Indexed OCR Text
Pages 281-300
(ن): فيه: الحَثُّ على التعقُّفِ والقناعةِ والصَّبر على ضِيقِ العَيش
وغيره من مَكاره الدُّنيا(١).
(ك): وفيه: أن الاستغناءَ والعِفَّةَ والصبرَ بفعل الله تعالى(٢).
٢٧ - وَعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبٍ بْنِ سِنَانٍ ﴿ه، قالَ: قالَ
رَسُولُ اللهِ: ((عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِن! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ
ذَلِكَ لأَحَدٍ إلَّ لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ،
وَإِنْ أَصَابَتْهِ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَه)) رواه مسلم.
(الثَّالِثُ)
* قوله {يا: ((وليس ذلك إلا للمؤمن)):
(ط): مُظْهَرٌ وقع مُوقِعَ المُضْمَر؛ ليُشعر بالعِلَّية(٣).
(ق): المؤمن هنا: العالم بالله، الرَّاضي بأحكامه، العاملُ على
تصديق موعوده؛ وذلك أن المؤمنَ المذكورَ؛ إما أن يُبتلى بما يَضُرُّه، أو
بما يَسُرُّه، فإن كان الأولَ؛ صبر واحتسب ورضِيَ، فحصل على خير
الدُّنيا والآخرة وراحتِهما، وإن كان الثانيَ؛ عرف نعمة الله عليه ومِنْتَه
فيهما، فشكرها وعمل بها، فحصَّل نِعمَ الدنيا ونعيم الآخرة .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٤٥).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ /١٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٣٤).
١٨٧
وقوله: ((ليس ذلك إلا للمؤمن))؛ أي: المؤمنِ المَوصوف بما
ذكرناه؛ لأنه إن لم يكن كذلك؛ لم يصبر على المُصيبة الدُّنيويةِ، فتصير
مُصيبةً في دينه، وكذلك لا يعرف النعمةَ ولا يقوم بحقها ولا يشكرُها،
فتنقلبُ النعمةُ نِقْمةً، والحسنةُ سيئةً، نعوذ بالله من ذلك(١).
(ط): ((إن أصابته سراء)»: وأُنشد في معناه:
عَليَّ لَهُ في مثلِها يَجبُ الشُّكرُ
إذا كانَ شُكري نِعْمَةَ الله نِعْمةً
وإنْ طالَتِ الأَيَّامُ واتَّسعَ العُمْرُ
فكيفَ بُلوُ الشُّكرِ إلاَّ بِفَضْلِهِ
وإِنْ مُسَّ بالضَّرَّاءِ أعْقَبَها الأَجْرُ
إذا مُسنَّ بالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرورُها
انتھی(٢).
هذا المؤمن هو الذي كمَل تفويضُ أمره إلى الله، فلا يختار إلا
ما اختاره الله له، فإن ابتُلي بالفقر صبر ورضي وقام بما لله فيه من العبودية؛
فكان خيراً له، وإن ابتُلي بالغنى شكر وقام بما لله فيه من العبودية؛ فكان
خيراً له، وكذلك إن ابتُلي بالمرض، أو بالسفر، أو الإقامة، أو غير ذلك،
فلكل حالة من هذه الأحوال عُبوديةٌ خاصَّةٌ بها .
٢٨ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿ُهِ، قالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ وَّهِ، جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ
الكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رضِي الله عنها: وَاكَرْبَ أَبَتَاه! فَقالَ: ((لَيْسَ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٣٤).
١٨٨
عَلَى أَبَيْكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْم))، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاه! أَجَابَ رَبّأَ
دَعَاه، يَا أَبَتَاه! جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأواه، يَا أَبَتَاه! إلَى حِبْرِيلَ نَنْعَاه؛ فَلَمَّا
دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: أَطَابَتْ أَنَّفُسُكُمْ أَنْ تَحْتُوا عَلَى
رَسُولِ اللهِوَّهِ، التُّرَابَ؟ رواه البخاري.
er
* قوله: ((جعل يتغشاه الكرب)»:
(الكرب): الغَمُّ الذي يأخذ بالنَّفْس؛ يعني: لمَّا اشتد مرضُه ◌ِ،
وظهرت عليه أمارةُ السَّكَرات؛ لم تُطِق فاطمةُ رضي الله عنها احتمالَ ذلك
فقالت: ((واكَرْبَ أبتاه))، فقال ◌َِّ: ((ليس على أبيك کربٌ بعد اليوم))؛
أي: فاصبري ولا تجزعي، فإذا [ ... ](١)، فعلى هذا: ظهر إيرادُ المؤلف
هذا الحديثَ في هذا الباب، والله تعالى أعلم.
(ط): ((يا أبتاه)): أصله: يا أبي، والتاء بدلٌ من الياء؛ لأنهما من
الحروف الزوائد، والألف للنُّدْبة لمَدِّ الصوت، والهاء للسكت، ولا بدَّ
للنُّذْبة من إحدى العلامتين (يا)، أو (وا)؛ لأن النُّذْبةَ لإظهار التوجُّع ومَدٌ
الصوت، وإلحاقُ الألف في آخرها؛ للفصل بينها وبين النداء، وزيادةُ الهاء
في الوقف إرادةَ بيان الألف لأنها خَفِيَّة، وتحذف في الوصل .
قوله: ((جنة الفردوس)) في ((البخاري))، و((شرح السنة)): ((مَنْ جَنَّةُ
(١) بياض في الأصل.
١٨٩
الفِرْدَوْسِ))(١) وقع [(مَنْ)] موصولةً، وفي بعض نُسخ ((المصابيح)): وقعت
جارَّةً، والأول أنسب؛ لأنه من وادي قولهم: وامَنْ حَفرَ بِثرَ زَمْزَمَاهْ، انتهى(٢).
في هذا الحديث: فضيلةُ فاطمةَ رضي الله عنها؛ لأنها مع ما طُبعت
عليه من الضَّعف مُنِحت صبراً عظيماً في أول صَدْمةِ هذه المُصيبة التي
أقعدت عمرَ ، حتى إنه لم تُقِلُّه رجلاه، وكان قد بلغه خبرُ الوفاة،
وليس الخبر كالمُعاينة، وهذه الصدِّيقة نزلت عليها السَّكينةُ، فلم تتكلم إلا
بكلمات يسيرة كلُّها حَقٌّ، ومعناها صِدْقٌ.
ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، ولفظه: (لمَّا تَغَشَّى رسولَ الله وَّى
الكَرْبُ؛ كان رأسُه في حَجْر فاطمةَ، فقالت فاطمةُ: واكَرْباه لِكَرْبك اليومَ
يا أبتاه)، وزاد بعد قوله: «أجاب رباً دعاه)): (يا أبتاه؛ مِنْ رَبِّه ما أَدْناه!)(٣).
ووجهُ الجمع بين هذا وما ثبت في ((الصحيح)): أنه وَّ تُوقِّي ورأسُه
بين نَحْر عائشةَ رضي الله عنها وسَحْرِها (٤): أنهن كُنَّ يتناوبن الخِدْمةَ، فلما
شاهدت فاطمةُ ذلك؛ لم تُطِقِ النظرَ وتأخرت، فجعلت عائشةُ رأسَه بين
سَخْرها ونَحْرِها، وتُوفِّي على تلك الحالة ◌َّه.
٠٠
٢٩ - وعَنْ أَبِي زَيْدٍ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ عَّه
(١) رواه البخاري (٤١٩٣)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٨٣١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٨١٧).
(٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٦٢٢).
(٤) رواه البخاري (٤١٨٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
١٩٠
وَحِبِّهِ وَابْنِ حِبِّهِ، ﴾ قال: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِّ ◌َهَ: إِنَّ ائِي قَدِ
اخْتُضِرَ فَاشْهَدْنَ، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: ((إنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ،
وَلَه مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ))،
فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمٍ عَلَيْهِ لَيَأْنِيَّهَا. فَقَامَ وَمَعَه سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ
ابْنُ جَبَلٍ، وَأُبَّيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرِجَالٌ ﴾، فَرُفِعَ إلَّ
رَسُولِ اللهِ﴿ِ الصَّبِيُّ، فَأَقْعَدَهُ فِي حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ؛ فَفَاضَتْ
عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا
اللهُ تَعَالَى فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ»، وفي روايةٍ: ((في قُلُوبٍ مَنْ شَاءَ مِنْ
عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) متفقٌ عليه.
وَمَعْنَى ((تَقَعْقَعُ)): تَتُحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ.
(نه): يقال: أقرئ فلاناً السَّلامَ، واقرأ عليه السَّلامَ، كأنه حين يُبلِّغه
سلامَه يَحْمَلُهُ على أن يقرأ السَّلامَ ويردَّه(١).
* قوله وقال : «إن لله ما أخذ»:
(ن): معناه: الحَثُّ على الصبر والتسليمٍ بقضاء الله تعالى، وتقديره:
إن هذا الذي أُخِذَ منكم كان له لا لكم، فلم يأخذ منكم إلا ما هو له،
فينبغي أن لا تجزعوا؛ كما لا يجزَعُ مَن اِستُردت منه وديعةٌ أو عارِيَّةٌ .
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣١).
١٩١
ومعنی: «وله ما أعطى)): أن ما وهبه لکم لیس خارجاً عن مُلکه، بل
هو له سبحانه وتعالی یفعل فيه ما يشاء.
وقوله: ((كل شيء عنده بأجل مسمى)): معناه: واصبروا ولا تجزعوا؛
فإن كلَّ مَنْ مات قد انقضى أجلُه المُسمَّى، فمُحالٌ تقدُّمُه أو تأخرُّه عنه، فإذا
علمتم هذا كلَّهُ؛ فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم.
وهذا الحديث من قواعد الإسلام المُشتملة [على جُمل](١) من أصول
الدين وفروعه والآداب(٢).
(ط): ((فلتصبر ولتحتسب)) يجوز أمراً للغائب المؤنث، أو الحاضر
على قراءة من قرأ: (فبذلك فلتفرحوا)، فعلى هذا: المُبلِّغُ عن(٣) رسول الله وَهل
ما تلفَّظ به في الغَيية، والمرادُ بالاحتساب: أن يجعل الولدَ في حسابه لله
تعالى، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون (٤).
(ن): ((تقعقع)) بفتح التاء والقافين.
و((الشنة)): القِرْبة البالية، ومعناه: لها صوتٌ وحَشْرجةٌ كصوت الماء
إذا أُلقي في القِرْبة البالية.
وقول سعد: ((ما هذا؟)) معناه: أن سعداً ظن أن جميعَ أنواع البكاء
حرامٌ، وأن دمعَ العين حرامٌ، وظنَّ أن النبيَّ ◌َّ نسي فذكَّرَه، فأعلمه النبيُّ ◌َّ
(١) من ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٢٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٢٥).
(٣) في الأصل: ((من)).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤١٦).
١٩٢
أن مُجرَّدَ البكاء ودمعَ العين ليس بحرام ولا مكروه، بل هو رحمةٌ وفضيلة،
وإنما المُحرَّمُ النَّوْحُ والنَّذْبُ والبكاء المقرونُ بهما أو بأحدهما؛ كما في
الحديث: ((إنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ بدَمعِ العَيْنِ ولا بحُزنِ القَلبِ، ولكن يُعذِّبُ
بهذا، أو يَرحمُ))(١)، وأشار إلى لسانه.
وفي الحديث الآخر: ((العينُ تَدمعُ، والقلبُ يَحزنُ، ولا نقولُ ما
يسخطُ الله)(٢).
وفي الحديث الآخر: ((ما لم يَكُنْ نَفْعٌ أو لَقْلَقةٌ))(٣).
(ق): أي: هذه رِقَّة يجدها الإنسانُ في قلبه، تبعثه على البكاء من
خشية الله على أفعال البِرِّ والخير، وعلى الشفقة على المُبتلى والمُصاب،
ومَنْ كان كذلك؛ حازه الله برحمته، وهو المعنيُّ بقوله: ((وإنَّما يرحمُ اللهُ
من عِبادِ الرُّحَماءَ».
وضدُّ ذلك القَسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن الله، وعن
أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْفَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ
اللَّهُ ﴾ [الزمر: ٢٢](٤).
(ك): ((ما هذا؟))؛ أي: فيضانُ العين، كأنه استغرب ذلك منه؛ لأنه
(١) رواه البخاري (١٢٤٢)، ومسلم (٩٢٤)، من حديث عبدالله بن عمر وظـ
(٢) رواه البخاري (١٢٤١)، ومسلم (٢٣١٥)، من حديث أنس تص له.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٢٥)، والحديث علَّقه البخاري في ((صحيحه))
(١/ ٤٣٤)، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٢٨٩)، من قول عمر حظه .
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٧٥).
١٩٣
مخالفةٌ لما عَهِدَهُ منه من مُقاومة المُصيبة بالصبر، فقال: ((إنها رحمة))؛
أي: أثرُ رحمة؛ أي: رحمة للمَقبوض تنبعثُ عن التأمُّل فيما هو عليه،
وليس مما توقَّمتَ من الجزَعِ وقلَّةِ الصبر(١).
(ط): ((وإنما يرحم الله)؛ يعني: هذا الخلقَ، يخلُق الله من عباده من
أَّصف بأخلاق الله، و((من)) في ((من عباده)) بيانيةٌ، حالٌ من المفعول، وهو
((الرحماء))، قدَّمها إجمالاً وتفصيلاً؛ ليكون أوقعَ .
٣٠ - وَعَنْ صُهَيْبٍ ◌َُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قال: ((كَانَ مَلِكٌ
فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ للمَلِكِ: إِنِّي قَدْ
كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلاماً أُعَلِّمْهُ السِّخْرَ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاماً يُعَلِّمُهُ،
وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلامَهُ، فَأَعْجَبَهُ،
وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أتَى السَّاحِرَ ضَرَبَه،
فَشَكَا ذلكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي
أَهْلِي، وإِذَا خَشِيتَ أهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذلكَ، إِذْ أتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَسَتِ
النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ: السَّاحِرُ أَفْضَلُ، أم الرَّاهِبُ أفْضَلُ؟
فَأَخَذَ حَجَراً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٨١).
١٩٤
السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ؛ فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا،
وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ!
أَنْتَ اليَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سُبْتَلَى،
فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ؛ وَكَانَ الغُلامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ،
وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ
عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايا كَثِيرَةٍ، فَقالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أنْتَ
شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لا أشْفِي أحَداً، إنَّمَا يَشْفِي اللهُ تَعَالَى، فَإِنْ
آمَنْتَ بالله تَعَالى دَعَوْتُ الله فَشَفَاكَ، فَآمَنَ باللهِ تَعَالَى، فَشَفَاهُ اللهُ
تَعَالَى، فَأَتَى المَلِكَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فقالَ لَهُ
المَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قالَ: وَلَكَ رَبُّ
غَيْرِي؟! قالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ
عَلَى الغُلامِ، فَجِيءَ بالغُلامِ، فقالَ لَهُ المَلِكُ: أَيْ بُنَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ
سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبَرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ؟! فقالَ: إِنِّي
لا أَشْفِي أَحَداً، إنَّمَا يَشْفِي اللهُ تعالَى، فَأَخَذَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ
حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ؛ فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَّهُ: ارْجِعْ عَنْ
دِينِكَ، فَأَبَّى، فَدَعَا بِالمِنْشَارِ، فَوُضِعَ المُنْشَارُ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ،
فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بجَلِيسِ المَلكِ، فقيلَ لَهُ: ارْجِعْ
عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوُضِعَ الِمِنْشَارُ فِي مَفْرِقٍ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى
وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالغُلامِ، فَقيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى،
١٩٥
فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا،
فَاصْعَدُوا بِهِ الجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلاَّ
فاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ، فقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِيهِمْ
بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى المَلِكِ،
فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فُعِلَ بِأَصْحَابِكَ؟ فقالَ: كَفَانِهمُ اللهُ تعالى،
فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فقالَ: اذْهَبُوا به فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورِ،
وَتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإلاَّ فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا به،
فقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا،
وَجَاءَ يَمْشِي إلَى المَلِكِ، فقالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فُعِلَ بِأَصْحَابِكَ؟
فقالَ: كَفَانِيهِمُ الله تعالى. فقالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى
تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قالَ: مَا هُوَ؟ قالَ: تَجْمَعُ النّاسَ فِي صَعِيد
وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتَي، ثُمَّ ضَعِ
السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهَ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ
ارْمِنِي، فَإِنََّكَ إذَا فَعَلْتَ ذلكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ
وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ
السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ الله رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ،
فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ، فَمَاتَ. فَقَالَ
النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَأُنِيَ المَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَّأَنْتَ مَا كُنْتَ
تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ. قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بالأُخْدُودِ
١٩٦
بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأُضْرِمَ فِيهَا النِّيْرَانُ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ
عَنْ دِينِهِ، فَأَقْحِمُوهُ فيها، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ
امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فيهَا، فقالَ لَهَا الغُلامُ:
يَا أُمَّاهْ! اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ» رواه مسلم.
((ذِرْوَةُ الجَبَلِ)): أَعْلاهُ، وَهيَ بِكَسْرِ الذَّالِ المُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا،
وَ(الْقُرْقُورُ) بِضَمِّ القَافَيْن: نَوْعٌ مِنَ السُّفُنِ، وَ«الصَّعِيدُ)) هُنَا: الأرْضُ
البَارِزَةُ، وَ«الأُخْدُودُ»: الشُّقُوقُ فِي الأَرْضِ كَالنَّهْرِ الصَّغيرِ،
وَ«أُضْرِمَ»: أُوقِدَ، وَانْكَفَأَتْ))؛ أي: انْقَلَبَتْ، وَتَقَاعَسَتْ»:
تَوَقَّفَتْ وَجَبُنَتْ.
(التَّادُِّ)
(ن): ((الأكمه»: الذي خُلق أعمى.
و(المنشار): مهموز في رواية الأكثرين، ويجوز تخفيف الهمزة
بقلبها ياء، ويجوز: المنشار بالنون، وهما صحيحتان.
و((ذروة الجبل)): أعلاه، وهي بضم الذال وكسرها.
و((رجف بهم الجبل)): اضطرب وتَحرَّك حركة شديدة.
وحكى القاضي عن بعضهم: أنه رواه: (زحف) بالزاي والحاء، لكنَّ
الأولَ هو الصَّحیحُ المَشهورُ.
و ((القرقور)) بضم القافين: السَّفينةُ، قيل: الصّغيرة، وقيل: الكبيرة،
١٩٧
واختار القاضي الصغيرة بعد حكايته خلافاً كثيراً.
و ((انكفأت بهم السفينة))؛ أي: انقلبت.
و((الصعيد)) هاهنا: الأرض البارزة.
و ((كبد القوس)): مِقْبضُها عند الرَّمْي.
وقوله: ((نزل بك حذرك))؛ أي: ما كنت تحذر وتخاف.
و((الأخدود»: هو الشَّقُّ العظيم، وجمعه: أخاديد.
و ((السكك)»: الطرق.
و((أفواهها)): أبوابها، انتهى(١).
زاد الإمام أحمد في روايته قال: ((فَكَانُوا يَتعادَونَ ويتدَافَعُون،
فجاءتِ امرأةٌ بابنٍ لها تُرضِعُهُ)) الحديثَ(٢).
، وقوله: «من لم يرجع عن دينه فأحموه):
(ن): هكذا هو في عامة النسخ: ((فأحموه)) بهمزة قطع بعدها حاءٌ،
ونقل القاضي اتفاق النسخ على هذا، ووقع في بعض نسخ بلادنا:
((فأقحموه)) بالقاف، وهذا ظاهر، ومعناه: فاطرحوه فيها كرهاً.
ومعنى الرواية الأولى: ارموه؛ من قولهم: أَحْمَيتُ الحديدةَ وغيرها:
إذا أدخلتَها النَّار لتَحْمَى.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٣٠).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ١٦ - ١٧). وهو صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٤٤٦١).
١٩٨
وقوله: ((فتقاعست))؛ أي: توقَّفَتْ ولزمت موضِعَها، وكرهت الدُّخولَ
في النار.
فيه: إثبات كرامات الأولياء، وفيه: جوازُ الكذب في الحرب ونحوها،
وفيه: إنقاذُ النفس من الهلاك، سواءٌ نفسُهُ أو نفسُ غيره مِمَّن له حُرْمٌ(١).
(ق): وجه التمسك بهذا: أن النبيَّ وَِّ ذكر هذا كلَّه في مَعرِض الثَّناء
على الراهب والغلام، وعلى وجه الاستحسان ممَّا صدر عنهما، فلو كان
شيءٌ منها مُحرَّماً أو غيرَ جائز في شرعه لبيّنه لأُمَّته، ولاستثناه من جملة
ما صدر عنهما، ولم يفعل ذلك، فكلُّ ما أخبر عنهما حُجَّةٌ، ومُسوٌِّ
للفعل.
فإن قيل: كيف يجوز في شرعنا ما فعل الغلامُ؛ من دلالته على
الرَّاهب للقتل، ومن إرشاده إلى كيفية قتل نفسه؟
فالجواب من وجھین:
أحدهما: أن الغلام كان غيرَ مُكلَّف؛ لأنه لم يبلغ الخُلُمَ، ولو سُلِّم
أنه مُكلَّف؛ لكان العذرُ عن ذلك: أنه لم يعلم أن الراهبَ يقتل، فلا يلزم
من دلالته عليه قتلُه، وعن مَعُونته على قتل نفسه: أنه لمَّا غلب على ظنه أنه
مقتولٌ ولا بدَّ، أو عَلِم مما علَّمه الله في قلبه؛ أرشدهم إلى طريق يُظهر الله
به كرامته، وصِحَّةَ الدِّين الذي كانا عليه؛ ليُسلمَ الناسُ، وليَدينوا دينَ الحق
عند مشاهدة ذلك کما کان، وقد أسلم عثمانُ رڅبه نفسَهُ عند علمه بأنه يقتل
ولا بدَّ؛ لِما أخبره النبيُّ ◌ٍَّ .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ١٣٠، ١٣٣).
١٩٩
وهذا الحديثُ كلُّه إنما ذكره النبي ◌َّ لأصحابه؛ ليصبروا على
ما يلقَون من الأذى والآلام والمَشقَّات التي كانوا عليها؛ ليتأسَوا بمثل هذا
الغلام في صبره وتَصَلُّبه في الحق، وتَمسُّكه به، وبذله نفسَهُ في إظهار
دعوته، ودخول الناس في الدِّين مع صِغَر سِنِّه، وكذلك الراهبُ صبر على
التمسك بالحَقِّ حتى نُشِر بالمنشار، وكذلك كثيرٌ من الناس لمَّا آمنوا بالله
ورسَخ الإيمانُ في قلوبهم؛ صبروا على الطَّرح في النار، ولم يرجعوا عن
دینهم .
وهذا كلُّه فوق ما كان يُفعل بمَنْ آمن بالنبيِّ يَّرِ؛ فإنه لم يكن فيهم من
فُعل به شيءٌ من ذلك؛ لكفاية الله لهم، ولأنه تعالى أراد إعزازَ دينه،
وإظهارَ كلمته، على أنا نقول: إن مُحمَّداً بَّرِ أقوى الأنبياء في الله،
فأصحابُه أقوى أصحاب الأنبياء في الله، فقد امتُحن [كثيرٌ] منهم بالقتل
والصَّلْب والتعذيب الشَّديد، ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك.
ويكفيك قصةُ عاصم وخُبيب وأصحابهما، وما لقي أصحابُه من
الحُروب والمِحَن، والقتل والأَسْر والحَرْق، وغير ذلك، فقد بذلوا في الله
نفوسَهم وأموالهم، وفارقوا ديارَهم وأولادَهم حتى أظهروا دينَ الله، ووفوا
بما عاهدوا الله عليه، فجازاهم الله أحسنَ الجزاء، ووفاهم مِن أجر مَنْ
دخل الإسلام بسببهم أفضلَ الجزاء.
وفيه: أن من حُرم التوفيقَ استدبر الطريق، فقد أظهر الله لهذا الجَبَّار
الظالم من الآيات والبينات ما يدلُّ على القطع والثبات أن الراهبَ والغلامَ
كانا على الدِّين الحق، والمَنهج الصِّدْقِ.
٢٠٠
والدَّابَّةُ العظيمة كانت أسداً؛ كما جاء في حديث آخر، انتهى(١).
ذكر محمد بن إسحاق: أن اسمَ الغلام: عبدُالله بن الثَّامر، وأن رجلاً
من أهل نَجْران حفر حفرته في زمن عمر بن الخطاب ظ﴾، فوجده تحت
الرَّدْمِ قاعداً واضعاً يده على ضَرْبةٍ في رأسه، مُمسِكاً عليها بيده، فإذا
أُخذت يدُه عنها انبعثت دماً، فإذا أُرسلت يدُه رُدَّت عليها فأمسكت، في
يده خاتم مكتوبٌ عليه: رَبِّي الله، فكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم
أقِرُّوه على حاله، ففعلوا(٢).
قال ابنُ بَشْكُوال: وكان اسمُ ذلك الملِك: ذا نُوَاس، وكان بنَجْران،
والواقعة کانت قبل مبعث النبيِّ ێ بسبعين سنة، وكان اسمُ الراهب فيمون.
* قوله: ((بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل
وتفعل)): كرر الفعل دلالةً على أنه كان يشفي من سائر الأمراض والأوجاع،
يدلُّ عليه ما صَرَّح به في ((مسند الإمام أحمد)) بلفظ: ((بلغَ مِنْ سِحْرِكَ أنكَ
تُبْرِئُ الأَكْمِهَ والأبرصَ، وهذه الأَدْواء)(٣).
وقد أورد محمدُ بن إسحاق هذه القصةَ بسياق آخر عن مُحمَّد بن
كعب القُرطيِّ: أن أهل نَجْرانَ كانوا أهلَ شِرْكٍ يعبدون الأوثانَ، وكان في
قرية قريبة من نجران ساحرٌ يُعلِّم غِلمانَ أهل نجرانَ السِّحرَ، فابتنى رجلٌ
خيمةً بين نجرانَ وبين القرية التي فيها السَّاحرُ، وجعل أهلُ نجرانَ يُرسلون
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٢٤)، ولم يذكر القرطبي الوجه الثاني.
(٢) انظر: ((سيرة ابن إسحاق)) (١ / ٤٣).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ١٦ - ١٧). وهو صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٤٤٦١).
٢٠١
غِلمانَهم إلى ذلك السَّاحر، فبعث الثَّامرُ ابنه عبدالله بن الثَّامر مع غِلمانِ أهل
نجرانَ، فكان إذا مَرَّ بصاحب الخيمة؛ أعجبه ما یری من عبادته وصلاته،
فجعل يجلسُ (١) إليه ويستمع منه، حتى يُسلم، فوحَّد اللهَ وعبده، وجعل
يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقُه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم،
وكان يَعْلَمُه، فكتمَهُ إِيَّاه، وقال: يا ابن أخي؛ إنك لن تحملَه، أخشى
ضعفَك عنه، فلمَّا رأى عبدُالله أن صاحبه قد ضنَّ [به] عنه، وتخَّوف ضعفَه
فيه؛ عهد إلى قِدَاح فجمعها، ثم لم يُبق لله اسماً يعلمُه إلا كتبه في قدَحِ،
لكل اسم قدحٌ، حتى إذا أحصاها أوقد ناراً، ثم جعل يقذفها فيها قدحاً
قدحاً، حتى إذا مَرَّ بالاسم الأعظم؛ قذف فيها بقدَحهِ، فوثب القَدَحُ حتى
خرج منها لم يضرُّه شيءٌ، ثم أتى به صاحبَه، فأخبره أنه قد علم الاسمَ
الأعظمَ، فقال: كيف علمته؟ فأخبره بما صنع، قال: أَىِ ابنَ أخي؛ قد
أصبْتَه، أَمسِكْ على نفسك، وما أظنُّ تفعل، [فجعل] عبدُالله بن الثامر، إذا
دخل نجران؛ لم يلق أحداً به ضُرٍّ إلا قال: يا عبدَالله؛ أَتوحِّدُ اللهَ، وتدخلُ
في ديني، فأدعو الله لك فيُعافيَك مِمَّا أنت فيه من البلاء؟ فيُوحِّد الله
ويُسلِمُ، فيدعو الله له فيُشفى، حتى لم يبق بنجرانَ أحدٌ به ضُرٍّ إلا أتاه فاتبعه
على أمره، ودعا له فعُوفي، حتى رُفع شأنُهُ إلى ملك نجرانَ، فدعاه فقال:
أفسدت عليَّ أهلَ قريتي، وخالفتَ ديني ودينَ آبائي، لأَمُثِّلَنَّ بك، فقال:
لا تقدر على ذلك.
قال: فجعل يُرسل به إلى الجبل الطويل، فيُطرح على رأسه، فيقع
(١) في الأصل: ((مجلساً)).
٢٠٢
على رأسه ما به قَلَبَةٌ(١)، وجعل يبعث به إلى مياه بنجرانَ بُحُورٍ لا يُلقى فيها
شيءٌ إلا هلك، فيُلقى فيها، فيَخرجُ ليس به بأسٌ، فلمَّا غلبه؛ قال له
عبدُالله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى تُوحِّد اللهَ وتؤمنَ بما
آمنتُ به، فإنك إذا فعلت سُلُّطْتَ عليَّ فقتلتني.
قال: فوحَّد اللهَ ذلك الملِكُ، وشهد شهادةَ عبدالله بن الثَّامر، ثم ضربه
بعصاً في يده، فشجه شجةً غيرَ كبيرة فقتله، وهلك الملِكُ مكانه، فاستجمع
أهلُ نجرانَ على دين عبدالله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بنُ مریمَ
عليه السلام من الإنجيل وحُكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهلَ دينهم من
الأحداث.
فمنْ هناك كان أصلُ النَّصرانية بنجرانَ، فسار إليهم ذو نُواس بجسده،
فدعاهم إلى اليهودية، فخيرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتلَ، فخَدَّ
الأُخدودَ، فحرق بالنار، ومَثَّل بالسيف، حتى قتل منهم قريباً من عشرين
ألفاً(٢).
٣١ - وَعَنْ أَنَسِ رَهِ، قالَ: مَنَّ النَّبِيُّ وَّهِ بِامْرَأَةَ تَبَكِي عِنْدَ قَبْرِ،
فَقَالَ: (اتَّقِ اللهَ وَاصْبِرِي)»، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبُ
بِمُصِيبَتَي! وَلَمْ تَعْرِفُهُ، فَقِيلَ لَهَا: إنَّهُ النَّبِيُّ ◌َهَ، فَأَتْ بَابَ النَّبِّ ◌َِّ،
(١) أي: داءٌ.
(٢) انظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢/ ١٣٠).
٢٠٣
فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فقالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ
الصَّدْمَةِ الأُولَی)» متفق عليه.
وفي رواية لمُسْلمٍ: ((تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا)).
(التَّا
* قوله: «تبکي عند قبر)):
(ق): هذا البكاء كان معه ما يُنكَرُ؛ من رفع صوت أو غيره؛ كالجَزَع،
وأما نفسُ البكاء: فعلى ما تقدم من الإباحة(١).
(ن): فيه: الأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المُنكر، مع كلِّ أحد، وفيه
ما كان عليه النبيُّ وَّه من التَّواضُع، وأنه ينبغي للإمام والقاضي إذا لم يَحتَجْ
إلى بَوَّاب أن لا يتخذَه، كذا قاله أصحابنا.
وفي قولها: ((لم أعرفك)): الاعتذارُ إلى أهل الفضل إذا أساء الإنسانُ
أدبه معهم(٢).
(ك): وفيه: إباحةُ الزِّيارة؛ لأنه ◌َّ لم يُنكر عليها زيارتها، وتقريرُه
حُجَّة كقوله(٣) .
(ط): ((اتقي الله)): توطئة لقوله: ((اصبري))، كأنه قيل: لا تجزعي
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٧٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٢٧).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٧٩).
٢٠٤
وخافي غضبَ الله تعالى(١).
* قوله: ((ولم تعرفه)) :
(مظ): أي: لم تعرف المرأةُ الباكيةُ النبيَّ وَّل .
(ك): فهو مَقولٌ لأنس لا مَقُولها (٢).
(ق): قوله: ((لم تجد عنده بوابين))؛ لأن ذلك كان عادتَه؛ لتواضعه
ومُجانبته أحوالَ المُتْرفين والمتكبِّرِين؛ لأنه كان نبياً عبداً، لا نبياً مَلِكاً، وَلّ ..
ومعنى: ((عند الصدمة الأولى)): أن الصبرَ الشاقَّ الصَّعبَ على
النفس الذي يعظُم الثوابُ عليه: إنما هو عند هُجوم المُصيبة وحرارتها؛
فإنه يدلُّ على قُوَّة النفس وتثبيتها، وتمكُّنها في مقام الصبر، فإذا بَردت؛
فكلُّ واحد يصبر، ولذلك قيل: يجب على العاقل أن يلتزم عند المُصيبة ما
لا بدّ للأحمق منه بعد ثلاث.
ولهذا المعنى أُبيح للمُصابة أن تَحُدَّ على غير زوجها ثلاثاً لا غيرُ؛ إذ
بَعدها تَبَرُدُ المُصيبةُ غالباً، وأما دوامُ الإحداد إلى أربعة أشهر وعشر
للمتوفى عنها زوجها: فلمعنّی آخرَ.
و(الصدم) أصله: الضَّرَبُ في شيء صُلْب، ثم استُعير لمن فَجِئه
المُصيبةُ، ومعنى هذا القول: أن النبيَّ نَّهِ لمَّا صادمته هذه المرأةُ بقولها:
(إليك عَنِّي؛ فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي))، وبقولها: ((ما تُبالي بمصيبتي)) كما
في رواية أخرى - وهو سُوء أدب يتأذى به - قابل ذلك بالصَّبر، وحَلُمَ عنها،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤١٩).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٦١).
٢٠٥
ولم يؤاخِذْها به مع تمكُّنه من ذلك، فحصل من الصبر على أشقُّه على
النُّفوس، وأعظمِه في الثواب، هذا ما سمعنا في هذا.
ويحتمل عندي أن ينجزَّ مع هذه المرأة منه معنىّ آخرُ، وذلك أنها لمَّا
شاهدت قبرَ ابنها؛ تجدَّدت عليها مُصيبتُها، وكان ابتداءُ تجدُّدها صدمةً
أُولِى صَدَمَتْها، فلم تصبر حتى غَشِيَها من الجَزَع ما صدَّها عن معرفة من
كَلَّمها، ثم لمَّا أفاقت من ذلك؛ جاءت مُعتذرةً مُظهرةً للتجلُّد، فقال لها
ذلك مُنبِّهاً على أنها قد فاتها مَحَلُّ الصبر والأجر(١).
(ك): قال ابنُ بَطَّال: أراد ◌َ ﴿ أن لا تجتمعَ عليها مُصيبتان؛ مُصيبةُ
فَقْدِ الولد، وفَقْدِ الأجر الذي يُبطله الجزَعُ، فأمر بالصبر الذي لا بدَّ للجازع
من الرُّجوع إليه بعد سقوط أجرهِ.
وقيل: كلُّ مصيبة لم يُذْهِب فرحُ ثوابها ألمَ حُزنها؛ فهي المُصيبةُ
الدائمة، والحُزنُ الباقي.
وقال الحسن: الحمدُ لله الذي أَجَرنا على ما لا بدَّ منه(٢).
(ط): كما قالت: اعذرني من تلك الرَّدَّة وخُشونتها، وكان ظاهرُ
الجواب غيرَ ما ذكره وَ ﴿ من قوله: ((الصبر عند الصدمة الأولى))، لكن
أخرجه مُخْرجَ الأُسلوب الحَكيم؛ أي: دعي الاعتذارَ منِّي؛ فإنِّي لا أغضبُ
إلا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسك الثوابَ الجَزيلَ والكَرامةَ والفضلَ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٧٩).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٦١).
٢٠٦