Indexed OCR Text

Pages 361-380

٥٥ - الثَّاني: عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ الحَسَنِ بْن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ
قالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لا يَرِيبُكَ؛
فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَالكَذِبَ رِيبَةٌ)) رواه التِرْمذي وقال: حديثٌ
صحيحٌ.
قَوْلُهُ: ((يَرِيبُكَ)): هُوَ بفتح الياءِ وضمّها؛ وَمَعْنَاهُ: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ
في حِلِّه، واعْدِلْ إلَى مَا لا تَشُكُ فِيهِ.
(الثَّانِى))
* قوله يقيخر: ((دع ما يريبك)):
(تو): أي: دع ما اعترَضَ الشَّكُّ فيه مُنقلباً عنه إلى ما لا شك فيه،
يقال: دع ذلك إلى ذلك؛ أي: استبدِلْه به.
(نه): (الريب): هو الشك، وقيل: الشك مع التُّهَمة، يقال: رابني
الشيء وأرابني بمعنى: شَكَّكني، وأوهمني الرِّيبة فيه، فإذا استيقنتَه قلت :
رابني، بغير ألف، ويروى هذا الحديث بفتح الياء وضمها، والفتح أشهر(١).
(غب): (الريب): أن يُتوهَّم في الشيء أمرٌ ما، ثم ينكشفَ عَمَّا
تُوهِّم فيه، والإرابة: أن يُتوهَّمَ فينكشفَ خِلافَ ما يُتوهّم، ولذلك قيل:
القرآن فیه إرابة، ولیس فیه رَیْبٌ، انتھی(٢).
قال الحافظ أبو عبدالله مُحمَّد بن مَعْمرِ القُرشيُّ: هذا من جوامع
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٨٦).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٠٥).
٢٦٧

الكلم ومحاسن الحِكَم التي أُوتيها رسول الله وَّهِ، ومن اطّلع على حقيقة
معناه، وعمل بما يشير فَخْواه؛ لم يغادر دناءةً إلا تخلَّى عنها، ولا فضيلةً
إلا تحلَّى بها، وسلك هذا المَسلك حَسَّانُ بن سِنان حيث قال: ما أهونَ
الورعَ! دع ما يَرِيِبُك إلى ما لا يَرِيبُك.
قال: ومعنى قوله: ((الصدق طمأنينة))؛ أي: أن متعاطيَهُ لا يعدَمُ انشراحَ
صدرٍ، وطِيبةَ نفسٍ، واطمئنانَ قلبٍ، وهو سُكونٌ بعد انزعاج لمَا يتعاطاه،
والكذبُ ضدُّه؛ فإن مُباشِرَهُ لا يعدَمُ تردُّداً مُتولِّداً من تشكك يعقبه بعدم؛
ولذلك قال: ((والكذب ريبة)).
وهذا الحديثُ والحديث الآخر: ((البِزُّ ما اطمأنَّ إليه القَلبُ، والإِثمُ
ما حاك في الصَّدْرِ))(١) أخوان توأمان لا يَبْعُدان، يقال: يُثلِّثُهما قولُه ◌َلِ:
((اسْتَفْتِ قلبَكَ وإن أَفتاكَ المُفْتونَ))(٢)؛ يعني: إذا عرَض لك أمران مُتعارضان
شرعاً لا يطمئن القلبُ المَعمورُ بالسَّداد إلا بأسَدِّهما؛ فاعمل بفتواه.
(تو): جاء قوله: ((فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة)) مُمهِّداً لِمَا
تقدَّمه من الكلام، ومعناه: إذا وجدت نفسَك ترتابُ في الشيء فاتركه، فإن
نفسَ المُؤمن تطمئنُّ إلى الصِّدق، وترتاب من الكذب، وارتيابك في الشيء
مُنْبِىءٌ عن كونه باطلاً، ومَظِنَّةً للباطل؛ فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٢٢٧)، من حديث وابصة بن معبد ◌ُه. ورواه
مسلم (٢٥٥٣) من حديث النواس بن سمعان عنه بلفظ: ((البر حسن الخلق والإثم
ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)).
(٢) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٤ / ٢٢٨)، من حديث وابصة بن معبد ظه. وهو
حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩٤٨).
٢٦٨

مُشعرٌ بكونه حقاً؛ فاستمسك به، وهذا مَخصوصٌ بذوي النفوس الطاهرة
القُدسية، الطاهرة من أَوْضَار الذُّنوب، وأوساخ الإثم.
٥٦ - الثَّالثُ: عَنْ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ ﴾، في حديثه
الطَّويلِ في قِصَّةِ هِرَقْلَ: قَالَ هِرَقْلُ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ - يَعْنِي:
النَّبِّ وَّهِ قالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: يقولُ: (اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لا تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئاً، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ))، وَيَأْمُرُنَ بِالصَّلاةِ، والصِّدْقِ،
والعَفَافِ، والصِّلَة. متفقٌ عليه.
(الثَّالِثُ))
* قوله: ((قال هرقل: فماذا يأمركم؟ قال أبو سفيان: قلت: يقول:
اعبدوا الله» :
(ك): عَبَّر أبو سفيان عن ذلك بلفظ القول، وغَيَّر مِرَقْلُ عبارتَه،
فذكره بلفظ الأمر؛ تعظيماً له أهل# وتأدباً(١).
(ك): ((الصلاة)): أهم العبادات البدنية.
و((الصدق)): هو القول المُطابقُ للواقع .
((العفاف)) بفتح العين: الكَفُّ عن المحارم.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٥٩).
٢٦٩

و ((الصلة)): المراد بها صِلةُ الأرحام وكلِّ ما أمر الله به أن يُوصل،
وذلك بالبِرِّ والإكرام وحُسنِ المُراعاة ولو بالسَّلام، وقد جَمَعَ وصفُ
النبيِّ ◌َّه في هذه الأمور الأربعة بالأمر تمامَ مكارم الأخلاق؛ لأن الفضيلةَ:
إما قوليةٌ وهي الصِّدقُ، وإما فعليةٌ، والفعلية: إما بالنسبة إلى الله تعالى،
وهو الصلاة لتعظيم المعبود، وإما بالنسبة إلى نفسه وهو العِفَّةُ، وإما بالنسبة
إلى غيره، وهو الصِّلَةُ.
وأشار بقوله: ((لا تشركو به شيئاً) إلى التخلِّي عن (١) الرذائل، وبقوله:
(يأمرنا بالصلاة ... إلى آخره)) إلى التَحلِّي بالفضائل.
ومُلخّصُه: أنه ينهانا عن النقائص، ويأمرنا بالكمالات، وهو معنى
التَّكميل المقصود من الرسالة(٢).
١٠
(غب): (العفة): حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلَبة الشَّهوة،
و(المتعفف): المُتعاطي لذلك بضَرْب من المُمارسة والقهر، وأصله:
الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفافة والعُفَّةُ؛ أي:
البقيةُ من الشيء، انتهى(٣).
٥٧ - الرَّابعُ: عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، وَقِيلَ: أَبِي سَعيدٍ، وَقيلَ: أَبِي
(١) في الأصل: ((واتركوا التخلي من)).
(٢) المرجع السابق (١ / ٥٧).
(٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٣٩).
٢٧٠

الوَلِيدِ، سَهْلِ بْنِ حُنَيْقٍ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ ◌َ﴿هَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ قالَ: ((مَنْ
سَأَلَ الله تعالى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَزلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ
عَلَى فِرَاشِهِ» رواه مسلم.
١٣٢٢ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ قَال: قالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ طَلَبَ
الشَّهَادَةَ صَادِقاً أُعطِيهَا ولَو لَمْ تُصِبْهُ)) رواه مسلم(١).
٤
* قوله ◌َّف: ((وإن مات على فراشه))، وفي رواية لمسلم بلفظ: ((من
طلب الشهادة صادقاً؛ أُعطيها ولو لم تصبه)) :
(ن): معناه: أعطي من ثواب الشهداء وإن مات على فراشه.
فيه: استحبابُ سؤال الشهادة، واستحباب نية الخير(٢).
(ق): هذا يدل على صِحَّة ما أَصَّلنا قبل هذا، وهو: أن من نوى شيئاً
من أعمال البِرِّ، ولم يتفق له بسبب العُذر؛ كان بمنزلة من باشر ذلك العملَ
وعَمِلَه، انتهى(٣).
طلبُ الشهادة وسُؤالها مشروطٌ بالصدق فيه، وهو عزيز جداً، فأنشد
ذو النُّون رحمه الله :
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - هذا الحديث هنا، وترك الكلام عنه في موضعه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٥٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٥١).
٢٧١

نَطَلبُ الصِّدْقَ ما إلَيهِ سَبِيلُ
قَدْ بَقِيْنا مُذْنِينَ حَيَارى
وخِلافُ الهَوى عَلَيْنا ثَقِيلُ
فدَعاوى الهَوى تَخِفُّ عَلَيْنا
٥٨ - الخامِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ:
((غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ صَلَواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ:
لا يَتْبَعَنِّي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبِيَ بِهَا وَلَمَّا بَيْنِ بِهَا،
وَلا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتَاً لَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَماً أَوْ
خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلادَها. فَغَزَا، فَدَنَاَ مِنَ القَرْيَةِ صَلاةَ العَصْرِ، أَوْ
قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأنَاَ مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ
احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَت حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الغَنَائِمِ،
فَجَاءَتْ - يَعْنِي: النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ
غُلُولاً، فَلْيُبَابِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ،
فَقَالَ: فِيَكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيَتَّكَ، فَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ
بِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ
الذَّهَبِ، فَوَضَعَهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، فَلَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ لأَحَدٍ
قَبْلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَاَ الغَنَائِم لَمَّا رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا، فَأَحَلَّهَا لَنَا))
متفقٌ عليه.
(الخَلِفَاتُ)) بفتح الخاء المعجمةِ وكسرِ اللام: جَمْعُ خَلِفَةٍ،
٢٧٢

وَهِيَ النَّاقَةُ الحامِلُ.
١١٧
,,2,
* قوله : ((غزا نبي من الأنبياء فقال)):
(ط): ((فقال)) عطفٌ على [(غزا) على] معنى: أراد أن يغزو فقال،
يدلُّ عليه قوله: ((لا يتبعني)).
و(البضع) بضم الباء: كنايةٌ عن فَرْج المرأة، وقد يُكْنَى به عن النكاح
نفسه؛ كما قال ◌َُّ: ((وفِي بُضْعِ أَحدِكُمْ صَدَقَةٌ))(١).
و((الخلفات)): جمع (خَلِفَة)، وهي الناقة التي دنا وِلادُها، وإنما نهى
هذا النبيُّ قومَه عن اتِّباعه على هذه الأحوال؛ لأن أصحابها يكونون مُتعلِّقي
النفوسِ بهذه الأسباب، فتضعُفُ عزائمُهم، وتَفَتُر رغباتُهم في الجهاد
والشهادة، وربما يُفرِط ذلك التعلُّقُ بصاحبه، فيفضي به إلى كراهة الجهاد
وأعمال الخير، وكان مقصودُ هذا النبيِّ أن يتفرغوا من عُلَق الدنيا ومُهِمَّات
أغراضها إلى تمني الشهادة بنيات صادقة، وعُزوم جازمة صافية؛ ليحصلوا
على الحظ الأوفر، والأجر الأكبر(٢).
(ن): في هذا الحديث: أن الأُمورَ المُهِمَّة ينبغي أن لا تُفَوَّضَ إلا إلى
أولي الحَزْم وفراغ الحال والبال، و[لا تُفُوَّضُ إلى] متعلِّق (٣) القلب بغيرها؛
(١) رواه مسلم (١٠٠٦)، من حديث أبي ذر
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٧٧٨).
(٣) في الأصل: ((وللمتعلق القلب))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٥١).
٢٧٣

لأن ذلك يُضعف عزمَه ويفوِّتُ كمالَ بذلِ وسعِه(١).
(ق): قوله للشمس: ((أنت مأمورة))؛ أي: مُسخَّرةٌ بأمر الله، وقوله:
((وأنا مأمور))؛ أي: وأنا أيضاً كذلك، وجميعُ المَوجودات، غيرَ أن أمرَ
الجمادات أَمرُ تسخير وتكوين، وأمرَ العقلاء أَمرُ تكليفٍ، وحَبْسُ الشمس
على هذا النبيِّ من أعظم مُعجزاته وأَخصِّ كراماته(٢).
(ن): قال القاضي: اختلف في حبس الشمس المذكور، فقيل: رُدَّت
على أدراجها، وقيل: وقفت ولم ترَدَّ، وقيل: أُبطئ حركتُها، وكل ذلك
من معجزات النبوة، ويقال: إن الذي حُبست عليه الشمس يُوشَعُ بن نُونٍ،
قال: وروي أن نبينا محمداً ټلے حُبست له الشمس مرتین:
إحداهما: يومَ الخندق حتى شُغلوا عن الصلاة حتى غربت الشمسُ،
فردَّها الله عليه حتى صلَّى العصرَ، ذكر ذلك الطّحاويُّ، وقال: رُواته ثقاتٌ (٣).
والثانية: صَبيحةَ الإسراء حين انتظر العِيرَ التي أَخبر بوصولها شُروقَ
الشمس، ذكره يونُسُ بن بُكَير في زيادته على ((سيرة ابن إسحاق)»(٤).
* قوله وقال: «فأبت أن تطعمه)):
(ن): هذه كانت عادةَ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الغنائم؛
أن يجمعوها، فتجيءَ نارٌ من السماء فتأكلها، فيكون ذلك علامةً لقَبولها،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٥١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٣٢).
(٣) انظر: ((شرح مشكل الآثار)) للطحاوي (٣/ ٩٢).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٥٢).
٢٧٤

وعدم الغُلول، فلما جاءت في هذه المَرَّة فأبت أن تأكلها؛ عُلم أن فيهم
غُلولاً، فلما ردوه جاءت فأكلتها؛ ولذلك كان أمرُ قُربانهم إذا تُقُبل؛ جاءت
نارٌ من السماء فأكلته(١).
(ق): هو الذي يدلُّ عليه ظاهرُ القرآن في قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ
عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَقَّ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانِتَأْ كُلُهُ النَّارُ ﴾ [آل عمران: ١٨٣]،
ويدل عليه أيضاً ظاهرُ هذا الحديث وقد كانَ فيهم - على ما حكاه ابن
إسحاق - نَارٌ تَحْكُمُ بِينَهُم عند تَنَازُعِهم، فتأكلُ الظَّالِمَ، ولا تَضُرُّ المَظلومَ.
وقد رفع الله كلَّ ذلك عن هذه الأُمّة، وأَحلَّ لهم غنائمَهم وقُربانهم؛
رِفْقاً بهم ورحمةً لهم؛ كما قال ◌َّهِ: ((رأَى ضَعْفَنا وعَجْزَنا))، وجعل ذلك
من خصائص هذه الأُمة، وقد جاء في الكتب القديمة: أنَّ من خصائص
هذه الأمة أنهم يأكلون قُربانهم في بطونهم(٢).
(ط): فيه: أن الفضيلةَ عند الله إظهارُ الضَّعْفِ والعَجْز بين يدي الله.
٥٩ - السادِسُ: عن أبي خالدٍ حَكِيمٍ بْنِ حِزامٍ ◌َُ قالَ: قالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقا، فَإِنْ صَدَقا وَبَيَّنَا بُورِكَ
لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما)) متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٥٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٣٣).
٢٧٥

(السَّادُِّ)
،١١٧
(نه): ((البيعان)): هما البائع والمشتري، يقال لكل واحد منهما: بَيِّعٌ
وبائع(١).
(ك): أطلق البيع على المشتري تغليباً، أو هو من باب إطلاق لفظ
المُشترك وإرادة مَعْنَيْهِ معاً؛ إذ البيع جاء للمعنيين(٢) .
(ق): ((إن صدقا) في الإخبار عن الثَّمن والمَثْمون فيما يباع مرابحة،
((وبيَّنا)) ما فيها من العيوب؛ ((بورك في بيعهما))؛ أي: في الثمن بالنَّماء،
وفي المثمون بدوام الانتفاع به، ((وإن كذبا وكتما مُحقت تلك البركة))؛
أي: ذهبت ورُفعت، انتھی(٣).
:
قال الإمام الغزالي: المعاملة: مُجاهدةٌ لا يقوم بها إلا الصِّدِّيقون،
ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين :
أحدهما: أن تلبيسَه العُیوبَ وترويجه السِّلعَ لا یزید في رزقه، بل
يَمحقُه ويذهبُ ببركته، وما يجمعه من مُفْرَّقات التلبيسات يُهلِكُه الله دُفعةً
واحدة؛ فقد حكي: أن واحداً كان له بقرةٌ يحلُبها ويَخلِطُ بلبنها الماءَ
ويبيعه، فجاء سيل فغرقت البقرةُ، فقال بعضُ أولاده: إن تلك المِياهَ
المُتفرِّقةَ التي صببناها في اللَّبن اجتمعت دُفعة واحدة وأخذت البقرةُ.
فإذاً؛ لا يزيدُ من خيانة؛ كما لا ينقص من صدقة، ومن يعرفُ الزيادةَ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٧٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩/ ٢٠٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٨٤).
٢٧٦

والنقصان بالميزان لم يُصدِّق بهذا الحديث، ومن يعرف أن الدرهمَ الواحد
قد يبارك فيه حتى يكون سبباً لسعادة الإنسان في الدين والدنيا، والآلافَ
المُؤْلَّفةَ قد يَنزِعُ الله البركةَ منها حتى تكون سبباً لهلاك مالكها؛ فيعرف معنى
قولنا: إن الخيانةَ لا تزيد في المال.
الأمر الثاني: أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خيرٌ من ربح الدنيا، وأن
فوائدَ أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر، ويبقى مظالمُها وأَوْزارُها، فكيف
يستجيز العاقلُ أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! والخيرُ كلُّه في
سلامة الدِّين، قال وَّهِ: ((لا يَزالُ لا إله إلا اللهُ يُزيلُ عن الخَلْقِ سَخَطَ الله
ما لم يُؤْثِرُوا صَفْقةَ دُنياهُم على آخرَتِهِمْ))(١).
وفي لفظ آخر: ((ما لَمْ يَنالُوا ما نقَصَ من دُنياهم بسَلامةِ دِينهم، فإذا
فَعُلُوا ذلك وقالُوا: لا إله إلا اللهُ؛ قالَ الله: كَذَبْتُمْ لَسْتُم فيها صَادِقِينَ)(٢).
فإن قلت: فلا تتِمُّ المعاملةُ مهما وجبَ على الإنسان أن يذكر عُيوبَ
المَبيع .
أقول: ليس كذلك؛ إذ شرطُ التاجر أن لا يشتريَ للبيع إلا الجَيِّدَ الذي
یرضاه لنفسه لو أمسكه، ثم يَقْنَعَ في بیعه بربح يسير، فيبارك الله تعالی فیه، فلا
يحتاج إلى تَلْبِيسٍ، فإن وقع في يده مَعيبٌ؛ فليذكُرْه وليَقْنَعْ بقيمته.
باع ابن سيرين شاةً فقال للمشتري: أبرأ إليك من عيبٍ فيها؛ إنها
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٤٩٧)، من حديث أنس څه. وهو حديث
ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٣٠١).
(٢) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (٣/ ١٧).
٢٧٧

تقلِبُ العلَفَ برجلها .
وباع الحسنُ بن صالح جاريةً فقال للمشتري: إنها تَنَخَّمَتْ مَرَّةً عندنا
دماً.
فهكذا كانت سيرة أهل الدِّين، فمَنْ لم يقدر عليه؛ فليترك المُعاملةَ،
أو ليُوَطُّنْ نفسَه على عذاب الآخرة، نسأل الله العافية(١).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٧٦).
٢٧٨

٥-باب
المراقبةِ
ـج وَتَقَلُّبَكَ فِ السَِّدِينَ﴾
· قال الله تعالى: ﴿الَّذِىِيَرَبِكَ حِينَ تَقُومُ
[الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩].
* وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنُمْ﴾ [الحديد: ٤].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىِ السَّمَآَِ﴾
[آل عمران: ٥].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
* وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾ [غافر:
١٩].
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
(الباب الخامس)
(في المراقبة)
(الغزالي): اعلم أن حقيقةَ المُراقبة هي ملاحظة الرَّقيب، وانصرافُ
الهَمِّ إليه، فمَن احترز عن أمر من الأمور بسبب غيره؛ يقال: إنه يراقب فلاناً
٢٧٩

ويُراعي جانبه، ونعني بهذه المراقبة حالةً للقلب يُثْمِرُها نوعٌ من المعرفة،
وتُثْمِرُ تلك الحالة أعمالاً في الجوارح وفي القلب.
أما الحالة: فهي مُراعاة القلب للرقيب، واشتغالُه به، والتفاتُه إليه،
وملاحظته إیاه، وانصرافه إليه.
وأما المعرفة التي تثمر هذه الحالة: فهو العلمُ بأن الله وَ مُطَّلِعٌ على
الضَّمائر، عالمٌ بالسَّرائر، رقيبٌ على أعمال العباد، قائم على كل نفس بما
كسبت، وأن سِرَّ القلب في حقه مكشوفٌ؛ كما أن ظاهر البشرة للخلق
مكشوف، بل أشدُّ من ذلك، فهذه المعرفة إذا صارت يقيناً - أعني: أنها إذا
خلَت عن الشك، ثم استولت على القلب - استجرَّت القلبَ إلى مُراعاة
جانب الرقيب، وصرفت هَمَّه إليه(١).
* قوله تعالى: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ [الشعراء: ٢١٨]؛ أي: هو معتنٍ
بك؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَآَ﴾ [الطور: ٤٨].
قال ابن عباس: و﴿حِينَ تَقُومُ﴾؛ يعني: إلى الصلاة، وقال الحسن:
حين تقوم إذا صلَّيت وحدَك، وقال الضَّخَّاكُ: حين تقوم من فراشك أو
من(٢) مَجلِسك.
قال قتادة: يراك قائماً وساجداً، وعلى حالاتك.
﴿ وَتَقَلُّكَ فِ السَِّدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]: قال: حين تقوم في الساجدين؛
أي: في الصلاة، يراك وحدك، ويراك في الجمع، هذا قول عكرمة،
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣٨٩).
(٢) في الأصل: ((أي)) مكان: ((أو من))، والصواب المثبت.
٢٨٠

وعطاء الخُراسانيِّ، والحسن(١).
* قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنُمْ﴾ [الحديد: ٤]؛ أي: رقيب
علیکم، شھید علی أعمالکم حیث کنتم وأین کنتم من برّ أو بحر، في ليل
أو نهار، في البيوت والقَفار، الجميع في علمه على السَّواء، وتحت بصره
وسمعه، فيسمع كلامَكم، ويعلم سِرَّكُم ونجواكم؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَّ
إِنَّهُمْ يَقْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ بِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَايُعْلِنُونَ
◌ِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]، وقال: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ
بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاَلَيْلِ وَسَارِبٌّ ◌ِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].
روى الحافظ أبو بكر الإسماعيليُّ عن عمر ◌َه قال: جاء رجل إلى
النبيِّ ◌ََّ [فقال]: زَوِّدني حِكْمةً أعيش بها، [فقال]: ((استَحْيِ اللهَ كما تَسْتَحْيِي
رَجُلاً مِن صَالحِ عَشِيرِتِكَ لا يُفارِقُكَ)) هذا حديث غريبٌ(٢).
وعن عُبادةَ بن الصَّامت ◌َّه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((إنَّ أَفضلَ
الإيمانِ أَنْ تَعلمَ أَنَّ اللهَ معَكَ حيثُ كُنْتَ))، غريبٌ(٣).
کان الإمام أحمدُ ینشد هذين البيتين :
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٣٨٢).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٧٣٨)، من حديث سعيد بن زيد ظه، وابن
عدي في ((الكامل)) (٢/ ١٣٦)، من حديث أبي أمامة رَظُه. وهو حديث ضعيف.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٨٠٤).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨٧٩٦). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٢٥٨٩).
٢٨١

خَلَوتُ ولكن قُل عَليَّ رَقیبُ
إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوماً فلا تَقُلْ
ولا أَنَّ ما يَخْفى عَلَيهِ يَغِيبُ(١)
ولا تَحسبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ ساعةً
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّاللَّهَ لَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَلِ ﴾ [آل عمران:
٥] لما ذكر سبحانه أنه حَيٍّ قَيُّوم، وهو القائم بإصلاح مصالح الخلق
ومُهمَّاتهم، وکونُه كذلك لا یکون إلا بمجموع أمرین :
أحدهما: أن يكون عالماً بحاجاتهم على جميع وجوه الكَمِّية والكَيفية.
والثاني: أن يكون بحيث متى علم جهاتٍ حاجاتهم؛ قَدَرَ على دفعها.
والأول لا يَتِمُّ إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات.
والثاني لا يَتِمُّ إلا إذا كان قادراً على جميع المُمكنات.
فقوله: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ﴾ إشارةٌ إلى كمال علمه المُتعلِّق بجميع
المعلومات، وحينئذ يكون عالماً بمقادير الحاجات، ومراتب الضرورات،
ثم قوله: ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ آلْأَرْحَامِ﴾ [آل عمران: ٦] إشارةٌ إلى كونه قادراً
على جميع المُمكنات، وحينئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع
العباد .
فإن قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ ﴾ مع أنه لو
أَطلق كان أبلغَ؟
قلنا: الغرض بذلك إفهامُ العباد كمالَ علمه، وفهمُهم هذا المعنى
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٤٠٧ - ٤٠٨).
٢٨٢

عند ذكر السماوات والأرض أقوى؛ لعظمتها في الحِسِّ، والحِسُّ متى أعان
العقلَ على المطلوب؛ كان الفهم أَتَمَّ، والإدراكُ أكملَ، وهذا فائدة ضَرْبٍ
المثال في المعلوم؛ لأنه يُعين على الفَهم.
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ١٤] قال ابن عباس: يسمع
ویری؛ يعني: يُراصد خلقه فيما يعلمون، ويُجازي كلاً بسعيه في الدنيا
والأُخرى.
(الجوهري): الرَّاصد للشيء: الرقيبُ له، والمِرْصاد: الطريق(١).
وقد ذكر ابنُ أبي حاتِمٍ هاهنا حديثاً غريباً جداً، وفي إسناده نظرٌ، فقال:
ثنا أبي: ثنا أحمدُ بن [أبي] الحَوَارِي: ثنا يونسُ الحَذَّاء، عن أبي حمزة
البُناني(٢)، عن معاذ بن جبل ◌َُه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ المُؤمنَ لدى
الحَقِّ أَسيرٌ، يا مُعاذُ! إن المُؤْمنَ لا يَسكنُ رَوْعُهُ ولا يَأْمَنُ اضطرابُهُ حتَّى
يُخلِّفَ جسرَ جهنَّمَ خلفَ ظَهْرِهِ، يا مُعاذُ! إِنَّ المُؤْمِنَ فَيَّدَهُ القُرْآنُ عن كثيرٍ
من شَهَواتِهِ، وعن أن يهلِكَ فيها هو بإِذْنِ الله وََّ، فالقرآنُ دليلهُ،
والخَوفُ مَحجَّتُه، والشَّوقُ مَطِيَّتُه، والصَّلاةُ كَهْفُهُ، والصَّومُ جُنَتَّه، والصَّدقةُ
فِكاكُهُ، والصِّدقُ أَميرُهُ، والحَياءُ وزيرُهُ، وَرَبُّهُ دَّ مِنْ وراءِ ذلكَ كُلِّهِ
بالمِرْصَادِ))(٣).
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٤٧٤) (مادة: رصد).
(٢) في ((تفسير ابن أبي حاتم)) (١٩٢٧٠): ((البيساني))، ولعله: عبد العزيز بن صهيب
البُناني.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٩٢٧٠).
٢٨٣

روى ابنُ أبي حاتم أيضاً عن صفوانَ بن عمرو عن أَيْفِعَ بن عبد(١)
الكَلاعيُّ: أنه سمعه وهو يعظ الناسَ يقول: ((إنَّ لِجهنَّمَ سبعَ قَنَاطِرَ، قال:
والصِّراطُ عَليهِنَّ، قال: فيجلسُ الخَلائقُ عندَ القَنْطرةِ الأُولى، فيقولُ:
قِفُوهم؛ إنَّهم مَسؤولُونَ، قال: فيُحاسبونَ على الصَّلاة، ويُسألون عنها،
قال: فَيَهلِكُ فيها من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرةَ الثانية؛
حُوسبوا على الأمانة كيف أَدَّوها وكيف خانوها، قال: فيهلِكُ مَن هلك
وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سُئلوا عن الرَّحِم كيف وصلوها
وكيف قطعوها، قال: فَيَهلِكُ مَن هلك وينجو من نجا، قال: والرَّحم
يومئذ مُتدلِّية إلى الهُويِّ في جهنمَ، فتقول: اللَّهُمَّ مَنْ وصلني فصِلْه، ومَن
قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله رَّ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر:
١٤])»، هكذا أورد هذا الأثر، ولم يذكر تمامه(٢).
* قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَيِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾ [غافر: ١٩]:
يخبر تعالى عن علمه التامِّ المُحيط بجميع الأشياء، جليلِها وحَقيرِها،
[كبيرها] وصغيرها؛ ليُحذِّر الناس علمَه فيهم، فيستحيوا من الله حَقَّ الحياء،
ويتقوه حَقَّ تقواه، ويراقبوه مُراقبةَ مَن يعلم أنه يراه؛ فإنه تعالى يعلم العين
الخائنة وإن أبدت أمانةً، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصُّدور والضَّمائر
والسَّرائر.
قال ابن عباس عليه في هذه الآية: هو الرجل يدخل على أهل البيت
(١) في الأصل: ((عمرو)).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٩٢٦٩)، وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٤٦).
٢٨٤

بيتَهم، وفيه المرأةُ الحسناء، فإذا غفَلُوا لَحَظَ إليها، وإذا فَطِنوا غَضَّ بصرَه
عنها، فإذا غفَلُوا لحَظَ، وإذا فَطِنوا غضَّ، وقد اطّلع الله من قلبه أنه وَدَّ لو
الطَّلِعَ على فَرْجِها، رواه ابن أبي حاتم(١).
وقال الضَخَّاك: ﴿َِّنَّةَ الْأَعْيُنِ﴾ هو الغَمْزِ، وقول الرجل: رأيتُ،
ولم ير، أو: لم أر، وقد رأى.
وقال ابن عباس ◌َلًا: يعلمُ الله تعالى من العَين في نظرها: هل تريد
الخِيانَةَ. وكذا قال مُجاهد وقتادةُ.
وقال ابن عباس ﴿ه في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾: يعلم إذا
أنت قدرت عليها: هل تزني بها أم لا .
وقال السُّدِّي: ﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾؛ أي: من الوَسوسة(٢).
(م): (الخائنة): صفة للنظرة، أو مصدر بمعنى الخيانة؛ كالعافية بمعنى
المعافاة، والمراد: استِراقُ النظر إلى ما لا يَحِلُّ، ﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾ :
مُضمَرات القُلوب، والحاصل: أن أفعال المكلَّف قسمان:
أفعالُ الجوارح، وأخفاها خائنةُ الأَعيُن، والله عالمٌ بها، فكيف الحال
في سائر الأعمال؟!
والثاني: أفعال القلوب، فهي معلومة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِى
الصُّدُورُ﴾، فدل هذا على كونه تعالى عالماً بجميع أفعالهم(٣).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٨٤٢٨).
(٢) انظر هذه الأقوال في ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ١٨١).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ٤٦).
٢٨٥

* قوله: والآيات في هذا الباب كثيرة:
منها: قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾
[البقرة: ٢٣٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]:
وأَمّا الأحاديث :
٦٠ - فَالأوَّلُ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطاب ﴿ه قال: ((بينما نَحْنُ
جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضٍ
الثّابِ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا
أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَبِّ ◌َهِ، فَأَسْنَدَ رُكْبَيْهِ إِلَى رُكْبَيْهِ، وَوَضَعَ
كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وقالَ: يا مُحَمَّدًا أَخْبِرْنِ عَنِ الإسْلامِ، فقالَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿: ((الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً
رَسُولُ الله، وتُقُيِمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وتَحُجَّ
البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلاً)). قالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ
وَيُصَدَّقُهُ! قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ،
وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ
وَشَرِّهِ». قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قالَ: ((أنْ
تَعْبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَرَاهُ؛ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فإِنَّهُ يَرَاكَ)). قالَ: فَأَخْبِرْنِي
عَنِ السَّاعَةِ. قالَ: ((مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ)). قالَ:
٢٨٦