Indexed OCR Text
Pages 81-100
٥٥٥١ _ ( لَيْسَ صَغِيرٌ بِصَغِيرٍ مَعَ الإصْرَارِ، وَلَيْسَتْ كَبِيْرَةٌ بكَبِيرةٍ مَعَ
الاسْتِغْفَارِ، طُوبى لمنْ وَجَدَ في كتابِهِ يومَ القيامَةِ استغفاراً كثيراً )(١).
موضوع. أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) ( ص ٦٨٣ ) من طريق
بشر بن عبيد الراسبي : ثنا أبو عبد الرحمن العنبري عن مكحول عن أبي سلمة
عن أبي هريرة مرفوعاً به .
قلت : وهذا موضوع ؛ آفته الراسبي هذا ؛ قال الذهبي :
(( كذبه الأزدي . وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الأئمة بيِّن الضعف جداً)).
ثم ساق له ثلاثة أحاديث منكرة ، وقال :
(( وهذه أحاديث غير صحيحة، فالله المستعان )). ثم أتبعها بحديث رابع ، وقال :
((وهذا موضوع )).
وبه أعله الحافظ السخاوي في ((المقاصد))، فقال:
((وهو متروك)).
قلت : وشيخه أبو عبد الرحمن العنبري ؛ لم أعرفه .
وللحديث بعض الشواهد دون جملة الاستغفار، وقد تكلم عليها في ((المقاصد))
( ص ٤٦٧ / ١٣٠٨) ، فليراجعها من شاء .
(١) صحَّحَ الشيخ - رحمه الله - الفقرة الأخيرة منه في ((صحيح الجامع)) برقم (٣٩٣٠)،
و ((صحيح الترغيب والترهيب)) برقم (١٦١٨ - ط : المعارف).
أما الفقرةُ الأولى، وكذا الوسطى منه؛ فقد سبقتا برقم (٤٤٧٤، ٤٨١٠) من هذا الكتاب .
. ( الناشر ) .
٨١
٥٥٥٢ - ( مَسْأَلَةُ الغَنِيِّ شَيْنٌ في وَجْهِهِ ، [ ومَسْأَلَةُ الغَنِيِّ نار،] إِنْ
أُعْطِيَ قليلاً فقليلٌ ، وإن أعطِيَ كثيراً فكثيرٌ ) .
منكر بهذا التمام. أخرجه البزار في ((مسنده)) (١ / ٤٣٥ / ٩٢٢ - كشف
الأستار)، وأبو الشيخ في ((الأقران)) (٢ / ١)، والطبراني في ((الكبير)) (١٨ /
١٧٥ / ٤٠٠) من طرق عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن عمران بن حصين
مرفوعاً . وقال البزار - والزيادة له - :
((لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن عمران، وإسماعيل ليس بالقوي)).
قلت: وهو المكي أبو إسحاق؛ قال في (( التقريب)):
((ضعيف الحديث)).
قلت : وقد خالفه جمع من الثقات ؛ فرووه عن الحسن به ؛ دون الزيادة وما
بعدها ، وزادوا :
(( يوم القيامة)).
أخرجه أحمد (٤ / ٤٢٦، ٤٣٦)، والطبراني في «الكبير)) (١٨ / ١٦٤ /
٣٦٢) وفي ((الأوسط)) (٢ /١/٢١٦ /٨٣٤٢).
وجوَّد المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ٣) إسناده !
وفيه نظر؛ لأن الحسن - وهو البصري - مدلس وقد عنعنه في كل الطرق عنه .
لكن هذا القدر من الحديث له شاهد صحيح من رواية ثوبان مرفوعاً ؛ كما بينته في
((التعليق الرغيب)).
٨٢
ثم وجدت لإسماعيل متابعاً، وهو أبو حمزة العطار قال : ثنا الحسن عن
عمران بتمامه دون زيادة البزار .
أخرجه الطبراني ( ١٨ / ١٦٢ / ٣٥٦).
وأبو حمزة اسمه إسحاق بن الربيع البصري ؛ ضعفه جمع ، منهم عمرو بن
علي قال :
« ضعيف الحديث )) . وقال ابن عدي :
« ومع ضعفه یکتب حديثه )) .
وهذان النصان من هذين الإمامين يدفعان قول الحافظ في ((التقريب»:
٤
(( تُكُلِّم فيه؛ للقدر )).
وبالجملة ؛ فالحديث بتمامه لا يزال في مرتبة الضعف ؛ لعدم الشاهد .
٥٥٥٣ - ( تَوَضَّأَ تَ ◌ّهِ، فَمَسَحَ أَسْفَلَ الحُفِّ وَأَعْلاه) .
منكر بزيادة ( الأسفل ). أخرجه أحمد ( ٤ / ٢٥١): ثنا الوليد بن
مسلم : ثنا ثور عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة به .
وأخرجه أبو داود ( ١٦٥ ) : حدثنا موسى بن مروان ومحمود بن خالد
الدمشقي ، والترمذي (١ / ١٦٢ / ٩٧ - شاكر): حدثنا أبو الوليد الدمشقي
- واسمه أحمد بن عبد الرحمن بن بكار البسري ؛ ثقة -، وابن ماجه (١ / ١٩٥):
حدثنا هشام بن عمار، وابن الجارود (رقم ٨٤)، والطبراني في ((مسند الشاميين))
(ص ٤١٩) من طريق عبد الله بن يوسف، والدارقطني في ((سننه)) (١ / ١٩٥/
٨٣
٦ و٧) عن داود بن رشيد وعيسى بن أبي عمران، والبيهقي (١ / ٢٩٠) عن
الحكم بن موسى وداود بن رشيد وأحمد بن يحيى بن إسحاق الحلواني ، والطبراني
في ((الكبير)) (٢٠ / ٣٩٦ / ٩٣٩) عن الهيثم بن خارجة وعبد الله بن يوسف،
وكذا في ((مسند الشاميين)) (ص ٨٣)؛ كلهم قالوا : ثنا الوليد بن مسلم به .
إلا أنهم اختلفوا عليه في إسناده :
فمنهم من قال عنه : ( عن ) في جميع الرواة فيه ، كعبد الله بن يوسف
والحكم بن موسى والهيثم بن خارجة .
ومنهم من صرح بالتحديث عن بعضهم ، ثم اختلفوا عليه فيه :
فأکثرهم قال : عنه : ثنا ثور ... کما في رواية أحمد ، وتابعه محمود بن خالد
الدمشقي وأبو الوليد الدمشقي وهشام بن عمار - وهو دمشقي أيضاً - - وكذلك وقع
في (( مسند الشاميين )) - عن ابن يوسف وابن خارجة .
وخالفهم جميعاً داود بن رشيد ، فقال : عنه عن ثور بن يزيد : ثنا رجاء بن
حیوة . فذکر التحدیث بین ثور ورجاء ، ولیس بین الولید وثور .
لكنه في رواية الحلواني عنه قال: ( عن رجاء ). فلم يذكر التحديث بين ثور
ورجاء ، فهو في ذلك موافق لرواية أحمد والثقات الذين معه .
فتكون روايته هذه أرجح من الأولى التي فيها التحديث بين ثور ورجاء . فتكون
شاذة لمخالفته فيها الثقات الذين تابعوه في روايته عن الوليد بن مسلم ، وخالفوه في
ذكره التحديث بين ثور ورجاء، ولم نجد له متابعاً؛ اللهم إلا ما في ((التلخيص))
لابن حجر (١ / ١٥٩)؛ قال :
٨٤
((وذكر الدارقطني في ((العلل)» أن محمد بن عيسى بن سُمَّيْع رواه عن ثور
كذلك )» .
قلت : لكن ابن سمیع هذا لا يحتج به ؛ کما قال ابن أبي حاتم عن أبيه ( ٤ /
٣٨/١)، وقال الحافظ في ((التقريب)):
« صدوق يخطئ)).
ولذلك؛ قال الدارقطني في ((العلل)) - كما في ((نصب الراية)) (١ / ١٨١)
وغیرہ ـ :
(« هذا حديث لا يثبت ؛ لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد [ قال: حدثتُ عن
:
رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن النبي {﴿] مرسلاً [ ليس فيه المغيرة])).
وما بين القوسين سقط من الأصل، استدركته من (( سنن الدارقطني)). وهو
تلقاه عمن قبله ؛ كأحمد والبخاري ؛ كما يأتي .
وقال الأثرم :
(« سمعت أحمد بن حنبل يضعّف هذا الحديث ، ويذكر أنه ذكره لعبد الرحمن
ابن مهدي ، فذكر عن ابن المبارك عن ثور قال : حدثت عن رجاء ... )» فذکر مثل
ما تقدم عن الدارقطني(١) .
وتتابع المحدثون الأئمة على إعلال هذا الحديث بعلة الانقطاع ؛ فقال أبو داود
عقب الحديث :
(( بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء )) . وقال الترمذي :
(١) ورواه ابن حزم في ((المحلى)) (٢ / ١١٤) بسنده عن أحمد .
٨٥
(( وهذا حديث معلول : لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم ،
وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل ( يعني : الإمام البخاري ) عن هذا الحديث ؟
فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك ... )) إلخ ما تقدم عن الدارقطني ؛ إلا أنه
وقع في الترمذي خطأ نبه عليه الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في تعليقه على
((الترمذي)) (١ / ١٦٤)؛ فراجعه إن شئت .
وقال ابن أبي حاتم في «العلل)) (١ / ٥٤ / ١٣٥) عقب الحديث عن أبيه :
((ليس بمحفوظ ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح)).
قلت : وفيه إشارة إلى أن في الحديث علة أخرى وهي في متنه ؛ فإن المحفوظ
ـي* مسح على الخفين . ليس فيها ذكر
عن المغيرة من طرق كثيرة جداً : أنه
الأسفل . بل في بعضها: ((على ظاهرهما)). وإسناده حسن صحيح كما كنت
بينته في ((صحيح أبي داود)) (رقم ١٥١، ١٥٢)، ونقل الحافظ في ((التلخيص))
أن البخاري قال في (( التاريخ الأوسط»:
((وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة )).
قلت : ويؤكد ذلك أن عبد الملك بن عمير قد رواه عن ورَّاد كاتب المغيرة عن
المغيرة ، ولم يذكر أسفل الخف .
كذلك رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عنه ؛ كما نبه عليه الدارقطني في
((العلل))، وحكاه عنه الحافظ ابن حجر في ((النكت الظراف على الأطراف)) (٨ /
٤٩٧ - ٤٩٨ ) .
وإسماعيل هذا؛ وإن كان ضعيفاً؛ فقد تابعه الحكم بن هشام الثقفي : حدثني
٨٦
عبد الملك بن عمير به .
أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٢٠ / ٣٩٠ / ٩٢٣) من طريقين عنه .
والحكم هذا ؛ صدوق ، فالإسناد جيد .
وعزاه أخونا السلفي لأحمد وأبي داود والترمذي ! وهو تساهل منه ، فإنما
أخرجوه من الطريق السابقة عن الوليد بن مسلم ...!
هذا ؛ وإن مما يزيد الأمر تأكيداً: أنه قد روى المسح على الخفين عن المغيرة نحو
ستين رجلاً؛ كما حكاه الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٣٠٧) عن البزار ، ورواه معه
من الصحابة أكثر من الثمانين - ومنهم العشرة المبشرون بالجنة -، ولذلك؛ صرح
جمع من الحفاظ بتواتره عن النبي ﴿ ، وقد ساق أحاديث كثيرين منهم : ابنُ
أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ١٧٥ - ١٨٤)، ولحديث المغيرة عنده طرق،
وكذلك عند النسائي في ((الكبرى)) (١/ ٤٣، ٤٤، ٥٩، ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٨،
٧١، ١٠٠ - ١٠١)، كما استوعب الكثير منها عنه: الطبراني في ((الكبير)) (٨٥٨،
٨٦٤ - ٨٨٢، ٨٨٧ - ٨٨٩، ٩٤٤ - ٩٤٦، ٩٦٣، ٩٧١، ٩٧٦، ٩٨٥، ٩٩٠، ٩٩٢
- ٩٩٧، ١٠٠٠ - ١٠٠٢، ١٠٠٥ - ١٠٠٧، ١٠١٨، ١٠٢٨ - ١٠٤١، ١٠٥٠، ١٠٥١،
١٠٦٢ - ١٠٦٤، ١٠٧٨ - ١٠٨١، ١٠٨٥) وفي ((الأوسط)) أيضاً (رقم ٥٢٩، ١١٣٣،
١٣٠٩، ١٣٩٢، ٢٠٢٨، ٢٨٠٥، ٣٢٥٨، ٣٥٩٢، ٣٦٦٩، ٣٧٦٣، ٥٢٧٢، ٥٤٢٠،
٥٤٥٢، ٥٥٣٥، ٩٠٩٦، ٩٢٦٤ - بترقيمي).
أقول : فعدم ورود زيادة المسح أسفل الخفين في هذه الروايات المتواترة عن
الصحابة بصورة عامة ، وعن المغيرة بصورة خاصة إلا في رواية الوليد هذه ؛ فهو مما لا
يدع أي شك في شذوذها حسب قواعد علم الحديث الشريف .
٨٧
وهذا لو كان إسناد الوليد بها صحيحاً ، فكيف وقد أعله الأئمة - كما تقدم .
بالإرسال والانقطاع !
أما الإرسال ؛ فليس مسلماً عندي ؛ لمجيئه موصولاً من طريق عبد الملك بن
عمیر عن وراد ؛ لكن ليس فيه الزيادة كما سبق بيانه .
وكنت أود أن أفسر قولهم بالإرسال هنا بالانقطاع الذي هو من معانيه عند
المتقدمين من علمائنا .
وبه فسره الإمام البغوي في ((شرح السنة)) (١ / ٤٦٣) ؛ فقد قال بعد أن
ذكر الحديث معلقاً :
(« والحديث مرسل ؛ لأنه يرويه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب
المغيرة عن المغيرة . وثور لم يسمع هذا من رجاء )) .
كنت أود أن أفسره بالانقطاع ؛ لكن ظاهر كلامهم المتقدم صريح بأن الإرسال
فيه غير الانقطاع ، فهما عندهم علتان .
وثمة علة ثالثة عند أبي حاتم ، وهي في المتن كما سبق بيانه ، وهي علة قادحة
كما شرحنا . ومثلها : الانقطاع ، والمقصود به ما بين ثور ورجاء ؛ كما تقدم في رواية
ابن المبارك .
وقد أجاب عن هذه العلة ابنُ التركماني في (( الجوهر النقي))، وتبعه أبو
الحسن السندي في (( حاشية ابن ماجه )) ، ثم الشيخ أحمد شاكر في تعليقه - وقلده
المعلق على (( شرح السنة )) للبغوي ۔ فقالوا - واللفظ لأحمد شاكر -:
((إن الوليد بن مسلم كان ثقة حافظاً متقناً، فإن خالفه ابن المبارك في هذه
٨٨
الرواية ؛ فإنما زاد أحدهما على الآخر، وزيادة الثقة مقبولة)) !
قلت : لقد فات هؤلاء كلهم - وبخاصة أحمد شاكر منهم - أمران هامّان جداً
في هذا الحديث :
الأول : أن قاعدة ( زيادة الثقة مقبولة ) ليست على إطلاقها عند المحققين من
المحدِّثين وغيرهم ؛ بل الصواب الذي صرح به الحافظ ابن كثير وابن حجر وغيرهما :
تقييدها بما إذا لم يخالف الثقة من هو أوثق منه أو أكثر عدداً . وإلا ؛ كانت شاذة
مردودة ، وسواء كان ذلك في الإسناد أو المتن ، ولذلك؛ اشترطوا في تعريف
الحديث الصحيح :
(( أن لا يشذ)).
وعلى ذلك جروا في كتب العلل والتخريجات وغيرها ، كما يعلم ذلك من
درس ذلك دراسة واعية . ومن لم يتنبه لهذا القيد ، أو لم يأخذ به ؛ كان مضطرباً
أشد الاضطراب في التصحيح والتضعيف ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً لا ضرورة
للتوسع في ذكرها ، وحسبك الآن - مثلاً - هذا الحديث ؛ فقد أعله ابن حزم بمخالفة
الوليد بن مسلم لعبد الله بن المبارك ، تابعاً في ذلك الإمام أحمد وغيره ممن سبق
ذكرهم ، فأصاب ؛ لكنه لم يشعر أنه خالف قاعدته التي قررها في كتابه (« الإحكام
في أصول الأحكام))، وهي الأخذ بزيادة الثقة مطلقاً؛ فقال (٢ / ٩٠ - ٩٦):
(( إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره ، فسواء انفرد بها ، أو شاركه فيها
غيره ، مثله أو دونه أو فوقه؛ فالأخذ بتلك الزيادة فرض ... ))!
وفي هذا الحديث يقول في (( المحلى)):
٨٩
(( أخطأ فيه الوليد بن مسلم في موضعين ... )).
ثم ساق بإسناده إلى أحمد روايته عن عبد الله بن المبارك عن ثور قال : حُدَّثت
عن رجاء ... إلخ؛ كما تقدم ، ليس له دليل على التخطئة سوى مخالفته لابن
المبارك الذي هو أحفظ من الوليد. فأصاب تفريعاً وأخطأ تأصيلاً؛ بخلاف أحمد
شاكر؛ فإنه مع تأييده لابن حزم في قاعدته المذكورة في كتابه (( الباعث الحثيث ))
(ص ٦٨) خالف المحدثين جميعاً؛ فقدم رواية الوليد على رواية ابن المبارك!
فأخطأ تأصيلاً وتفريعاً !
والأمر الآخر : أن الرواة اختلفوا على الوليد بن مسلم في مكان تصريحه
بالتحديث في إسناد هذا الحديث ؛ فمنهم من ذكره بينه وبين ثور بن يزيد ، ومنهم
من ذكره بین ثور ورجاء بن حيوة .
فهو إسناد مضطرب ، والمضطرب من أقسام الحديث الضعيف ؛ إلا إذا ترجُّحت
رواية على أخرى ، وكانت الرواية الراجحة سالمة من علة أخرى تستوجب ضعفها .
وليس الأمر كذلك هنا ؛ فقد بينا في مطلع هذا التخريج أن الرواية الراجحة إنما
هي التي صرح فيها الوليد بالتحديث بينه وبين شيخه ثور بن يزيد ، ولم يصرح
بذلك بین ثور ورجاء ، بل عنعنه ، وأنت إذا تذكرت أن الولید بن مسلم کان یدلس
تدليس التسوية ؛ علمت أن الحديث يضعف بهذه العنعنة وحدها ، فلا يكفي
تصريحه بالتحديث بينه وبين شيخه ؛ بل لا بد أن يصرح به بين شيخه وشيخ
شيخه أيضاً ، ولهذا؛ قال الحافظ في ((تخريج المختصر)) (ق ٢١ / ٢) في حديث
آخر :
(( وإسناده على شرط الصحيح ؛ فقد صرح الوليد بالتحديث له ولشيخه ، فَأُمِنَ
٩٠
التدليسُ والتسويةُ)).
فكيف إذا انضم إلى ذلك تصريح الإمام ابن المبارك بالانقطاع في هذا الموضع
نفسه؟!
( فائدة): قال عبد الله بن أحمد في ((مسائله)) (ص ٣٣ - طبع المكتب
الإسلامي ) :
(( سمعت أبي سئل عن المسح كيف هو ؟ قال :
خططاً بالأصابع؛ كذا سمعنا . وأشار بيده ، وكان أبي لا يذهب إلى أن يمسح
أسفل الخفين)).
قلت : وهذا مما يؤكد ضعف الحديث عند أحمد كما لا يخفى .
٥٥٥٤ - ( كانَ قَبْلَ أَن يَبْني المسْجِدَ يُصَلِّي إلى خَشَبَةٍ، فلما بنَى
المسجدَ بُنِيَ له مِحْرَابٌ، فتقدَّم إليه، فَحَنَّتِ الخشَبَةُ حَنِينَ البعيرِ، فَوَضَعَ
رسولُ الله ◌َّهِ يدَهُ عليها ، فسَكَنَتْ ) .
منكر. أخرجه الطبراني في «الكبير» (٦ / ١٥٥ / ٥٧٢٦) عن عبد المهيمن
ابن عباس بن سهل بن سعد : حدثني أبي عن جدي قال : ... فذكره .
قلت: وهذا إسناد واه؛ عبد المهيمن؛ قال الذهبي في (( الميزان)):
(( قال البخاري : منكر الحديث . وقال النسائي : ليس بثقة . وقال الدارقطني :
لیس بقوي » .
قلت : والسند إليه صحيح ، فهو من منكراته ؛ لأن قصة الخشبة وحنينها
٩١
صحيحة مشهورة من رواية جمع من الصحابة ، إن لم تكن متواترة لكثرة طرقها
وتعدد مخارجها، وفيها كلها أن ذلك كان حين اتُّخِذَ المنبر للنبي ﴿ وانتقل في
خطبته من الخشبة إليه ، وليس فيها ذكر للمحراب مطلقاً ! فهو من أوهام
عبد المهيمن بن عباس ، وكأنه كان يضطرب في روايته لهذه القصة .
فقد أخرجها ابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ٢٥١)، والطبراني أيضاً (٥٧٢٧ )
من طريقين آخرين عن عبد المهيمن به مختصراً بذكر المنبر ؛ دون حنين الخشبة .
وكذلك رواه عبد الله بن عمر العمري عن العباس بن سهل به ؛ أتم منه .
أخرجه أحمد (٥ / ٣٣٧)، وعنه الطبراني (٥٧٣٢).
وتابعهما سعد بن سعيد بن قيس عن عباس بن سهل به مطولاً ، وفيه ذكر
المنبر والحنين .
أخرجه ابن سعد والبيهقي في ((الدلائل)) (٢ / ٥٥٩) بإسناد جيد على
شرط مسلم .
وتابعه على قصة المنبر: أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد به ، وفيه صلاته
زه على المنبر ، وفيه :
فلما فرغ ؛ أقبل على الناس ، فقال :
(( أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولِتَعْلَمُوا صلاتي)).
أخرجه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٢ / ٧٤)، وابن خزيمة في ((صحيحه))
(١٥٢١ و١٥٢٢)، وابن سعد (١ / ٢٥٢ -٢٥٣)، وأحمد (٥/ ٣٣٩)،
والطبراني ( ٥٧٥٢، ٥٧٩٠، ٥٨٨١، ٥٩١٣، ٥٩٧٧، ٥٩٩٢)، وأبو نعيم في
٩٢
((الدلائل )) (ص ٣٤٣) من طرق عن أبي حازم به .
وفي بعض طرقه عند الطبراني :
(( فلما جَلَسَ عليه ؛ حَنَّتِ الخشبةُ التي كان يقومُ عليها ، فجاءَ فوضعَ يدَهُ
عليها حتى سَكَّنَتْ )) .
وهي زيادة صحيحة ثابتة في رواية بعض الصحابة المشار إليهم آنفاً ، وهي عند
أبي نعيم أيضاً في ((دلائل النبوة)) ( ص ٣٤٣) مثل رواية الطبراني ، والدارمي
(١ /١٩) مختصراً، ومعناها أشار إليه أحمد في روايته بلفظ :
(( فقيل لسهل بن سعد : هل كان من شأن الجِذْع ما يقول الناس ؟ قال : قد
كان منه الذي كان )) .
وإسناده صحيح على شرط مسلم .
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قد أفاض في (( تخريج المختصر)) في تخريج حديث
حنين الخشبة والمنبر بأسانيده عن جمع من الصحابة ( ق ٥٢ / ١ - ٥٧ / ٢)،
ونقل عن البيهقي أنه قال :
(( أمره ظاهر، نقله الخلف عن السلف ، وإيراد الأحاديث فيه كالتكلّف . يعني
لشدة شهرته . وهو کما قال ؛ فقد وقع لنا من حديث :
١ - عبد الله بن عمر
٢ - وعبد الله بن عباس
٣ - وأنس بن مالك
٩٣
٤ - وجابر بن عبد الله
٥ وسهل بن سعد
٦ - وأبي بن كعب
٧ - وأبي سعيد
٨ - وعائشة
٩ - وأم سلمة)).
ثم أفاض في تخريجها وذكر طرقها وألفاظها ، وكلها ليس فيها ذكر المحراب،
حديثٌ،
فثبتت نكارته ، ولا يصح في المحراب وأنه كان في مسجده ؟
وللسيوطي في ذلك رسالة نافعة مطبوعة . فلتراجع .
٥٥٥٥ _ ( لولا أنَّ بني إسرائيلَ قالُوا: ﴿وَإِنَّا إنْ شاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾؛
ما أُعْطُوا أبداً، ولو أنهم اعْتَرَضُوا بَقَرَةً من البَقَرِ فذَبَحُوها؛ لأجْزَأَتْ
عنهم ، ولكن شَدَّدُوا فشدد اللهُ عليهم ) .
منكر. أخرجه ابن مردويه في (( تفسيره)) - كما في (( تفسير ابن كثير))،
و ((تخريج المختصر)) لابن حجر (ق ١٧٢ / ١) - من طريق سرور بن المغيرة بن
أخي منصور بن زاذان عن عباد بن منصور عن الحسن عن أبي رافع عن أبي
هريرة مرفوعاً .
وأخرجه البزار في «مسنده » (ق ٢٠٠ / ٢ - كشف الأستار)، وتمام في
((الفوائد)) (١٢ / ٢) ومن طريقه ابن حجر وابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد
٩٤
الحداد أحمد بن داود : ثنا سرور بن المغيرة به مختصراً . وقال البزار :
((لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد)).
قلت : وهو ضعيف ؛ فيه علل ثلاثة :
الأولى : عنعنة الحسن البصري .
الثانية: ضعف عباد بن منصور وعنعنته أيضاً؛ قال الحافظ في ((التقريب)):
(( صدوق ، رمي بالقدر، وكان يدلس ، وتغير بآخره )).
وبه أعله الحافظ في (( تخريج الكشاف )) ؛ لكنه أجمل القول فيه ، فقال ( ٤ /
٨ ) :
(( وفي سنده عباد بن منصور، وفيه ضعف)).
الثالثة: سرور بن المغيرة؛ ليس بالمشهور؛ أورده ابن أبي حاتم في (( الجرح))
(٢ /١ / ٣٢٥) برواية الحداد هذا عنه ، وقال عن أبيه :
((شيخ))! ولم يزد، وقال الذهبي في ((الميزان)):
« ذکړه الأزدي وتكلم فيه ».
وأما ابن حبان؛ فذكره في «الثقات)»! وهو عمدة الهيثمي في توثيقه بقوله
في ((المجمع)) (٦ / ٣١٤):
((رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات))!
على أن أبا سعيد الحداد هذا تركه أبو حاتم وغيره ؛ فقال ابنه (١ / ١ / ٥٠)
٩٥
عنه وعن أبي زرعة :
((أدركناه ، ولم نكتب عنه )).
لكن وثقه ابن معين وابن سعد؛ كما في ((تاريخ بغداد)) (٣ / ١٣٩)،
فالعلة ممن فوقه ، لا سيما وقد توبع ؛ كما يشعر بذلك قول ابن كثير بعد أن ذكره
من طريقه :
((ورواه الحافظ ابن مردويه في (( تفسيره)) من وجه آخر عن سرور بن
المغيرة ... )) إلخ . ثم قال عقبه مبيناً ضعفه :
(( وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي
هريرة ، كما تقدم مثله عن السدي )) .
ولذلك ؛ فإنه قد أساء الشيخ الصابوني كل الإساءة حين أورد الحديث في
((مختصره)) (١ / ٧٧)! فأوهم القراء بذلك أنه صحيح كما نص عليه في
المقدمة! على ما كنت شرحت ذلك في مقدمة المجلد الرابع من (( الصحيحة))، ثم
زاد في الإيهام بحذفه تضعيف ابن كثير إياه ، واقتصاره على تخريج الحديث فقط
في حاشيته! فهذا أسلوب جديد منه في الكذب على رسول الله عليه وعلى.
العلماء! فليُضَم إلى ما كنت ذكرته عنه هناك . والله المستعان .
ثم إن الحديث قد أخرجه ابن حجر بسند صحيح عن عبيدة بن عمرو
السلماني قال :
كان في بني إسرائيل رجل عقيم ... القصة ، وفيها الحديث بنحوه موقوفاً
عليه ، فهو من الإسرائيليات ، قال ابن حجر عقبها :
٩٦
(( ورواه عمرو بن الأزهر عن هشام بن حسان ، فقال : عن محمد بن سيرين
عن عبيدة وأبي هريرة. ذكره الدارقطني في ((العلل ))، وقال: وهم عمرو في ذكر
أبي هريرة .
قلت ( هو ابن حجر) : وهو ضعيف جداً؛ لكن له طريق أخرى عن أبي هريرة
مرفوعة متصلة مختصرة ... )) .
قلت : ثم ساق حديث الترجمة .
وعمرو بن الأزهر هذا؛ له ترجمة سيئة جداً في ((الميزان)) و((لسانه ))، حتى
قال الإمام أحمد :
(( كان يضع الحديث )) . وقال يحيى :
((كان كذاباً ضعيفاً)). وقال أبو سعيد الحداد المتقدم:
((كان يكذب مجاوبة ... لا أكثر في المسلمين مثله)).
٥٥٥٦ - (لِدُوا للمَوْتِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ ).
ضعيف. وهو قطعة من حديث أخرجه البيهقي في (( شعب الإيمان)) (٧ /
٣٩٦ / ١٠٧٣١) من رواية موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي حكيم
مولى الزبير رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ :
(( ما من صباح يصبح على العباد إلا وصارخٌ يصرخُ : لِدوا للموت ، واجمعوا
الْلْفَنَاء، وابنوا للخرابِ » .
وضعفه الحافظ ابن حجر في (( تخريج المختصر)) بقوله ( ق ٢٠٢ / ١ ) :
٩٧
« هذا حدیث غریب ، وموسی وشیخه ضعیفان ، وأبو حکیم مجهول ، وقد
أخرج الترمذي من طريق موسى هذا بهذا الإسناد حديثاً غير هذا واستغربه )) .
قلت : يشير إلى الحديث المتقدم ( ٤٤٩٦) بلفظ :
(( ما من صباح يصبح العبد إلا ومناد ينادي: سبحان الملك القدوس)).
وقد بينت هناك أن محمد بن ثابت هذا ليس هو البناني الضعيف ، وإنما هو
آخر مجهول تفرد بالرواية عن أبي حكيم وعنه موسى بن عبيدة ، ولا هو أيضاً
محمد بن ثابت العبدي كما وقع في ترجمة أبي حكيم هذا من (( تهذيب
التهذيب)) لابن حجر! وكأنه سبق قلم منه؛ فإنه ليس في ((تهذيب المزي )):
( العبدي ) .
ومن الغريب أن يتتابع المخرجون لهذا الحديث على تقليد الحافظ ابن حجر في
تضعيفه في ((تخريج المختصر)) لمحمد بن ثابت هذا دون أن يتنبهوا أنه واهم في
ذلك، وأنه المجهول الذي صرح به في ((التقريب))! كالحافظ السخاوي في ((المقاصد
الحسنة)) (٣٣٢ / ٨٥٥)، وعلي القاري في ((الموضوعات الكبرى» (ص ٢٧٧ -
تحقيق الصباغ)، والمناوي في ((فيض القدير))، والشيخ الحوت في ((أسنى
المطالب)) (ص ١٦٨)، والعجلوني في (( كشف الخفاء)) وغيرهم !! والله
المستعان .
ومن المفارقات العجيبة التي وقفت عليها في هذا الحديث قول الزرقاني في
((مختصر المقاصد الحسنة)) (١٥٧ / ٧٩١) إنه حديث صحيح! وهذا مما لم يقله
أحد قبله ، وأظنه أُتِيَ من ظاهر كلام السخاوي في حديث أبي هريرة الآتي كشاهد
لهذا .
٩٨
ويقابل هذا ما نقله الشيخ القاري - وقلده الشيخ القاوقجي في (( اللؤلؤ المرصوع))
(ص ٦٢) - عن الإمام أحمد أنه قال في حديث الترجمة :
(( هو مما يدور في الأسواق! ولا أصل له)) !
وفي صحة هذا النقل عن الإمام أحمد نظر عندي ؛ لسببين :
الأول : أنني لم أره في شيء من المصادر القديمة المعتمدة .
والآخر : أن المروي عن الإمام أحمد أنه قال :
* في الأسواق ليس لها أصل ...
أربعة أحاديث تدور على رسول الله
فذكرها ، وليس منها حديث الترجمة . رواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ /
٢٣٦ ) بسنده عنه .
ومع ذلك؛ فقد قال الحافظ العراقي في (( التقييد والإيضاح)) (ص ٢٢٣) -
وأقره السيوطي في ((اللآلي)) - (٢ / ١٤٠):
(( لا يصح هذا الكلام عن الإمام أحمد ؛ فإنه أخرج حديثاً منها في
((المسند)) ... )) إلخ، فراجعه إن شئت؛ فإنه لم يتعرض لنقده من حيث
إسناده . فلينظر .
هذا ؛ وقد روي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ :
((إِن ملكاً بباب من أبواب الجنة يقول: مَنْ يُقْرِضُ اليوم؛ يُجْزَ غداً ... )).
الحديث .
٩٩
أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٥ - ٣٠٦)، وابن حبان (٨١٥)، والطبراني في
((المعجم الأوسط)) (٨ / ٣٨٠ / ٨٩٣٥ - الحرمين) من طرق عن حماد بن سلمة
عن إسحاق بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه به ؛ دون حديث
الترجمة. ومن هذا الوجه: أخرجه النسائي في (( الكبرى)) ، والطبراني في
((الأوسط)) (٢ / ٢٦٩ /٢ /٩٠٩٨) وقال:
« تفرد به حماد)) .
قلت: وهو ثقة إمام، ولذا؛ قال الحافظ في ((تخريج المختصر)):
(( حديث صحيح)).
قلت: وهو في (( الصحيحة)) (٩٢٠ ) من رواية ابن حبان .
وقبله من رواية الشيخين من طريق أخرى عن أبي هريرة نحوه .
وله في (« الأوسط)) طريق أخرى عن أبي هريرة مختصراً؛ لكن فيه (٢ / ١٦٤ /
١ / ٧٥٠٨) و(٢٣٦/٧ / ٧٣٧٤ - حرمين) داود بن الزبرقان؛ وهو متروك.
ثم قال الحافظ :
((وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) [ ١٠٧٣٠ ] من رواية مؤمل بن إسماعيل
عن حماد بن سلمة به ، وزاد :
وإن ملكاً بباب آخر يقول: يا أيها الناس! هَلُمُّوا إلى ربكم ؛ فإن ما قَلِّ وكفى
خير مما كثر وألهى . وإن ملكاً بباب آخر ينادي : يا بني آدم ! لدوا للموت ، وابنوا
للخراب)) .
١٠٠