Indexed OCR Text

Pages 301-320

((ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة أو ضعف)).
وأقره ابن الجزري على ذلك (ص٣٨٨) ، وعقب عليه بقوله :
((يعني كون هذا سبب التكبير ، وإلا ؛ فانقطاع الوحي مدة أو إبطاؤه مشهور،
رواه سفيان عن الأسود بن قيس عن جندب البجلي - كما سيأتي -، وهذا إسناد
لا مرية فيه ولا شك. وقد اختلف أيضاً في سبب انقطاع الوحي أو إبطائه ، وفي
القائل : (قلاء ربه)، وفي مدة انقطاعه ... )).
ثم ساق في ذلك عدة روايات كلها معلولة ؛ إلا رواية سفيان التي أشار إليها ،
وقد عزاه بعد للشيخين ، وقد أخرجها البخاري (١١٢٤ و١١٢٥ و٤٩٨٣)، ومسلم
(١٨٢/٥)، والترمذي (٣٣٤٢) وصححه، وأحمد (٣١٣/٤)، والطبراني (١٨٦/٢
و١٨٧) من طرق عن سفيان ، ولفظه :
احتبس جبريل على النبي ◌َ ه ؛ فقالت امرأة من قريش : أبطأ عليه
شيطانه ، فنزلت: ﴿والضحى . والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى﴾ .
ولسفيان متابعات كثيرة في ((الصحيحين)» وغيرهما بألفاظ متقاربة ، فمن شاء
الوقوف عليها ؛ فليتتبعها فيهما ، وقد يسر السبيل إليها الحافظ ابن حجر - كعادته
في «الفتح» ۔؛ فليرجع إليه من أرادها .
فأقول : وبناء على هذا الحديث الصحيح يمكننا أن نأخذ منه ما نؤكد به نكارة
الزيادة المتقدمة من رواية أحمد بن الفرج عن البزي ؛ لعدم ورودها في ((الصحيح)) ،
وأن ما يحكى عن القراء ليس من الضروري أن يكون ثابتاً عندهم ، فضلاً عن غيرهم
- كما سيأتي بيانه في اختلاف القراء في هذا التکبیر الذي تفرد به البزي -.
ومن المعلوم في علم المصطلح أن الحديث المنكر هو ما رواه الضعيف مخالفاً
٣٠١

للثقة . وهذه الزيادة من هذا القبيل ، وبهذا الطريق رد الحافظ حديثاً آخر من رواية
الطبراني فيه سبب آخر لنزول ﴿والضحى﴾، لعله ييسر لي تخريجه فيما بعد(١)؛
فقال الحافظ (٧١٠/٨) :
((غريب ، بل شاذ (!) مردود بما في (الصحيح))).
ثم ذكر روايات أخرى في سبب نزولها مخالفة أيضاً ، ثم ردها بقوله :
((وكل هذه الروايات لا تثبت)).
قلت : ونحوها ما روى ابن الفرج أيضاً قال : حدثني ابن أبي بزة بإسناده : أن
النبي ﴿ أهدي إليه قطف عنب جاء قبل أوانه ؛ فهمَّ أن يأكل منه ، فجاءه سائل
فقال : أطعموني مما رزقكم الله؟ قال : فسلّم إليه العنقود . فلقيه بعض أصحابه
فاشتراه منه ، وأهداه للنبي تَ ه، وعاد السائل فسأله ، فأعطاه إياه ، فلقيه رجل آخر
* ، فعاد السائل فسأله فانتهره وقال :
من الصحابة ، فاشتراه منه ، وأهداه للنبي
(إنك مُلحّ)). فانقطع الوحي عن النبي ◌َ﴿ أربعين صباحاً؛ فقال المنافقون:
قلا محمداً ربه ، فجاء جبريل عليه السلام فقال: اقرأ يا محمد! قال : وما أقرأ؟
فقال: اقرأ: ﴿والضحى ... ﴾، ولقنه السورة، فأمر النبي :{ ** أبياً لما بلغ:
﴿والضحى﴾؛ أن يكبر مع خاتمة كل سورة حتى يختم . ذكره ابن الجزري وقال
عقبه :
((وهذا سياق غريب جداً، وهو مما انفرد به ابن أبي بزة أيضاً، وهو معضل)).
قلت : وفي هذا دليل على ضعف البزي هذا ؛ لتلونه في رواية الحديث الواحد ،
فإن ذلك مما يشعر بأنه غير حافظ للحديث ولا ضابط - كما هو معروف عند أهل
(١) انظر رقم (٦١٣٦).
٣٠٢

المعرفة بهذا الفن الشريف -؛ فلا جرم أنه ضعفه أبو حاتم والعقيلي والذهبي
والعسقلاني - كما تقدم -، وقال الحافظ أبو العلاء الهمداني :
((لم يرفع أحد التكبير إلا البزي، ورواه الناس فوقفوه على ابن عباس ومجاهد)).
ذكره ابن الجزري (ص ٣٩٥)، ثم قال :
(وقد تكلم بعض أهل الحديث في البزي ، وأظن ذلك من قبل رفعه له ؛
فضعفه أبو حاتم والعقيلي)).
أقول : ما أصاب العلائي في ظنه ؛ فإن من ضعفه ــ كالمذكورين -؛ ما تعرضوا
لحديثه هذا بذكر ، وإنما لأنه منكر الحديث - كما تقدم عن العقيلي -، ومعنى
ذلك : أنه يروي المناكير ، وأشار أبو حاتم إلى أن منها ما رواه عن ابن مسعود ، وإن
کان لم یسق متنه .
ثم إن الموقوف الذي أشار إليه العلائي فما ذكر له إسناداً يمكن الاعتماد
عليه ؛ لأنه لم يسقه (ص٣٩٧) إلا من طريق إبراهيم بن أبي حية قال : حدثني
حميد الأعرج عن مجاهد قال : ختمت على عبدالله بن عباس تسع عشرة ختمة ،
كلها يأمرني أن أكبر فيها من: ﴿ألم نشرح﴾)).
وإبراهيم هذا: قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٨٣/١/١):
((منكر الحديث ، واسم أبي حية : اليسع بن أسعد)). وقال الدارقطني :
((متروك)).
فهو ضعيف جداً؛ فلا يصح شاهداً لحديث البزي ، مع أنه موقوف .
إذا عرفت أيها القارئ الكريم ضعف هذا الحديث ونكارته ؛ فإن من المصائب
في هذا الزمان والفتنة فيه أن يتطاول الجهال على الكتابة فيما لا علم لهم به ؛
٣٠٣

أقول هذا لأنه وقع تحت يدي وأنا أحرر الكلام على هذا الحديث رسالة للمدعو
أحمد الزعبي الحسيني بعنوان: ((إرشاد البصير إلى سُنِّيَّةِ التكبير عن البشير
النذير))، رد فيها - كما يقول - على الأستاذ إبراهيم الأخضر ، الذي ذهب في كتابه
((تكبير الختم بين القراء والمحدثين)) إلى أن التكبير المشار إليه ليس بسنة . فرأيت
الزعبي المذكور قد سلك سبيلاً عجيباً في الرد عليه أولاً ، وفي تأييد سنّية التكبير
ثانياً ؛ تعصباً منه لما تلقاه من بعض مشايخه القراء الذين بادروا إلى تقريظ رسالته
دون أن يعرفوا ما فيها من الجهل بعلم الحديث ، والتدليس ؛ بل والكذب على
العلماء ، وتأويل كلامهم بما يوافق هواه، وغير ذلك مما يطول الكلام بسرده ، ولا
مجال لبيان ذلك مفصلاً؛ لأنه يحتاج إلى وقت وفراغ ، وكل ذلك غير متوفر لدي
الآن؛ ولا سيما والأمر كما يقال في بعض البلاد: ((هذا الميت لا يستحق هذا
العزاء» ؛ لأن مؤلفها ليس مذكوراً بين العلماء ، بل إنها لتدل على أنه مذهبي
مقلد ، لا يَعرِفُ الحقَّ إلا بالرجال ، ولكن لا بدّلي من الإشارة بأخصر ما يمكن من
العبارة إلى بعض جهالاته المتعلقة بهذا الحديث الذي صرح بصحته ، بل وزعم أنه
!
متواتر عن النبي
١ - ذكر (ص١٢) تصحيح الحاكم إياه ، ولم يعقب عليه برد الذهبي له أو غيره
ممن تقدم ذكره من العلماء !
٢ - بل زاد على ذلك (ص١٤) فقال: ((يكفي في حجية سنة التكبير حديث
الحاكم))، الأمر الذي يدل على جهله بموقف العلماء من تصحيحات الحاكم ، أو أنه
تجاهل ذلك !!
٣- نقل (ص١٥ - ١٦) عن كتاب ((غاية النهاية)) لابن الجزري (رحمه الله)
ترجمة مختصرة لعكرمة بن سليمان - الذي بينت آنفاً أنه من علل هذا الحديث
لجهالته - جاء فيها قول ابن الجزري :
٣٠٤

((تفرد عنه البزي بحديث التكبير)).
وهذا نص بأن عكرمة هذا مجهول العین عند من یعرف ، فجهل الزعبي ذلك
أو تجاهله ؛ فزعم أنه ثقة فقال (ص١٧) :
((رجال السند كلهم ثقات (!)، جهابذة، أذعنت الأمة لهم بالقبول والحفظ))!
٤- قال (ص١٧ و٣١) :
«فالحدیث قوي لیس له معارض في صحته)) !
مع أنه نقل في غير ما موضع ما عزوته إلى أبي حاتم أنه حديث منكر . وإلى
الذهبي أنه مما أنكر على البزي ، وقول العقيلي في البزي :
«منكر الحديث)) .
ولكنه تلاعب بأقوالهم وتأولها تأويلاً شنيعاً؛ فأبطل دلالتها على ضعف
الحديث وراويه ! وتجاهل قول أبي حاتم فيه :
((ضعيف الحديث)) .
فلم يتعرض له بذكر ؛ لأنه يبطل تأويله ، وذلك هو شأن المقلدة وأهل الأهواء
قديماً وحديثاً . انظر (ص٢٢ و٢٥) .
۔۔ قال (ص٢١) وهو ینتقد غيره ، وهو به أولی :
((فترى الواحد من الناس يصحح حديثاً ويضعفه بمجرد أن يجد في كتاب من
كتب الرجال عن رجل بأنه غير ثقة ... )) .
كذا قال ! وهو يريد أن يقول بأنه ثقة أو غير ثقة ؛ لينسجم مع التصحيح
والتضعيف المذکورین في كلامه ، ولکن العجمة لم تساعده ! وأول کلامہ ینصب
٣٠٥

عليه تماماً ؛ لأنه يصحح هذا الحديث دون أن يجد موثقاً لعكرمة بن سليمان ،
والبزي هذا ، بل إنه ممن اتفق أهل العلم بالجرح والتعديل على تضعيفه وتضعيف
حديثه - كما تقدم -؛ ولذلك طعن فيهم في التالي :
٦ - قال بعد أن نصب نفسه (ص١٩) لمناقشة آراء العلماء - يعني: المضعفين
للحديث - ورواية الذين أشرت إليهم آنفاً ! قال (ص٢٢) :
«فكون البزي قد جُرِحَ في الحديث ؛ فإن ذلك قد يكون لنسيان في الحديث
أو لخفة ضبطه فيه أو غير ذلك ... قال (ص٢٣) : فكون البزي لين الحديث لا
يؤثر في عدم (!) صحة حديث التكبير ، على زعم من قال : إنه لين)) .
كذا قال فُضَّ فوه : «زعم ... ))! وهو يعني : الذهبي ومن تقدمه من الأئمة
المشار إليهم آنفاً ؛ فهو يستعلي عليهم، ويرد تضعيفهم بمجرد الدعوى أن ذلك لا
يؤثر في صحة الحديث ! فإذا كان كلام هؤلاء لا يؤثر عنده ؛ فكلام من هو المؤثر؟!
وإن من عجائب هذا الرجل وغرائبه أنه عقد بحثاً جيداً (ص١٩ - ٢١)،
ونقل فيه كلاماً للذهبي قيماً، خلاصته : أن للحديث رجالاً ، وأن هناك علماء
معروفين لا يدرون ما الحديث؟ ثم أشار هذا الرجل بكلام الذهبي ، ورفع من شأنه
وقال: ((وكلامه يدل أن لكل فن رجالاً)). وهذا حق ؛ فهل يعني أن الرجل من
هؤلاء الرجال حتى استجاز لنفسه أن يرد تضعيف أهل الاختصاص بهذا العلم
وتجريحهم ، وهو ليس في العير ولا في النفير؟! نعوذ بالله من العجب والغرور واتباع
الأهواء والتقليد الأعمى ، والانتصارله بالسَّفْسَطَةِ والكلام العاطل ! والجهل
العميق ! وتأمل في قوله المتقدم :
(( ... لا يؤثر في عدم صحة حديث التكبير)) !
فإنه يعني: (( ... في صحة ... )) إلخ؛ كما يدل عليه سياق كلامه؛ فهذا
٣٠٦

من عيِّه وجهله . ولا أدل على ذلك مما يأتي ، وإن كان فيما سبق ما يكفي .
٧ - قال (ص٢٤) :
((وكذلك التكبير نقل إلينا مسلسلاً بأسانيد متواترة إلى النبي ﴿))!
وهذا كذب وزور بيِّن ، ولو كان صادقاً؛ لم يسوِّد صفحات في الرد بجهل بالغ
على علماء الحديث الذين ضعفوا البزي وحديثه ، ولاكتفى بإثبات تواتره المزعوم .
ولكن في هذا حكمة بالغة ليتبين المبطل من المحق ، والجاهل من العالم، والمغرض
من المخلص !
٨- ثم كذب كذبة أخرى فقال (ص٢٧) :
((فتجد أن الذهبي يقوي هذا الحديث)).
وسبب هذه أنه ساق ترجمة البزي عند الذهبي ، وفيها أنه روی الحديث عنه
جماعة ؛ فاعتبر ذلك تقوية للحديث ، وذكر فيها أثراً عن حميد الأعرج - وهو من
أتباع التابعين -، فجعله شاهداً للحديث المرفوع ، وهذا من بالغ جهله بهذا العلم أو
تجاهله ، وأحلاهما مر !
٩- ومما يدل على ذلك قوله (ص٣٠) :
((فإذا روى الشافعي عن رجل وسكت عنه ؛ فهو ثقة)) !
وهذا منتهى الجهل بهذا العلم الشريف ، والجرأة على التكلم بغير علم ؛ فإن
هذا خلاف المقرر في علم المصطلح : أن رواية الثقة عن الرجل ليس توثيقاً له ، وهذا
ولو لم يكن مجروحاً ، فكيف إذا كان مطعوناً فيه؟! فالله المستعان .
١٠- ونحو ذلك قوله (ص٣٥) :
«والبزي قد وثقه الحافظ ابن الجزري بقوله : أستاذ محقق ضابط متقن)) !
٣٠٧

وفي هذا تدليس خبيث وتلبيس على القراء؛ لأنه - أعني : الجزري - إنما قال
هذا فيما هو مختص به - أعني : البزي - من العلم بالقراءة ، وليس في روايته
للحديث - كما يدل على ذلك السياق والسباق ، وهما من المقيدات ؛ كما هو معروف
عند العلماء -، بل إنه قد صرح بذلك في ((النشر)) (١٢٠/١) ؛ فقال ما نصه :
((وكان إماماً في القراءة محققاً ضابطاً متقناً لها ثقة فيها)).
ومن العجيب حقاً أن هذا المدلس على علم بهذا النص ؛ لأنه قد ذكره في
الصفحة (٣٦) فيما نقله عن المحدث السندي؟ فتجاهله ليسلك على القراء تدليسه !
وأعجب من ذلك أنه تجاهل تعقيب السندي رحمه الله على ذلك بقوله :
(«فلا يقدح في ذلك كونه ضعيف الحديث في غير ما يتعلق بالقراءة» .
قلت : فهذه شهادة جديدة من المحدث السندي تضم إلى شهادات الأئمة
المتقدمين تدمغ هذا الجاهل دمغاً ، وتمحو دعواه الباطلة محواً ، وتجعل رسالته هباءً
منثوراً .
١١ - ومن أكاذيبه الخطيرة التي لا بد من ذكرها وبيانها وختم هذا البحث بها
قوله (ص٣٤) ۔ بعد أن ذکر تصحیح الحاکم للحديث ۔:
((وجاء تواتر الأمة على فعله)) !
فهذا كذب محض لم يقله أحد قبله ! فإن المسألة الخلاف فيها قديم بين القراء ،
فضلاً عن غيرهم ؛ فإنه لم يقل بالتكبير المذكور في الحديث من القراء المشهورين
غير عبدالله بن كثير المذكور في إسناده المتقدم ، وهو مكي توفي سنة (١٢٠). ثم
تلقاه المکیون عنه ؛ كما حقق ذلك ابن الجزري (٣٩٢/٢)، وقال قبل ذلك
(٣٩٠/٢) بعد أن ذكر الحديث وغيره مما تقدم :
٣٠٨

((قال الداني: فهذا سبب التخصيص بالتكبير من آخر: ﴿والضحى﴾،
واستعمال النبي ﴿ إياه ، وذلك كان قبل الهجرة بزمان ؛ فاستعمل ذلك المكيون ،
ونقل خَلَفهم عن سلفهم ، ولم يستعمله غيرهم ؛ لأنه ﴿﴿ ترك ذلك بعد ، فأخذوا
بالآخر من فعله» .
فأين التواتر الذي زعمه هذا الجاهل - أو: المتجاهل - ونسبه إلى الأمة ، مع
تصريح هذا الإمام الداني بأنه لم يستعمله غير المكيين؟! أم أن هؤلاء ليسوا عنده من
الأمة؟! وماذا يقول في تعليل الإمام الداني تركهم له؟!
ثم إن المكيين أنفسهم لم يستمروا على استعماله ؛ فقد ذكر الفاكهي في
((أخبار مكة)) (١٧٤٥/٣٦/٣) أن ابن أبي عمر قال :
((أدركت الناس في مكة على هذا: كلما بلغوا: ﴿والضحى﴾؛ كبروا حتى
يختموا ، ثم تركوا ذلك زماناً ، ثم عاودوه منذ قريب، ثم تركوه إلى اليوم)).
وابن أبي عمر هذا من شيوخ الفاکهي ومسلم ، واسمه : محمد بن یحیی بن
أبي عمر العدني أبو عبدالله الحافظ ، وقد أكثر الفاكهي عنه بحيث أنه روى عنه
أكثر من خمسمائة رواية - كما ذكر ذلك المعلق على كتابه جزاه الله خيراً -، مات
سنة (٢٤٣) .
قلت : فهذه الرواية مما يُبطل التواتر الذي زعمه ؛ لأنها تنفي صراحة انقطاع
استمرار العمل ، بل قد جاء عن بعض السلف إنكار هذا التكبير واعتبره بدعة ،
وهو عطاء بن أبي رباح المكي ؛ فقال الفاكهي : حدثني أبو يحيى بن أبي مرة عن
ابن خنيس قال : سمعت وهيب بن الورد يقول : (قلت : فذكر قصته ، وفيها) ولما
بلغ حميد (وهو: ابن قيس المكي): ﴿والضحى﴾؛ كبر، فقال لي عطاء : إن هذا
لبدعة .
٣٠٩

وهذا إسناد جيد، وفيه إثبات سماع وهيب من عطاء، فما في ((التهذيب))
- وتبعه في ((جامع التحصيل)) - أن روايته عن عطاء مرسلة ؛ لعله وهم ، أو سبق
قلم! فإن الذي في ((الجرح)) مكان: (عطاء) (طاوس) وهو أقدم وفاة من عطاء .
والله أعلم .
وفتوى ابن تيمية الواردة في المجلد (١٣) من ((مجموع الفتاوى)) (ص٤١٧ -
٤١٩) تميل إلى عدم مشروعية هذا التكبير؛ فإنه سئل عنه فقال :
((إذا قرأوا بغير حرف ابن كثير؛ كان تركهم لذلك هو الأفضل ، بل المشروع
المسنون ؛ فإن هؤلاء الأئمة من القراء لم يكونوا يكبرون ، لا في أوائل السور ولا في
:號
أواخرها . فإن جاز لقائل أن يقول : إن ابن كثير نقل التكبير عن رسول الله
جاز لغيره أن يقول: إن هؤلاء نقلوا تركه عن رسول الله عليه ، إذ من الممتنع أن
تكون قراءة الجمهور التي نَقَلَتُها أكثر من (نَقَلَةِ ] قراءة ابن كثير ، قد أضاعوا فيها ما
أمرهم به رسول الله :﴿﴿؛ فإن أهل التواتر لا يجوز عليهم كتمان ما تتوفر الهمم
والدواعي إلى نقله، فمن جوَّز على جماهير القراء أن رسول الله عَ ليه أقرأهم بتكبير
زائد، فعصوا أمره، وتركوا ما أمرهم به ؛ استحق العقوبة البليغة التي تردعه وأمثاله
عن مثل ذلك» . ثم قال :
أمر بالتكبير لبعض من أقرأه ؛ كان غاية ذلك أن يدل
«ولو قدر أن النبي
على جوازه أو استحبابه ... )).
ومن غرائب ذاك الزعبي أنه نقل (ص٤٩ - ٥١) فتوى ابن تيمية هذه، ثم
استخلص منها أن ابن تيمية يقول بسنية التكبير! فذكرني المسكين بالمثل المعروف :
((عنزة ولو طارت))؛ فإنه تجاهل عمداً قول ابن تيمية الصريح في الترك ، بل المشروع
المسنون . كما تجاهل إيماءه القوي بعدم ثبوت الحديث بقوله: ((ولو قُدِّر أن النبي
٣١٠

أمر بالتكبير ... ))؛ فإنه كالصريح أنه لم يثبت ذلك عنده ، وأنا على مثل اليقين أن
القائل بسنية التكبير، المستدل عليه بحديث الترجمة ؛ والمدعي صحته - كهذا
الدعي الزعبي - لو سئل: هل تقول أنت بما قال ابن تيمية: ((ولو قدر ... )) إلخ؟
فإن أجاب بـ ((لا))، ظهر كذبه على ابن تيمية وما نسب إليه من السنية ، وإن قال :
((نعم)) ؛ ظهر جهله باللغة العربية ومعاني الكلام ، أو تجاهله ومكابرته . والله المستعان .
والخلاصة : أن الحديث ضعيف لا یصح - كما قال علماء الحديث دون خلاف
بينهم -، وأن قول بعض القراء لا يقويه ، ولا يجعله سنة ، مع إعراض عامة القراء
عنه ، وتصريح بعض السلف ببدعيته . والله ولي التوفيق .
وإن مما يؤكد ذلك اختلاف القائلين في تحديد ابتدائه وانتهائه على أقوال كثيرة
تراها مفصلة في ((النشر))، كما اختلفوا هل ينتهي بآخر سورة الناس ، أو بأولها !
وصدق الله العظيم القائل : ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ .
٦١٣٤ - (كان إذا قَرأْ: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾؛ افْتَتَحَ منْ
﴿الحمد﴾، ثم قرأ ﴿البقرة﴾ إلى: ﴿أولئك هُمُ المفلحون﴾ ، ثم دعا
بدعاءِ الخَتْمِ ، ثم قام).
ضعيف. أخرجه الحسن بن علي الجوهري في ((فوائد منتقاة)) (٢/٢٩) عن
وهب بن زمعة عن أبيه زمعة بن صالح عن عبدالله بن كثير عن دِرْباسٍ مولى ابن
عباس وعن مجاهد عن عبدالله بن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ◌َا﴾ - قرأ
النبي على أُبَيِّ، وقرأ أبي عن النبي، و- أنه كان ... إلخ.
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ وله علتان :
الأولى: أن مداره على زمعة بن صالح ، قال الذهبي في ((الكاشف»:
٣١١

((ضعفه أحمد، قرنه (م) بآخر)). وقال الحافظ في ((التقريب)» :
(ضعيف ، وحديثه عند مسلم مقرون)) .
والأخرى : الاضطراب في إسناده عليه على وجهين :
الأول : هذا : عن درباس وعن مجاهد ؛ قرنه معه .
الثاني : عن درباس وحده ؛ لم يذكر مجاهداً معه .
وقد ساق ابن الجزري في ((النشر)) (٤٢٠/٢ - ٤٢٥) الأسانيد بذلك .
وفي رواية له عن وهب بن زمعة بن صالح عن عبدالله بن کثیر عن درباس
عن عبدالله بن عباس ... به مرفوعاً ؛ لم يذكر في إسناده زمعة . وقال عقبه :
((حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وإسناده حسن ؛ إلا أن الحافظ أبا
الشيخ الأصبهاني وأبا بكر الزينبي روياه عن وهب عن أبيه زمعة ... ، وهو الصواب».
فأقول : هذا التصويب صواب ؛ لأنه عليه أكثر الروايات ، وعليه فلا وجه
لتحسين إسناده ؛ لأن مداره على زمعة بن صالح الضعيف - كما تقدم -. وكيف
يكون حسناً وفيه درباس مولى ابن عباس ، وهو مجهول - كما قال أبو حاتم ، وتبعه
الذهبي والعسقلاني -؟! نعم قد قُرِنَ به مجاهد في بعض الروايات - كما في رواية
الجوهري وغيره - ، فإن كان محفوظاً ؛ فالعلة واحدة وهي زمعة . والله أعلم .
٦١٣٥ - (كان إذا خَتَم القرآنَ؛ حَمِدَ اللّهَ بِمَحَامِدَ وهو قائمٌ ، ثم
يقولُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، و﴿الحمدُ لله الذي خلق السماوات
والأرضَ وجَعَلَ الظلماتِ والنورَ ثم الذين كفروا برِّهمْ يَعْدِ لون﴾ ، لا
إلهَ إلا اللهُ، وكذب العادلون بالله وضلُّوا ضلالاً بعيداً، لا إله إلا الله ،
٣١٢

وكذبَ المشركون بالله مِنَ العربِ والمجوسِ واليهودِ والنصارى
والصَّبِئينَ، ومَن ادَّعى الله ولداً أو صاحبةً أو ندّاً، أو شَبَهاً أو مثْلاً أو
عَدْلاً؛ فأنتَ ربُّنا أعظمُ مِنْ أَنْ تَتَّخِذَ شَرِيكاً فيما خَلَقْتَ ... ) الحديثَ
بطوله ، وفي آخره :
(ثم إذا افْتَتَحَ القرآنَ ؛ قال مثلَ هذا ، ولكن ليس أحدٌ يُطِيقُ ما
كان نبيُ اللهِ يطيق) .
موضوع. أخرجه البيهقي في («شعب الإيمان» (٢٠٨٢/٣٧٢/٢) من طريق
عمرو بن شَمْر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر قال : كان علي بن حسين يذكر
عن النبي ◌َ﴿﴿ أنه كان إذا ختم ... الحديث . وقال البيهقي قبل أن يسوقه :
((حديث منقطع بإسناد ضعيف ، وقد تساهل أهل الحديث في قبول ما ورد
من الدعوات وفضائل الأعمال متى ما لم يكن في رواته من يعرف بوضع الحديث
أو الكذب في الرواية)» . ثم ساق الحديث .
وقد تساهل رحمه الله في اقتصاره على قوله : ((بإسناد ضعيف)). فإن الشرط
الذي ذكره في التساهل المزبور غير متحقق هنا؛ فإن عمرو بن شمر قد اتفقوا على
تركه ، وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٧٥/٢):
((كان رافضياً يشتم أصحاب رسول الله مح ﴿ ، وكان ممن يروي الموضوعات عن
الثقات في فضائل أهل البيت وغيرها ، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة .
التعجب)). وقال أبو نعيم في ((ضعفائه)) (١٦٥/١١٨):
(يروي عن جابر الجعفي الموضوعات المناكير)). وقال الحاكم - وهو شيخ البيهقي -:
٣١٣

((كان كثير الموضوعات عن جابر الجعفي ، وليس يروي تلك الموضوعات
الفاحشة عن جابر غيره)) .
فأقول : وما أظن أن هذا يخفى على البيهقي ؛ فإنه من أخص تلامذة الحاكم ،
فالعجب من البيهقي كيف يسوق لعمرو بن شمر هذا الحديث على أنه ضعيف يجوز
قبوله في الفضائل وهذه حاله؟! ومثل هذا التساهل مما جعلنا نظن أنه لم يتمكن من
الوفاء بشرطه الذي نص عليه في مقدمة كتابه المذكور: ((الشعب)) (٢٨/١):
((أنه اقتصر على ما لا يغلب على القلب كونه كذباً)).
فإن القلب يشهد - مع السند - أن هذا الحديث كذب موضوع؛ فإن لوائح
الصنع والوضع ظاهر عليه ، ولعل ابن الجوزي لم يقف عليه ، وإلا ؛ كان كتابه
((الموضوعات)) أولى به من كثير من الأحاديث التي أوردها فيه! وقد كنت نبهت
فيما مضى من هذه ((السلسلة)) على بعض الأحاديث الموضوعة التي رواها البيهقي
مما يؤكد عدم استطاعته القيام بما تعهد به . والكمال لله تعالى .
والأعجب من ذلك أن ابن الجزري في ((النشر)» (٤٤٤/٢ - ٤٤٦) قال - وقد
روی الحدیث من طریق البيهقي ، وساق کلامہ المذکور -:
((فالحديث مرسل ، وفي إسناده جابر الجعفي وهو شيعي ، ضعفه أهل
الحديث ، ووثقه شعبة وحده)) .
قلت : فخفي عليه أن العلة الحقيقية إنما هي من عمرو بن شمر ، الراوي عن
جابر الجعفي؛ لاتفاقهم جميعاً على تركه ، وتصريح بعضهم بروايته الموضوعات
- كما تقدم ۔، مع أن الجعفي قريب منه ؛ لأنه قد كذبه جمع کما تراه في ترجمته
من ((التهذيب))، على أنه قد ذكر فيها أنه وثقه أيضاً غير شعبة ؛ لذلك فالأقرب أن
العلة من عمرو الراوي عنه .
٣١٤

ثم قال ابن الجزري عقب كلامه المتقدم :
((ويقوي ذلك ما قدمناه عن الإمام أحمد أنه أمر الفضل بن زياد أن يدعو
عقب الختم وهو قائم في صلاة التراويح ، وأنه فعل ذلك معه)) .
وأقول : هذه تقوية عجيبة من مثل ابن الجزري؛ كيف يقوي حديثاً طويلاً - يرفعه
إلى النبي ** ذاك الكذاب الرافضي - لمجرد أمر الإمام أحمد بالدعاء عقب ختم
القرآن ، فهذا أخص مما في هذا الحديث ؛ أي : أنه يقوي الأعم بما هو أخص ، أو
الكل بالجزء؟! وهذا مما لا يستقيم في العقل . فتأمل !
(تنبيه) : إن الدعاء المطبوع في آخر بعض المصاحف المطبوعة في تركيا وغيرها
تحت عنوان: ((دعاء ختم القرآن)) والذي ينسب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله تعالى ؛ فهو مما لا نعلم له أصلاً عن ابن تيمية أو غيره من علماء الإسلام،
وما كنت أحب أن يلحق بآخر المصحف الذي قام بطبعه المكتب الإسلامي في
بيروت سنة (١٣٨٦) على نفقة الشيخ أحمد بن علي بن عبدالله آل ثاني رحمه
الله، وإن كان قد صُدّر بعبارة: ((المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية))؛ فإنها لا
تعطي أن النسبة إليه لا تصح فيما يفهم عامة الناس ، وقد أمرنا أن نكلم الناس
على قدر عقولهم !
ومما لا شك فيه أن التزام دعاء معين بعد ختم القرآن من البدع التي لا تجوز؛
لعموم الأدلة، كقوله { 18: «كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار))، وهو من
البدع التي يسميها الإمام الشاطبي بـ((البدعة الإضافية))، وشيخ الإسلام ابن
تيمية من أبعد الناس عن أن يأتي بمثل هذه البدعة ، کیف وهو كان له الفضل
الأول - في زمانه وفيما بعده - بإحياء السنن وإماتة البدع؟ جزاه الله خيراً .
٣١٥

٦١٣٦ - (يا خَوْلَةُ! ما حَدَثَ في بيتِ رسولِ اللهَّ ◌ُهِ؟ جبريلُ لا
يأتيني! فهلْ حَدَثَ في بيتِ رسولِ اللهِ حَدَثٌ؟ ... يا خولةُ ! دَثِّرِيني !
فأنزلَ اللهُ: ﴿والضُّحى. واللَّيْلِ إذا سجى. ما ودَّعك ربُّك وما قَلَى﴾).
منكر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٣٦/٢٤٩/٢٤): حدثنا علي
ابن عبد العزيز: ثنا أبو نعيم: ثنا حفص بن سعيد القرشي : حدثتني أمي عن
أمها - وكانت خادم رسول الله تحصله -:
أن جرواً دخل البيت، ودخل تحت السرير ومات، فمكث نبي الله ﴿ أياماً
لا ينزل عليه الوحي ، فقال: (فذكر الحديث)، فقلت: والله ! ما أتى علينا يوم خيراً
من يومنا ، فأخذ برده فلبسه وخرج ، فقلت : لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت
بالمكنسة تحت السرير، فإذا شيء ثقيل ؛ فلم أزل حتى أخرجته ، فإذا بجرو ميت ،
فأخذته بيدي فألقيته خلف الجدار ، فجاء نبي الله ترعد لحيته - وكان إذا أتاه
الوحي أخذته الرعدة -، فقال: ((يا خولة! دثريني ... )) الحديث .
وأخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده))، ومن طريقه ابن أبي عاصم في آخر
((الآحاد والمثاني))، ومن طريقه ابن الأثير في («أسد الغابة)) (٩٤/٦): حدثنا أبو
نعيم الفضل بن دكين ... به .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ وله علتان ، وهما الجهالة :
الأولى : أم حفص بن سعيد : لم أجد لها ترجمة ، وبها أعله الهيثمي ؛ فقال
في ((المجمع)) (١٣٨/٧) :
(رواه الطبراني، وأم حفص لم أعرفها)).
٣١٦

والأخرى : ابنها حفص بن سعيد: فقد أورده البخاري في ((التاريخ)) ، وابن
أبي حاتم في ((الجرح))، وابن حبان في ((الثقات)) (١٩٩/٦) من رواية أبي نعيم
فقط عنه ؛ فهو مجهول ، ولذلك قال ابن عبدالبر في ((الاستيعاب)) :
«لیس إسناده مما يحتج به)) .
وأقره الحافظ في ((الإصابة))، وسكت عنه في ((المطالب العالية)) (٣٩٦/٣/
٣٨٠٦) وقد عزاه لأبي بكر - يعني: ابن أبي شيبة - في ((المسند))، وقال المعلق عليه :
((ضعف البوصيري سنده؛ لجهالة بعض رواته)) .
هكذا أطلق ولم يبيِّن ؛ فلا أدري أهو من المعلق ، أم من البوصيري نفسه؟ وقد
سبقه إلى مثله الحافظ في ((الفتح)) (٧١٠/٨) فقال - بعد ما عزاه للطبراني - :
((في إسناده من لا يعرف)).
ثم ذكر الحافظ للحديث علة ثالثة ؛ وهي : الشذوذ - كما قال - والمخالفة لما في
(الصحیح)) . وهو یشیر بذلك إلی حدیثین :
الأول : ما تقدم تخريجه تحت الحديث (٦١٣٣) من رواية الشيخين وغيرهما
أن سورة ﴿الضحى﴾ كان سبب نزولها قول امرأة: ((أبطأ عليه شيطانه)). وليس
بمناسبة الجرو .
والآخر: حديث إبطاء مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي ◌َ ﴾ بسبب
الجرو حديث صحيح مشهور، جاء عن خمسة من الصحابة من طرق عنهم ؛
أحدهما في ((صحيح مسلم))، وهي مخرجة في ((آداب الزفاف)) (ص ١٩٠ - ١٩٦ -
طبع المكتبة الإسلامية / عمان) ، وهو مخالف لحديث الترجمة من وجوه ؛ أهمها :
أنه ليس فيها نزول: ﴿والضحى﴾، كيف وهي مكية، وقصة الجرو مدنية؟! لأن
٣١٧

فيها أن الجرو كان الحسن والحسين رضي الله عنهما . فثبت أن الحديث منكر .
والله أعلم .
٦١٣٧ - (مَنْ عَطَسَ أو تَجَشَّأَ، أو سَمعَ عَطْسَةً أو جُشَاءً فقال :
الحمدُ لله على كلِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ ؛ صَرَفَ اللهُ عنه سبعين داءً
أَهْوَنُها الْجُذَامُ) .
موضوع. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٥٦/٦)، ومن طريقه ابن الجوزي
في ((الموضوعات)) (٧٦/٣) بسنده عن محمد بن كثير: حدثني ابن لهيعة عن
أبي قبيل عن عبدالله بن عمرو ... مرفوعاً .
وأخرجه الخطيب في (التاريخ)) (٢٨/٨) ، وابن الجوزي أيضاً من طريق أخرى
عن محمد بن کثیر الفهري ... به . وقال ابن الجوزي :
((حديث لا يصح ، وابن لهيعة ذاهب الحديث . قال ابن عدي : ومحمد بن
کثیر یروي البواطیل ، والبلاء منه ، وقال أبو الفتح الأزدي : محمد بن کثیر - هو :
ابن مروان الفهري - متروك الحديث)) .
وتعقبه السيوطي في ((اللآلي)) (٢٨٤/٢) بأن له شاهداً من حديث علي
موقوفاً . وهو - لو صح ؛ فهو - شاهد قاصر ؛ لأنه ليس فيه التجشؤ ولا السبعون داء ..
هذا لو صح وكان مرفوعاً ، فكيف وهو موقوف ، وضعيف الإسناد؟! وهذا ما سأبينه
في الحديث التالي :
٦١٣٨ - (مَنْ قال عند [كلِّ] عَطْسَة يَسْمَعُها: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ
على كلِّ حالٍ ما كان؛ لم يَجِدْ وَجَعَ الضَّرْسِ ولا الأُذُنِ أبداً).
موقوف ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٨٦٠/٤٢٢/١٠)،
٣١٨

والبخاري في ((الأدب المفرد)» (رقم ٩٢٦) - ومن طريقه الحاكم (٤١٤/٤) - قالا :
حدثنا طلق بن غنام قال : حدثنا شيبان ، عن أبي إسحاق عن خيثمة العربي (!)
عن علي قال :... فذكره موقوفاً .
قلت : وهذا - مع وقفه - فيه أبو إسحاق - وهو : السَّبيعي -؛ وهو مدلس كان
اختلط .
وخيثمة العربي: هكذا وقع في ((المصنف))، وفي ((الأدب)): (خيثمة) .. لم
ينسبه! وفي المستدرك: (حبة)، وفي ((اللآلي)) (٢٨٤/٢) من طريق ((المصنف)):
(حبة العر)! وهذا أقرب إلى الصواب، وهو قريب مما في ((المصنف))، ويغلب على
الظن أن صوابه : ((حَبَّةَ العُرَني)»، فإذا صح هذا؛ فهي علة أخرى ؛ لأنه ضعيف
عند الجمهور، وعلى رأسهم ابن معين ؛ ولذلك أورده الذهبي في ((الضعفاء)) (١/
١٤٦) ، وقال :
((قال السعدي: غير ثقة)). وأما الحافظ؛ فقال في ((التقريب)):
((صدوق له أغلاط، وكان غالياً في التشيع)).
ولعله لذلك قال في ((الفتح)» (٦٠٠/١٠) - بعد ما عزاه لـ«الأدب)» ۔۔
((وهذا موقوف، ورجاله ثقات، ومثله لا يقال من قبل الرأي؛ فله حكم الرفع)).
وأقره المعلق على ((الأدب)) (٣٨٤/٢)! ولا أدري إذا كان التوثيق المذكور على
أن تابعي الحديث هو حبة العرني - كما رجحنا -، أم على أنه خيثمة - وهو : ابن
عبدالرحمن بن أبي سبرة -، وهو ثقة ، وسواء كان هذا أو ذاك ؛ فإنه غير سالم من
اختلاط أبي إسحاق وتدليسه .
٣١٩

ويمكن أن نضيف إلى ما سبق علة أخرى ، وهي : أن الحديث روي عن علي
بإسناد آخر بلفظ آخر مخالف لهذا ؛ وهو :
((إذا عطس أحدكم؛ فليقل : الحمد الله على كل حال، وليقل مَنْ عِنْدَه:
يرحمك الله ... )) الحديث .
وهو مخرج في «الإرواء)» (٢٤٥/٣ - ٢٤٦).
والحديث سكت عنه السيوطي حين عزاه للمصنف - كما تقدم -، وأفاد أن
الخلعي روى في ((فوائده)) بسنده عن المقدام : حدثنا محمد بن إسماعيل بن
مرزوق : حدثني يونس بن نعيم عن سعيد بن السري عن محمد بن مروان
الأعور عن رجل حدثه عن علي بن أبي طالب قال :
((إذا عطس العبد فقال: الحمد لله على كل حال ؛ لم يصبه وجع الأذنين ولا
وجع الأضراس)) .
قلت : وهذا إسناد مظلم ؛ فإن ما بين الرجل الذي لم يسم والمقدام لم أجد
لهم ترجمة .
أما المقدام ؛ فالظاهر أنه ابن داود الرُّعَيني المصري ، قال النسائي :
((ليس بثقة)). وقال ابن يونس، وكذا ابن أبي حاتم (٣٠٣/١/٤):
((تكلموا فيه)).
والرجل الذي لم يسم : لا أستبعد أن يكون هو حبة العرني - على ما رجحت
آنفاً -، وقد وقفت على ما يؤيده، وهو ما أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) من طريق
أخرى عن طلق بن غنام بسنده المتقدم عن حبة عن علي ... به نحوه .
٣٢٠