Indexed OCR Text
Pages 341-360
* قوله: ((وهو يقدر على أن ينفذه))؛ أي: والحال أن هذا الغضبان الذي حبس نفسه وتَجرَّع غيظه قادرٌ على أن يُنفِذَهُ، وهو بالذال المعجمة؛ أي: يُمضيه ويُبرِّد غيظَه بالتشفِّي مِمَّن غاظه؛ بأن يفعل(١) به ما يُسَكِّن نفسَه، فلا يفعل ذلك، ويتحمل ما هو فيه؛ نظراً إلى عِظَمٍ قدرة الله عليه، وعلماً بأنه أحوجُ إلى عفو الله، وأكثرُ تقصيراً على ما فَرَّط في جنب الله مِنْ هذا الذي هو تحت قُدرته وهو قادرٌ على الانتقام منه. وفي رواية لأبي داود: ((ملأَ اللهُ قلبَهُ أَمْناً وإِيمَانا)(٢). (ط): وإنما حُمِدَ الكظمُ؛ لأنه قَهْرُ النفس الأمَّارة بالسُّوء، ولذلك مدحهم الله بقوله: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] و[من] نهى النفسَ عن هواهُ فإن الجَنَّةَ مَثْواه، والحُورَ العِينَ جَزَاهُ . والمعنيُّ بقوله: ((على رؤوس الخلائق)): أنه يُشْهَرُ بين الناس، وُيباهَى به، ويقال: هذا الذي صدرت منه هذه الخصْلَةُ العظيمة(٣). ٤٨ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ◌َُ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ: أَوْصِني، قَالَ: ((لا تَغْضَبْ))، فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: ((لا تَغْضَبْ)). رواه البخاري. (١) في الأصل: ((يحمل)). (٢) رواه أبو داود (٤٧٧٨). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٣٨). ٢٤٧ (الَزْ وَالعَيْرُ) * قوله: ((أن رجلاً قال)): قيل: هو عثمان بن أبي العَبَّاس، وعلم منه النبيُّ وٍَّ أنه مملوءٌ بالقُوَّة الغَضَبيَّة؛ فلهذا بالغ في توصيته بترك الغضب. • قوله يحر: ((لا تغضب»: (خط): أي: لا تتعرَّض لأسباب الغضب، وللأُمور التي تجلِبُ الغضبَ؛ إذ نفس الغضب مَطبوعٌ في الإنسان لا يمكن إخراجُه من جِبِلَّتِهِ، أو معناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضبُ ويحملك [عليه] من الأقوال والأفعال(١). (تو): قد كان وَّر مُكاشفاً بأوضاع الخلق عارفاً بأَدْوائِهم، يضع الهِنَاءَ موضعَ النُّقْب، فيضع الذَّواءَ موضع السَّقَم، ويأمرهم بما هو أولى بهم، فلما استوصاه الرجلُ، وقد رآه مملوءاً بالقوة الغضبية؛ لم ير له خيراً إلا أن يَتجنَّبَ دواعيَ الغضب، ويُزُحِحَ نفسَهُ عنه. (قض): لعلَّهُ وََّ لما رأى أن جميعَ المفاسد التي تَعْرِضُ للإنسان وتعتريه إنما تَعرِضُ له من فَرْط شهوته، واستيلاء غضبه، والشَّهوة مَكثورةٌ بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضبُ، غيرُ مُلتَفَتٍ إليها، فلمَّا سأله أن يُشيرَ إليه بما يتوصَّل به إلى التجنُّبِ عن القبائح، والتحرُّز عن مَظانِّها؛ نهاه عن الغضب الدَّاعي إلى ما هو أعظمُ ضرراً، وأكثر وِزْراً؛ فإنَّ ارتفاعَ السبب يوجب ارتفاع مُسبَّباته لا محالةَ(٢). (١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣ / ١١٥٤). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٧٥). ٢٤٨ ٤٩ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ◌َ﴿به قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا يَزَال البَلاءُ بالمؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله تَعالى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))، رواه التِّرْمِذُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (الجَامِرُوالَعَبُ • [قوله]: ((وما عليه خطيئة)) : (ط): فيه إشعارٌ بأن للبلاء خاصيةً في نيل الثواب ليس للطاعة، وإن جلَّت مثلها؛ ولذلك كان من نصيب الأنبياء أشدُّ البلاء(١). يمكن أن يقال: ذلك؛ لأن الطاعةَ يمكن فيها شائبةُ الرِّياء، بخلاف الوقوع في البلاء، والله أعلم. ٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿﴾، قال: قَدِمَ عُبَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّبْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِهِمْ عُمَرُ ﴾؛ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسٍ عُمَرَ ﴿هِ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُبَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ: يَا بْنَ أَخِي! لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فاستَأْذَنَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ، قالَ: هِيْ يَا بْنَ الخَطَّابِ! فَوَاللهِ! مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَ بِالعَدْلِ، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٥١). ٢٤٩ فَغَضِبَ عُمَرُ ﴾ِ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنَّ اللهَ تعالى قَالَ لِنَبِيِّهِ وَّهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، وَاللهِ! مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ الله تعالى. رواه البخاري. (البَحْاُوَالْعَبُ * ((مشاورته)) بلفظ المصدر عطفٌ على ((مجلس))، وبلفظ المفعول أو الفاعل عطفٌ على ((أصحاب)). * ((هيه)) بكسر الهاء الأولى، وفي بعضها: ((إيه))، وهو من أسماء : الأفعال، تقول للرجل إذا استزدتَهُ من حديث أو عمل: إِيهِ. وفي بعضها: ((هي)) بحذف الهاء الثانية، أو هو ضميرٌ، وثَمَّة محذوفٌ؛ أي: هي داهيةٌ، أو القصة هذه. وقال جعفرٌ الصَّادقُ: ليس في القرآن آية أجمعُ لمكارم الأخلاق من قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩](١) . ولعل ذلك؛ لأن المُعاملةَ إما معَ نفسه أو مع غيره، والغيرُ إما عالمٌ أو جاهلٌ، أو لأن أُمَّهات الأخلاق ثلاثةٌ؛ لأن القِوى الإنسانية ثلاثة: العقلية، والشَّهْوية، والغَضَبِيّة. (١) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٤ / ٣١٨). ٢٥٠ ولكلِّ قوة فضيلةٌ هي وسَطُها: للعقلية: الحِكْمةُ، ومنها الأمرُ بالمعروف، وللشَّهَويّة: العِفَّةُ، ومنها: أخذُ العفو، وللغَضَبيَّة: الشَّجاعةُ، ومنها: الإعراضُ عن الجُهَّال، انتهى(١). وفي هذا الحديث جُمَلٌ من الفوائد: منها: تنزيل الناس منازلَهم. ومنها: أن لا يحتقرَ عالماً لصغر سنه، وأن التقدُّمَ بالعلم والتُّقى سواء كان العالم شاباً أو شيخاً؛ فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. ومنها: فضيلة المُشاورة خُصوصاً لأرباب الولايات؛ فإن بدراتِهم بعيدةُ الاستدراك. ومنها: أنه ينبغي للإمام أن يكون مُجالسوه العُلماءَ والزُّهَّادَ، وأُولي الحِلم والتمكين؛ فإن النفسَ بطبعها تُعْدَى، وقد قيل : عَدْوى البَليدِ إلى الجَلیدِ سَریعةٌ والجَمْرُ يُوضَعُ في الرَّمادِ فيخمُدُ ولقد كان الفاروقُ مع ما أُوتِي من الكمال اجتنب مُخالطةَ الجُهَّال، واختار لمجلسه العُلماءَ والزُّهَادَ. ومنها: أن الإنسانَ وإن بلغ مبلغ الرجال، وأُوتي صفوَ اليقين، وصار إماماً للمتقين، فمعه دواعي نفسه، لا يمكنه أن يتخلصَ منها رأساً، وإنما غاية تهذيب النفس أن لا يتجاوزَ حُدودَ الشرع، وقد رامت الفلاسفةُ التخلصَ منها بالكُلِية، فلم يُمْكِنْهم، ولكن نقصت عنهم، وهاجت في مقابلة تلك الأخلاق أخلاقاً حسنةً، وأُخرَ ذميمةً. (١) انظر: ((عمدة القاري)) للعيني (١٨ / ٢٤٣). ٢٥١ ومنها: فضيلة كظم الغيظ، والصبر، والاحتمال عن الجُهَّال. ومنها: الوقوفُ علی کتاب الله، وتدبُّر معناه. ٥١ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ◌َ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قال: ((إنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا))، قالُوا: يَا رَسُولَ الله! فَمَا تَأْمُرُنَ؟ قال: (تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَالَّذِي لَكُمْ)، متفقٌ عليه. (وَالأَثَرَةُ»: الانْفرادُ بالشَّيْءِ عَمَّنْ لَهُ فيهِ حَقٌّ. ٥٢ - وَعَنْ أَبي يَحْيَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرِ عَ﴾: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قالَ: يا رسولَ الله! أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاناً؟ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ))، متفقٌ عليه. (وَأُسَيْدٌ)): بِضَمِّ الهَمْزَةِ، ((وَحُضَيْرٌ)): بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. * قوله: «أثرة» : (ن): المراد به هنا استئثار الأُمراء بأموال بيت المال، و(الأثرة): بفتح الهمزة والثاء(١)، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة، (١) في الأصل: ((الثانية)). ٢٥٢ ثلاث لغات حكاهن في ((المشارق)) وغيره(١). (نه): (الأثرة) بفتح الهمزة والثاء: الاسم؛ من آثر يؤثر إيثاراً: إذا أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم فيُفضِّلُ(٢) غيرَكم في نصيبه من الفَيء(٣). (ن): فيه: الحَثُّ على السمع والطاعة، وإن كان المُتولِّي ظالماً غَشُوماً، فيُعطى حَقَّهُ من الطاعة، ولا يُخْرَجُ عليه، ولا يُخْلَعُ، بل يُتضرَّعُ إلی الله في کشف أذاه، ودفع شرِّه، وتوفيق صلاحه. وهذا من معجزات النبوة، وقد وقع هذا الإخْبارُ مُتكرِّراً، ووُجد مُخْبَرُهُ مُتكرِّراً؛). (ق): هذا خطابٌ للأنصار، وفيه إشارات لهم بأنهم يَرِدُون عليه الحوض، انتھی(٥). * ((تؤدون)): خبر بمعنى الأمر، وكذلك ((تسألون)). (ق): أي: إن عصى اللهَ الأمراءُ فيكم، ولم يقوموا بحُقوقكم؛ فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم؛ فإن الله مُجازٍ كلَّ واحد من الفريقين بما عمل (٦). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٢٥، ٢٣٢). (٢) في الأصل: ((فيضل))، والصواب المثبت. (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٢). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣٢). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤). (٦) المرجع السابق (٤ / ٥٥). ٢٥٣ ٥٣ - وَعَنْ أَبي إبْرَاهِيمَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبَي أَوْنَى ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ في بعض أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، انْتُظَرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَال: ((يَا أَّهَا النَّاسُ! لا تَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))، ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ! اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَاً عَلَيْهِمْ))، متفقٌ عليه. وَبالله التَّوْفِيقُ. * قوله: ((انتظر حتى مالت الشمس)): (ن): أي: تزول، وسببه: أنه أَمکنُ للقتال؛ فإنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، وكلما ازدادوا نشاطاً؛ ازدادوا إقداماً على عَدُوِّهم. وقد جاء في ((صحيح البخاري)): ((حَتَّى تَهُبَّ الرِّياحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَواتُ))(١)، وسببه فضيلةُ أوقات الصلاة والدُّعاءِ عندها(٢). (ق): وقيل: ليَبرُدَ الوقتُ على المُقاتلة، ويَخِفَّ عليهم حملُ السِّلاح التي يؤلم حملُها في شدة الهاجرة، وقيل: بل كان يفعل ذلك؛ انتظارَ هُبوب الريح التي نُصِر بها؛ كما قال: ((نُصِرتُ بِالصَّبا))(٣)، وفي حديث (١) رواه البخاري (٢٩٨٩)، بلفظ: ((حتى تهب الأرواح ... إلخ)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٤٦). (٣) رواه البخاري (٩٨٨)، ومسلم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس حولها. ٢٥٤ آخر: أنه ◌َ ﴿ كان ينتظر حتى تزولَ الشمسُ وتهبَّ رياحُ النصر(١). (ن): إنما نهى عن تَمنِّي لقاء العدو لِمَا فيه من صورة الإعجاب، والاتكالِ على النفس، والوُثوق بالقوة، وهو نوعُ بَغْي، وقد ضَمِن الله تعالى لمن بُغِيَ عليه أن ينصرَه، ولأنه يتضمَّن قلةَ الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحَزْم، وتأوَّله بعضهم على أن النهيَ عن التمني في صورة خاصَّة، وهي: إذا شكّ في المصلحة فيه، وحصول ضرر، وإلا؛ فالقتال كلُّه فضيلة وطاعة، والصحيح الأول، ولهذا تَمَّمه وَه بقوله: ((وسلوا الله العافية)). وقد كثرت الأحاديث في الأَمر بسؤال العافية [وهي من الألفاظ العامة] المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن [والباطن]، في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العافيةَ لي ولأحبائي ولجميع المسلمين(٢). (ق): النَّهيُ لمَا فيه من المَكاره والمِحَن والنَّكال، ولهذا قال ◌َّ متصلاً به: ((وسلوا الله العافية)). وقيل: لما يُخافُ من إدالة العدوِّ وظفره بالمسلمين، وقد روي في هذا الحديث: ((فإِنَّهم يَظْفرُون كما تُنْصَرُونَ)). وقيل: لما يؤدي إليه من إذهاب حياة النفوس التي يَزيد بها المؤمن (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٢٤)، والحديث رواه أبو داود (٢٦٥٥)، والترمذي (١٦١٢)، من حديث النعمان بن مقرن حظه. وإسناده ضعيف. انظر: ((ضعيف سنن الترمذي)» . (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٤٥). ٢٥٥ خيراً، أو يُرجَى للكافر فيها أن يُراجَع، وكلُّ ذلك محتملٌ. لا يقال: فلقاء العدو وقتاله يحصل منه إما الظَّفَر بالعدو وإما الشَّهادة، فكيف ينهى عنه وقد حَضَّ الشرع على تَمنِّي الشهادة، ورَغَّب فيه فقال: ((مَنْ سألَ اللهَ الشَّهادةَ صَادقاً مِنْ قَلبهِ؛ بَلَّغَهُ اللهُ مَنازِلَ الشُّهداءِ وإن ماتَ على فِرَاشِه))(١)؟! لأنَّا نقول: لقاء العَدوِّ وإن كان جهاداً وطاعةً، ومُحصِّلاً لأحد الأمرين، فلم يَنْهَ عن تمنِّيه من هذه الجهات، وإنما نهى عنه من جهات تلك الاحتمالات المُتقدِّمة، ثُمَّ هو ابتلاء وامتحانٌ لا يُعرف عَمَّاذا يَستقِرُّ عاقبتُهُ، وقد لا يحصُل فيه لا غنيمةٌ ولا شهادةٌ، بل ضِدُّ ذلك. وتحريره: أن تمنِّيَ لقاء العدو المنهيَّ عنه غيرُ تَمنِّي الشهادة المُرغَّبِ فيه؛ لأنه قد يحصل اللقاء ولا تحصل الشَّهادةُ ولا الغنيمة، فانفصلا. وقد فهِمَ بعضُ العلماء من هذا الحديث كراهةَ المُبارزة، وبها قال الحسنُ، وروي عن علي ◌َُّ قال: يا بُنيَّ؛ لا تَدعُ أحداً إلى المُبارزة، ومَنْ دعاك إليها فاخرج إليه، فإنه باغ، وقد ضَمِن الله تعالى نصرَ مَن بُغيَ عليه. وقال ابن المنذر: أجمع كلُّ من أحفظ على جواز المُبارزة والدَّعوة إليها، وشَرَطَ بعضهم فيها إذنَ الإمام، وهو قول الثَّوري، والأَوزاعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، ولم يشترطه غيرُهم، وهو قول مالك والشافعيِّ، واختلفوا: هل يُعَيِّن المُبارزَ غيرُه أم لا؟ على قولين(٢). (١) رواه مسلم (١٩٠٩)، من حديث سهل بن حنيف نظـ (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٢٣). ٢٥٦ * وقوله ◌َليفي: ((وإذا لقيتموهم فاصبروا): (ن): هذا حَثٌّ على الصبر في القتال، وهو آكد أركانه، وقد جمع الله آدابَ القتال في قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَعْبُتُوا وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٥) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَأْ إِنَّاللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ، وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِئَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧]. وأما قوله: ((الجنة تحت ظلال السيوف)): معناه: ثوابُ الله، والسَّبب المُوصل إلى الجنة عند الضَّرب بالسُّيوف في سبيل الله؛ فاحضروا فیه بصدق واثبتوا(١) . (ق): هذا الكلام النفيس البديعُ جمعَ ضُروبَ البلاغة؛ من جزالة اللفظ، وعُذوبته، وحُسن استعارته، وشُمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المَعسولة الوجيزة؛ بحيث يَعجِزُ الفُصحاء الُّسْنُ البلغاء عن إيراد مثله؛ فإنه استُفيد منه مع وجازته الحَضُّ على الجهاد، والإخبارُ بالثواب عليه، والحَضُّ على مُقاربة العدو، واستعمال السُّيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزَّحْف بعضهم لبعض، حين تكون سيوفُهم بعضُها يقع على العدوِّ، وبعضها يرتفع عنهم، حتى كأن السيوفَ أظلَّت الضَّاربين بها؛ يعني: أن الضاربَ بالسيف في سبيل الله يدخله الله الجنةَ بذلك، وهذا كما في الحديث الآخر: ((الجَنَّةُ تحتَ أَقْدام الأُمَّهاتِ)(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٤٦). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٢٥)، والحديث رواه القضاعي في ((مسند = ٢٥٧ (نه): هو كناية عن الدُّنِّ من الضِّراب في الجهاد حتى يعلوَه السيفُ، ويصيرَ ظِلُّه عليه، و(الظل): الفَيءُ الحاصلُ من الحاجز بينك وبين الشمس أيَّ شيء كان، وقيل: هو مخصوصٌ بما كان منه إلى زوال الشمس، وما كان بعده فهو الفَيءُ (١). (ط): هو كنايةٌ تلويحية عن إعلاء كلمة الله ونُصرة دينه، وأن ((تحت ظلال السيوف)» مُشعرٌ بكونها مُشْهَرةً غيرَ مُغْمَدةٍ، ثم هو مُشعرٌ بكونها واقعةً فوق رؤوس المُجاهدين كالمِظلاَّت، ثم هو على التَّسائُفِ والتَّضارُب في المعارك، ثم على إعلاء كلمة الله(٢). * قوله تقدير: ((اللهم؛ منزل الكتاب ... إلى آخره): (ن): فيه: استحبابُ الدُّعاء عند اللقاء والاستنصار(٣). ٠٠ (ق): وفيه جواز السَّجْع في الدعاء إذا لم يُتكلّف، و((الأحزاب)): جمع حِزْب، وهم الجمع والقِطعةُ من الناس، ويعني بهم: الذين تَحزَّبوا عليه في المدينة، فهزمهم الله بالريح، ووصفُ الله بأنه سريعُ الحساب، = الشهاب)) (١١٩)، من حديث أنس بن مالك له. وهو حديث موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥٩٣). قلت: وفي معناه ما أخرجه النسائي (٣١٠٤) عن معاوية بن جاهمة السلمي: أن جاهمة جاء إلى النبي وسلم فقال: يا رسول الله! أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: ((هل لك أم؟)) قال: نعم. ((فالزمها فإن الجنة تحت رجليها)). وإسناده حسن. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٥٩). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٦٠). (٣) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٢ / ٤٧). ٢٥٨ بمعنى: أنه يعلم الأعدادَ المُتناهيةَ وغيرها في آنٍ واحد، فلا يحتاج في ذلك إلى فِكْرٍ ولا عقل، كما يفعله الحُسَّاب منا(١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٢٥). ٢٥٩ ٤-باب الصِّدْق قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ أَللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. * وقال تعالى: ﴿وَالصََّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. * وقال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. (الباب الرابع) (في الصدق) (ش): (الإخلاص): عدمُ انقسام المطلوب، و(الصدق): عدمُ انقسام الطَّلَب، فحقيقةُ الإخلاص: توحيدُ المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيدُ الطَّلَب والإرادة، ولا يُثمران إلا بالاستسلام المَحْض للمُتابعة، انتهى(١). أبو القاسم القُشيريُّ: أقلُّ الصدق استواءُ السِّرِّ والعَلانية. وعن سهل التُّسْتَريِّ: لا يَشَمُّ رائحةَ الصدق عبدٌ داهَنَ نفسَه أو غيرَه. وقال الأستاذ أبو علي الدَّقَّقُ: الإخلاص: التوقِّي عن مُلاحظة الخلق، (١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ٩٧). ٢٦٠ والصِّدق: التنقِّي عن مُطالعة النفس، فالمُخلِصُ لا رياءَ له، والصَّادق لا إعجاب له. وقال الحارثُ المُحاسِبِيُّ: الصادق: هو الذي لا يُالي لو خرج كلُّ قَدْرِ له في قُلوب الخَلْقِ من أجل صلاح قلبه، ولا يُحِبُّ اطِّلاعَ الناس على مثاقيل الذَّرِّ من حُسن عمله، ولا يكره أن يطَّلعَ الناسُ على السيِّئ من عمله(١). * قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ أَللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِّقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]: لما ذكر تعالى ما فَرَّج به عن هؤلاء الثلاثة من الضِّق والكَرْب؛ من هَجْر المسلمين إياهم نحواً من خمسين ليلةً بأيامها، وضاقت عليهم أنفسُهم، وضاقت عليهم الأرضُ، وتشدَّدت عليهم المَسالكُ والمَذاهبُ، فصبروا لأمر الله، واستكانوا وثَبِتُوا، حتى فرَّج الله عنهم بسبب صِدْقهم، وكان عاقبة صدقهم خيراً لهم، وتوبةً عليهم؛ أَمَر المؤمنين بالصِّدق في هذه الآية؛ أي: اصدُقوا والزموا الصِّدقَ تكونوا مع أهله، وتنجوا من المَهالك، ويجعلُ لكم مِن أُموركم فرَجاً ومَخرجاً. وعن ابن مسعود أنه قال: إن الكذب لا يَصلُح منه جَدٌّ ولا هَزْلٌ، اقرؤوا إن شئتم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مِنَ الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩]، هكذا قرأها، ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رُخصةً؟!(٢) زاد البغوي: ولا أن يَعِدَ أحدُكم صَبِيَّه شيئاً، ثم لا يُنجزهُ له(٣) . (١) انظر هذه الأقوال في ((الرسالة القشيرية)) (ص: ٢٠٧). (٢) رواه الطبري في ((التفسير)) (١١ / ٦٣). (٣) انظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (٢ / ٣٣٧). ٢٦١ وعن عبدالله بن عمر: كونوا مع مُحمَّد وأصحابه(١). وقال الضَّخَّاكُ: مع أبي بكر وعمر وأصحابهم(٢). وقال الحسن البصريُّ: إن أردت أن تكونَ مع الصادقين؛ فعليك بالزُّهد في الدنيا، والكَفِّ عن أهل المِلَّةِ(٣). (الثَّعلييُّ): ابن جريج: مع المُهاجرين؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْقُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. وقال ابن عباس: مع الذين صَدقت نِيَّاتُهم واستقامت قلوبُهم وأعمالهم، وخرجوا مع النبيِّ وَ﴿ إلى تبوكَ بإخلاص ونية. وقيل: مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذَّنْب، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة، وكان ابن مسعود يقرأ: (كونوا من الصادقين) (٤). قوله تعالى: ﴿وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]: هذا في الأقوال؛ فإن الصِّدَقَ خَصْلة محمودة؛ ولهذا كان بعضُ الصَّحابة لم يُجرَّب عليه كِذْبةٌ، لا في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهو أَمَارةٌ على الإيمان؛ كما أن الكذبَ أمارة على النِّفاق. (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠٠٩٧). (٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٠٠٩٨). (٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠١٠٠). (٤) انظر: (تفسير الثعلبي)) (٥ /١٠٨ - ١٠٩). وانظر: ((تفسير ابن جرير الطبري)) (١١/ ٦٣). قال ابن جرير: رسوم المصاحف كلها مجمعة على: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحد القراءة بخلافها. ٢٦٢ (الثعلبي): أي: في إيمانهم وفيما أساءهم وسَرَّهم(١). وَأَمَّا الأحَادِيثُ: ٥٤ - فَالأَوَّلُ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، عَنِ النَّبِيِّوََّ، قال: ((إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ بَهْدِي إِلَى الجنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً، وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً)) متفقٌ عليه. الأَو (ق): ((عليكم): من ألفاظ الإِغْراءِ المُصرِّحة بالإلزام، فحٌَّ على كل من فهم عن الله أن يلازم الصِّدقَ في الأقوال، والإخلاصَ في الأعمال، والصَّفاءَ في الأحوال، وقد أرشد الله إلى ذلك كله بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾ [التوبة: ١١٩](٢) . (ن): معناه: إنَّ الصدقَ يَهدِي إلى العمل الصَّالح الخالص من كل مَذْمُوم . و(البر): اسم جامعٌ للخير كلِّه، وقيل: البِرُّ الجنة، ويجوز أن يتناول (١) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٣/ ٢٩). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٩١). ٢٦٣ العملَ الصالح أو الجنة، انتهى(١). لا تستقيم إرادةُ العمل الصَّالح والجنة هاهنا؛ إذ قوله: ((يهدي إلى الجنة» یأباه. (ن): ((الفجور)): هو المَيْلُ عن الاستقامة، وقيل: الانبعاثُ في المَعاصي(٢). (ك): وهو جامعٌ للشُّرور، و(البر): اسم جامعٌ للخيرات كلُّها، فهُما متقابلان، قال الله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ (٢) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى حَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] (٣) . (ق): ((يتحرى الصدق))؛ أي: يقصد إليه ويتوخَّاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب حتى يكون الصدق غالبَ حاله، فيكتب في جملة : الصِّدِّيقين، وأصل الكَتْب: الضَمُّ والجمع، ومنه: كتبتُ البغلةَ: إذا بَلَّغْتَ بين شُفْرَيِها بحَلْقةٍ . وقوله: ﴿كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمَنَ ﴾ [المجادلة: ٢٢]: جَمَعَه وثبَّته(٤). (ش): جعل الصدقَ مفتاح الصدِّيقية وغايته، فلا ينال درجتَها كاذبٌ البتة، لا في قوله، ولا في عمله، ولا في حاله، لاسيَّما كاذبٍ على الله في أسمائه وصفاته؛ بنفي ما أثبته لنفسه، أو إثبات ما نفاه عن نفسه، فليس في (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٠). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١/ ٢٢٠). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٩٢). ٢٦٤ هؤلاء صِدِیقٌ أبداً، وكذلك الكذبُ عليه في دينه وشرعه؛ بتحليل ما حرمه، وتحريم ما لم يُحرِّمْه، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما لم يوجبه، وكراهة ما أحبَّهُ، واستحباب ما لم يُحبُّه، كل ذلك مُنافٍ للصدِّيقية، وكذلك الكذبُ معه في الأعمال بالتحلِي بحِلْية الصَّادقين المُخلصين الزَّاهدين المُتوكِّلين، وليس [في الحقيقة] منهم، فكذلك كانت الصدِّيقيةُ كمالَ الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهراً وباطناً، حتى إنَّ صِدْقَ المُتبايعَيْن يُحِلُّ البركةَ في بيعهما، وكذبهما يَمْحَقُ بركةَ بيعهما(١). (ط): (الصديق): من أبنية المُبالغة، ونظيره الضَّحِّيك، والمراد: فَرْطُ صدقه، وكثرة صدوره منه، حتى يُصدِّق قولَه بالعمل، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ﴾ [الزمر: ٣٣]، والتنكير في (صديقاً) للتعظيم والتفخيم؛ أي: بلغ في الصدق إلى غايته حتى يدخلَ به في زُمرة الصِّدِّيقين، ويُكتبَ عند الله منهم، انتهى (٢). قال الإمام الغزالي رحمه الله: لفظ الصدق يستعمل في ستة معانٍ: صدقٌ في القول، وصدقٌ في النية، وصدقٌ في الإرادة، وصدقٌ في العَزْم، وصدقٌ في الوَفاء بالعَزْمِ، وصدق في مَقامات الدِّين كلِّها، فمَن انَّصف بالصِّدق في جميع ذلك؛ فهو صِدِّيقٌ؛ لأنه مبالغة في الصدق(٣). (ن): في هذا الحديث حَثٌّ على تَحرِّي الصدق، وهو قَصْدُه والاعتناء (١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢/ ٢٧٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٥). (٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣٨٧). ٢٦٥ به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه؛ فإنه إذا تساهل فيه كثُر منه، فعُرف به، وكُتب عند الله لمبالغته صِدِّيقاً إن اعتاده، أو كذاباً إن اعتاده. ومعنى ((يكتب)) هنا: يُحكم له بذلك، ويَستحِقُّ الوصفَ بمنزلة الصدِّيقين وثوابهم، أو صفة الكاذبين وعقابهم، والمُرادُ إظهار ذلك للمخلوقين: إما بأن(١) يكتبه في ذلك؛ ليشتهر بحظُّه من الصفتين في الملأ الأعلى، وإما بأن يُلقيَ ذلك في قلوب الناس وألسنتهم؛ كما يوضع له القَبول والبَغْضاء، وإلا فقَدرُ الله سبحانه وكتابُه السابقُ قد سبق بكُلِّ ذلك. واعلم أن الموجودَ في جميع نسخ (البخاري)) و((مسلم)) ببلادنا وغيرها: أنه ليس في متن الحديث إلا ما ذكرنا، وكذا نقله الحُميديُّ والقاضي عن جميع النسخ. ونقل أبو مسعود الدِّمشقيُّ عن ((كتاب مسلم)) في حديث ابن مُثَنَّى وابن بشار زيادةَ: ((وإنَّ شَرَّ الرَّوَايا رَوايا الكَذبِ، وإنَّ الكَذِبَ لا يصلُحُ منه جدٌّ ولا هَزْلٌ، ولا يَعِدُ الرَّجلُ صَبِئَهُ ثمَّ يُخْلِفُهُ». وذكر أبو مسعود: أن مسلماً روى هذه الزيادة في ((كتابه)). قال القاضي: (الروايا) هنا: جمع رَوِيَّة، وهي ما يَتَروَّی فیه الإنسانُ ويستعدُّ به أمام قوله أو عمله، قال: وقيل: جمع راوية؛ أي: حامل له وناقل له(٢). (١) في الأصل: ((إذا كان)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٠). ٢٦٦