Indexed OCR Text
Pages 761-780
ثم ساق عدة روايات موقوفة على علي رضي الله عنه ، وأتبعها بقوله : ((وقد وافق عليّاً رحمة الله عليه في روايته عن رسول الله عَ ليه بدم التجارة جماعة من الصحابة ، نذكر ما صح عندنا من ذلك سنده )) . ثم ساق عدة أحاديث في أن التجار هم الفجار إلا من بَرَّ وصدق ، ونحو ذلك ، وبعضها مخرج في (( الصحيحة)) (٣٦٦). ولكن إن كان هذا يشهد لما في حديث الترجمة من ذكر التاجر ؛ فإنه لم يُجب عن الأمر الآخر الذي أورده هو على نفسه ؛ وهو الشك في الراوي عن عليَّ: ثعلبة ابن يزيد أو العكس ؟! فإن كان الأول ؛ فقد عرفت قول البخاري وغيره فيه ، وإن كان الآخر فمن هو ؟ ولا نعلم في الرواة من يسمى يزيد بن ثعلبة . ولا يخفى أن الطبري رحمه الله لا تتم دعواه إلا بعد أن يجيب عن الشك المذكور بترجيح أحد طرفيه ، ثم بيان أن الذي رجحه ثقة عند المحدثين ! وهذا ما لم يفعله ، فنحن على الضعف الذي ظهر لنا ، حتى يتبين لنا ما يضطرنا إلى الانتقال إلى ما ذهب إليه الإمام الطبري من الصحة . والله أعلم . ( تنبيه): قوله: ((المسبوقون))! كذا في رواية الطيالسي وأحمد في الموضع الأول . وفي الرواية الأخرى له وابنه عبد الله : ((الُسَوِّفون ))؛ وكذا في رواية ثعلبة عند الطحاوي ؛ خلافاً لرواية الطبري عنه ؛ فإنها باللفظ الأول . وهذا الاختلاف مما قد يزيد في ضعف الحديث ؛ لأنه يدل على أن راويه لم يضبطه . والعلم عند الله تعالى . ٧٦١ ٥٤٤٨ _ ( ﴿ يمحو الله ما يشاءُ﴾؛ إِلاّ الشقاوةَ، والسعادةَ، والحياةَ ، والموتَ ) . ضعيف. أخرجه الطبراني في (( الأوسط )) ( رقم ٩٦٢٦ - مصورتي ) من طريق محمد بن جابر عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال : سمعت النبي .. فذكره . وقال : يقول : . ((لم يروه عن ابن أبي ليلى إلا محمد بن جابر ، ولا رواه عن نافع إلا ابن أبي لیلی )». قلت : وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي الفقيه ، وهو صدوق سيئ الحفظ جدّاً؛ كما قال الحافظ في (( التقريب)). ونحوه الراوي عنه : محمد بن جابر - وهو الحنفي اليمامي -؛ قال الحافظ أيضاً : ((صدوق ، ذهبت كتبه ؛ فساء حفظه وخلط كثيراً، وعمي فصار يلقن ، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة )) . وبه وحده أعله الهيثمي ، فقال في ((المجمع)) (٧ / ٤٣): (( وهو ضعيف من غير تعمد كذب )) . ولذلك؛ جزم السيوطي في (( الدر المنثور)) (٤ / ٦٦) بأن سنده ضعيف، وعزاه لابن مردويه أيضاً . وتبعه على ذلك الشوكاني في ((فتح القدير)) (٣ / ٨٥). ٧٦٢ ويحتمل عندي احتمالاً قوياً أن أصل الحديث موقوف على ابن عباس ؛ أخطأ في إسناده ورفعه : محمد بن جابر عن ابن أبي ليلى ؛ فقد خالفه سفيان وغيره من الثقات فرووه عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به موقوفاً . أخرجه ابن جرير في (( التفسير)) (١٦ / ٤٧٨ - شاكر). ونسبه السيوطي لعبد الرزاق أيضاً، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ((الشعب)). وقد رواه ابن جرير عن مجاهد أيضاً مقطوعاً . وسنده صحيح . وكأنه تلقاه عن ابن عباس رضي الله عنه فإنه من تلامذته . وثبت خلافه عن عمر وغيره ، فروى ابن جرير (١٦ / ١٨١ - ١٨٢ ) من طريق أبي حكيمة عن أبي عثمان النَّهْدِي : أن عمر بن الخطاب قال - وهو يطوف بالبيت ويبكي -: اللهمَّ ! إن كنت كتبت عليَّ شِقوةً أو ذنباً؛ فامحه ؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب ، فاجعله سعادة ومغفرةً . ورواه البخاري في (( التاريخ الكبير)) (٤ / ٦٣) في ترجمة عصمة أبي حكيمة هذا. وقد قال فيه ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٢٠) عن أبيه : ((محله الصدق)) . وذكره ابن حبان في (( الثقات)). والظاهر أنه قد توبع ؛ فقد رواه ابن جرير من طريق معتمر عن أبيه عن أبي حكيمة عن أبي عثمان ، وأحسبني قد سمعته من أبي عثمان مثله . ٧٦٣ وأبو المعتمر : اسمه سليمان بن طَرْخان التيمي ، وهو ثقة من رجال الشيخين . ثم روى ابن جرير من طريق شَريك عن هلال بن حُمَيد عن عبد الله بن عُکَیم عن عبد الله أنه كان يقول : اللهم ! إن كنت كتبتني في السعداء ؛ فأثْبتني في السعداء ؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب . ورجاله ثقات ؛ لولا ضعف حفظ شريك ؛ لكنه يتقوى بطريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول : اللهم! إن كنت كتبتني في أهل الشقاوة ؛ فامحني ، وأثبتني في أهل السعادة . رواه ابن جرير، والطبراني في « الكبير» ( ٨٨٤٧). ورجاله ثقات رجال مسلم إلا أن أبا قلابة لم يدرك ابن مسعود ؛ كما قال الهيثمي (١٠ / ١٨٥)، ولكنه شاهد قوي للطريق الموصولة قبله . والله أعلم. ولعل الواسطة بينهما أبو وائل شَقِيق بن سَلَمة ؛ فقد روى الأعمش عنه : أنه كان يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات . رواه ابن جرير بسند صحيح عنه . وكان أبو وائل من أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود . واعلم أن المفسرين اختلفوا اختلافاً كثيراً في تفسير آيتي ( الرعد ) : ﴿لكل ٧٦٤ أَجَلِ كتابٌ . يمحو الله ما يشاء ويثبتُ وعندَهُ أُمُّ الكتاب ﴾ على أقوال كثيرة ، ء استوعبها الشوكاني في (( الفتح))، وذكر بعضها ابن جرير، ثم ابن كثير، واختار هذا ما هو أقرب للسياق ؛ فقال : ((أي : لكل كتاب أجل ، يعني : لكل كتاب أنزله الله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين، فلهذا: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾: منها: ﴿ويثبت﴾؛ يعني : حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه )) . فالمحو والإثبات فيهما خاص بالأحكام في الكتب المتقدمة أو في الشريعة المحمدية ، ينسخ منها ما يشاء ، ويثبت ما يشاء . وهو يلتقي مع ما رواه ابن جرير (١٦ / ٤٨٥) وغيره بسند فيه ضعف عن ابن عباس: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾، قال : من القرآن ؛ يقول : يُبَدّل الله ما يشاء فينسخه ، ويثبت ما يشاء فلا يبدله . وعنده أم الكتاب ﴾ ، يقول : وجملة ذلك عنده في أم الكتاب ، الناسخ والمنسوخ ، وما يبدل وما يثبت ، كل ذلك في كتاب . وقد وجدت ما يقويه من رواية عكرمة عن ابن عباس ، من وجهين عن عكرمة : الأول : رواه يزيد النحوي عنه عن ابن عباس ؛ في قوله : ﴿ما تَْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو تُنْسِها نَأْتِ بخيرٍ منها أو مِثْلِها﴾، وقال: ﴿وإذا بَدَّلنا آيةً مكانَ آيةٍ واللهُ أعلمُ بما يُنَزِّلُ ... ﴾ الآية، وقال: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ ؛ فأول ما نسخ من القرآن القبلة ... الحديث. ٧٦٥ رواه النسائي أواخر ((الطلاق))، وأبو داود مختصراً. وإسناده حسن؛ كما هو مبين في ((الإرواء)) (٧ / ١٦١ / ٢٠٨٠). والآخر : رواه سليمان التيمي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ في قول الله عز وجل : ﴿ يمحو الله ما يشاء﴾، قال : من أحد الكتابين ؛ هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت. ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ ؛ أي : جملة الكتاب . رواه ابن جرير (١٦ / ٤٨٠، ٤٨١)، والحاكم (٢ / ٣٤٩). وقال: ((صحيح غريب)) . ووافقه الذهبي . قلت: وفي رواية لابن جرير (١٦ / ٤٩١) من طريق علي عن ابن عباس : وعنده أم الكتاب ﴾ ، يقول : وجملة ذلك عنده في أم الكتاب ؛ الناسخ والمنسوخ ، وما يبدل وما يثبت ، كل ذلك في كتاب . وفي سنده انقطاع وضعف . ثم اعلم أنه - وإن كان المحو والإثبات في الآية خاصّاً بالأحكام الشرعية ؛ كما تقدم -؛ فليس في الشرع ما ينفيهما في غيرها ، بل إن ظواهر بعض النصوص تدل على خلاف ذلك ؛ کمثل قوله چين : (( لا يرد القضاء إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر))؛ وهو حديث حسن مخرج في (( الصحيحة)) (١٥٤). وقوله +طلين : (( من أحب أن يُبْسَطَ له في رزقه ، وأن يُنْسَأَ له في أثره ( وفي بعض الطرق : ٧٦٦ في أجله )؛ فليَصلْ رَحِمَهُ)). متفق عليه، وهو مخرج في المصدر السابق برقم ( ٢٧٦ ) . وقد صح عن ابن عباس أنه قال : لا ينفع الحذر من القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر. أخرجه الحاكم (٢ / ٣٥٠) . وقال : ((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي . إذا عرفت ما تقدم ؛ فاعلم أن المحو المذكور والزيادة في الرزق والعمر ؛ إنما هو بالنسبة للقضاء أو القدر المعلق ، وأما القضاء المبرم المطابق للعلم الإلهي ؛ فلا محو ولا تغيير، كما كنت شرحت ذلك في تعليقي على ((مختصر مسلم)» للمنذري ( ص ٤٧٠ )؛ فراجعه فإنه هام ! ثم رأيت القرطبي قد أشار إلى ذلك في تفسيره ((الجامع))، فقال (٥ / ٣٣٢) : ((والعقيدة : أنه لا تبديل لقضاء الله ، وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء ، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعاً محتوماً - وهو الثابت -، ومنه ما يكون مصروفاً بأسباب - وهو الممحوُّ - والله أعلم . قال الغزنوي(١) : وعندي : أن ما في اللوح خرج عن الغيب ؛ لإحاطة بعض الملائكة ، فيحتمل التبديل ؛ لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال ، وما في علمه من تقدير الأشياء (١) قلت: الظاهر أنه عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي، الملقب بـ ( تاج الشريعة)، فقيه حنفي مفسر ، له (( تفسير التفسير)) ، أبدع فيه ؛ كما قال غير واحد ، توفي سنة (٥٨٢)؛ كما في (( الأعلام)) . ٧٦٧ لا يبدل)» . وإذا عرفت هذا ؛ سهل عليك فهم كثير من النصوص المرفوعة والآثار الموقوفة ، وقد تقدم بعضها ، وتخلصت من الوقوع في تأويلها . والله الهادي . ثم وقفت على كلام جيد لشيخ الإسلام ابن تيمية ، يؤيد ما ذهبت إليه في ((مجموع الفتاوى)) (٨ / ٥١٦ - ٥١٨، ٥٤٠، ٥٤١) و(١٤ / ٤٨٨ - ٤٩٢)، فراجعه ؛ فإنه مهم ! ٥٤٤٩ - (﴿ يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثْبتُ﴾ ؛ قال: يمحو مِنَ الرِّزْقِ ويزيدُ فیه ، ويمحُو مِنَ الأَجلِ ویزیدُ فيه ). ضعيف جدّاً. رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣ / ٥٧٤ ) : أخبرنا عفان ابن مسلم قال : أخبرنا همام بن يحيى عن الكلبي في قوله : ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ قال :... فذكره. فقلت له: من حدثك؟ قال: حدثني أبو صالح عن · 雞 جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي ورواه ابن جرير ( ١٦ / ٤٨٤ - ٤٨٥) من طريق أخرى عن عفان به . وهذا إسناد ضعيف جدّاً، إن لم يكن موضوعاً؛ آفته الكلبي هذا؛ فإنه سَبَئيٌّ متهم بالكذب ، بل قد اعترف هو بذلك . فروى ابن حبان (٢ / ٢٥٤): أخبرنا عبد الملك بن محمد قال: حدثنا عمر ابن شبّة قال : حدثنا أبو عاصم قال : قال لي سفيان الثوري : قال لي الكلبي : ما سمعته مني عن أبي صالح عن ابن عباس ؛ فهو كذب . ٧٦٨ ورجال هذا الإسناد ثقات؛ على ضعف في عبد الملك هذا - وهو الرقاشي -، وليس لفظه صريحاً بالاعتراف المذكور، لا سيما وقد رواه ابن أبي حاتم (٣ / ٢٧١): نا عمر بن شبّة بلفظ : زعم لي سفيان الثوري قال : قال لنا الكلبي : ما حدثت عني(١) عن أبي صالح عن ابن عباس ؛ فهو كذب ؛ فلا تَرْوِه . وهذا إسناد صحيح ، فهو يحتمل أن الكذب من أبي صالح؛ وهو المسمى ( باذام ) أو ( باذان ) مولى أم هانئ وهو صاحب التفسير الذي رواه عن ابن عباس ، ورواه عنه الكلبي هذا؛ كما في ((طبقات ابن سعد)) (٦ / ٢٩٦)، وهو ضعيف، أو أشد. انظر (( سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (رقم ٢٢٥ )، فكأن الكلبي يتهم بذلك أبا صالح نفسه! ويرجح هذا رواية أخرى عند ابن حبان أيضاً (٢ / ٢٥٥) بإسناده المتقدم بلفظ : .. عن سفيان قال : قال لي الكلبي : قال لي أبو صالح : كل ما حدثتك فهو كذب . ويقويه رواية يحيى بن سعيد عن سفيان قال : قال لي الكلبي : قال لي أبو صالح : کل شيء حدثتك ؛ فهو كذب . أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١ /١ /١٠١): قال لنا علي: حدثنا يحيى بن سعيد . وكذلك رواه في (( التاريخ الصغير)) ( ص ١٥٨). وهذا إسناد صحيح غاية ؛ فهو أصح من الأول ، لا سيما والرواية الأخرى منه (١) كذا الأصل! وفي ((تهذيب ابن حجر)) عن ابن أبي حاتم: ((عن))، ولعله الصواب. (الناشر). ٧٦٩ بمعناه ؛ فهو المعتمد . وقد سقط من رواية ((الميزان)) (تحقيق البجاوي) قوله: ((قال لي أبو صالح))؛ فصارت العبارة فيه : كل ما حدثتك عن أبي صالح ؛ فهو كذب ! والخلاصة: أن القائل: ((كل شيء حدثتك فهو كذب))؛ إنما هو أبو صالح ؛ وليس هو الكلبي ، وإنما هو الراوي لذلك عن أبي صالح ، ولذلك ؛ حذر من التحديث بذلك بقوله للثوري : فلا تَرْوِهِ . ومن البداهة في مكان : أن أبا صالح - على ضعفه - لا يُدَانُ بذلك ؛ لوهاء الكلبي؛ فتنبه ، ولا تتورط بما وقع في ((الميزان))؛ كما وقع لي فيما تقدم من الكلام على الحديث (١١١) من هذه ((السلسلة))، والمعصوم من عصمه الله تعالى ! . وجملة القول : أن حديث الترجمة ضعيف جدّاً؛ لأنَّ مداره على الكلبي عن أبي صالح ، وقد عرفت وهاءهما الشديد . ولهذا ؛ لم يحسن السيوطي بسكوته على الحديث في (( الدر المنثور)) (٤ / ٦٦)؛ لا سيما وقد وقع فيه : ... عن الكلبي رضي الله عنه! فأوهم أن الكلبي صحابي! وإنما هو من صغار التابعين ، والترضي خاص بالصحابة عرفاً . وأما أتباعهم فيترحم عليهم ؛ وما أدري إذا كان الكلبي السبئي يستحق الترحم عليه ؟! ( تنبيه): قد ذكر أبو السعود في ((تفسيره)) من الأقوال التي قيلت في تفسير ٧٧٠ آية ﴿ يمحو الله ما يشاء ... ﴾ قول : ((يمحو الأجل أو السعادة والشقاوة)) ، ثم قال : (( وبه قال ابن مسعود ، وابن عمر رضي الله عنهم ، والقائلون به يتضرعون إلى الله أن يجعلهم سعداء ، وهذا رواه جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام)) !! ففيه ثلاثة أخطاء : الأول: قوله: ((وابن عمر)) !. صوابه ((عمر))؛ كما تقدم في الحديث الذي قبله . الثاني: قوله: ((رواه جابر))؛ فليس لجابر إلا حديث الترجمة . الثالث : أطلق العزو لجابر؛ فأوهم أنه جابر بن عبد الله بن عمرو - لأنه المتبادر عند الإطلاق -، وليس به ، وإنما هو جابر بن عبد الله بن رئاب كما تقدم ، وكلاهما أنصارى ؛ فتنبه ! ٥٤٥٠ _ ( يا أبا بَكْرِ! بَرِدَ أَمْرُنا وصَلَحَ )(١). ضعيف جدّاً. رواه ابن أبي خيثمة في ((التاريخ)) ( ص ٢١ - مصورة الجامعة الإسلامية )، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٤ / ٧٣)، وابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢٨ / ٢)، والخطابي في ((غريب الحديث)) (ق ٣٣ / ١ - ظاهرية و١ / ١٨٠ - ١٨١ - جامعة أم القرى) عن الحسين بن حُرَيث : ثنا أوس ابن عبد الله بن بريدة: حدثني الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه : (١) كتب الشيخ - رحمه الله - فوق هذا المتن من الأصل: ((مضى برقم (٤١١٢))). (الناشر). ٧٧١ ـ لما توجه نحو المدينة؛ خرج بريدة الأسلمي في سبعين راكباً من أن النبي : أهل بيته من بني سَهْم، فيتلقى نبي الله ﴿ ليلاً. فقال له : ء (( من أنت؟)). قال : بريدة. فالتفتَ إلى أبي بكر ، وقال: (( يا أبا بكر! برد أمرنا وصلح)). ثم قال : ((من؟)). قال: مِنْ أَسْلَمَ. قال لأبي بكر: ((سَلِمنا)). ثم قال: ((ممن؟)). قال: من بني سهم . قال : ( خرج سهمك )) . قلت : وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ أوس هذا متروك ؛ كما قال الدارقطني . ونحوه قول البخاري : (( فيه نظر)). وله طريق أخرى ، ولكنها واهية أيضاً؛ لأنها من رواية عبد العزيز بن عمران : ثنا أفلح بن سعيد عن سليمان بن فروة عن أبيه عن بريدة الأسلمي به مختصراً؛ قال : لما أقبل رسول الله ◌َ ﴿ في مُهَاجَرِهِ؛ لقي ركباً ، فقال : (( يا أبا بكر! سل القوم ممن هم؟ ». قالوا : من أسلم . قال : (( سلمت يا أبا بكر! سلهم من أي أسلم؟ )). قالوا: من بني سهم . قال : ((ارم بسهمك يا أبا بكر!)). ٧٧٢ أخرجه البزار في ((مسنده)) (٢ / ٣٠١ - ٣٠٢ - كشف الأستار)، وقال: (( لا نعلم رواه إلا بريدة ، ولا نعلم له إلا هذا الطريق)) ! كذا قال! والطريق الأولى ترد عليه. وقد أعل هذه الهيثميُّ في ((المجمع)) (٦ / ٥٥ ) بقوله : (( وعبد العزيز بن عمران الزهري متروك)). ( تنبيه ) : كان الداعي إلى تخريج الحديث : أنني شرعت قريباً في أواسط شهر الله المحرم سنة (١٤٠٤) في اختصار كتاب ابن قيم الجوزية: ((تحفة المودود في أحكام المولود )) ، فمر بي هذا الحديث ، وقد عزاه في موضع لابن أبي خيثمة ، وفي آخر لأبي عمر بن عبد البر في ((الاستذكار))؛ ساكتاً عليه فيهما ، فتذكرت أن شيخه ابن تيمية كان قد ذكر طرفاً منه في كتابه (( الكلم الطيب )) الذي كنت حققته وخرجت أحاديثه ، ثم طبعته سنة ( ١٣٨٥ ) في المكتب الإسلامي ، ذكره مع أحاديث أخرى ( ص ١٢٥ - ١٢٧ ) قائلاً: (( هذه الأحاديث في ( الصحاح ))). فعلقت عليه يومئذٍ بأنني لم أعثر عليه ، وأبديت شكي في كونه في ((الصحاح))! والآن تأكدت من خطأ عزوه إليها ، وتبينت أن إسناد الحديث ضعيف جدّاً : والله تعالى هو الموفق الهادي . واعلم أن ابن أبي خيثمة : هو الحافظ أحمد بن زهير بن حرب النسائي البغدادي صاحب (( التاريخ الكبير))، فالظاهر أن ابن القيم منه نقله ، ومن طريقه : أخرجه ابن عبد البر في ((الاستذكار))؛ فقد رأيته أخرجه في ((الاستيعاب)) أيضاً في ترجمة بُرَيْدة بن الحُصَيب رضي الله عنه من رواية قاسم بن أصبغ قال : نا ٧٧٣ أحمد بن زهير : قال : نا حسين بن حريث عن الحسين بن واقد به ، وزاد في أوله : كان رسول الله عَالٍ لا يتطير، ولكن يتفاءل ، فركب بريدة في سبعين راكباً ... وهكذا أورده ابن القيم أيضاً في ((مفتاح دار السعادة)) - من رواية ((الاستذكار)) -: ((الحسين بن حريث عن الحسين بن واقد)) ؛ ليس بينهما ( أوس بن عبد الله ) المتروك! وكأنه سقط قديم من بعض النساخ، بدليل أنه زاد فيه - أعني: (( الاستذكار )) - عقب الحديث : ((قال أحمد بن زهير: قال لنا أبو عمار [ قلت: هو الحسين بن حريث ]: سمعت أوساً يحدث هذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن بريدة ، فأعدت ثلاثاً : من حدثك ؟ قال : سهل أخي )). قلت : فهذا صريح في أن ابن حريث سمع الحديث أولاً من أوس يحدث به عن ابن واقد ، ثم سمعه بعدُ منه عن أخيه سهل بن عبد الله ، وهو متروك أيضاً . فهذا يدلنا على أمرين : الأول : أن مدار الحديث عند ابن عبد البر في كتابيه على أوس . والآخر : أن أوساً كان يضطرب في إسناده : فمرة يرويه عن ابن واقد - وهو صدوق -، وأخرى عن أخيه سهل المتروك . ويؤيد الأول : أن السيوطي أورد الزيادة التي عند ابن عبد البرفي كتابه (( الجامع الصغير)) من رواية الحكيم ، والبغوي عن بريدة . ٧٧٤ فقال المناوي في (( شرحه)) عليه : ((ورواه عنه قاسم بن أصبغ ، وسكت عليه عبد الحق مصحِّحاً له . قال ابن القطان: وما مثله يصحح ؛ فإن فيه أوس بن عبد الله بن بريدة ، منكر الحديث)). وقد عرفت أن الحديث عند ابن عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ ؛ ففيه إذن أوس بن عبد الله ؛ وهومتروك . وقد خفي هذا على محقق (( الوابل الصيب)) لابن القيم - الشيخ إسماعيل الأنصاري -؛ فإنه مع كونه لم يفصح عن درجته ؛ خلافاً لما نص عليه في مقدمته ؛ فإنه تكلف جدّاً في تأويل عزو ابن تيمية الحديث هذا لـ (( الصحاح)) كما تقدم ، وقد تبعه ابن القيم في (( الوابل ))! بل وأوهم الشيخ القراء بأنه صحيح ، فقال : ((فيمكن أن يكون مرادهما بكونه في (( الصحاح)): أنه في الأحاديث الصحيحة؛ لأن عبارة ((في الصحيح)) قد تطلق على الصحيح المقابل للحسن والضعيف ، كما تطلق على ما في بعض الكتب التي التزم مؤلفوها فيها الصحة )) !! قلت : الإطلاق الآخر هو المتبادر والمعروف عند علماء الحديث . وأما الأول ؛ فغير معهود إلا نادراً جدّاً، ولقرينة قوية ، وإلا؛ كان تدليساً وتضليلاً ، وليس هنا في كلام الشيخين أية قرينة ، بل القرينة فيه تؤكد أنه بالمعنى المعروف؛ فإن الأحاديث التي أورداها في فصل ((الفأل والطيرة))، كلها في ((الصحاح)) بالمعنى المعهود ؛ فهذا يبعد أن يكونا أرادا بذلك المعنى النادر . ثم هب أن هذا هوالمراد ؛ فهل الحديث صحيح الإسناد ، حتى يؤول كلامهما بذاك التكلف البارد ؟! نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصدع بالحق ، وأن لا تأخذنا في ٧٧٥ ذلك لومة لائم ، ولا جلالة عالم . ثم إن مما يؤكد ضعف هذا الحديث : أن أوس بن عبد الله قد خالفه في متنه قتادة - الإمام الثقة - فرواه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً بلفظ آخر ، تراه مخرجاً في الكتاب الآخر: (( الصحيحة)) ( ٧٦٢) ، فليراجعه من شاء. ٥٤٥١ _ (إِنَّه سَيُولَدُ لكَ بعْدِي ولدٌ ، فسمِّه بِاسْمِي وكنِّهِ بكنْيتي . قاله لِعَلِيَّ ) . منكر بهذا اللفظ. أورده ابن القيم في ((تحفة المودود)) ( ص ٨٣ - ٨٤ - الهندية العربية) ساكتاً عليه، فقال: وقال ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)): ثنا ابن الأصبهاني : ثنا علي بن هاشم عن فطر عن منذر عن ابن الحنفية قال : قال رسول : ... فذكره ، وزاد : الله فكانت رخصة من رسول الله عَ ل لعلي . قلت : ورجاله ثقات ؛ على كلام في علي بن هاشم - وهو ابن البَرِيد -، وهو صدوق ، ولكنه شيعي ، وقد تكلم بعضهم فيه من قبل حفظه ، فقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٢ / ١١٠): (( كان غالياً في التشيع ؛ ممن يروي المناكير عن المشاهير؛ حتى كثر ذلك في رواياته ، مع ما يقلب من الأسانيد )). وجرى على ظاهر إسناده : الأخ عبد القادر أرناؤوط ؛ فقال في تعليقه على ((التحفة)) ( ص ١٤٣ - دار البيان ): ( وإسناده حسن ))! ٧٧٦ فلم يتنبه لكون ابن البريد قد خالفه الثقات في لفظه ، على ما فيه من ضعف في حفظه كما تقدم ، وهم : ١ - أبو أسامة حماد بن أسامة ؛ قال : عن فطر به ، ولفظه : قال علي للنبي ◌ٍّ: إِنْ وُلِدَ لي غلام بعدك؛ أسميه باسمك ، وأكنيه بكنيتك ؟ قال : (( نعم)) . أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨ / ٦٦٨) : حدثنا أبو أسامة به . ومن طريقه : أخرجه أبو داود ( ٤٩٦٧)، وعن هذا البيهقي (٩ / ٣٠٩). ٢ - وكيع بن الجراح ؛ قال : ثنا فطر به ، وزاد : لعلي . فکانت رخصة من رسول الله أخرجه أحمد ( ١ / ٩٥) : ثنا وكيع به . ٣ و٤ - قال ابن سعد في ((الطبقات)) (٥ / ٩١): أخبرنا الفضل بن دُكَيْن وإسحاق بن يوسف الأزرق قالا : حدثنا فطر بن خليفة به . والفضل بن دكين : كنيته أبو نعيم . ومن طريقه : أخرجه البيهقي ، وكذا الحاكم (٤ / ٤٧٨ ) ، وقال : (( صحيح على شرط الشيخين ))! ووافقه الذهبي. وأقول : إنما هو على شرط البخاري وحده ؛ فإن فطر بن خليفة لم يخرج له ٧٧٧ مسلم شيئاً؛ على أن البخاري روى له مقروناً . ٥ - أبو غسان ؛ قرنه الحاكم بأبي نعيم . ٦ - يحيى بن سعيد القطان : حدثنا فطر بن خليفة به . أخرجه الترمذي ( ٢٨٤٦ ) ، وقال : (( هذا حديث صحيح)) . ٧ - إبراهيم؛ وهو ابن موسى ، أبو إسحاق الفَرَّاء الرازي . أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٤٣) . قلت : فهؤلاء سبعةٌ ثقاتٌ حفاظ قد خالفوا عليَّ بنَ هاشم في لفظه ؛ فلم يرفعوه إلى النبي لة ، فلو أن واحداً منهم فقط خالفه ؛ لكان كافياً في الحكم على لفظه بالنكارة ، فكيف بهم مجتمعين ؟! وإنما يقع المرء في مثل هذا الخطأ : من وقوفه عند ظاهر السند ، دون إفراغ الجهد في تتبع الطرق والأسانيد والألفاظ ، والنظر فيها بعين الناقد البصير! وهذا ما يفعله الجم الغفير من المشتغلين بالتخريج في العصر الحاضر ، بل وفيما قبله أيضاً . واعلم أن الزيادة المتقدمة قد اتفق مَنْ ذكرنا من الثقات على ذكرها في الحديث دون الأول منهم ، وهي صريحة في أنها رخصة خاصة بعلي ◌َرَالشهر ، فلا يعارضها قوله ﴿چ *: ((تسمَّوا باسمي ، ولا تَكنَّوا بكنيتي)). متفق عليه. وقد قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٥٧٣ ) : ٧٧٨ ((رُوِّينا هذه الرخصة في ((أمالي الجوهري)). وأخرجها ابن عساكر في الترجمة النبوية من طريقه ، وسندها قوي)) . وقد عزا الحديث لابن ماجه أيضاً ، وهو وهم ! وتقوية الحافظ لسند الحديث فيه إشعار بأنه لم يرتضِ إعلال البيهقي إياه بالانقطاع . وقد رد عليه ابن التركماني في (( الجوهر النقي)) بما يوضح أن لا انقطاع فيه . فإن قال قائل : ألا يقوي حديث الترجمة ما رواه ابن سعد (٥ / ٩١ - ٩٢) : أخبرنا محمد بن الصلت وخالد بن مَخْلد قالا : حدثنا الربيع بن المنذر الثوري عن أبيه قال : وقع بين علي وطلحة كلام ، فقال له طلحة: لا كجرأتك على رسول الله خلال﴾! سميتَ باسمه ، وكنيت بكنيته، وقد نهى رسول الله ﴿ أن يجمعهما أحد من أمته بعده ؟ فقال علي : إن الجريء مَنِ اجترأ على الله وعلى رسوله ، اذهب يا فلان ! فادع فلاناً وفلاناً - لنفر من قريش -، قال : فجاءوا فقال : بمَ تشهدون ؟ قالوا : نشهد أن رسول الله عَ لٍ قال : ((إنه سيولد لك بعدي غلام ، فقد نحلته اسمي وكنيتي ، ولا تحل لأحد من أمتي بعده )) ؟ والجواب : لا ؛ لأسباب : الأول : أن الربيع بن المنذر الثوري لا يعرف حاله ؛ فقد ترجمه البخاري في ((التاريخ الكبير))، وابن أبي حاتم ، فلم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً . الثاني : أنه منقطع بين منذر الثوري وعلي رضي الله عنه . ويؤكد ذلك: أن الحاكم أخرجه في ((علوم الحديث)) ( ص ١٩٠) من طريق ٧٧٩ أخرى عن ابن الصلت قال فيه : عن أبيه - أظنه - عن ابن الحنفية . الثالث : أن لفظه مخالف أيضاً للفظ المحفوظ عن فطر بن خليفة برواية الثقات عنه كما تقدم ، وكذلك هو مخالف للفظ ابن الصلت عند الحاكم ؛ فإنه قال : .. فشهدوا أن رسول الله عَ ل رخص لعلي أن يجمعهما، وحرمهما على أمته من بعده . ومثله في النكارة : ما رواه الحاكم - من طريق عبد العزيز بن الخطاب - ، وأبو بكر القَطِيعي في زياداته في (( فضائل الصحابة )» للإمام أحمد ( ٢ / ٦٧٦) ، ومن طريقه الخطيب في ((التاريخ)) (١١ / ٢١٨)، وعنه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (١ / ٢٤٥) - من طريق الحسن بن بشر - كلاهما عن قيس بن الربيع عن ليث عن محمد بن الأشعث عن ابن الحنفية عن علي مرفوعاً مختصراً بلفظ : (( يولد لك ابن؛ قد نحلته اسمي وكنيتي)) . وقال ابن الجوزي : (( لا يصح، والحسن بن بشر منكر الحديث)). قلت : تعصيب الجناية به - وقد تابعه عبد العزيز بن الخطاب ، كما ذكرنا ، وهو صدوق عند الحافظ - مما لا يجوز . وإنما العلة من قيس بن الربيع ؛ أو شيخه الليث - وهو ابن أبي سُليم -؛ فإنهما ضعيفان . ٥٤٥٢ - ( ما سَمَّيتُموهُ؟ فقلنا: مُحَمَّداً. فقال: هذا اسمي ، وكنيتُه أبو القاسم ) . ضعيف جدّاً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٥ / ١٨٧ / ٤٥٩)، ٧٨٠