Indexed OCR Text

Pages 1101-1120

((قال ابن منده: لها ذكر في وفاة أبي ذر، ووصل ذلك أبو نعيم من طريق
مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر ، وليس فيه ما يدل على أن لها صحبة ؛ بل فيه
احتمال أن يكون تزوجها بعد النبي ◌َ ﴾ . لكن وقفت على حديث فيه التصريح
بأنها أسلمت مع أبي ذر في أول الإسلام» .
ثم ذكر الحديث وسكت عليه ، وكأن ذلك لظهور علته وانقطاعه ؛ فإن (أبو
الصباح) هذا من أتباع التابعين - واسمه: (سليمان بن يسير) -، وهو إلى ذلك
متفق على تضعيفه ، بل تركه بعضهم .
وميمون بن أبي محمد الكوفي لم أجد له ترجمة ، ولا ذكره المزي في الرواة
عن سليمان هذا ، فهو في عداد المجهولين .
والحديث - في نقدي - منكر ، ويد الصنع والقصاص فيه ظاهرة ، ويكفي أن
شيئاً من ذلك لم يرد في قصة إسلامه - هو وأخيه أنيس وأمهما - الثابتة في
((الصحيحين)) عن ابن عباس ، وهو في مسلم عن أبي ذر نفسه أطول ، وأن المترجمين
لأم ذر من الحفاظ المتقدمين لم يذكروا هذا الحديث المنكر ، ومنهم أبو نعيم في
((المعرفة)) (١/٣٧٧/٢)؛ فإنه لم يزد على أن أشار إلى قول ابن منده المتقدم، وعلى
أن ذكر طرف حديث إبراهيم بن الأشتر ، الذي أشار إليه الحافظ ، وقد أخرجه
جمع من الحفاظ منهم ابن حبان (٢٢٦٠ - موارد) .
وأما قول ابن الأثير في «أسد الغابة» (٣٢٨/٦):
((أم ذر أسلمت ، وقد ذكر إسلامها في حديث طويل في إسلام أبي ذر وأمه
وأخيه ، وقد ذكرناه في إسلام أبي ذر)) .
فهذا من أوهامه ؛ فليس في حديث إسلام أبي ذر الطويل ذكر لأم ذر؛ كما تقدم .
وقد ذكره ابن الأثير هناك في ترجمة أبي ذر (١٠٠/٥ - ١٠١)؛ ولكنه أتبعه بقوله :
١١٠١

((وروينا في إسلامه الحديث الطويل المشهور، وتركناه خوف التطويل)).
فالظاهر أنه يعني حديث أبي ذر نفسه ؛ فإنه يستحق الوصف المذكور ((الطويل
المشهور))؛ فإنه ضعف حديث ابن عباس في الطول ! ويبعد جداً أن يعني حديث
الترجمة لقصره ، وإن كان قوله المتقدم في ترجمة أم ذر یوهم ذلك .
وإذا عرفت ضعف حديث الترجمة ؛ فلا يصح حينئذٍ الاستدلال به على
صحبة أم ذر؛ فتبقى على تابعيتها . ثم هي غير معروفة إلا في قصة وفاة أبي ذر
التي أشار إليها الحافظ ، وهي من طريق يحيى بن سليم عن عبدالله بن عثمان بن
خثيم عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر.
وهذا إسناد مجهول ، ضعيف ، مضطرب :
١- أما الجهالة ؛ فإبراهيم بن الأشتر - وهو: ابن مالك بن الحارث - فإنه لم
يوثقهما غير ابن حبان ، ولا يعرفان بالرواية إلا في هذا الحديث مع كونهما من
الأشراف والأبطال - كما قال الذهبي في ((السير)» -؛ بل قال في إبراهيم:
((وما علمت له رواية)) .
وهذا وإن كان يستدرك عليه بهذا الحديث ؛ فإنه على الأقل يدل على أنه غير
معروف بالرواية ، وإنما بالشجاعة والبطولة ، ونحو ذلك يقال في أبيه ، حتى أن ابن
حبان نفسه لم يذكر في ترجمته (٣٨٩/٥) له راوياً! ولا ذكر في ترجمة ابنه
(٥/٦) له راوياً غير مجاهد الذي هنا. فللرواية رجال ، وللبطولة رجال .
٢- وأما الضعف ؛ فھو یحیی بن سلیم - وهو : الطائفي ۔ فإنه - وإن کان من
رجال الشيخين - فقد تكلم فيه بعض الحفاظ المتقدمين من قبل حفظه مع كونه
ثقة في ذات نفسه ، ولخص كلامهم الحافظ فقال في ((تقريبه)):
((صدوق سيئ الحفظ)).
١١٠٢

وإن مما يؤكد ذلك أنه خولف في إسناده ؛ كما يأتي في التالي .
٣- وأما الاضطراب ، فقد خالف في إسناده من هو أوثق وأحفظ من الطائفي ،
فقال أحمد (١٦٦/٥)، وابن سعد (٢٣٢/٤) والسياق له : أخبرنا عفان بن مسلم
قال : حدثنا وهيب بن خالد قال : حدثنا عبدالله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد
عن إبراهيم - يعني ابن الأشتر - أن أبا ذر حضره الموت وهو بـ (الربذة) فبكت
امرأته ، فقال: ما يبكيك؟ ... الحديث . فأسقط من إسناده الأشتر والد إبراهيم ؛
فعاد الإسناد منقطعاً؛ لأن إبراهيم أورده ابن حبان في (أتباع التابعين)(١) .
وخالفه أيضاً زائدة بن قدامة ؛ فقال : عن عبدالله بن عثمان بن خثيم : ثنا
مجاهد قال : قال أبو ذر لنفر عنده : إنه قد حضرني ما ترون من الموت ، ولو كان لي
ثوب يسعني ... الحديث - مع شيء من الاختصار في آخره -؛ فأسقط من الإسناد
(إبراهيم بن الأشتر) وأباه .
أخرجه الحاكم (٣٣٧/٣ - ٣٣٨).
وقوله : ((قال: قال)) صورته صورة الإرسال والانقطاع .
وبعد ، فإن علة واحدة من هذه العلل الثلاث تحول بين الباحث وبين تقوية
الحديث ؛ فكيف بها مجتمعة؟! ولذلك ؛ فقد أخطأ بعض المخرّجين حين صرحوا بتقوية
الحديث أو تصحيحه، واقفين عند ظاهر إسناد ابن حبان ، وتوثيقه لابن الأشتر وأبيه ،
دون أن يتأملوا هل خرجا بهذا التوثيق ونحوه عن الجهالة التي ينطوي تحتها الجهل
بحفظ هذا الموثّق بل وبعدالته أحياناً ، ودون النظر في اضطراب رواته في إسناده ، وهم
يعلمون - إن شاء الله - أن الحديث المضطرب من أقسام الحديث الضعيف !
(١) وأما ما وقع في ((أسد الغابة)) (٣٥٨/١) وقد ساقه بسنده الطويل إلى عثمان ..
قال: ((عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن زوجة أبي ذر ... )) فهو شاذ على الأقل لمخالفته
لرواية أحمد وابن سعد عن عفان .
١١٠٣

وقد ذكر ابن عبدالبر طرفاً من هذا الحديث في ترجمة أبي ذر من ((الاستيعاب))
في من اسمه (جندب) قائلاً :
«في خبر عجيب حسن فيه طول)) .
وأنا أظن أنه يعني : حسن في المعنى لا في الرواية . والله أعلم .
٦٤٨٨ - (يا عَدِيَّ بنَ حاتِم ! أسلِمْ تَسْلَمْ ، فقلت: يا رسول الله ! ما
الإسلامُ؟ قال :
تؤمنُ باللهِ ، وملائكتِهِ ، وكُتُبِه ، ورُسُلِهِ ، وتؤمنُ بالقَدَرِ خیرِهِ وشرِهِ،
حلوِه ومرِّه ، يا عدي !... ) الحديث .
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٨/٦٩/١٧)، وابن
عساكر في «تاريخ دمشق)) (٤٧٢/١١ - ٤٧٣) من طريق البغوي : ثنا صالح بن
مالك الخوارزمي : ثنا عبد الأعلى بن أبي المساور: حدثني عامر الشعبي قال :
قدم عدي بن حاتم الطائي الكوفة ، فأتيته في أناس من أهل الكوفة ، فقلنا
له: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله :﴿ ، فقال :
بعث رسول الله :﴿ بالنبوة ، ولا أعلم أحداً من العرب كان أشد له بغضاً،
ولا أشد له كراهية مني ؛ حتى لحقت بالروم فتنصرت فيهم ، فلما بلغني ما يدعو
إليه من الأخلاق الحسنة ، وما قد اجتمع إليه من الناس ؛ ارتحلت حتى أتيته ،
فوقفت علیه ، وعنده صهيب ، وبلال ، وسلمان ، فقال :
((يا عدي بن حاتم ! أسلم تسلم)) .
فقلت : أخ أخ ، فأنخت ، وجلست وألزقت ركبتي بركبته ، فقلت : ما
الإسلام؟ قال :
١١٠٤

((تؤمن بالله ... )) الحديث وفي آخره، إخباره ﴾ بفتح كسرى وقيصر ، وغيره
مما لا علاقة له بهذا الكتاب . لصحته ، وثبوته عن النبي ﴿﴿ بأسانيد صحيحة .
وقد ساقه الهيثمي بتمامه في ((المجمع)) (٤٠٣/٩)، وقال عقبه :
((قلت: في ((الصحيح)) طرف منه يسير ، رواه الطبراني، وفيه عبدالأعلى بن
أبي المساور وهو متروك)) .
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((متروك ، كذبه ابن معين)) .
ومن طريقه أخرجه ابن ماجه وغيره ، دون قصة تنصره ، ورحيله ، ودون
المحذوف لصحته ، وهو مخرج في ((ظلال الجنة)) (٦١/١ - ٦٢).
ولقصة إتيان عدي إلى النبي :﴿ وإسلامه روايتان أخريان أنقى من هذه
إسناداً ، وأشهر منها متناً ، إحداهما لا شيء في متنها من هذه ، وفي سندها عباد
ابن حبيش عنه رضي الله عنه ، أخرجها الترمذي وابن حبان ، وهي معلولة بجهالة
عباد هذا، وهو راوي حديث ((﴿المغضوب عليهم﴾: اليهود ، و﴿الضالين﴾ :
النصارى)) خرجته في ((الصحيحة)) (٣٢٦٣) لشواهده .
وأما الرواية الأخرى فمدار طرقها على أيوب عن محمد عن أبي عبيدة بن
حذيفة قال :
كنت أسأل عن حديث عدي بن حاتم - وهو إلى جنبي ؛ لا آتيه فأسأله -،
فأتيته فسألته فقال: بعث رسول الله ◌َُّلٍ حين بعث ، فكرهته أشد ما كرهت شيئاً
قط ، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم ، فقلت : لو أتيت هذا
الرجل ، فإن كان كاذباً؛ لم يخف عليّ، وإن كان صادقاً؛ اتبعته ، فأقبلت ، فلما
١١٠٥

قدمت المدينة ؛ استشرفني الناس ، وقالوا : جاء عدي بن حاتم ، جاء عدي بن حاتم ،
فقال لي رسول الله
((يا عدي بن حاتم ! أسلم تسلم)) .
قال : فقلت : إن لي ديناً . قال :
((أنا أعلم بدينك منك (مرتين أو ثلاثاً)، ألست ترأس قومك؟)).
قلت : بلى . قال :
((ألست تأكل المرباع؟))(١) .
قلت : بلى . قال :
((فإن ذلك لا يحل لك في دينك)) .
قال : فتضعضعتُ لذلك. ثم قال :
(يا عدي أسلم تسلم، فإني قد أظن - أو قد أرى، أو كما قال رسول الله عَلؤم -
أنه مما يمنعك أن تسلم : خَصاصةٌ تراها بمن حولي ! وأنك ترى الناس علينا إلباً
واحداً)) قال :
(هل أتيت الحيرة؟))(٢) . قلت : لم آتها ، وقد علمت مكانها . قال :
((توشك الظعينة أن ترتحل من (الحيرة) بغير جوار حتى تطوف بالبيت ،
ولتفتحَنَّ علینا کنوز کسری بن هرمز)» .
قلت : کسری بن هرمز؟! قال :
(١) أي : ربع الغنيمة التي لم يقاتل مع أهلها، وإنما أكلها لرياسته .
(٢) من هذا السؤال إلى آخر الحديث صحيح كما يأتي التنبيه عليه ؛ فانتظر .
١١٠٦

((كسرى بن هرمز، (مرتين)، وليفيضَنَّ المال حتى يُهِمَّ الرجل من يقبل منه
ماله صدقة)) .
قال عدي : فقد رأيت الظعينة ترتحل من (الحيرة) بغير جوار حتى تطوف
بالبیت ، وکنت في أول خیل أغارت على المدائن علی کنوز کسری بن هرمز،
وأحلف بالله لتجیئن الثالثة ، إنه لقول رسول الله
أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٢٨٠ - موارد، ٧١/١٥ - ٧٣ - الإحسان/
المؤسسة) - والسياق له -: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى : حدثنا إسحاق بن
إبراهيم المروزي ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب ... به .
ومن طريق أبي يعلى أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٧١/١١ -
٤٧٢) - ومن طريق البغوي أيضاً - قال: نا إسحاق بن إبراهيم المروزي ... به.
وأخرجه ابن الأثير بإسناده في («أسد الغابة» (٥٠٥/٣) عن البغوي ... به .
ومن ((التاريخ)) صححت بعض الأخطاء واستدركت بعض الزيادات على («الإحسان».
- تابعه ابن عون عن محمد ... به .
أخرجه الدارقطني (٢٢٢/٢ رقم ٢٨)، وأحمد (٢٥٨/٤ و٣٧٨) عن ابن أبي
عدي ومحمد بن عبدالله الأنصاري عنه .
- وتابعه هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ... به .
أخرجه الحاكم (٥١٨/٤) من طريق موسى بن الحسن بن عباد: ثنا عبدالله
ابن بكر السهمي (الأصل: البيهقي) عنه .
- وقتادة عن محمد بن سيرين ... به .
أخرجه ابن عساكر من طريق عبد الله بن هشام أبي الحسن : حدثني أبي عن
١١٠٧

محمد بن سيرين عن أبي عبيد أو أبي عبيدة بن حذيفة - شك أبو الحسن - قال :
کنت أسال ...
قلت : فهؤلاء أربعة من الثقات اتفقوا على روايته عن ابن سيرين عن أبي
عبيدة عن عدي ، وهم أربعة :
أيوب السختياني ، وعبد الله بن عون ، وهشام بن حسان ، وقتادة .
وهؤلاء كلهم ثقات ؛ فالإسناد جيد ، لولا أنه اختلف على الثلاثة الأولين في
إسناده ، ووهاء السند بذلك إلى قتادة رابعهم ، وإليك البيان :
أولاً : أيوب ؛ فقال أحمد (٢٥٨/٤) : ثنا يونس: ثنا حماد - يعني : ابن زيد -:
أنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل قال - يعني -
كنت أسال .. فأدخل (الرجل) بين أبي عبيدة وعدي .
ویونس هو : ابن محمد المؤدب .
وتابعه سليمان بن حرب : نا حماد بن زيد ... به .
أخرجه الدارقطني (رقم ٢٦ و٢٩)، والبيهقي في «دلائل النبوة)) (٣٤٢/٥).
فقد خالف هذا الثقتان : يونس المؤدب وسليمان بن حرب - إسحاق بن
إبراهيم المروزي - بزيادتهما عليه الرجل في الإسناد ، وأنه هو الذي سأل عدياً ،
وليس أبا عبيدة .
وإن مما لا شك فيه أن روايتهما مقدمة على روايته ؛ لأنهما اثنان ، وهو واحد ،
وكل منهما أوثق منه احتج بهما الشيخان دونه ، ومعهما زيادة ، وزيادة الثقة
مقبولة ، ولا سيما من اثنین علی واحد ! فكيف وقد توبعا من :
١١٠٨

ثانياً : ابن عون . فقال عبدالرحمن بن حماد الشعيثي : ثنا ابن عون عن محمد
ابن سيرين ... به لكنه قال :
((عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل كان يسمى (اسمين) ، أنه دخل على
عدي بن حاتم ... )) فزاد (الرجل) وسماه !
أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (٤٧٢/٤ - ٤٧٣).
والشعيثي - هذا -: ثقة ؛ فهو مرجوح عند مخالفته للثقتين المتقدمين اللذين
لم يذكرا (الرجل) . إلا أنه من جهة أخرى روايته هي الأرجح ؛ لما تقدم ، ويأتي
من المتابعين له ؛ فتنبه .
ثالثاً: هشام بن حسان . قال أحمد (٢٥٧/٤ و٣٧٩) : ثنا يزيد: أنا هشام ...
به مثل رواية يونس وسليمان المتقدمة .
ويزيد - وهو : ابن هارون الواسطي - أحفظ من عبدالله بن بكر السهمي ؛ وإن
كان ثقة - ولا سيما وفي الطريق إليه موسى بن الحسن بن عباد ، وهو الملقب
بـ (الجلاجلي) - ليس مشهوراً بالحفظ ، ولم يذكر الحافظ الذهبي في ترجمته من
(السير)) غير قول الدارقطني فيه :
((لا بأس به)).
رابعاً: مخالفة قتادة لا قيمة لها؛ لأنها لم تثبت عنه - كما سبقت الإشارة
إلى ذلك -؛ فإن في الطريق إليه عبدالله بن هشام أبا الحسن ، وهو ضعيف جداً؛
قال ابن أبي حاتم (١٩٣/٢/٢):
((سألت أبي عنه؟ فقال: هو متروك الحديث)).
وشذ ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات)) (٣٤٧/٨)!
١١٠٩

إذا عرفت هذا ؛ فمن المستغرب جداً قول الحافظ ابن عبدالبر في أول ترجمة
عدي من «الاستيعاب» :
((وخبره في قدومه على النبي {* خبر عجيب في حديث حسن صحيح من
روایة قتادة عن ابن سیرین)» !
إلا أن يقال : لعله وقف له على طريق أخرى صحيحة عن قتادة ، فأقول :
وهذا وإن كان ممكناً بالنسبة لسعة حفظه ؛ فإني مما أستبعده ، ولئن ثبت ؛ فالجواب
ما تقدم من أن الراجح من ذاك الاختلاف : ثبوت الرجل المجهول في الإسناد .
ويؤكده روايتان أخریان :
الأولى: قال ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٢٤/١٤ - ٣٢٥)، وأحمد في
(«المسند» (٣٧٩/٤) : حدثنا حسين بن محمد : أخبرنا جرير بن حازم عن محمد
عن أبي عبيدة : أن رجلاً قال : ...
والأخرى : عن سعيد بن عبدالرحمن عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة
ابن حذيفة بن اليمان عن رجل كان يسمى (اسمين) أنه دخل على عدي بن
حاتم ... فذكر الحديث بمعناه .
هكذا أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٣٤٣/٥) - عقب حدیث حماد بن زيد
المتقدم - من طريق أحمد بن عبدالجبار قال : ثنا يونس بن بكير عن سعيد بن
عبدالرحمن .
قلت : وهذا إسناد جيد إلى الرجل ؛ سعيد بن عبدالرحمن هذا هو: البصري
أخو أبي حرة ؛ ثقة، ومن دونه من رجال ((التهذيب)).
وتخلص مما سبق من التخريج والتحقيق أن مدار إسناد هذه القصة على
محمد بن سيرين عن أبي عبيدة عن رجل عن عدي .
١١١٠

وبذلك يتبين لنا بعض الأخطاء والتي لا بد لي من بيانها :
الخطأ الأول: ما وقع في ((موارد الظمآن)) (٢٢٨٠ - الطبعة السلفية) والطبعة
الجديدة (٢٥٥/٧ - الثقافة العربية) من ذكر (الشعبي) بين أبي عبيدة وعدي .
وكذلك وقع في ((الإحسان)) (٦٦٤٤/٢٣٩/٨ - طبع بيروت)، ومن الغريب أن
الطابع وضعها بين معكوفتين [ ] ثم لم يبين من أين أخذها ! ومن محاسن
طبعة المؤسسة للكتاب أنها لم تقع فيه . وليس اعتمادي عليها في الجزم بخطئها ،
وإنما على ما تقدم من المصادر العديدة على اختلاف طرقها ، وبخاصة على ((تاريخ
ابن عساكر)» الذي رواه من طريق أبي يعلى - شيخ ابن حبان -، وعلى رواية البغوي
الذي رواه عن شيخ أبي يعلى (إسحاق بن إبراهيم المروزي) .
الخطأ الثاني : قول الحاكم: ((حديث صحيح على شرط الشيخين)) وإن وافقه
الذهبي ؛ فإن أبا عبيدة بن حذيفة ليس من رجال الشيخين أولاً .
ثم هو ليس بالمشهور بالثقة والعدالة ثانياً ، ولم يوثقه غير ابن حبان وهو عندي
وسط؛ كما بينت في ((تيسير انتفاع الخلان)) يسر الله إتمامه بمنِّه وكرمه (*).
وهذا بالنسبة لإسناد الحاكم نفسه . وأما بالنسبة للأسانيد الأخرى فقد
عرفت مما سبق أن بينه وبين عدي ذاك الرجل المجهول حتى اسمه (اسمين) !
الخطأ الثالث: تجاهل المعلق على ((الإحسان)) وجود هذا الرجل في بعض المصادر
التي ذكرها ، وتبعه على ذلك المعلقان على ((الموارد))، وزادا عليه أنهما ذكرا رواية أبي
نعيم والبيهقي التي فيها تسمية الرجل بـ (اسمين) ! الذي لا وجود له في شيء من
كتب الرجال مما يؤكد جهالته ، ولا بد أنهم وقفوا عنده وتساءلوا عنه - كما يقتضيه
البحث العلمي -، ولكنهم غضوا الطرف عنه وتجاهلوه ، ولم يعلقوا عليه بشيء ينبئ
(*) قد تم بفضل الله - فيما نعلم - ولم يطبع بعد . (الناشر) .
١١١١

القارئ عن اهتمامهم به أولاً ، وعن رأيهم في وجوده في الإسناد وإعلاله إياه ثانياً . كل
ذلك لم يفعلوه ، وتعاملوا مع الحديث كأن لا وجود له ؛ فقووا إسناده ! والله المستعان .
إن أخشى ما أخشاه أن يكونوا أخذوا بسوط شهرة القصة في كتب السيرة
والتاريخ والتراجم ؛ فحال ذلك بينهم وبين الإفصاح عن العلة الظاهرة الجلية - كما
تقدم بيانه - حسب القواعد الحديثية . وليس بخاف على أحد من العارفين بهذا
العلم أنه لا تلازم بين الشهرة والصحة ، فكم من أمور اشتهرت في بطون الكتب
وعلى ألسنة الناس هي غير ثابتة في النقد العلمي ! والمرجع في ذلك كله إلى
العلم ، ولا شيء بعد ذلك .
وقبل أن أمسك القلم عن جريانه لا بد لي من التنبيه على أنه قد صح آخر
الحديث من قوله چ : لعدي :
((هل رأيت الحيرة ... )) إلى آخر الحديث.
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣٥٩٥) من طريق أخرى عن عدي نحوه .
٦٤٨٩ - (اللهم! أبا عامر، اجعَلْه في الأكثرينَ يومَ القيامةِ . هذا أو
نحوه) .
منکر بهذا اللفظ . أخرجه أبو یعلی في «مسنده» (١٨٧/١٣ -١٨٨): حدثنا
داود بن عمرو بن زهير الضبي : حدثنا الوليد بن مسلم عن يحيى عن عبد الله بن
نعيم عن الضحاك بن عبدالرحمن بن عرزب الأشعري :
: عقد يوم حنين لأبي عامر الأشعري على خيل الطلب ،
أن رسول الله
(١) أسقطها المعلق على ((مسند أبي يعلى))، وهو من سوء تصرفه ؛ فإنها ثابتة في نسخة
من («المسند» - كما ذكر هو نفسه -، وهي في ((مسند أحمد)) أيضاً، والطبراني .
(٢) الأصل: (نفسه)، والتصحيح من ((ابن حبان)) و((المسند)).
١١١٢

فلما انهزمت هوازن؛ طلبها حتى أدرك [ابن](١) دريد بن الصمة ، فأسرع به فرسه(٢)،
فقتل ابن دريد أبا عامر . قال أبو موسى : فشددت على ابن دريد فقتلته ، وأخذت
اللواء، وانصرفت بالناس إلى رسول الله :﴿﴿ ، فلما رأى اللواء بيدي ؛ قال :
((أبا موسى ! قتل أبو عامر؟)) .
قلت : نعم يا رسول الله ! قال : فرفع يديه يدعو له يقول : ... فذكره .
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧١٤٧/١٦١/٩ - الإحسان) ، وابن عساكر
(١٥٨/١٨) من طريق أبي يعلى .. لم يذكر ابن حبان قوله: ((هذا أو نحوه)).
وكذلك أخرجه أحمد (٣٩٩/٤): ثنا علي بن عبدالله : ثنا الوليد بن مسلم :
ثنا يحيى بن عبدالعزيز الأردني ... به .
قلت : والوليد بن مسلم : مدلس تدليس التسوية ، ولم يصرح بسماع يحيى بن
عبدالعزيز من عبدالله بن نعيم ، وغفل عن ذلك المعلق على ((أبي يعلى)) ؛ فقال :
(إسناده حسن)). ثم ترجم لعبدالله بن نعيم، وذكر الخلاف فيه . ويبدو لي أنه
وسط حسن الحديث إذا لم يخالف ؛ فإن الذهبي قال في («الميزان)»:
((سئل عنه ابن معين فقال: مظلم. وقال غيره: صالح الحديث)).
ولخص ذلك في ((المغني)) فقال :
«ُكلِّم فیه» .
وفَسّر بعض الحفاظ قول ابن معين : ((مظلم)» بأنه ليس بمشهور . ويؤيده قول أبي
حاتم في ترجمة (سليمان بن شهاب): أن عبدالله : - هذا - مجهول كما في ((التهذيب))
(٥٧/٦) -، ولم أره في ترجمة سليمان هذا من ((الجرح والتعديل)). والله أعلم .
وأما يحيى بن عبدالعزيز - وهو: الأردني -؛ فهو أحسن حالاً من عبدالله بن
نعيم ؛ وإن قال ابن معین :
١١١٣

((ما أعرفه))؛ فقد عرفه أبو حاتم ؛ فقال :
«ما بحديثه بأس)) .
وروى عنه ثلاثة من الثقات أحدهم الوليد بن مسلم هنا ، وقد عرفت أنه
دلس ما بين يحيى وعبدالله بن نعيم. وأما قول المعلق على ((مسند أبي يعلى))
(١٨٩/١٣) :
((وقد صرح الوليد بالتحديث عند البخاري في (التاريخ))).
قلت : يشير بذلك إلى قول البخاري فيه (٢١٥/١/٣) :
((وروى الوليد بن مسلم: حدثنا يحيى بن عبدالعزيز ... )).
قلت : ولم يسق المتن مطلقاً ، ولا الإسناد بتمامه . فيؤخذ على المعلق غفلته
عن أمرين أحدهما أهم من الآخر :
أولاً : عزا التصريح المذكور للبخاري ، وهو علقه ولم يسنده ، فكان الأولى أن
یعزوه لأحمد ؛ لأنه أعلى طبقة وقد أسنده - كما رأيت ..
ثانياً : - وهذا هو الأهم - أنه يجهل أن مثل هذا التصريح لا يفيد في الوليد بن
مسلم ؛ لأن تدليسه كان من النوع الذي يعرف عند العلماء بـ (تدليس التسوية) ،
وهو أن يسقط ما بين شيخه ومن روى الشيخ عنه ، ولذلك قلت آنفاً :
«ولم يصرح بسماع يحيى ... من عبدالله ... )).
ويبدو لي من اطلاعي على تخريجات المذكور في بعض مطبوعاته ، أنه لا
يدري الفرق بين هذا التدليس ، والتدليس الآخر المعروف بـ (تدليس الشيوخ) أو
أنه یدري ، ولكن لا يدري حقيقة تدليس الوليد بن مسلم ، والأمثلة من تخريجاته
١١١٤

كثيرة لا حاجة لضرب الأمثلة ، فها هو المثال بين يديك ، ولعله قد مضى له أمثلة
أخرى .
لكني قد وجدت للوليد متابعاً قوياً؛ فقال هشام بن عمار: ثنا يحيى بن
حمزة : ثنا يحيى بن عبدالعزيز ... به .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٦٨٨١/١٢١/٢) وقال:
«لا يروى عن الضحاك عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد ؛ تفرد به یحیی بن
حمزة)) .
كذا قال ! وفاتته رواية الوليد بن مسلم. ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ .
وحسّن الحافظ في ((الفتح)» (٤٢/٨ - ٤٣) إسناد الطبراني هذا، وقرن معه
(ابن عائذ) . وهو في اقتصاره على التحسين يشير إلى الكلام الذي في راويه
(عبدالله بن نعيم) المتقدم . وهو اللائق به - كما سبقت الإشارة إلى ذلك ..
فقد يقال : إذا كان الأمر كذلك ؛ فما وجه إيرادك لحديثه هنا دون ((الصحيحة))؟
والجواب : لقد استرعى انتباهي أمران، أحدهما في هذه الطريق ، والآخر في
طريق أخرى أصح من هذه .
أما الأول: فهو قوله في آخر الحديث : ((هذا أو نحوه))، فانتبهتُ إلى أن الراوي
شك في ضبط لفظ دعاء النبي ﴿﴿ ، واقترن معه الكلام الذي قيل فيه .
وأما الآخر: فهو أن القصة جاءت بإسناد صحيح جداً عن أبي بردة عن أبي
موسی بأتم من هذه، وفيها :
فدعا بماء فتوضأ ، ثم رفع يديه فقال :
((اللهم اغفر لعبيد أبي عامر)) - ورأيت بياض إبطيه - ثم قال :
١١١٥

((اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس ... )).
أخرجه البخاري (٤٣٢٣)، ومسلم (١٧٠/٧ - ١٧١)، والنسائي في ((السنن
الكبرى)» (٢٤٠/٥ - ٢٤١)، والبيهقي في ((الدلائل)) (١٥٢/٥ - ١٥٣)، وأبو يعلى
(٢٩٩/١٣ - ٣٠١)، وعنه ابن حبان (١٦٣/٩ - ١٦٤ - الإحسان) كلهم من طريق
أبي أسامة عن بريد بن عبدالله عن أبي بردة ... به .
قلت: ففي هذا الحديث الصحيح أن دعاء النبي ﴿ لأبي عامر رضي الله
عنه كان بلفظ :
((فوق كثير ... )).
فهذا مما يؤكد أن راوي حديث الترجمة - وهو عبدالله بن نعيم - على الغالب
لم يضبط لفظ الحديث؛ كما أشار إلى ذلك في آخره: ((هذا أو نحوه))، ولعله أراد
أن يقول: ((فوق)) مكان ((في)) و((كثير)) فقال: ((الأكثرين))، فلم تساعده الحافظة ؛
فخالف الثقة ؛ فكان لذلك حديثه منكراً ، ولا يخفى الفرق الشاسع بين اللفظين
عند ذوي الألباب .
وإن مما يؤكد نكارته أن الدعاء لصحابي ما ، بأن يجعله في الأكثرين يوم القيامة
ليس منقبة له ، فتأمل تجده ظاهراً جداً .
إذا عرفت هذا؛ فالعجب من أناس يتولّون تخريج الأحاديث ، وتمییز صحيحها
من ضعيفها، لا فقه عندهم في متونها يساعدهم على معرفة الشاذ والمنكر من
الحديث. فانظر مثلاً إلى المعلق على هذا الحديث في ((الإحسان)) (١٦٤/١٦)
يقول - ولا أدري أهو شعیب نفسه أو أحد أعوانه - :
(حدیث صحیح)) !
١١١٦

دون أن ينظر أو يتنبه للنكارة في الجملة المذكورة آنفاً المخالفة للحديث الصحيح
الآتي بعد خمسة أحاديث (٧١٩٨) عنده!
ومثله أو أسوأ منه المعلق على حديث الترجمة في ((مسند أبي يعلى))؛ فإنه
بعد أن عزاه لأحمد وابن عساكر عزاه للشيخين أيضاً دون أن ينتبه أيضاً للفرق
المذكور آنفاً . والله المستعان .
٦٤٩٠ - (يُنْصَبُ للكافر يومَ القيامةِ مِقْدارُ خمسين ألف سنة ، وإنّ
الكافر لَيَرَى جهنمَ ويظنُّ أنها مواقِعَتُهُ من مسيرة أربعين سنةً) .
ضعيف . أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٥٨١ - موارد) : أخبرنا ابن سلم :
حدثنا حرملة بن يحيى : حدثنا ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث : أن أبا
السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي ◌َ أنه قال :... فذكره .
قلت : وهذا إسناد ظاهره الجودة ، رجاله ثقات ؛ لكنه معلول بأبي السمح
- واسمه : دراج - ؛ فإنه مختلف فيه ، وتوسط فيه أبو داود فقال :
((مستقيم الحديث إلا ما كان عن أبي الهيثم)) . وتبناه الحافظ ، فقال :
«صدوق ، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف)).
وعليه يكون الإسناد حسناً؛ لأنه ليس من حديثه عن أبي الهيثم ، وهو ما
صرح به المعلق على ((الإحسان)) (٣٤٩/١٦)، ثم في ((الموارد)) (١١٦٤/٢)، لكن
خفيت عليه العلة ، وهي الشذوذ في الإسناد ، حيث ذكر فيه (ابن حجيرة) - واسمه :
(عبدالرحمن) وهو ثقة - مكان أبي الهيثم - واسمه : (سليمان بن عمرو العتواري) ،
وهذا هو المحفوظ عن دراج عنه -، وقال: ((عن أبي سعيد)) مكان أبي هريرة . فقال
ابن جرير الطبري في («التفسير» (١٧٣/١٥): حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب
١١١٧

قال : أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري .
وتابعه أزهر بن نصر: ثنا عبدالله بن وهب ... به .
أخرجه الحاكم (٥٩٧/٤) وصححه ! ووافقه الذهبي !
وتابع (عَمَرَو بنَ الحارث) ابنُ لهيعة : ثنا دراج ... به .
أخرجه أحمد (٧٥/٣)، وأبو يعلى (١٣٨٥/٥٢٤/٢)، أخرجاه مع جملة
أحاديث بهذا الإسناد الواحد، وأخرج ابن عدي في ((الكامل)» طائفة كبيرة منها
(١١٣/٣ - ١١٥) جُلّها من طريق ابن وهب ، واستنكرها .
وبهذا التخريج والتتبُّع لطرق الحديث انكشفت العلة ، وتبين أن الحديثَ
حديثُ دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ، وليس حديث دراج عن ابن حجيرة
عن أبي هريرة .
فإن قيل : هذا ظاهر جداً ، ولكن ممن الخطأ؟
فأقول ـ وبالله التوفيق -: الذي يغلب على الظن أنه من حرملة بن يحيى ؛ فإنه
وإن كان ثقة من شيوخ مسلم ، فله غرائب ، قال الذهبي في ((المغني في الضعفاء)):
((صدوق يغرب، قال أبو حاتم: لا يحتج به . وقال عبدالله بن محمد
الفرهاذاني : ضعيف(١) . وقال ابن عدي : قد تبحرت في حديثه ، وفتشته الكثير؛
فلم أجد له ما يجب أن يضعَّف من أجله)) .
قلت : فالأصل في مثله أن يحتج به - وهذا ما صنعه الإمام مسلم -؛ ولكن
(١) هكذا في ((الكامل))، وكذلك وقع في نقل الحافظ المزي عنه في ((تهذيبه)) وهو
الصواب. ووقع في ((تهذيب الحافظ)): ((صعب)). وهذا تحريف خفي على المعلق على
(الكامل)» فنقله عنه مشككاً في صحة اللفظ الأول !
١١١٨

هذا لا يعني أنه لا يُتَّقی من حديثه ما ظهر أنه أخطأ فيه ، كهذا ؛ قد خالفه من هو
أوثق منه - ألا وهو يونس بن عبدالأعلى الصدفي -؛ كما تقدم في رواية ابن جرير
الطبري عنه . فإذا اختلفا في إسناد ما ؛ كان الفلج له عليه ، لا يشك في ذلك كل
من كان على علم بأقوال العلماء فيهما . ويكفي في ذلك أن حرملة قد أورده
العقيلي في ((الضعفاء))، ثم ابن عدي - كما سبق -، مع جرح أبي حاتم إياه - كما
علمت - ، بخلاف يونس فلم يورداه في كتابيهما ، ولا جرحه أحد ، وتأمل الفرق
بين ترجمتيهما عند الحافظين الذهبي والعسقلاني؛ فقال الذهبي في ((الكاشف)»:
((حرملة بن يحيى .. صدوق من أوعية العلم، وقال أبو حاتم: لا يحتج به)).
وقال :
((يونس بن عبدالأعلى .. ثقة فقيه محدث مقرئ من العقلاء النبلاء)).
وقال الحافظ في هذا :
((ثقة)) . أي : هو من المرتبة الثالثة .
وقال في (حرملة) :
((صدوق)) . أي : من المرتبة الرابعة.
وثمة مرجح آخر لرواية يونس على حرملة ، وهو متابعة ابن لهيعة المتقدمة ،
على لين فيه ، ولكنه يستشهد به ؛ لأنه صدوق في نفسه - كما هو معلوم - .
ولا يفوتني أن أذكر أنه من المحتمل أن لا يكون الخطأ المذكور من حرملة
نفسه ، وإنما هو من بعض رواة كتاب ابن حبان أو نساخه ، وإن مما يساعد على ذلك
أنني رأيت الحافظ السيوطي قد أورد الحديث في ((الجامع الكبير)) (١٠١٧/٢ -
المصورة) من حديث أبي سعيد معزواً لجمع منهم ابن حبان ، وكذلك فعل في
١١١٩

((الدر المنثور)» (٢٢٨/٤)، إلا أنه من الممكن أن يقال: إن هذا من تساهل السيوطي
في التخريج ؛ حمل رواية ابن حبان التي عن أبي هريرة على رواية الجماعة التي
عن أبي سعيد؛ لأنه لم يكن في صدد التمييز والتحقيق . والله أعلم .
فإن قيل : ما ثمرة ترجيح رواية يونس على رواية حرملة ، ما دام أن شيخ دراج ،
أبا الھیثم - ثقة کما ذكرت فیما سبق ؟
قلت : الجواب فيما تقدم في مطلع التخريج من قول أبي داود في (دراج) :
((مستقيم الحديث إلا ما كان عن أبي الهيثم)) .
على أن بعض العلماء يضعّفون دراجاً مطلقاً . والله أعلم .
والحديث أورده ابن كثير في تفسير سورة الكهف ، من رواية ابن جرير وأحمد
بسنديهما ، ساكتاً عنهما؛ فتوهم الشيخان الحلبيان - لجهلهما - سكوته تصحيحاً
له، فذكراه في ((مختصر تفسير ابن كثير))، وقد نصا في المقدمة أنهما لا يذكران
من الحديث إلا ما صح عنه ﴿. وكنا نودّ أن يتمكنا من الوفاء بما وعدا ، وهيهات
هيهات؛ ففاقد الشيء لا يعطيه ، وأحدهما قد انتقل من هذه الدنيا - نسأل له
الرحمة والمغفرة -، والآخر لا يزال حياً؛ فلعله يتوب إلى الله ، ويصحح موقفه مع
أحاديث رسول الله { ؛ مذكّرین له بقوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم
إنّ السمع والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ .
٦٤٩١ - (إنّ لكلِّ نبيِّ يومَ القيامةِ مِنْبَرَاً من نورٍ ، وإني لعلى أطولِها
وَأَنْوَرِها ، فيجيءُ منادٍ ينادي : أين النبيُّ الأميُّ؟ قال: فيقولُ الأنبياءُ:
كلنا نبيٌّ أميٌّ ؛ فإلى أيِّنا أَرْسَلَ؟ فيرجعُ الثانيةَ فيقولُ: أين النبي
العربيُّ؟ قال: فينزل محمدٌ حتى يأتيَ بابَ الجنةِ فيقرَعَهُ فيقول : من؟
١١٢٠