأجوبة صدرت قُبيل حَجَّة الوداع في السنة
العاشرة من الهجرة، قُرَيبَ انقطاع الوَحي، واستقرار الشَّرع.
(١) في الأصل: ((يدقق)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٥٨، ١٦٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٥٢).
٣١٨
٦١ - الثّاني: عَنْ أَبِي ذَرُّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
مُعَاذِ بْنِ جَبَل ◌َ﴾، عَنْ رَسُولِ اللهِوَه قال: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ،
وَأَتْبَعِ السَّيََّةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رواهُ
التِّرْمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسنٌ.
(الثَّانِى)
* قوله وَل لأبي ذر: ((اتق الله حيث ما كنت)): هذا أمر بملازمة التقوى
في جميع الأماكن والأحوال والأزمنة؛ وذلك لأن (حيث) من ظروف المكان
بمنزلة (حين) في الأزمنة، فمن اتقى الله في جميع الأمكنة؛ يكون مُتَّقياً في
جميع الأحوال والأزمنة، وكانت الصحابة # أحرصَ شيءٍ على ملازمته ◌ِِّ،
وعلى الاستضاءة من أنواره الظاهرة والباطنة، وربما سنَحت الضَّروريات
الدِّينية أو الدُّنيوية لأحد فيضطرُّ إلى السفر، ويَشُقُّ على قلبه مُفارقتُه ◌َِّ، وكان
يُهوِّن الخَطْبَ عليهم، ويَحُضُّهم على مُلازمة التقوى والأعمال الصالحة حيث
كانوا، ورُبَّ بعيد الدَّار قَريبٌ، ورُبَّ قريبِ الدَّار بعيدٌ.
فكان رَ﴿ يقول: ((ألا إنَّ آل أَبِي لَيْسُوا بِأَوْلِيائي، إنَّما وَلَيِّيَ اللهُ
وصَالحُ المُؤمنينَ))(١).
وروى الإمام أحمدُ في ((مسنده)) عن معاذ بن جبل [قال]: لمَّا بعثه
رسول الله وَّه إلى اليمن؛ خرج معه رسول الله وَّهُ يُوصيه ومُعاذٌ راكبٌ،
ورسولُ اللهِ وَّهُ يَمشي [تحت] راحلته، فلمَّا فرغ قال: ((يا مُعاذُ! إنك عسى
(١) رواه البخاري (٥٦٤٤)، ومسلم (٢١٥)، من حديث عمرو بن العاص حظ
٣١٩
أن لا تَلْقَانِ بعدَ عَامي هذا، ولعلَّكَ أن تَمُرَّ بمَسْجِدي هذا وقَبْرِي))، فبكى
مُعاذٌ جَشَعاً لِفِرَاقِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ، ثُمَّ التفتَ فَأَقبلَ بوَجْهِهِ نحوَ المَدينةِ
فقال: ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي المُثَّقونَ؛ مَنْ كَانُوا، وحَيْثُ كَانُوا))(١).
وذكر بعضُ الشارحين لهذا الحديث: أن أبا ذَرِّ ◌ُ لمَّا أسلمَ
ورسولُ اللهِوَّهِ بِمَكَّةَ مُخْتَفٍ؛ أَمْرَهُ أن يلحقَ بقومهِ، فلمَّا رأى حِرْصَه على
المَقامِ مَعَهُ بمكة، وعَلِمَ أنه لا يَقْدِرُ على ذلك؛ قال له رسول الله وٍَّ: «اتَّقِ
اللهَ حَيْثُ مَا كُنْتَ)) الحديثَ.
وسنذكر حَدَّ التقوى وحقيقته في الباب بعده.
* قوله : ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها»:
قال الغزالي رحمه الله: الحسناتُ المُكفِّرة للسيئات: إما بالقلب،
٤
وإما باللسان، وإما بالجوارح، ولتكنِ الحسنةُ في مَحَلِّ السيئة، وفيما يتعلق
بأسبابها .
فأما بالقلب: فليكفِّرْهُ بالتضُّع إلى الله تعالى في سؤال المغفرة
والعفو، ويتذلل تَذُّلَ العبد الآبقِ، ويكون ذُلُّه بحيث يظهر لسائر العباد،
وكذلك يُضمر بقلبه الخيرَ لجميع المسلمين، ويَعِزِمُ على الطاعات.
وأما باللسان: فبالاعتراف بالظلم والاستغفار.
وأما بالجوارح: فبالطاعات، وأنواع العبادات.
وفي الآثار ما يدل على أن الذنب إذا أُتبع بثمانية أعمال؛ كان العفوُ
مرجُوّاً، وهو أن يصلِّيَ عَقيبَ الذَّنب ركعتين، ثم يستغفر الله بعدها سبعين
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٣٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة
الصحیحة)) (٥/ ٦٦٥).
٣٢٠
مرةً، ويقولَ: سبحان الله العظيم وبحمده مئة مرة، ثم يتصدَّقَ بصدقة، ثم
يصومَ صوماً.
وفي بعض الآثار: ((يُسبغُ الوُضوءَ ويدخلُ المسجدَ ويُصلِّي ركعتين))(١).
وفي بعض الأخبار: ((يصلِّي أربعَ ركَعاتٍ)(٢).
وفي الخبر: ((إذا عملتَ سَيِّةً؛ فأَتْبِعْهَا حَسنةَ تُكَفِّرْها، السرُّ بالسرِّ
والعَلانيةُ بالعَلانيةِ»(٣).
ولذلك قيل: صدقةُ السرِّ تُكفِّر ذُنوبَ الليل، وصدقةُ الجَهْر تُكفِّر
ذُنوبَ النهار.
قيل: يعلم منه أن العبدَ لا يستغني في حال من الأحوال عن مَحْو آثار
السيئات عن قلبه بمباشرة حسناتٍ تضادُّ آثارُها تلك السيئاتِ، فسماعُ المَلاهي
يُكَفَّر بسماع القرآن، وبمجالس الذكر، وشُربُ الخمر يُكَفَّرُ بالصدقة بكل
شراب حلال، وعلى هذا فَقِسْ؛ لأن المرضَ يُعالَج بضدِّه، والمتضادَّتُ هي
المتناسبات؛ فلذلك ينبغي أن يمحوَ كلَّ سيئة بحسنة من جنسها؛ لكي يُضادُّها،
فالبياضُ يُزال بالسَّواد لا بغيره، وحُبُّ الدنيا أثَّر السُّرورَ بها في القلب، فلا
(١) رواه أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٣٠٠٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٢٤٧)،
وابن ماجه (١٣٩٥)، من حديث أبي بكر ته، ولفظه: ((ما من عبد يذنب ذنباً،
فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر إلا غفر الله له)). وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٦٢١).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٠٨٥)، من حديث ابن عباس
(٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٤٨)، من حديث معاذ ﴾. وهو حديث حسن.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٠٤٠).
٣٢١
جرمَ كَفَّارتُه كلُّ أذىً يصيب المسلمَ من الهَمِّ والغَمِّ، انتهى(١).
فاعل ((تمحها)) الضميرُ المستتر العائد إلى الحسنة؛ أي: تمحو الحسنةُ
السيئةَ، وهذا مُوافق لقول الله تعالى: ﴿إِنَّالْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
و(المَحْو): إزالة الأثر؛ أي: الحسنةُ تمحو آثارَ الإِجْرامِ، وقيل :
تمحوها من ديوان الحَفَظةِ، وتُنسيها من قلوبهم وقلوب المؤمنين، بل ومن
قلب المُسيء العاصي أيضاً حتى لا يستوحشَ بتذكره.
قال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب ((التحبير)): إن الكريمَ إذا
عفا؛ حفظ قلبَ المُسيء العاصي عن الاستیحاش بتذكُّره سُوءَ فعله، بل
يزيل عنه تلك الخَجْلةَ بما يُسبل عليه من ثوب العفو، ويُفيضُ عليه من
ذُيول الصَّفْحِ.
وسيأتي بيانُ معنى حسن الخلق في (الباب الثالث والسبعين)
٦٢ - الثَّالثُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َ﴾ قال: ((كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َِ﴾
يَوْماً، فَقَالَ: ((يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ،
احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْألِ اللهِ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ
فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ: أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَتْفَعُوكَ بِشَيْءٍ،
لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٤٦).
٣٢٢
بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ،
وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)) رواهُ التِّرْمذِيُّ وَقَالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي روايةٍ غيرِ التِّرْمذيِّ: ((احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ
إلى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّذَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ
لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ
الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَع العُسْرِ يُسْراً).
(الثَّالِثُ)
* قوله: ((كنت خلف النبي {َّ﴾))، وفي ((مسند أحمد)): أن ابن عباس
ركب خلف رسول الله وَّيه يوماً فقال: ((يا غلام ... )) الحديثَ(١).
وفي ((تفسير الواحدي)) عن ابن عباس: أن كسرى أهدى إلى النبيِّ وَل
بَغْلَةً، فركبها بحَبْلٍ من شَعر، ثم أردفني خلفَه وسار بي مَلِيّاً، ثم التفتَ
فقال: ((يا غلام ... )) الحديثَ.
ففيه جوازُ الإرداف على الدابة إذا كانت مُطيقةً، وقد جمع الحافظ أبو
زكريا يحيى بنُ عبد الوَهَّاب بن مُحمَّد بن مَنْدَه الأصبهانيُّ كتاباً فيه أسماءُ
مَنْ أردفه سيدنا رسولُ الله ◌َّرَ معه على الدابة، فبلغ بهم نيفاً وثلاثين
رجلاً، وزاد بعضُ المُحدِّثين شيئاً قليلاً .
* وقوله: ((يا غلام إني أعلمك كلمات)) أبهم أولاً؛ ليتنبه ويُلقيَ سمعَه
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٢٩٣).
٣٢٣
لتلقِّي الكلمات، وأتى بجمع القلة ليفيد زيادة رغبة؛ أي: إنها كلماتٌ قليلات
حَوَتْ معانيَ جَمَّةً، وجُملاً من كُنوز المَعاني، والكلمةُ تطلق على الجملة
المُركَّبة المُفيدة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَّخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمْ﴾
[الكهف: ٥]، وقوله: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَاتٍ ﴾ [البقرة: ٣٧].
قال بعض العلماء: ((احفظ الله))؛ أي: احفظ أمرَ الله واتَّقِهِ، فلا يراك
حيث نهاك، واحفظ حدودَه ومراسمَهُ التي أوجبها عليك، فلا تُضيِّع منها
شيئاً؛ لتُحفظَ في نفسك ودينك ودنياك.
و(تجاهك)؛ أي: تجده معك بالحفظ والتأييد والإعانة حيث
ما كنت، وهو من أَبلغ المَجاز وأحسَنِهِ.
وخُصَّ الأمام دون غيره من الجهات؛ لأن الإنسان سائرٌ ومُسافر إلى:
الآخرة، وإنما يطلبُ المُسافرُ أمامَه لا غير، فكان المعنى: تَجدْه حيث
ما توجَّهتَ ويَمَّمتَ وقَصدْتَ.
مے
(ط): التاء بدل من الواو؛ كما في (تُقَاة) و(تُخَمَة)، زاد رَزِينٌ في رواية
له: ((فإنِ استطعتَ أَنْ تعملَ له بالرِّضا في اليقينِ فافعل، فإن لم تَسِطِعْ؛ فإنَّ
في الصَّبرِ على ما تَكْرَهُ خَيراً كثيراً، واعلم أنَّ النصرَ مع الصَّبْرِ، والفرجَ معَ
الكَرْبِ، وأنَّ معَ العُسر يُسراً، ولن يغلبَ عُسْرٌ يُسرَين))(١)، انتهى(٢).
* قوله: ((إذا سألت فاسأل الله)): حذف المفعول من (سألت)
(١) رواه هناد في ((الزهد)) (٥٣٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء)) (١ / ٣١٤). وهو
حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥١٠٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٣٣٣٨).
٣٢٤
و(استعنت)؛ ليَعُمَّ كُلَّ مسؤول ومُستعان؛ أي: إذا أردت السؤالَ من أحد؛ فلا
تسأل غیره تعالى، وذلك لأمور:
أحدها: أنه هو الغنيُّ الحميدُ الذي له خزائنُ السماوات والأرض،
ويَمينُهُ ملأى لا يَغِيضُها نفقةٌ سَخَاءُ اللَّيْلَ والنهارَ.
ثانيها: أن مَنْ سواه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضَرًّا، فكيف لغيره؟!
فإذا لم يخلق الله فيه القدرةَ والدَّاعيةَ، لم يَتمكَّن من شيء من الأفعال.
ثالثها: أنه تعالى يُحِبُّ أن يُسأل؛ لأنه (١) مَن لم يَسأل الله يغضبْ عليه؛
لأن الفقر والحاجة وصفٌ ذاتيٌّ للإنسان، وهو سبحانه خلقهم ليُفْيضَ عليهم
الرحمةَ، ويُتِمَّ عليهم النعمةَ، فمَنْ رفع حوائجه إلى الله تعالى، وسأله سؤال
الغريق المُضطرِّ الذي لا يجد لشيء كَشفاً إلا به، فقد قامَ بموجَب العبودية،
واستدعى من الله ما يُحبُّه ويرضاه، ومن أعرضَ عن السؤال عنه؛ فقد تَعرَّض
للمَقْت.
ولهذه المعاني الثلاثة أيضاً نهى عن السؤال من غيره تعالى؛ إذ الغير
فقيرٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضّرَّاً، ولهذا ينقبض عندما يُسأل ويَنزعِجُ،
وربما غضب أو تكلّم بما يُعلَم كَذِبُه؛ كما وقع للأقرع والأبرص، ولقد
أحسن القائل :
اللهُ يَغضَبُ إن تركتَ سُؤالَهُ
وبُنَيُّ آدمَ حِينَ يُسألُ یَغضَبُ
* وقوله: ((فاستعن بالله))؛ أي: وحدَه في الاستعانة، وهو مُوافق
(١) في الأصل: ((الله)).
٣٢٥
لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّاكَ نَسْتَعِيُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ وذلك لأن غيرَ الله سبحانه
لا يمكنه أن يُعينَ أحداً إلا بأن يُعينه الله على الإعانة، فليقطع العبدُ الوسائطَ،
ولا یستعنْ إلا بالله.
في بعض الكتب الإلهية: ((وعِزَّتي وجَلالي لأَقطعَنَّ أَمَلَ من يُؤْمِّلُ
غَيْرِي باليَأْسِ، ولأُلْبِسَنَّهُ ثَوبَ المَذَلَّةِ عندَ النَّاسِ، ولأُجِنَِّّهُ مِنْ قُرْبي،
ولأُبعدَنَّهُ مِنْ وُصْلَتي، ولأَجعلَنَّهُ مُتفكِّراً حَيْرانَ، يُؤْمِّلُ غيري في الشَّدَائِدِ
والشَّدائدُ بيدي وأنا الحِيُّ القَيُّومُ ويَطْرُقُ بالفِكْر أبوابَ غيري، وبيدي
مفاتيحُ الأَبوابِ، وهيَ مُغْلَقةٌ، وبابي مفتوحٌ لمَنْ دَعانِي!))(١).
* وفي قوله ◌َّي: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت)) إرشادٌ للعبد على
التوكل على الله، وأن لا یرکَنَ بقلبه إلى أحد سواه.
؛
قال الراغب: ((الأمة)): كل جماعة يجمعهم أمرٌ ما؛ إما دينٌ واحد،
أو زمانٌ واحد، أو مكانٌ واحد(٢).
ولعل المرادَ بالأُمة في هذا الحديث هو الثاني؛ أي: لو اجتمع جميع
الخلق المَوجُودينَ في هذا الزَّمان على أن ينفعوك؛ لم يَقْدِرُوا إلا بما كتب
الله لك، وكذلك في جانب الضَرِّ، وهذا مُوافقٌ قولَه تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ
لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ، مِنْ بَعْدِهِ،﴾ [فاطر: ٢]، وقال:
{ وَمَابِكُمْ مِّنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
فإذا تَيقَّنَ المُؤْمنُ هذا؛ لم يسأل إلا مِنَ الله، ولم يَستَعِنْ إلا به؛
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١ / ٦٤).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٣).
٣٢٦