Indexed OCR Text

Pages 161-180

دَرَجَةً، وَذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى
المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إلَّ الصَّلاةَ، لا يَنْهَزُهُ إلَّ الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً
إلَّ رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ،
فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كَانَ فِي الصَّلاَةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تَخْبِسُهُ،
وَالمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِهِ،
يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ
فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» متفقٌ عليه، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلمٍ.
وَقَوْلُهُ بَّهِ: (يَنْهَزُهُ) هُوَ بِفَتْحِ اليَاءِ وَالهَاءِ وَبالزَّايٍ؛ أيْ: يُخْرِجُهُ
وَيُنْهِضُهُ.
(الَشِيرُ)
* قوله رقيق: ((صلاة الرجل في جماعة)):
سيأتي شرح الحديث بتمامه في (الباب الرابع عشر بعد المائة في
فضل صلاة الجماعة).
والمُراد في هذا الباب قوله: ((لا يريد إلا الصلاة))؛ يعني: أن هذا
الفضل العظيم؛ من زيادة الصلاة إلى سبعة وعشرين، وكونٍ كل خطوة ترفع
درجةً، وتَخُط خطيئةً ليس إلا لمن أخلص في عمله ونيته؛ بأن لا يكون سببُ
خروجه شيئاً من الأشياء قَلَّ أو كثر، جَلَّ أو حَقُر، إلا الصلاة، أكده بالنفي
و(إلا) المفيدة للقصر.
وزاده مبالغة وتأكيداً وقصراً مرة أخرى بقوله: ((لا ينهزه إلا الصلاة))؛
٦٧

أي: لا يُقيمه ويَنْهَزُهُ شيءٌ إلا الصلاة، فمن خرج إلى المسجد للصلاة
وله حاجة في طريقه أو في المسجد، وأراد قضاءها والصلاةَ؛ لم يكن
مُخلصاً.
قال الإمام الغزالي رحمه الله: من انبعث لقصد التقرُّب، ولكن امتزج
بهذا الباعث باعثٌ آخر، إما من الرياء، أو من غيره من حظوظ النفس؛
خرج عملُه من حد الإخلاص؛ كمن يصوم لينتفع بالحِمْية الحاصلة من
الصوم مع قصد التقرب، أو يُعتق عبداً ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه، أو
يحج ليصِحَّ مزاجُه بحركة السفر، أو ليتخلص من شر یَعرِضُ له في بلده،
أو ليهرب من عدوٍ له في منزله، أو لشُغل هو فيه فأراد أن يستريحَ منه أياماً،
أو یغزو ليمارس الحرب ويتعلم أسبابه، أو يصلي بالليل وله غرض في دفع
النُّعاس؛ ليراقب رحله وأهله، أو يتعلم ليَسهُل عليه طلبُ ما يكفيه من
المال، أو ليكون عزيزاً بين العشيرة، أو ليكون عقاره وأمواله محروساً بعز
العلم عن الأطماع، أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص عن کَرْبِ
الصَّمت، ويتفرَّجَ بلذَّة الحديث، أو يكفل خدمة العلماء والصوفية؛ لتكون
حرمته وافرةً عندهم وعند الناس، أو لينال به رفيقاً في الدنيا، أو كتب
مصحفاً ليجوِّد بالمواظبة على الكتابة خَطَّه، أو حج ماشياً ليخُفِّف عن نفسه
الكِراء، أو توضأ ليتنظّفَ أو ليتبرَّد، أو اغتسل ليُطيِّب رائحته، أو روى
الحديثَ ليعرف الإسناد، أو اعتكف [في] المسجد ليخِفَّ عليه كِراءُ
المسكن، أو صام ليُخففَ عن نفسه التردد في طبخ الطعام، أو ليتفرغ
لأشغاله فلا يشغله الأكلُ عنها، أو يعود مريضاً ليُعاد إذا مرض، أو يُشيِّع
الجنائزَ لتُشيع جنائز أهله، فمهما كان باعثه هو التقرُّبَ إلى الله تعالى ولكن
٦٨

انضاف إليه خَطْرةٌ من هذه الخَطَرات حتى صار العمل أخفَّ علیه بسبب
هذه الأمور؛ فقد خرج عملُه عن حد الإخلاص، وخرج [عن] أن يكون
خالصاً لوجه الله تعالى، وتطرق الشِّرك إليه، وقال تعالى: ((أنا أَغْنى
الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ))(١)، والخالص: هو الذي لا باعث له إلا طلبُ القُرب
من الله تعالى(٢).
١١ - وَعَنْ أبي العَبَّاس عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
عَنْ رسولِ اللهِوَ ◌ّهِ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قالَ: ((إِنَّ اللهَ
كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَََّّاتِ، ثُمَّ بَّنَ ذَلِكَ: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ
يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا
فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةٍ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ
كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسِيَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ
هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيَّةً وَاحِدَةً)) متفقٌ عَليه.
(الجَادِيُّ عَبْشَةَ»
(ط): قوله ◌َّر: ((فمن هم)) الفاء فيه تفصيلية؛ لأن قوله: ((كتب
الحسنات والسيئات)) مُجملٌ لم يفهم منه كيفية الكتابة، ففصله بقوله:
(١) رواه مسلم (٢٩٨٥)، من حديث أبي هريرة حفظته.
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣٧٩).
٦٩

«فمن هم)) إلى آخره(١).
* قوله ويقي: ((إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»:
(ن): فيه: التصريح بالمذهب الصَّحيح المُختار عند العلماء: أن
التضعيفَ لا يقفُ على سبع مئة ضعف، وحكى أبو الحسن أقضى القضاة
الماوَرْديُّ عن بعض العلماء: أن التضعيفَ لا يجاوز سبعَ مئة، وهو غلطٌ؛
لهذا الحديث(٢).
(ط): إنما جُوزي من هَمَّ بسيئة ولم يعملها بحسنة كاملة؛ لأنه خاف
مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، و((حسنة كاملة)) مفعول ثانٍ لـ ((كتبها))
بمعنی صَيّر(٣).
* قوله ريرافي: «فإن عملها كتبها الله سيئة واحدة»، وفي الحديث الآخر:
((إذا هَمَّ عَبدِي بسيئةٍ؛ فلا تَكْتُبُوهَا عَلَيهِ، فإن عَمِلها؛ فاكتُبُوها سَيِّةً)) (٤)،
وفي الحديث الآخر: ((إنَّما ترَكَها مِنْ جَرَّايَ))(٥)، وفي الحديث الآخر: ((إنَّ
اللهَ تجَاوزَ لأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ به أنفُسَها ما لم يتكلَّمُوا، أو يعمَلُوا بِهِ))(٦).
قال الإمام المازَرِيُّ رحمه الله: مذهبُ القاضي أبي بكر بن الطَّيِّب: أنَّ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٥٢).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٦).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) رواه مسلم (١٢٩)، من حديث أبي هريرة عظته.
(٦) تقدم تخريجه.
٧٠

من عزم على المعصية بقلبه، ووطّن نفسه عليها، آئِمٌ في اعتقاده وعزمه،
ويُحمل ما وقع في هذه الأحاديث وأمثالها على أن ذلك فيمن لم يُوطِّن نفسَه
على المعصية، وإنما مرَّ ذلك بفكره من غير استقرار، ويُسمَّى هذا هَمّاً،
ويفرق بين الهَمِّ والعزم.
هذا مذهبُ القاضي أبي بكر، وخالفه كثيرٌ من الفقهاء والمُحدِّثين،
وأخذوا بظاهر الحديث، قال القاضي عياضٌ: عامةُ السَّلف وأهل العلم من
الفقهاء والمُحدِّثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر؛ للأحاديث الدالة
على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن هذا العزمَ يكتب سيّةً،
وليست السيئةَ التي هَمَّ بها؛ لكونه لم يعملها، وقطعه عنه قاطع غيرُ خوف
الله تعالى والإنابة، لكن نفس الإصرار والعزم معصيةٌ فتكتب سيئةً، فإذا
عملها؛ كُتبت معصية ثانية، فإن تركها خشيةً لله؛ كتب له حسنة؛ كما في
الحديث: ((إنَّما ترَكَهَا مِنْ جَرَّايَ))، فصار تركُها لخوف الله تعالى،
ومجاهدةُ نفسه الأمارة بالسوء في ذلك، وعصيانُهُ هواه حسنةً.
فأما الهَمُّ الذي لا يكتب: فهي الخواطر التي لا يُوطِّن النفسَ عليها،
ولا يصحبها عَقْدٌ ولا نية وعَزْم، وذكر بعض المُتكلِّمين خلافاً فيما إذا تركها
لغير خوف الله تعالى، بل لخوف الناس، هل يكتب حسنة؟ قال: لأنه إنما
حَمل على تركها الحياءُ، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر كلام القاضي،
وهو ظاهر حسن لا مزید علیه.
وقد تظاهرت نصوصُ الشَّرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر؛ من ذلك
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[النور: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]،
٧١

والآيات في هذا كثيرة، وقد تظاهرت نصوصُ الشَّرع وإجماعُ العلماء على
تحريم الحسد، واحتقارِ المسلمين، وإرادة المَكْروه بهم، وغير ذلك من
أعمال القلوب وعزمها، والله أعلم.
قال الإمام أبو جعفر الطّحاويُّ: في هذه الأحاديث دليلٌ على أن
الحَفَظةَ يكتبون أعمالَ القلوب وعَقْدَها، خلافاً لمن قال: إنها لا تكتب إلا
الأعمالَ الظاهرة(١)، انتهى.
قال الغزالي: الحقُّ في هذه المسألة لا يُوقف عليه ما لم تقع الإحاطةُ
بتفصيل أعمال القلوب من مبدأ ظهورها إلى أن يظهر العملُ على الجوارح،
فنقول :
أولُ ما يَرِدُ على القلب الخاطرُ؛ كما لو خطر له مثلاً صورةُ امرأة،
وأنها من وراء ظهره في الطريق، ولو التفت إليها لرآها.
والثاني: هَيجانُ الرغبة إلى النظر، وهو حركة الشهوة التي في الطبع،
وهذا مُتولِّد من الخاطر الأول، ونُسمِّيه مَيْلَ الطَّبْعِ، ويُسمَّى الأول حديثَ
النفس .
والثالث: حكمُ القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل؛ أي: ينبغي أن ينظر
إليها، ويسمى هذا اعتقاداً، وهو يتبع الخاطرَ والمَيْل.
والرابع: تصميم العزم على الالتفات، وجزم النية فيه، وهذا نُسمِّيه
هَمّاً بالفعل، ونيةً وقصداً، وهذه الهَمَّةُ يكون لها مبدأٌ ضعيف، ولكن إذا
أصغى القلبُ إلى الخاطر الأول حتى إذا طالت مجاذبته النفسَ؛ أُكِّدت هذه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٥١).
٧٢

الهَمَّة، وصارت إرادةً مجزومةً، فإذا انجزمت الإرادة؛ فربما يندم بعد
الجزم فيترك العمل، وربما يغفُل بعارض فلا يعمل بها ولا يلتفت إليه،
وربما يُعوِّقُه عائق فيتعذَّرُ عليه العمل.
فهاهنا أربعة أحوال لقلب قبل العمل بالجارحة: الخاطر، وهو حديثُ
النفس، ثم المَيْلُ، ثم الاعتقاد، ثم الهَمُّ فنقول:
أما الخاطر: فلا يؤاخذ به؛ لأنه لا يدخل تحت الاختيار، وكذلك المَيْلُ
وهَيَجانُ الشَّهوة لا يدخلان أيضاً تحت الاختيار، وهما المُرادان بقوله ◌َّ:
((عُفِيَ عَن أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ به أَنْفُسَها))(١)، فحديث النفس عبارةٌ عن الخواطر
التي تَهجِسُ في النفس، ولا يتبعها عزم على الفعل.
وأما العزم والهم: فلا يُسمَّيان حديثَ [نفس].
وأما الثالث - وهو الاعتقادُ وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل -: فهذا
متردد بين أن يكون اضطراراً واختياراً، والأحوال تختلف فيه، فالاختياريُّ
يؤاخذ به، والاضطراري لا يُؤاخَذُ به.
وأما الرابع - وهو الهَمُّ بالفعل -: فإنه لا يُؤاخذ به، إلا أنه إن لم يفعل
نُظُر: فإن تركه خوفاً من الله، وندم على هَمِّه؛ كُتب له حسنةٌ؛ لأن همَّه سيئة،
وامتناعه ومجاهدته نفسَه حسنة، وإن تَعوَّق الفعل بعائق، أو تركه لعذر،
لا خوفاً من الله تعالى؛ كُتبت سيئةٌ؛ فإن هَمَّه فعلٌ من القلب اختياريٌّ،
والدليل عليه قوله وَله: ((إنَّما ترَكَهُ مِنْ جَرَّايَ))(٢).
(١) تقدم تخريجه .
(٢) تقدم تخريجه .
٧٣

وأما إذا عزم على فاحشة، وتعذرت عليه بسبب؛ فكيف يكتب له
حسنة؟! وقال ◌َله: ((إنَّما يُحشر النَّاسُ على نِيَّاتِهِم))(١)، ونحن نعلم أن من
عزم ليلاً على أن يصبح ويقتل مسلماً، أو يزنيَ بامرأة، فمات تلك الليلة؛
مات مُصِرَّاً، ويُحشر على نِيَّتَه، وقد هَمَّ بسيئة ولم يعملها .
والدليل القاطع فيه: قوله بَّ: ((إذا التقَى المُسْلِمَان بسَيْفِهِمَا؛ فالقاتلُ
والمَقْتولُ في النَّارِ)) الحديثَ(٢)، وهذا نصٌّ في أنه صار من أهل النار بمُجِرَّد
الإرادة، مع أنه قُتل مظلوماً، فكيف يُظَنُّ أن الله لا يُؤَاخِذ بالنية والهَمِّ، وكلُّ ما
دخل تحت اختيار العبد فهو مأخوذٌ به، إلا أن يُكفِّرَه بحسنةٍ، ونقضُ العزم
بالندم حسنةٌ؛ فلذلك كتب له حسنةً، وأما فوات المراد بعائق: فليس بحسنة.
وأما الخواطرُ وحديثُ النفس وهَيَجانُ الرغبة: فكل ذلك لا يدخل
تحت الاختيار، فالمؤاخذة به تكليفُ ما لا يطاق، فهذا هو كشف الغطاء
عن هذا الالتباس، وكل من ظن أن كل ما يجري على القلب حديثُ
النفس، ولم يُفرِّق بين هذه الأقسام؛ فلا بُدَّ وأن يغلَطَ .
وكيف لا يُؤاخَذ بأعمال القلوب، والكِبْرُ والعُجْبُ، والرِّياءُ، والنِّفَاقُ،
والحَسدُ، وجملة الخبائث من أعمال القلوب، بل السمعُ، والبصرُ، والفؤاد،
كُّ أولئك كان عنه مسؤولاً؛ أي: ما يدخل تحت الاختياري، انتهى(٣).
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٢٩) و(٤٢٣٠)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٩٢)، من
حديثي أبي هريرة وجابر عها. وانظر حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري
(٢٠١٢)، ومسلم (٢٨٨٤).
(٢) رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)، من حديث أبي بكرة .
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٤١).
٧٤

قال الإمامُ فَخْرِ الدِّين الرازيُّ: وقد نظم بعضُ الأَئِمَّة أقسامَ ما يخطُر
على القلب فقال :
هَمٌّ وخَطْرَةُ فَحْشاءٍ ووَسْواسُ
خَواطِرُ القَلْبِ مَا فَّشْتَ عن جُمَّلٍ
فَتِلكَ عَفْوٌ وذا يَشْقَى بِهِ النَّاسُ
ونيَّةٌ ثُمَّ عَقْدٌ ثمَّ عَزْمُ هَوىّ
١٢ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ لـ
قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِّهِ يَقُولُ: ((انْطَلَقَ ثَلاثَةُ نَفَرِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
حَتَّى آوَاهُمُ المَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ
الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ؛ فَقَالُوا: إنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ
الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. قالَ رجلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ
كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانٍ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلا
مالاً، فَتَأَى بِي طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْماً، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَمَاً،
فَحَلَبْت لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَئِمَيْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقِظَهُمَا،
وَأَنْ أَغْبِقِ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ - وَالقَدَحُ عَلَى يَدِي - أَنْتُظِرُ
اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عنْدَ قَدَمي،
فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ
وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئاً
لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهُ.
٧٥

قال الآخر: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمِّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ
- وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ - فَأَرَدْتُهَا
عَلَى نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَّةٌ مِنَ السِّنِينَ،
فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيُهَا عِشْرِينَ وَمِئَةَ دِينَارٍ عَلَى أنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ
نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا - وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ
بَيْنَ رِجْلَيْهَا - قَالَتِ: اتَّقِ اللهَ، وَلا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلاَّ بحَقِّهِ،
فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي
أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فافْرُجْ عَنَّا
مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ
مِنْهَا.
وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، وَأَعْطَيُهِمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ
رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ
الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَاللهِ! أَذِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ:
كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ؛ مِنَ الإِبلِ، وَالبَقَرِ، وَالغَنَمِ، وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ:
يا عَبْدَاللهِ! لا تَسْتَهْزِئْ بِي! فَقُلْتُ: لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ
فاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذِلِكَ ابْتِغَاءَ
وَجْهِكَ، فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا
يَمْشُونَ)). متفقٌ عَلَيْهِ.
٧٦

(الثَّانِي عَنْشَرٌ»
ع سر
هذا الحديث رواه ابن حبان في «صحيحه))، وترجمَ علیه بقوله: (بابُ
ذكر الخِصَال التي يرجى للمرء باستعمالها زوالُ الكُرَب في الدُّنيا عنه) ولفظه:
((خرجَ ثلاثةُ نفرٍ ممَّن كان قبلَكُمْ يَرتادُونَ لأَهْلِيهم، فأصابتْهِمُ السَّماءُ،
فلجؤوا إلى جَبلٍ، فوقَعَتْ علَيهِمْ صَخْرَةٌ، فقالَ بعضُهُم لبعضٍ: عَفا الأثَرُ،
ووقَعَ الحَجَرُ، ولا يَعلَمُ مكانِكُمْ إلا الله؛ ادعوا الله بأَوْثَقِ أَعْمَالِكُمْ)) الحديثَ،
انتھی(١).
(النفر): ما دون العشرة من الرجال.
(ن): (الغار): الثُّقْبُ في الجبل(٢).
(نه): آوى وأوى بمعنى واحد، والمقصور منها لازم ومُتعدٍّ، يقال:
أويت إلى المنزل، وأويت غيري وآويته، وأنكر بعضهم المقصورَ المُتعدِّي،
قال الأزهري: هي لغة فصيحة(٣).
(ط): ((بصالح أعمالكم))؛ أي: خالصة لوجه الله تعالى، لا رياءَ فيها
ولا سُمْعةً، يدل عليه قوله: ((ابتغاء وجهك)) فيما بعد (٤).
(ن): ((فنأى بي طلب الشجر)) وفي بعض النسخ: (ناء)، فالأولى
بجعل الهمزة قبل الألف، وبه قرأ أكثر القُرّاء، والثاني عكسه، وهما لغتان،
(١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٩٧١) من حديث أبي هريرة ضـ
اته
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٩٨).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٨٢).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٦٩).
٧٧

ومعناه: بَعُدَ، والنَّأْيُّ: الْبُعْدُ.
وقوله: ((فلم أرح عليهما) معناه: ولم أَرُدَّ الماشيةَ من المرعى إليهم
وإلى موضع مَبِيِتها، وهو مُراحُها بضَمِّ الميم، يقال: أَرَحْتُ الماشيةَ،
ورِحْتُها، ورَوَّحتُها بمعنىّ.
و((يتضاغون))؛ أي: يصيحون ويستغيثون من الجوع، يقال: ضغا يَضْغو
ضُغُوّاً وضَغَاً بالمعجمتين: إذا صاح وضَجَّ، ومنه الحديثُ: أنه ◌َِّ قال
لعائشةَ، وقد سألت عن أولاد المشركين: (لَو شِئْتِ دَعَوتُ اللهَ أَنْ يُسمِعَكِ
تَضاغِيَهُم في النَّارِ»(١).
((لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً))؛ أي: كنت لا أُقدِّم عليهما أحداً في
شُرب نصيبهما من اللبن الذي يشربانه، و(الغبوق): شُرب آخر النهار،
مُقابل الصَّبُوح، انتهى(٢).
وغبَق بفتح الباء في الماضي، يَغْبُقُ بضمها، يقال: غَبَقتُه فاغتبق .
(ك): فإن قلت: نفقة الفروع مُقدَّمة على الأصول، فلِمَ تركهم جائعين؟
قلت: لعل في دينهم نفقةَ الأصل مقدمةٌ، أو كانوا يطلبون الزيادة
على سَدِّ الرَّمَقِ، أو الصِّياحُ لم يكن من الجوع.
والمراد من الوجه الذَّاتُ، ويحتمل أن يراد جهة التقرُّب إليك؛ أي:
طلب رضاك.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٤٣٦). قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري))
(٣/ ٢٤٦): حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية وهو متروك.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٥٦).
٧٨

والكاف في ((كأشد)) زائدة، أو أراد تشبيه محبّته بأشدِّ المَحَبَّات(١).
(ط): ((كأشد)) يجوز أن يكون صفةً مصدر محذوف، و(ما) مصدرية؛
أي: أُحبها حباً مثلَ أشدِّ حُبِّ الرجال النساءَ، أو حالاً؛ أي: أُحبها مشابهاً
حبي أشدَّ حُبِّ الرجال النساءَ(٢).
(ك): و((الخاتم)) بكسر التاء وفتحها كنايةٌ عن البَكارةِ، و((إلا بحقه))؛
أي: إلا بالنكاح؛ أي: لا تُزِلْ بكارتي إلا بحلال(٣).
(ط): هذا المَقامُ أصعب المقامات وأشقُّها؛ فإنه رَدْع النفس عن
الهوى فرَقاً من الله تعالى ومقامِهِ، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ،
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ (٢) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ -٤١].
قال الشيخ أبو حامد: شهوةُ الفرج أغلبُ الشَّهَوات على الإنسان،
وأعصاها عن الهَيَجان على العقل، فمن ترك الزِّنا خوفاً من الله تعالى مع
القُدْرة وارتفاع المَوانع وتيسير الأسباب لا سيَّما عند صدق الشهوة؛ نال
درجة الصِّدِّیقین (٤).
(ن): استدل به أصحابنا على أنه يستحب للإنسان أن يدعوَ في حال
كَرْبه في الاستسقاء وغيره، ويتوسَّل بصالح عمله إلى الله تعالى؛ فإن هؤلاء
فعلوه واستُجيب لهم، وذكره النبيُّ ◌ََّ فِي مَعْرِض الثَّناء عليهم .
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠ / ٦٦ - ٦٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٦٩).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠ / ٦٧).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٠).
٧٩

وفيه: فضلُ بِرِّ الوالدين وإيثارهما على مَنْ سواهما من الأهل والولد.
وفيه: فضلُ العَفاف والانكفاف عن المحرمات لا سيَّما بعد القُدرة عليها .
وفيه: جوازُ الإجارة، وفضلُ حُسن العهد وأداء الأمانة، والسَّماحة في
المُعاملة.
وفيه: إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل الحقِّ.
وتمسك به أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ممَّن يجوِّز بيعَ الإنسان مالَ
غيره، والتصرُّفَ فيه بغير إذنه إذا أجازه المالكُ بعد ذلك.
وأجاب أصحابنا: بأن هذا إخبارٌ عن شرع من قبلنا، وفي كونه شرعاً لنا
خلافٌ، فإن قلنا: إنا مُتعبَّدون به، فهو مَحمولٌ على أنه استأجره [بفرقِ] في
الذمَّة، ولم يسلِّمْهُ إليه، بل عرضه عليه فلم يقبِضْه، فلم يتعين ولم يصر ملكهُ،
فالمستأجرُ قد تصرَّف في ملك نفسه، ثم تبرَّع بما اجتمع منه(١) .
٤
[(خط)] (٢) إنما تطوّع صاحبه وتقرَّب به إلى الله تعالى؛ ولذلك توسّل
به للخلاص، ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيَهُ أكثرَ من الذي استأجره
عليه؛ فلذلك حُمِدَ فعلُه، انتهى(٣).
قال الشيخ الفقيه إمام الدِّين محمَّدُ المهجردي الإيجيُّ رحمه الله: في
هذا الحديث من الفوائد: تركُ الإياس من رَوْح الله تعالى، وتفريجُ الكُرَب
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٥٦)، و((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٠ -
٣١٧١).
(٢) بياض في الأصل.
(٣) انظر ((أعلام الحديث)) للخطابي (٢ / ٥٤٩).
٨٠

وإن عَظُمت؛ فإنه لا يحول دون قُدرته شيءٌ؛ فكما لا يجوز القُنوط في أمر
الآخرة وإن عَظُمت الذُّنوب دون الكفر، وهكذا ينبغي أن لا يَيْس العبدُ من
كرم الله تعالى، وإن وقع أمر عظيم من أمور الدنيا.
ومنها: أن ذكر الأعمال الصالحة ليس من العجب في شيء، وليس
بمنھیٍّ عنه.
ومنها: أن مَنْ عملُه أصلحُ فدعاؤه إلى الإجابة أقرب.
ومنها: أن العمل إنما يُنتفع به إذا كان خالصاً لوجه الله تعالى .
ومنها: أن يُرغَّبَ في الأعمال الصالحة بذكر سِيَرَ الصَّالحين؛ ليكون
ذلك داعياً إلى الاقتداء بهم.
ومنها: أن بركةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يحدثُ منها
كراماتٌ؛ لقولها: ((اتق الله)).
ومنها: أن النهيَ عن المنكر لا ينبغي أن يُترك في أيِّ حال كان؛ فإنها
نَهَتْهُ فنفع.
ومنها: أن هؤلاء الثلاثةَ قد ترك كلُّ واحد منهم شيئاً من الحقوق؛
الأول: ترك الحقَّ الماليَّ، الثاني: ترك مقتضى شهوة النفس، الثالث: أتى
بتعظيم أمر الوالدين، فدل على أن الثلاثةَ مُتقارنةٌ .
ومنها: أنه باجتماع الهمم قد تنكشف العظائم؛ فإنهم كانوا ثلاثة،
وبدُعاء كل واحد انكشف ثلثُ ذلك، وجمع الهِمَّة لها تأثيراتٌ، ولهذا
شُرعت الجمعةُ والجماعاتُ والحَجُّ، والله أعلم.
٨١

٣- باس
التوبةٍ
قال العلماءُ: التَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَإِنْ كَانَتِ المَعْصِيَةُ بَيْنَ
العَبْدِ وَبَيْنَ الله تَعَالَى لا تَتَعَلَّقُ بِحَقٌّ آدَمِيٍّ؛ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقْلِعَ عَنْ المَعْصِيَةِ.
والثّاني: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا.
والثَّالِثُ: أَنْ يَعْزِمَ أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً .
فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ، لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ.
وإِنْ كَانَتِ المَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بَآدَمِيٍّ، فَشُرُوطُهَا أَرْبَعَةٌ: هَذِهِ
الثَّلاثَةُ، وأَنْ يَبْرَأَ مِنْ حَقِّ صَاحِبِهِا؛ فَإِنْ كَانَتْ مَالاً أَو نَحْوَهُ، رَدَّهُ
إِلَيْهِ، وإِنْ كَانَتْ حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ، مَكَّنَهُ مِنْهُ، أَوَ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ
كانَتْ غِيبَةً، اسْتَخَلَّهُ مِنْهَا.
وَيَجِبُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ جَميعِ الذُّنُوبِ، فإنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها،
صَخَّتْ تَوْبِتُهُ عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ، وبَقِي عَلَيْهِ البَاقِي .
وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكِتَابِ والسُّنَّةِ وإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى وجُوبٍ
لتَّوْبَةِ :
٨٢

* قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
* وقال تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
* وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْإِلَى اللَّهِ تَوْبَةٌ نَصُومًا﴾
[التحريم: ٨].
(الباب الثاني)
(في التوبة)
قال الراغب: التوبة: ترك الذَّنْب على أحد الوجوه، وهو أبلغ ضُروب
الاعتذار؛ فإن الاعتذارَ على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذرُ: لم أفعل، أو
يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت، ولقد أقلعت، ولا رابع لذلك،
وهذا الأخير هو التوبة.
ثم التوبة في الشرع: ترك الذنب لقُبحه، والندمُ على فرط منه، والعزمُ
على ترك المُعَاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك [من] الأعمال بالإعادة، فمتى
اجتمع هذه الأربعُ؛ فقد كَمل شرائطُ التوبة، وتاب إلى الله (١).
* قوله: ((التوبة واجبة من كل ذنب))؛ أي: بالإجماع، وعلى الفور،
قاله الغزالي، قال: أما وجوبها على الفَوْر: فلا يُسترابُ فيه؛ إذ كون المعاصي
مُهلكاتٍ من نفس الإيمان، وهو واجب على الفور؛ فإن الخائفَ من الهلاك
في هذه الدنيا يجب عليه تركُ السُّموم وما يَضُرُّه من المأكولات في كل حال
وعلى الفور؛ فإن الخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب عليه ذلك.
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٧٦).
٨٣

وإن كان مُتناول السُّمِّ إذا ندم يجبُ عليه أن يتقيأ ويرجعَ عن تناوله
بإطلاقه وإخراجه من المعدة على سبيل الفَوْر والمُبادرة؛ تلافياً لبدنه المُشرف
على هلاكٍ، لا يُفَوِّتُ عليه إلا هذه الدنيا الفانيةَ؛ فمُتناول سُموم الدِّين وهي
الذُّنوبُ أولى بأن يجبَ عليه الرجوعُ عنها بالتدارك الممكن ما دام يبقى
للتدارك مُهْلةٌ وهو العُمر؛ فإن المَخُوفَ من هذا السم فَواتُ الآخرة الباقية التي
فيها النَّعيمُ المُقيم والمُلْك العظيم، وفي فواتها نارُ الجحيم والعذابُ المقيم
الذي تتصرَّم أضعافُ أعمار الدُّنيا دون عُشْر عشير مدته(١).
(ش): المُبادرةُ إلى التوبة من الذَّنب فرضٌ على الفَوْر لا يجوز تأخيرها،
فمن أخرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب؛ بقي عليه توبة أخرى، وهي
توبته من تأخير التوبة، وقَلَّ أن يخطُرَ هذا ببال التائب، ولا يُنْجِي من هذا إلا
توبةٌ عامَّةٌ ممَّا يَعلمُ من ذُنُوبِه وممَّا لا يعلمُ؛ فإن ما لا يعلمه العبدُ من ذنوبه أكثرُ
ممَّا يعلمه، ولا ينفع في عدم المُؤاخذة منها جهلُه إذا كان مُتمكِّناً من العلم؛ فإنه
عاصٍ بترك العلم والعمل، فالمعصية في حقه أشدُّ.
وفي ((صحيح ابن حبان)): أن النبيِ نَّه قال: ((الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الأُمَّة
أَْفَى من دَبِيبِ النَّمْل)» فقالَ أبو بكرٍ ◌َُه: فكيفَ الخلاصُ منه يا رسولَ
الله؟ قال: ((أن يقول: اللَّهُمَّ! إنِّي أَعوذُ بكَ أن أُشْرِكَ بِكَ شَيْئاً وَنَا أَعلَمُ،
وأَستَغْفِرُكُ لِمَا لا أَعْلَمُ) (٢).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٧).
(٢) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (١/ ٢٧٣)، والحديث رواه أبو يعلى في ((مسنده))
(٦٠)، وابن حبان في ((المجروحين)) (٣/ ١٣٠). من حديث أبي بكر ره، وفي
إسناده يحيى بن كثير، قال ابن حبان: الشيخ يروي عن الثقات ما ليس من =
٨٤

* قوله: ((أن يقلع عن المعصية))؛ أي: يتركها؛ إذ يستحيل التوبة مع
مُباشرة الذَّنب.
* قوله: ((الثاني: أن يندم على فعلها)): إذ مَنْ لم يندم على القبيح؛
فذلك دليلٌ على رضاه به، وإصرارهِ علیه.
قال الإمام الغزالي: النَّدمُ: توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب،
فمن استشعر عُقوبةً نازلة بولده، أو ببعض أعزته؛ طال عليه مصيبته وبكاؤه،
وأيُّ عزيز أعزُّ عليه من نفسه؟! وأيُّ عقوبة أشدُّ من النار؟! وأيُّ سبب أدلُّ
على نزول العقوبة من المعاصي؟! وأيُّ مُخبرٍ أصدقُ من الله ورسوله؟! فألم
الندم كلَّما كان أشدَّ كان تكفيرُ الذُّنوب به أرجى، والندم على ما سبق والتحزن
عليه واجبٌ، وهو رُوح الثّوبة، وبه تَمام التَّلافي.
فإن قلت: تألم القلب أمر ضروري لا يدخل تحت الاختيار، فكيف
يُوصف بالوجوب؟ فاعلم أن سببه تحقّقُ العلم بفوات المحبوب، وله سبیل إلی
تحصيل سببه، ولمثل هذا المعنى دخل العلمُ تحت الوجوب، لا بمعنى أن
العلم يخلُقْهُ العبد في نفسه؛ فإن ذلك مُحالٌ(١).
(ن): إذا تاب من الذَّنب ثم ذكره؛ هل يجب تجديد الندم؟ فيه خلافُ
الأصحاب وغيرهم من أهل السُّنَّة .
= أحاديثهم، لا يجوز الاحتجاج به. ورواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٤٠٣) من
حديث أبي موسى الأشعري ته، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٢٢٤):
رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي، ووثقه ابن حبان. قلنا: أبو علي أحد
رجال الإسناد .
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣٤).
٨٥

قال ابن الباقِلانيُّ: يجبُ، وقال إمام الحرمين: لا يجبُ(١).
* قوله: ((والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها)): قال الغزالي:
لأن الندم الذي هو تألم قلب الإنسان بسبب فعله المُفَوِّت لمحبوبه إذا غلب
على القلب واستولى؛ انبعث في القلب حالة أخرى تسمَّى قصداً وإرادة إلى
فعلٍ له تعلُّقٌ بالحال والماضي والاستقبال.
أما تعلقه بالحال: فبالترك للذنب الذي كان مُلابساً [له]، وأما
بالاستقبال: فبالعزم على ترك الذنب المُفَوِّت للمحبوب إلى آخر العمر،
وأما بالماضي: فبتلافي ما فات بالجَبْر والقضاء إن كان قابلاً للجَبْر.
والعلمُ والندمُ والقصدُ المتعلَّق بالترك في الحال والاستقبال والتَّلافي
للماضي ثلاثةُ مَعانٍ مترتبة في الحصول، يطلق اسم التوبة على مجموعها .
وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويُجعل العلمُ
كالسَّابقة والمُقدِّمة، والتَّرك كالثمرة والتابع المُتأخر، وبهذا الاعتبار قال ◌َّه:
((النَّدمُ تَوْبٌ))(٢)؛ إذ لا يخلو الندم عن علمٍ أوجبه، وعن عزم يتبعُه ويتلوه،
فيكون الندم محفوفاً بطَرَفَيْهِ؛ أعني: ثمرَهُ ومُثْمِرَهُ(٣).
(ش): هل يشترط على أن لا يعود إلى الذنب أبداً، أم ذلك ليس بشرط؟
فشرط بعضُهم عدمَ مُعاودة الذنب وقال: متى عاد؛ تبين أن التوبة
كانت باطلةً غيرَ صحيحة، والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط، فإن عاوده
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٥٩).
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٦١٢)، من حديث عبدالله
ابن مسعود قته .
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٣).
٨٦