Indexed OCR Text

Pages 681-700

كما هو ظاهر، وإنما فيه نفي البنيان والجدران ، فهو مثل رواية البخاري بلفظ :
((يصلي بمنى إلى غير جدار)).
ويأتي قريباً إن شاء الله بيان ما فيها .
فتوهم بعض الرواة أن ذلك يعني أنه صلى إلى غير سترة ، كما هو ظاهر
حديث الترجمة ، وليس صريحاً ، وقد روى مصرحاً به في بعض الطرق ، والعجيب
حقاً أن البيهقي عقب الحديث حديث الترجمة :
(( وله شاهد بإسناد أصح من هذا عن الفضل بن عباس ، وسيرد بعد هذا إن
شاء الله تعالى )).
ثم رواه ( ٢ / ٢٧٨ ) من طريق أبي داود بسنده عن عباس بن عبيد الله بن
عباس عن الفضل نحوه بلفظ :
(( فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة ، وحمارة لنا وكليبة تعبثان بين
يديه، فما بالى ذلك)).
ووجه التعجب أن عباساً هذا لم يلق عمه الفضل ؛ كما قال ابن حزم في
((المحلى)) (٤ / ١٣) ووافقه الحافظ، ولذلك؛ خرجته في ((ضعيف أبي داود))
( ١١٤ ) .
واقتصر المعلق على (( شرح السنة)) (٢ / ٤٦١) على إعلاله بجهالة العباس
فقط ، وهو تقصير ظاهر !
وأعجب من ذلك أن الشيخ أحمد الغماري في (( تخريجه أحاديث بداية
المجتهد)) (٢ / ٣٩٣) سكت عنه أولاً، وعزاه لأحمد والنسائي ثانياً، وليس
٦٨١

عندهما موضع الشاهد منه وهو الذي أورده ابن رشد بقوله :
(( وقد روي أنه صلى لغير سترة )) !
وشايعه على ذلك المحققان اللذان أشرفا على تخريج الكتاب ببيان أماكن
الأحاديث في المصادر التي عزاها الغماري إليها !
ولقد كان الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم أقرب إلى الصواب في تخريجه إياه
في كتابه: (( طريق الرشد ))؛ فإنه عزاه فيه ( ص ٨٨ ) لأبي داود وحده ؛ ولكنه
أخطأ في قوله :
(( وللنسائي نحوه، وكذا عبد الرزاق في ((مصنفه))، والطحاوي في (( معاني
الآثار))، ولا يخلو سنده من مقال)) !
قلت : رواية النسائي إسنادها صحیح من روایة صھیب کما تقدم ؛ ولكن ليس
فيها موضع الشاهد كما تقدم وكذلك رواية الطحاوي ، فقوله: (( نحوه ))؛ لا يفيده
شيئاً لأنه يعني في اصطلاح المحدثين : مثله في المعنى ، وليس في اللفظ . وهو
ليس مثله في المعنى وأما رواية عبد الرزاق ؛ ففيها موضع الشاهد ؛ لكن ليس فيها
عباس بن عبيد الله ، فزاد انقطاعاً على انقطاع !
ومن أحاديث الباب : ما رواه ابن جريج قال : أخبرني عبد الكريم : أن مجاهداً
أخبره عن ابن عباس قال :
بعرفة وهو
« جئت أنا والفضل علی أتان ، فمررنا بين يدي رسول الله
يصلي المكتوبة ، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه)).
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ / ٢٨ / ٢٣٥٧)، وابن خزيمة في
٦٨٢

((صحيحه)) (٢ / ٢٥ / ٨٣٨ - ٨٣٩) وضعفه بقوله :
((غير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد على الزهري عن عبيد الله بن
عبد الله )).
يشير إلى أن المحفوظ أن المرور المذكور كان في منى ؛ كما في حديث الزهري
الآتي إن شاء الله ، ثم قال :
((لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره )) .
يشير إلى أنه عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية ؛ فإنه هو الذي تكلموا فيه ؛ بل
أجمعوا على ضعفه ، حتى قال النسائي والدارقطني :
((متروك)).
وليس هو عبد الكريم بن مالك الجزري ؛ فإنه ثقة متقن ؛ كما قال الحافظ في
((التقريب))، وكأن الدكتور الأعظمي في تعليقه على ((صحيح ابن خزيمة)) ذهب
إلى أنه هو ؛ فإنه قال :
((إسناده صحيح. انظر ((مجمع الزوائد)) ٢: ٦٣)).
ويشير بالإحالة إلى (( المجمع)) إلى زيادة أبي يعلى في آخر حديث يحيى الجزار
المتقدم :
((فقال رجل : أكان بين يديه عنزة؟ قال: لا)).
وقد عرفت أنها شاذة لا تصح)).
والمقصود أن تصحيحه لحديث عبد الكريم هذا من الظاهر أنه يرى أنه الجزري
٦٨٣

الثقة ، ولعله تبع في ذلك الحافظ ؛ فإنه ذكره برواية البزار بلفظ :
(( والنبي يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره)).
وسكت عنه في موضعين من ((الفتح)) (١ / ١٧١، ٥٧١)، والقاعدة عنده:
أن ما سكت عنه فيه فهو حسن ، وهذا محتمل ؛ لأن عبد الكريم هذا لم ينسب
عند مخرجيه ، فيحتمل أنه الجزري ، وهو ابن مالك الثقة ، ويحتمل أنه ابن أبي
المخارق أبو أمية البصري ، وهو ضعيف ، ومن الاتفاقات الغريبة أن كلاً منهما روى
عن مجاهد ، وعن كل منهما ابن جريج ، وليس من السهل الجزم بأنه أحدهما
والحالة هذه، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الذهبي في ((الميزان))، وقال الحافظ في
((التقريب )) في أبي أمية :
(( ضعيف ، وقد شارك الجزري في بعض المشايخ ، فربما التبس به على من لا
فهم له )» .
والأرجح عندي أنه هذا الضعيف ، وذلك لسببين :
الأول : أنه لو كان الثقة لبادر ابن جريج إلى التصريح بنسبته .
الثاني : أن ابن خزيمة جزم بأنه هو ؛ كما تقدم نقله عنه ، ثم أكد ذلك بقوله :
(( وهذا الفعل الذي ذكره عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس قد ثبت عن
تَ أنه قد زجر عن مثل هذا الفعل في خبر سهل بن أبي حثمة أن النبي
النبي
جُ قال :
(( إذا صلى أحدكم ؛ فَلْيُصَلِّ إلى سترة، ولْيَدْنُ منها؛ لا يقطع الشيطان عليه
صلاته )) . وفي خبر أبي جحيفة :
٦٨٤

أن النبي ◌َ﴾ ركز عَنَّزَة، فجعل يصلي إليها ، يمر من ورائها الكلب والمرأة
والحمار. وفي خبر أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َليلةٍ:
((إذا صلى أحدكم؛ فَلْيُصَلِّ إلى سترة، وليدن منها)). وفي خبر ابن عمر:
قال رسول الله #چ :
(( لا تُصَلُّوا إلا إلى سُترة)) .
وقد زجر النبي # أن يصلي المصلي إلا إلى سترة ، فكيف يفعل ما زجر
عنه؟!)).
وهذه الأحاديث كلها صحيحة ، وهي مخرجة عنده ( ٧٩٨، ٨٠٠، ٨٠٣،
٨١٠، ٨٢٠)، وبعضها في « الصحيحين))، ومُخرَّجةٌ عندي في (( صحيح أبي
داود)) ( ٦٨٨ - ٦٨٩، ٦٩٢، ٦٩٤)، فلا يجوز إهدار العمل بها لمثل حديث أبي
أمية وغيره مما تقدم .
فإن قيل : إذا كان الأمر كما ذكرت ؛ فما قولكم في حديث عبد الله بن عباس
قال :
(( أقبلت راكباً على حمارٍ أتانٍ ، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله
ـَُّ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررتُ بين يدي بعض الصف ، فنزلتُ،
وأرسلتُ الأتان ترتع ، ودخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحدٌ )) ؟
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٧٦، ٤٩٣، ٨٦١) من طرق عن مالك
عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس .
والجواب من وجهين :
٦٨٥

الأول : أنه ليس صريحاً في نفي السترة مطلقاً؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك
في أول هذا التخريج ، وإنما هو ينفي سترة الجدار بخاصة ، ولذلك ؛ لما روى البيهقي
(٢ / ٢٧٣) عن الإمام الشافعي قوله :
((قول ابن عباس: ((إلى غير جدار)) يعني - والله أعلم - إلى غير سترة)).
فتعقبه ابن التركماني بقوله :
((قلت : لا يلزم من عدم الجدار عدم السترة (١) ، ولا أدري ما وجه الدليل في
رواية مالك على أنه صلى إلى غير سترة)).
قلت : ويؤيده صنيع البخاري ؛ فإنه ترجم للحديث بقوله :
(« بابُ سترة الإمام سترةُ مَنْ خَلْفَه )) .
فهذا يعني أن الإمام البخاري لم يفهم من الحديث نفي السترة ، ووجه الحافظ
بقوله (١ / ٥٧١ - ٥٧٢ ) :
أنه
وكأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته
كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنّزة أمامه . ثم أيَّد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي
جحيفة . وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة ، وهو قوله بعد ذكر الحربة :
((وكان يفعل ذلك في السفر))، وقد تبعه النووي فقال في ((شرح مسلم)) في
كلامه على فوائد هذا الحديث : فيه أن سترة الإمام سترة لمن خلفه . والله أعلم)).
والوجه الآخر: أن قول ابن عباس في هذا الحديث: ((إلى غير جدار))؛ قد
اختلف الرواة عن مالك فيه ، فمنهم من ذكره عنه ، ومنهم من لم يذكره ، وها أنا
(١) وكذا قال ابن دقيق العيد في ((شرح عمدة الأحكام)) (٢ / ٤٥٨).
٦٨٦

أذكر أسماءهم :
أولاً : الذين ذكروه :
١ - إسماعيل بن أبي أويس . البخاري (٧٦ ).
٢ - عبد الله بن يوسف. البخاري ( ٤٩٣).
٣ - عبد الله بن مسلمة. البخاري (٨٦١)، وبعضهم لم يذكره عنه ؛ كما
سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى .
٤ - مطرف بن عبد الله. السراج في ((مسنده)) (٣ / ٤١ /٢)، وهذا فيما
يغلب على الظن ؛ فإن النسخة المصورة لم يظهر فيها ما بين عبد الله بن مطرف
وعبيد الله بن عبد الله .
٥ - ابن بکیر .
ثانياً : الذين لم يذكروه :
١ - يحيى بن يحيى. في ((موطأ مالك)) (١ / ١٧١)، وعنه مسلم (٢ /
٥٧ )، والبيهقي (٢ / ٢٧٧).
٢ - ابن القاسم عنه. في ((المدونة)) (١ / ١١٤)، وكذا النسائي في ((الكبرى))؛
كما في (( تحفة الأشراف)) (٥ / ٥٩).
٣ - يحيى بن قزعة. البخاري ( ٤٤١٢).
٤ - القعنبي: عبد الله بن مسلمة. أبو داود ((صحيح أبي داود)) (رقم ٧٠٩)،
والبيهقي (٢ / ٢٧٧).
٦٨٧

٥ - ابن وهب. أبو عوانة في ((صحيحه)) (٢ / ٦٠)، وابن خزيمة في
((صحيحه)) (٨٣٤)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٢٦٦).
٦ - عبد الرحمن بن مهدي. ابن خزيمة أيضاً وأحمد (١ / ٣٤٢).
٧ - أحمد بن أبي بكر. ابن حبان (٤ / ٥٥ / ٢٣٨٦ - الإحسان)، والبغوي
في (( شرح السنة)) (٢ / ٢٤٩).
قلت : فأنت ترى أن هؤلاء الذين لم يذكروا تلك الزيادة أكثر عدداً وأجل قدراً
من أولئك الذين ذكروها ، وبخاصة أن فيهم من هو ألصق بالإمام مالك ، وبرواية
((الموطأ)) أشهر؛ مثل يحيى بن يحيى - وهو النيسابوري -، وعبد الله بن وهب ،
وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي على الخلاف عليه فيها
كما تقدم .
الأمر الذي يلقي في النفس أن روايتهم أصح ، أو - على الأقل - هو مما يبعد
القول بجواز أنهم لم يحفظوا تلك الزيادة عن مالك ، كما أن اتفاق أولئك الثلاثة
على روايتها عنه يبعد القول أيضاً بجواز خطئهم على مالك فيها .
فالأقرب إلى الصواب أن يقال : إن مالكاً رحمه الله هو نفسه كان يذكرها تارة ،
ولا يذكرها أحياناً ، فحفظ كل من هؤلاء وهؤلاء ما سمعوا منه . وكأن البيهقي أشار
إلى هذه الحقيقة عقب رواية ابن بكير التي فيها هذه الزيادة بقوله :
(( وهذه اللفظة ذكرها مالك بن أنس رحمه الله في هذا الحديث في ( كتاب
المناسك ) ، ورواه في ( كتاب الصلاة ) دون هذه اللفظة ، ورواه الشافعي رحمه الله
عنه في القديم كما رواه في ( المناسك ) ، وفي الجديد كما رواه في ( الصلاة))).
٦٨٨

قلت : ولم أر في ( مناسك الموطأ ) هذا الذي ذكره البيهقي ، والله سبحانه
وتعالى أعلم .
هذا ؛ ولعل في رواية الإمام الشافعي للحديث دون الزيادة في مذهبه الجديد ما
يشير إلى أن الإمام مالكاً كان يرويه كذلك في آخر أمره ، وسواء ثبت هذا أو لم
يثبت ، فهو الراجح عندي واللائق بمنزلة الإمام مالك في العلم والحفظ ؛ لمتابعة
جمع من الثقات والأئمة الحفاظ له على رواية الحديث دون الزيادة ، ولا بأس من
ذكر أسماء الذين وقفت عليه منهم ، مع التخريج :
١ - ابن أخي ابن شهاب ( واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم ) . البخاري
(١٨٥٧)، وأحمد (١ / ٢٦٤)، والسراج في ((مسنده)) (٣ / ٢٤١).
٢ - يونس بن يزيد. مسلم (٢ / ٥٧)، وأبو عوانة (٢ / ٦٠)، والبخاري
تعليقاً (٤٤١٢،١٨٥٣).
٣ - سفيان بن عيينة . مسلم أيضاً وأبو عوانة وأبو داود ( رقم ٧٠٩ - صحيحه )،
والنسائي (٢ / ٦٤)، والدارمي (١ /٣٢٩)، وابن ماجه (٩٤٧) ، وابن خزيمة
في ((صحيحه)) (٨٣٣)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٦٦ / ١٦٨)، والطحاوي
في ((شرح المعاني)) (١/ ٢٦٦)، والبيهقي (٢/ ٢٧٦)، وأحمد (١ / ٢١٩)،
والحميدي ( ٢٧٥)، وابن أبي شيبة (١ / ٢٧٨، ٢٨٠)، وأبو يعلى (٤ / ٢٦٩/
٢٣٨٢) ، والسراج أيضاً .
٤ - معمر بن راشد. عبد الرزاق ( ٢ / ٢٩ / ٢٣٥٩)، ومن طريقه مسلم وأبو
عوانة وابن خزيمة ، وأحمد (١ / ٣٦٥) عنه وعن عبد الأعلى ، وصححه
·الترمذي (رقم ٣٣٧) .
٦٨٩

قلت : فاتفاق كل هؤلاء الثقات على عدم ذكر تلك الزيادة مما لا يجعل النفس
تطمئن لثبوتها ؛ بل إن ذلك لما يرجح بكل تأكيد أنها شاذة غير محفوظة ، حتى ولو
فرض اتفاق الرواة عن مالك بذكرها ، فكيف وقد اختلفوا عليه فيها ، فكيف
وأكثرهم على عدم ذكرها كما سبق بيانه ، والشذوذ يثبت بأقل من هذا؛ كما لا
يخفى على العلماء العارفين بهذا الفن الشريف .
ولذلك؛ أعرض عنها جمهور المؤلفين في ((الصحيح))؛ كمسلم وأبي عوانة
وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم؛ بل إن ابن خزيمة أشار في «صحيحه » إلى عدم
ثبوتها ؛ بجزمه أنه * كان يستتر بالحربة ؛ كما تقدم كلامه عند تخريج حديث
عبد الكريم ، وقال أيضاً بعد أن ساق الحديث دون زيادة ، ونفی أن یکون النبي
رأى الأتان تمر بين يدي الصفوف (٢ / ٢٥):
علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان
(( فإن كان في الخبر أن النبي
* كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي # قد
خلفه ؛ فجائز أن تكون سترة النبي
كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى ، ولو كانت سترته لا تكون سترة لمن خلفه ؛
لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة كاستتار النبي : بها ، فحمل العنزة للنبي
خط* يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه؛ كالدال على أن سترة الإمام
تکون سترة لمن خلفه )) .
وختاماً أقول: تبين مما تقدم أنه لا يصح حديث صريح في صلاته م﴿ إلى
غير سترة ، والزيادة التي عند البخاري ليست صريحة في ذلك ، وعلى التنزل فهي
شاذة لا تصح، ولذلك؛ أعرض عنها جمهور المؤلفين في (( الصحيح))، والله أعلم.
( تنبيه ): لقد عزا كثير من المؤلفين حديث ابن عباس بزيادة البخاري للمتفق
٦٩٠

عليه ؛ كالحافظ عبد الغني المقدسي في ((عمدة الأحكام))، ومر عليه شراحه ؛
كابن دقيق العيد والصنعاني (٢ / ٤٥٥ - ٤٦٥)، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن
آل بسام في (( تيسير العلام))، ومحمد فؤاد عبد الباقي في (( اللؤلؤ والمرجان فيما
اتفق عليه الشيخان)) (١ / ١٠٠ / ٢٨٢)، وبالغ ابن تيمية ( الجد ) فقال في
(( المنتقى)) :
(( رواه الجماعة))!
ومر عليه الشوكاني أيضاً في ((شرحه)) (٣ / ١٢)!
٥٨١٥ _ (إنَّ أهلَ المعروف في الدنيا هُمْ أهلُ المعروفِ في الآخِرَةِ،
وإنَّ أولَ أهلِ الجنةِ دُخُولاً الجنةَ أهلُ المعروفِ ) .
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ٣١٢ /٨٠١٥):
حدثنا يحيى بن محمد الحنائي : ثنا شيبان بن فروخ : ثنا عيسى بن شعيب
عن حفص بن سليمان عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي أمامة
مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً، وفيه علل :
الأولى : عيسى بن شعيب - وهو أبو الفضل البصري الضرير -؛ قال ابن حبان
في ((الضعفاء)) (٢ / ١٢٠) :
((كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه ، فلما غلبت الأوهام على حديثه استحق
الترك )).
٦٩١

ونقله مختصراً الذهبي في (( الضعفاء والمتروكين)) وأقره .
الثانية : حفص بن سليمان ؛ أخشى أن يكون أبا عمر القارئ الكوفي وسكن
بغداد ؛ فإنه من هذه الطبقة ، وهو متروك الحديث ، ويحتمل أن يكون حفص بن
سليمان المنقري البصري الثقة ؛ فإنه قريب من هذه الطبقة . والله أعلم .
الثالثة والرابعة: يزيد بن عبد الرحمن وأبوه ؛ فإني لم أعرفهما ، وإليهما أشار
الهيثمي بقوله في ((المجمع)) ( ٧ / ٢٦٣) :
((رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه)).
ومن غرائبه أنه قال في حديث آخر رواه الطبراني قبيل هذا بالسند نفسه ، ومع
ذلك قال - الهيثمي - (٣ / ١١٥):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، وإسناده حسن)) !
ولم يتنبه لهذا التناقض والخطأ صاحبنا الشيخ السلفي في تعليقه على
الطبراني ، وقد نقل عن الهيثمي حكميه المتناقضين على الحديثين وهما بين يديه
بإسناد واحد !
ثم رأيت المنذري في (( الترغيب)) (٢ / ٣١) قد حسنه أيضاً، فظننت أنه هو
سبب خطأ الهيثمي ؛ أي أنه اعتمد عليه في التحسين ، ولم يبحث عن رجال
إسناده ، ولو أنه فعل ؛ لم يقل - إن شاء الله - ما قال في الأول . والله أعلم .
لكن الشطر الأول منه صحيح ، جاء عن جمع من الصحابة ، خرجت أحاديث
بعضهم في (( الروض النضير)) (١٠٢٠، ١٠٨٢).
٦٩٢

٥٨١٦ - (كانَ لا يزيدُ في الركعَتَيْنِ على التَّشَهُّدِ )(*).
منكر. أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (١ / ٣٣٧) من طريق عبد السلام
ابن حرب عن بُدَيل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، وله علتان :
الأولى : الانقطاع بين أبي الجوزاء وعائشة ؛ فإنه لا يعرف له سماع منها ؛ كما
قال ابن عبد البر وغيره .
والأخرى : تفرد عبد السلام بن حرب بهذا السياق ، وهو إن كان ثقة حافظاً
فله مناكير؛ كما في (( التقريب )).
قلت : وهذا منها في نقدي ؛ فإنه قد خولف في متنه ؛ فقال الطيالسي في
(«مسنده)) (١٥٤٧): حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي - بصري ثقة صدوق -
عن أبيه عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت :
((كان رسول الله { ﴿ يستفتح الصلاة بالتكبير ... )) الحديث ، وفيه :
(( وكان يقول في كل ركعتين التحيات ... )) الحديث.
وقد تابعه حسين المعلم عن بديل به .
أخرجه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة ( ٦٩٩) ، وابن حبان ( ١٧٦٥ - الإحسان )
في ((صحاحهم))، وهو رواية لأبي يعلى (٤٦٦٧)، وهو مخرج في ((الإرواء))
(٣١٦)، و ((صحيح أبي داود)) (٧٥٢).
(*) كتب الشيخ الألباني - رحمه الله - بخطه فوق هذا المتن: ((تقدم برقم (٥٦٢٣، ٥٦٢٤))).
. ( الناشر) .
٦٩٣

( تنبيه): خفيت هاتان العلتان على المعلق على (( مسند أبي يعلى))، فقال
في ((الموضعين)): ((إسناده صحيح))! وقلده السقاف فيما أسماه بـ (( صحيح
صلاة النبي ◌َ )) (ص ١٩٧)، وكذلك المعلق على ((المقصد العلي)) (١ /
١٧١ / ٣٨٥)، وكذلك الحافظ الهيثمي إلا أنه انقلب عليه اسم تابعيه! فقال في
((مجمع الزوائد)) (٢ / ١٤٢):
((رواه أبو يعلى من رواية أبي الحويرث عن عائشة، والظاهر أنه خالد بن
الحويرث، وهو ثقة ، وبقية رجاله رجال ( الصحيح ))).
قلت : فتحرف عليه أو على كاتب نُسخته ( أبو الجوزاء ) إلى أبي الحويرث !
وخالد بن الحويرث؛ لم أر من كناه بأبي الحويرث، ولا في « کنی الدولابي»،
ولا أنه روى عن عائشة !
ثم هو لا يعرف؛ كما قال ابن معين ، وإن ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤ /
١٩٨ ).
ثم إنه قد ثبت زيادة الصلاة على النبي ◌َ في التشهد ، وكذا الدعاء في
الجملة ، فراجع (( صفة الصلاة)).
ونحو حديث الترجمة حديث ابن إسحاق قال : حدثني عن تشهد رسول الله
ته في وسط الصلاة وفي آخرها عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عن
أبيه عن عبد الله بن مسعود قال :
علمني رسول الله ◌َ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها ، فكنا نحفظ عن
عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله علمه إياه ، قال : فكان يقول إذا جلس في
وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى :
٦٩٤

التحيات لله ... ( فذكر التشهد ) قال :
ثم إن كان في وسط الصلاة ؛ نهض حين يفرغ من تشهده ، وإن كان في آخرها
دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ، ثم يسلم .
أخرجه أحمد (١ / ٤٥٩)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١ / ٣٥٠ / ٧٠٨)
من طريق يعقوب ( وهو ابن إبراهيم بن سعد ) قال : حدثني أبي عن ابن
إسحاق ..
قلت : وهذا إسناد حسن ، صرح به ابن إسحاق بالتحديث ، فأمن تدليسه ،
ولذلك؛ حسنه صاحبنا الدكتور الأعظمي فيما علقه على ((الصحيح))، وأما ذاك
السقاف فصححه بكل صفاقة ( ص ١٩٦ )! ولكن في هذا السياق نكارة من وجهين :
الأول: قوله: ((في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى))؛ فإنه
مخالف لحديث أبي حميد الساعدي الصريح في الافتراش في وسط الصلاة ،
والتورك في آخرها . رواه البخاري ( ٤٤٨ - مختصره).
وليس هذا فقط ؛ بل إن ابن إسحاق نفسه قد اضطرب في هذه الجملة ؛ فقد
قال ابن خزيمة عقبه :
((قوله: (( ... وفي آخرها على وركه اليسرى))؛ إنما كان يجلسها في آخر
صلاته لا في وسطها ؛ كما رواه عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق ، وإبراهيم بن
سعيد الجوهري عن يعقوب بن إبراهيم )) .
قلت : رواية عبد الأعلى تقدمت عنده برقم (٢ ٧٠ )، وهي ظاهرة فيما ذكر؛
فإنها بلفظ :
٦٩٥

(( كنا نحفظه عن عبد الله بن مسعود كما نحفظ حروف القرآن : الواو ،
والألف ، فإذا جلس علی ورکه اليسرى ؛ قال :
((التحيات لله ... ))، ثم يدعو لنفسه وينصرف)).
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٠ / ٦٤ / ٩٩٣٢) .
ورواية الجوهري صريحة في ذلك على اختصارها الشديد ؛ فإنها عنده ( ٧٠١ )
بلفظ :
(( أن رسول الله
كان يجلس في آخر صلاته على وركه اليسرى» .
وهذه الرواية الأخيرة إذا حملت على رواية البخاري الموضحة أن التورك في
التشهد الثاني الأخير؛ استقام معناها ، وإلا ؛ فهي منكرة بإطلاقها .
والآخر: قوله: ((نهض حين يفرغ من تشهده)).
فإنه أولاً: مخالف لكل طرق حديث ابن مسعود في تعليمه ## إياه صيغة
التشهد، وقد استقصى الحافظ الطبراني طرقه أو أكثر طرقه عنه في (المعجم الكبير))؛
فقد عقد له باباً خاصاً؛ خلافاً لغالب عادته في المجلد العاشر ( ص ٤٨ - ٧٠ رقم
٩٨٨٣ - ٩٩٤٢).
وثانياً : هو مخالف لطريق أبي الأحوص عن ابن مسعود في هذا التعليم بلفظ :
((إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: (( التحيات لله ... ثم ليتخير من الدعاء
أعجبه إلیه ، فليدع به )) .
ورواه غيره أيضاً بسند صحيح ، وقد خرجته في (« الصحيحة » ( ٨٧٨ ) ، وله
٦٩٦

شاهد ذكرته في ((صفة الصلاة )) الطبعة الجديدة .
وهذا الحديث من جملة أحاديث كثيرة لابن إسحاق ، لا يسع الواقف عليها
والباحث فيها إلا أن يشهد للحافظ الذهبي بسعة حفظه ، ودقة نقده للرجال ؛ فإن
المعروف عند المتأخرين أن ابن إسحاق إذا صرح بالتحديث فقد جاوز القنطرة ، ونجا
حديثه من العلة ، وليس ذلك على إطلاقه ! فتأمل قول الحافظ الذهبي بعد أن
ساق أقوال الموثقين والجارحين لابن إسحاق في (( ميزانه)):
(( فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث ، صالح الحال ، صدوق ، وما
انفرد به ففيه نكارة ؛ فإن في حفظه شيئاً ، وقد احتج به أئمة ، فالله أعلم ، وقد
استشهد مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق ، ذكرها في ( صحيحه ))).
قلت : فاظفر بهذا التحقيق ، وعض عليه بالنواجذ ، ولا يغرنك حماسة بعض
القاصرين والناشئين الذين يتسرعون إلى إنكار ما لم يحيطوا بعلمه ، كالاحتجاج
ببعض المبادئ العامة التي جهلوا أنها ليست على إطلاقها وشمولها ؛ كهذا الذي
شرحناه من حال ابن إسحاق ، والله أعلم .
٥٨١٧ - ( يا عائشةُ! أَرْخِي عَلَيَّ مِرْطَكِ . قالتْ: إني حَائضٌ . قال:
علَّةً وبُخْلاً! إنَّ حَيْضَتُكِ ليستْ فِي يَدَيْكِ ) .
منكر. أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٧ / ٤٥٨) من طريق حماد عن
أبي حمزة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة : أن رسول الله
فوجد القر، فقال : ... فذكره .
کان يصلي
ومن هذه الطريق أخرجه أبو نعيم في « الحلية)) (٤ / ٢٣٩) وقال مُضَعَّفاً:
٦٩٧

ء
((غريب من حديث إبراهيم ، لم يروه عنه إلا أبو حمزة ميمون)).
قلت: وهو ضعيف اتفاقاً، وإلى ذلك أشار الذهبي بقوله في ((الكاشف)):
(( ضعفوه)). وقال الحافظ :
-- -
(( ضعيف)).
فالعجب من الهيثمي في قوله (٢ / ٥٠):
(( رواه أبو يعلى، وإسناده حسن))!
فلعله توهمه غيره ، وإلا ؛ فالحديث منكر ، لأنه قد جاء من طرق عن عائشة :
◌ُ قال لعائشة :
أنه ءَ
(( ناوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسجدِ ». قالت: إني حائضٌ . فقال:
((إن حيضَتَكِ ليستْ في يَدِكِ)).
أخرجه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((الإرواء)) (١٩٤)، وهو رواية لأبي
يعلى ( ٤٤٨٨، ٤٦٦٦)، وله شاهد من حديث أبي هريرة وميمونة، وهما
مخرجان في المصدر المذكور .
فهذا هو المحفوظ ، ليس فيه ذكر المرط و(( علة وبخلاً)).
٥٨١٨ - ( لَمَّا أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ العِبَادِ؛ جُعِل في الحَجَرِ ، فَمِنَ الوَفاءِ
بالبيعَةِ استلامُ الحَجَرِ ) .
موضوع. أخرجه الدولابي في ((الذرية الطاهرة)) (ق ٢٧ / ٢) من طريق
٦٩٨

سعيد بن خُثيم عن إسماعيل بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها
مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد منكر؛ بل موضوع؛ آفته إسماعيل بن أبي يحيى ، وهو
الكعبي ؛ قال ابن عدي (١ / ٣٣١):
((حدث عن جماعة من الثقات مناكير)). وقال ابن حبان في ((الضعفاء))
(١ / ١٣٧ ) :
(( روى عنه علي بن معبد، ينفرد عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات،
ويأتي عن الأئمة المرضيين بما هو من حديث الضعفاء والكذابين ، لا تحِلُّ الرواية
عنه إلا على سبيل الاعتبار)).
ثم غفل ابن حبان عن هذا، فذكره في ((الثقات)) أيضاً (٨ / ١٠٩)؛ من
رواية علي بن معبد عنه، وانتقده لذلك الحافظ في ((اللسان))، وقال الذهبي في
((الميزان)) :
((هالك )).
٥٨١٩ - (أنتَ أَعْلَم. قاله لمنْ سأَلَهُ عن أَفْضَلِ الأعمالِ ، فأجابه بـ
((الجهاد في سبيلِ الله)). قال الرجل: فإنَّ لي والِدَّيْنِ. قال ◌َ﴿ه: «آمُرُكَ
بالوالدَّيْنِ خيراً)). قال: والذي بعثَكَ بالحقِّ نبياً! لأُجَاهدَنَّ،
ولأَتْرُكَنَّهُما . قال : ... فذكره ).
منكر. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٥٨ - موارد)، وأحمد (٢ /
٧٢) من طريقين عن حيي بن عبد الله : أن أبا عبد الرحمن حدثه : أن عبد الله
٦٩٩

ابن عمرو قال :
إن رجلاً جاء إلى النبي عليه ، فسأله عن أفضل الأعمال؟ فقال رسول الله
: الصلاة . ثم قال : مه ؟ قال :
((الصلاة)). ثم قال : مه ؟ قال :
((الصلاة )) . ( ثلاث مرات ) . قال : فلما غلب عليه ؛ قال رسول الله
: :
((الجهاد في سبيل الله)). قال الرجل :... الحديث.
قال الهيثمي (١ / ٣٠١) بعد أن عزاه لأحمد :
(( وفيه ابن لهيعة ، وهو ضعيف ، وقد حسن له الترمذي ، وبقية رجاله رجال
( الصحيح ) )) .
قلت : ابن لهيعة لم يتفرد به ؛ كما تقدمت الإشارة إليه ؛ فقد تابعه ابن
وهب : عند ابن حبان .
وإنما علة الحديث حيي بن عبد الله ، وهو:
أولاً: ليس من رجال (( الصحيح)).
وثانياً: مختلف فيه، وقال الحافظ في (( التقريب)):
((صدوق يهم)) .
:
قلت : فهو وسط ، فمثله يحسن حديثه ؛ إلا عند المخالفة ، وأنا أرى - خلافاً
للحافظ - أنه وهم في هذا الحدیث مرتین :
٧٠٠