Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٣٢٦ - (زَيِّنُوا أصواتَكُم بالقُرْآنِ ) .
منكر مقلوب. تفرد بروايته - هكذا - الخطابي في ((معالم السنن)) (٢ /
١٣٨) من طريق الدَّبَري عن عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن منصور عن طلحة عن
عبد الرحمن بن عَوْسَجة عن البراء أن رسول اللّه ◌َ ا قال : ... فذكره .
قلت : وهو إسناد ضعيف ، ومتن منكر مقلوب ، ولولا أن الخطابي - عفا الله عنا
وعنه - أورده مصححاً إياه ، ومحتجّاً به على أن اللفظ الذي في ((سنن أبي داود))
وغيره من طريق الأعمش عن طلحة بلفظ :
((زينوا القرآن بأصواتكم))، مقلوب عنده(١) ! لولا ذلك لما تكلفت مؤنة الرد
عليه ، وبيان خطأ ما ذهب إليه رواية ومعنى .
أما الرواية : فالرد عليه من وجوه :
الأول : أن الإسناد الذي ساقه لا تقوم به حجة ؛ لأنه من رواية الدبري عن
عبد الرزاق ؛ فإن الدبري - مع أنه قد تكلم بعضهم فيه ؛ فإنه - ممن سمع من
عبد الرزاق بعد اختلاطه ؛ قال ابن الصلاح :
(( وجدت فيما روى الطبراني عن الدبري عنه أحاديث استنكرتها جدّاً،
فأحلت أمرها على ذلك )) .
الثاني: أنه خالفه الإمام الحجة ، الإمام أحمد - إسناداً ومتناً -؛ فقال في
((مسنده)) (٤ / ٢٩٦): ثنا عبد الرزاق: أنا سفيان عن منصور والأعمش عن
طلحة بلفظ أبي داود .
(١) وأقره على ذلك السندي في حاشيته على ((النسائي)) (١ / ١٥٧)!
٥٢١

فهذا هو المحفوظ عن عبد الرزاق بهذا الإسناد الصحيح عن منصور .
وأحمد ممن سمع من عبد الرزاق قبل اختلاطه .
وقد تابعه عبيد الله بن موسى عن سفيان به .
أخرجه ابن حبان ( ٦٦٠ - موارد)، والدارمي (٢ / ٢٧٤).
وقد تابع سفيانَ - وهو الثوري - إبراهيمُ بنُ طهمان عن منصور والحكم عن
طلحة بن مصرف به .
أخرجه الحاكم (١ / ٥٧٥).
وعنده (١ / ٥٧١ - ٥٧٢) طرق أخرى عن منصور وحده .
الثالث : أن منصوراً قد تابعه الأعمش والحكم كما رأيت .
وتابعهم شعبة عن طلحة به .
أخرجه الطيالسي ( ٧٣٨)، وأحمد (٤ / ٣٠٤)، والحاكم (١ / ٥٧٣).
ولهم عنده متابعون آخرون كثيرون ، وفيما ذكرنا كفاية .
الرابع : أن طلحة - وهو ابن مصرف - قد تابعه جماعة :
منهم زبيد بن الحارث عن عبد الرحمن بن عوسجة به .
:
أخرجه الحاكم (١ / ٥٧٥)، والخطيب (٤ / ٢٦١) .
الخامس : أن عبد الرحمن بن عوسجة قد تابعه عن البراء : زاذان أبو عمر ،
وعدي بن ثابت ، وأوس بن ضَمْعَج .
٥٢٢

أخرج أحاديثهم الحاكم باللفظ المحفوظ ؛ إلا أن زاذان زاد فقال :
(( .. فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً)).
وأخرجه الدارمي (٢ / ٢٧٤) أيضاً، وتمّام في ((الفوائد)).
وسنده جيد؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (١٣٢٠) وفي الكتاب
الآخر ( ٧٧١ ).
السادس : أن البراء تابعه جمع من الصحابة باللفظ المحفوظ ، منهم : عائشة وأبو
هريرة، وعبد الله بن مسعود، وقد خرجت أحاديثهم في ((الصحيح)) تحت الرقم
المذكور آنفاً .
أقول : ففي هذه الطرق والمتابعات والشواهد دلالة قاطعة على أن حديث
الترجمة منكر مقلوب ؛ لمخالفة راويه لكل هذه الروايات ، والنكارة تثبت بأقل من
ذلك ؛ كما لا يخفى على المشتغلين بهذا العلم الشريف .
فإن قيل : لم يتفرد الدبري بالحديث ؛ فقد قال الحاكم (١ / ٥٧٢ ) : حدثنا
عبد الله بن سعد : ثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي : ثنا عبد الرحمن بن بشر: ثنا
عبد الرزاق : أنبأ معمر والثوري عن الأعمش بإسناده المتقدم بلفظ :
((زينوا أصواتكم بالقرآن)).
فأقول : رجال إسناده ثقات معروفون ؛ غير عبد الله بن سعد ؛ فإني لم أجد له
ترجمة فيما لديَّ من المصادر الآن ، فإن كان ثقة كالذين فوقه ؛ فيكون الوهم من
عبد الرزاق نفسه ؛ لاختلاطه كما تقدم ، ولأننا لا ندري أسمع من عبد الرزاق قبل
الاختلاط أم بعده ؟ والثاني هو الأقرب ؛ لأن عبد الرزاق مات سنة ( ٢١١)،
٥٢٣

وابن بشر سنة ( ٢٦٠) أو (٢٦٢)، فبين وفاتيهما قرابة خمسين سنة ، ومعنى
هذا أنه سمع منه في آخر حياته ! والله أعلم .
وجملة القول : أن حديث الترجمة هو المقلوب يقيناً ، وهو إما منكر أو شاذ في
اصطلاحهم .
هذا من حيث الرواية .
وأما المعنى: فقال الخطابي - في الحديث المحفوظ: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) -:
((معناه : زينوا أصواتكم بالقرآن! من باب المقلوب كما قالوا : عرضت الناقة
على الحوض ؛ أي : عرضت الحوض على الناقة . وكقولهم : إذا طلعت الشعرى
واستوى العود على الحرباء؛ أي : استوى الحرباء على العود )).
ثم روى بإسناده الصحيح عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث: (( زينوا
القرآن بأصواتكم )) . ثم قال :
((قلت : ورواه معمر عن منصور عن طلحة ، فقدَّم الأصوات على القرآن ، وهو
الصحيح)) ، ثم ساق إسناده إلى الدبري بسنده المتقدم . ثم قال :
(( والمعنى : اشغلوا أصواتكم بالقرآن، والهجوا بقراءته ، واتخذوه شعاراً وزينة)).
والجواب من وجوه :
أولاً : أن القلب المدَّعى خلاف الأصل ؛ فالواجب التمسك بالأصل ما دام
ممكناً ، وهو كذلك هنا عند الجمهور ؛ كما سيأتي .
ثانياً: ما رواه عن شعبة أن أيوب نهاه أن يحدث بحديث: (( زينوا
٥٢٤

القرآن ... ))؛ ليس لأنه حديث مقلوب كما يدعي الخطابي ، وإنما خشية أن يتأوله
المبتدعة بما يخالفون به السنة ؛ فقد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام أيضاً بإسناده
الصحيح عن شعبة به ، وقال عقبه :
(( وإنما كره أيوب - فيما نرى - أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من
رسول الله ◌َ﴿ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدِّث به )) .
ذكره ابن كثير في (( فضائل القرآن )) ( ص ٥٦ )، ثم قال عقبه :
(( قلت : ثم إن شعبة (١) رحمه الله روى الحديث متوكلاً على الله کما روي له ،
ولو تُرِكَ كلُّ حديثٍ بِتأوله مُبطلٌ ؛ لتُرِكَ من السنة شيء كثير ، بل قد تطرقوا إلى
تأويل آيات كثيرة من القرآن ، وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة ، وبالله
المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله)).
ثالثاً: ما عزاه لغير واحد من أئمة الحديث من أن المعنى: (( زينوا أصواتكم
بالقرآن ))! فهو - مع أنه لم يسنده إليهم ، ولا سمى واحداً منهم - ؛ فهو مردود بما في
((غريب ابن الأثير))؛ فإنه ذكر هذا المعنى المقلوب (!) ولم يعزه لأحد ، ثم أتبعه بقوله :
((وقيل : أراد بـ ( القرآن ) : القراءة ، فهو مصدر (قرأ يقرأ قراءةً وقرآناً ) ؛ أي :
زينوا قراءتكم القرآن بأصواتكم ، ويشهد لصحة هذا - وأن القلب لا وجه له -:
حديث أبي موسى: أن النبي ◌َ﴿ استمع إلى قراءته فقال: ((لقد أوتيت مزماراً
من مزامير آل داود))، فقال: لو علمت أنك تستمع ؛ لحبرته لك تحبيراً (٢) ؛ أي :
حسّنتُ قراءته وزينتُها ، ويؤيد ذلك - تأييداً لا شبهة فيه - حديث ابن عباس : أن
(١) انظر تخريج روايته فيما تقدم ( ص ٥٢٠). (الناشر).
(٢) انظر ((صفة الصلاة)) (ص ١٣٠). (الناشر).
٥٢٥

رسول الله ﴿ قال: ((لكل شيء حلية، وحلية القرآن حسن الصوت)). والله
أعلم )) .
قلت : حديث ابن عباس هذا ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة ، كما تقدم
بيانه برقم (٤٣٢٢) ، فالأولى الاستدلال بالزيادة المتقدمة في بعض طرق حديث
البراء المحفوظ بلفظ :
((فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً )).
ويشهد أيضاً لصحة ما تقدم حديث: (( ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن )) ؛ فإن
المراد به وبأمثاله تحسين الصوت ، وبذلك فسره جماعة من السلف ؛ منهم ابن أبي
مليكة ، والراوي عنه لهذا الحديث - وهو عبد الجبار بن الورد -؛ فإنه قال عقب
الحديث :
فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد! أرأيت إذا لم يكن حَسَن الصوت ؟
قال : یحسِّنه ما استطاع .
أخرجه أبو داود، وهو في ((صحيحه)) برقم (١٣٢٢، ١٣٢٣) . قال ابن كثير
عقبه :
(( فقد فُهم من هذا أن السلف رضي الله عنهم إنما فهموا من التغني بالقرآن إنما
هو تحسين الصوت به وتحزينه ؛ كما قاله الأئمة رحمهم الله )).
ويشهد له أيضاً حديث أبي هريرة مرفوعاً :
(( ما أَذِنَ الله لشيء ما أَذِنَ ( وفي لفظ: كأذَنِه ) لنبي [ حسن الصوت (وفي
لفظ: حسن الترنم ) ] ، يتغنى بالقرآن [ يجهر به])).
٥٢٦

قال الحافظ في (( الفتح)) بعد أن ذكر الخلاف في تفسير التغني لغة (٩ /
٦٣ ) :
((ظواهر الأخبار ترجِّح أن المراد: تحسين الصوت، ويؤيده قوله: ((يجهر به)) ؛
فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة به ، وإن كانت غير مرفوعة ؛ فالراوي أعرف
بمعنى الخبر من غيره؛ لا سيما إذا كان فقيهاً . ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع
القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم ؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب ، وإجراء
الدمع ، وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان ، أما تحسين الصوت ،
وتقديم حسن الصوت على غيره؛ فلا نزاع في ذلك ... ومحل هذا الاختلاف إذا
لم يختل شيءٌ من الحروف عن مخرجه ، فلو تغير؛ قال النووي في (( التبيان)):
أجمعوا على تحريمه . ولفظه : أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ؛
ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط ، فإن خرج حتى زاد حرفاً أو أخفاه ؛ حرم )) .
ثم ذكر ( ٩ / ٨٠) أن ابن أبي داود أخرج من طريق ابن أبي مشجعة قال :
كان عمر يُقدِّم الشاب الحسن الصوت ؛ لحسن صوته بين يدي القوم .
ومن طريق أبي عثمان النهدي قال : دخلت دار أبي موسى الأشعري ، فما
سمعت صوت صَنْج ولا بَرْبَطٍ ولا ناي أحسن من صوته . وقال الحافظ :
(( سنده صحيح؛ وهو في ((الحلية)) لأبي نعيم [١ / ٢٥٨ ].
و ( الصنج ) - بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم -: هو آلة تتخذ من
نحاس ، كالطبقين ، يضرب أحدهما بالآخر .
و ( البَرْبَط ) - بالموحدتين بينهما راء ساكنة ثم طاء مهملة ، بوزن جعفر - : هو
آلة تشبه العود ، فارسي معرب .
٥٢٧

و ( الناي ) - بنون بغير همز -: هو المزمار)).
وجملة القول : أن الخطابي أخطأ خطأً فاحشاً في تصحيحه لحديث الترجمة ،
وترجيحه إياه على اللفظ الصحيح المخالف له ، مع كثرة طرقه وشواهده ، وتفرد أحد
الرواة برواية معارضه ، كما أخطأ في ادعائه أن معنى الحديث على القلب ،
والكمال لله تعالى وحده .
فإن قيل : فإن لحديث الترجمة شاهداً من حديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ :
((زينوا أصواتكم بالقرآن ... ))؛ مثل حديث الترجمة . وفي رواية :
((أحْسِنوا الأصوات بالقرآن)).
أوردهما الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٧ / ١٧٠)، وقال:
((رواه الطبراني بإسنادين، وفي أحدهما عبد الله بن خِرَاش ، وثقه ابن حبان
وقال: (( ربما أخطأ))، ووثقه البخاري وغيره، وبقية رجاله رجال (الصحيح)))!
فأقول : كلا الإسنادين ضعيف جدّاً؛ فلا يفرح بهما ولا يستشهد بهما
مطلقاً ؛ لشدة ضعف رواتهما ؛ فكيف مع المخالفة لأحاديث الثقات ، كما هو الشأن
هنا ؟! وإليك البيان :
أما الأول: فأخرجه الطبراني في « الكبير» (٣ / ١١٠ / ١) من طريق
عبد الله بن خراش عن العَوَّام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس ... باللفظ الأول .
وهذا إسناد ضعيف ؛ آفته ابن خراش هذا؛ فإنه مجمع على تضعيفه . ولا
ينافي ذلك أن ابن حبان أورده في (( الثقات)) ، وذلك لأمرين :
٥٢٨

الأول : ما عُرف عند المحققين في هذا الفن أن ابن حبان متساهل في التوثيق ، لا
سيما وقد قال فيه هو نفسه :
(( ربما أخطأ)).
والآخر : أنه معارض لكل من تكلم فيه ، وكلهم جرحوه ، والجرح مقدم على
التعديل ، لا سيما إذا كان من الأئمة المشهورين بالنقد والمعرفة بهذا العلم ، كالإمام
البخاري وغيره كما يأتي ؛ وبخاصة إذا كان المعدل متساهلاً کابن حبان ، وإليك ما
قالوا فيه :
١ - الإمام البخاري: ((منكر الحديث)). قاله في (( التاريخ الصغير)) ( ص
١٩٤) و ((الكبير)) (٥ / ٨٠)، ونقله عنه جمع كما يأتي.
٢ - أبو حاتم الرازي: ((منكر الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث)).
٣ - أبو زرعة: ((ليس بشيء، ضعيف الحديث)). رواه والذي قبله : ابن أبي
حاتم (٢ / ٢ / ٤٦).
٤ - النسائي: ((ليس بثقة))؛ قاله في كتابه ((الضعفاء والمتروكون)) ( ص ١٨).
٥ - قال الساجي: ((ضعيف الحديث جدّاً، ليس بشيء، كان يضع الحديث)).
٦ - وقال محمد بن عمار الموصلي: ((كذاب)). كما في (( التهذيب)) وغيره .
٧ - وأورده العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٠١ - ٢٠٢)، وساق له أحاديث
منكرة ، وقال عقبها :
((كلها غير محفوظة، ولا يتابعه إلا من هو دونه أو مثله)).
٥٢٩

٨ - وقال الحافظ العسقلاني في ((التقريب)):
(( ضعيف ، وأطلق عليه ابن عمار الكذب)).
قلت : فهذا يبين لك إجماع الأئمة الموثوق بنقدهم على تضعيفه ، ولم ينقل
الحافظ أو غيره توثيقه عن أحد من الحفاظ سوى ابن حبان ، وقد عرفت الجواب
عنه .
ولذلك ؛ فإني أعتقد أن قول الهيثمي المتقدم فيه :
((ووثقه البخاري وغيره )) وهم فاحش؛ لا سيما بالنسبة للبخاري ؛ فإنه قد
جرحه جرحاً شديداً كما يشعر بذلك قوله السابق: (( منكر الحديث))، وقد ذكره
في كتابيه المتقدمين ، ورواه عنه العقيلي ، وذكره الحافظ وغيره .
وأما الإسناد الآخر؛ فقال الطبراني (٣ / ١٧٠ / ٢) : حدثنا أبو يزيد
القَراطيسيُّ: نا نُعَيْم بن حَمَّاد : نا عَبْدة بن سليمان عن سعيد أبي سعد البَقَّال
عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس ... باللفظ الآخر .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ مسلسل بالضعفاء والعلل :
الأولى : الانقطاع بين الضحاك وابن عباس ؛ فإنه لم يثبت له سماع من أحد
من الصحابة ؛ كما في (( التهذيب)) ، بل إنه لم يلق ابن عباس .
الثانية والثالثة: ضعف وتدليس سعيد - وهو ابن المرْزُبان البَقَّال -؛ قال الحافظ :
((ضعيف مدلس)).
الرابعة : نعيم بن حماد ؛ تكلموا فيه ، وقال الحافظ :
٥٣٠

(( صدوق يخطئ كثيراً)).
لكن هذا لم يتفرد به ؛ فقد تابعه أبو سعيد الأشج : ثنا عبدة بن سليمان به ،
وتابع هذا: مُرَجَّى بنُ رجاء عن سعيد البقال به .
أخرجهما ابن عدي ( ق ١٥٦ / ١ ) في ترجمة البقال ، مشيراً إلى أنه هو علة
الحديث .
٥٣٢٧ - ( لَيَذْكُرَنَّ اللهَ أقوامٌ في الدُّنيا على الفُرُشِ الْمُمَهَّدةِ ، يُدْخِلُهم
الدَّرَجاتِ العُلى ) .
ضعيف. أخرجه ابن حبان في (( صحيحه)) (٢٣١٩ - موارد) ، وأبو يعلى
في ((مسنده)) (١ / ٣٠٩) من طريقين عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد
الخدري مرفوعاً .
وقال الهيثمي ( ١٠ / ٧٨ ) :
((رواه أبو يعلى، وإسناده حسن))!
قلت : وهذا من تساهله ؛ فإن دراجاً هذا ضعفه الجمهور ، وله ما لا يتابع عليه .
فقال أحمد :
((أحاديثه مناكير))، وليَّنه . وقال فَضْلَك الرازي :
(( ما هو بثقة ولا كرامة)). وقال النسائي :
((منكر الحديث)). و ((ليس بالقوي)). وقال أبو حاتم :
((ضعيف)). وكذا قال الدارقطني. وقال مرة :
٥٣١

((متروك)).
ووثقه ابن معين ، وابن المديني . وقال أبو داود :
(( مستقيم؛ إلا عن أبي الهيثم)) . وقد ساق له ابن عدي أحاديث ، وقال :
((عامتها لا يتابع عليها)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق؛ في حديثه عن أبي الهيثم ضعف)).
٥٣٢٨ - (إذا رأيتم مَنْ يجْهرُ بالقراءة في النهار؛ فارْموه بالبَعْرِ ) .
لا أصل له بهذا اللفظ. وقد أورده الشيرازي في ((المهذب)) (٢ / ٣٨٩)
من حديث أبي هريرة مرفوعاً ؛ وزاد عقبه :
((ويقول: إن صلاة النهار عجماء)).
وهذا الطرف منه تعقبه النووي بأنه باطل ، وقد سبق نص كلامه فيه حين
أوردناه برقم (١٠١٤).
وأما هذا الطرف الذي ذكرته هنا ؛ فلم يتكلم عليه بشيء !
وقد روى معناه: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٣٦٥) عن يحيى بن
أبي كثير قال :
قالوا : يا رسول الله ! إِن ههنا قوماً يجهرون بالقراءة بالنهار ؟ فقال :
((ارموهم بالبعر)).
وهذا إسناد معضل ؛ فإن يحيى بن أبي كثير يروي عن أبي هريرة وغيره
٥٣٢

بالواسطة ، فقد سقط من الإسناد رجلان .
وقد ذكر ابن أبي شيبة في الباب آثاراً كثيرة ، ليس فيها شيء مرفوع ، وأصحها
وأصرحها : ما رواه بسند صحيح عن ابن عمر:
أنه رأى رجلاً يجهر بالقراءة نهاراً ، فدعاه ، فقال :
إن صلاة النهار لا يُجهَر فيها ؛ فأسِرَّ قراءتك .
وهذا الأثر مما ينبغي الأخذ به ؛ لمطابقته للسنة الثابتة عن النبي #1: في غير
ما حديث ، تجد بعضه في ((صفة الصلاة)) ؛ إلا ما استثني من الصلوات التي جهر
فيها نَّةٍ؛ كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث المتقدم .
٥٣٢٩ - ( يا جبريلُ! ما منعك أن لا (١) تأخذَ بيدي؟ قال: إنك
أخذتَ بيد يهودي ؛ فكرهتُ أن تمسَّ يدي يداً مسَّتها يدُ كافرٍ ) .
موضوع. أخرجه الطبراني في (( المعجم الأوسط)) (١ / ١٥٨ / ١ - ٢) من
طريق عمر بن أبي عمر العبدي عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده :
أن رسول الله ﴿﴿ استقبل جبريل عليه السلام، فناوله يده ، فأبى أن
## بماء فتوضأ، ثم ناوله يده، فتناولها، فقال :...
يتناولها ، فدعا رسول الله
فذكره . وقال الطبراني :
((لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا عمر)).
(١) كذا الأصل! وفي ((المجمع)) (١ / ٢٤٦): ((أن تأخذ)) وكلاهما جائز؛ كما في قوله
تعالى في ﴿ الأعراف﴾: ﴿ ما منعك أن لا تسجد إذْ أمرتك﴾.
وفي ﴿ص): ( ما منعك أن تسجد﴾. انظر ((تفسير القرطبي))، و((ابن كثير)). (الناشر).
٥٣٣

قلت : وهو عمر بن رياح العبدي أبو حفص البصري الضرير ، وهو مجمع على
ضعفه ؛ كما قال الهيثمي ، بل هو متهم ؛ فقد قال ابن حبان :
(( يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب)).
وقال عمرو بن علي الفلاس :
(( كان دجالاً)) . وقال الساجي :
((يحدث ببواطيل ومناكير)). وقال الذهبي في ((الميزان)) - بعد أن نقل قول
الفلاس وغيره فيه - :
(( وله خبر باطل ... ))، ثم ساق هذا .
٥٣٣٠ - ( أتؤمنُ بشجرة المسْك وتجدُها في كتابكم ؟ قال : نعم . قال :
فإنّ البولَ والجنابة عَرَقٌ يسيلُ من ذوائبهم إلى أقدامهم كالمسكِ ).
موضوع بهذا اللفظ. أخرجه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (٥ / ٢٠٠ /
٥٠١٠) و ((الأوسط)) أيضاً (٢ /١٨٩ /٢) عن يحيى بن راشد: ثنا عبد النور
ابن عبد الله بن سنان عن هارون بن سعد عن ثُمَامة بن عقبة قال : سمعت زید
ابن أرقم قال :
كنت جالساً عند النبي ◌َّه ، فقال له رجل من اليهود [ يقال له : ثعلبة بن
الحارث ]: أتزعم أن في الجنة طعاماً وشراباً وأزواجاً؟ فقال النبي ث﴿: ((نعم)).
فقال اليهودي: إنا نجدها طيبة مطيبة؟ فقال له النبي عليه :... فذكره . والزيادة لـ
((الأوسط))، وقال :
(( تفرد به عبد النور بن عبد الله)).
٥٣٤

قلت : وهو كذاب، وقد مضى له حديث آخر من موضوعاته برقم ( ١٨٤٥ )،
فراجعه .
والحديث ؛ قد رواه الأعمش عن ثمامة بن عقبة به نحوه .
أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما .
وليس في هذه الرواية ذكر الذوائب ، ولا اسم اليهودي، ولا قوله ◌َ له:
((أتؤمن ... ))؛ فراجع - إن شئت - سياقها في (( الترغيب)) (٤ / ٢٥٨ - المنيرية)،
وهو في ((صحيح الترغيب)) برقم (٣٧٣٩) .
؛ فيَجْعلَ
٥٣٣١ - ( نَدمْتُ أن لا أكونَ طلبتُ إلى رسول الله ◌ِ
الحسنَ والحسينَ مُؤذِّنَيْنِ ) .
ضعيف جدّاً. أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٢ / ١١٨ / ١) من طريق
نَهْشَلِ بن سعيد الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن الحارث الأعور عن علي
قال :... فذكره . وقال :
(( لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد)).
قلت : وهو ضعيف جدّاً ، إن لم يكن موضوعاً؛ آفته نهشل هذا؛ قال الحافظ
في (( التقريب)):
((متروك، وكذبه إسحاق بن راهويه)).
والحارث الأعور ضعيف .
وبه وحده أعله الهيثمي (١ / ٣٢٦) فقصِّر! ومن أجل ذلك خرجته .
٥٣٥

٥٣٣٢ - (لا صلاةَ لمَنْ لا تشهُّدَ لَهُ).
ضعيف. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢ / ١١٨ / ١) بإسناد الحديث
الذي قبله ، وقال فيه ما قال في ذاك، وقد عرفت أنه ضعيف جدّاً ، وأن الهيثمي
تساهل فيه ، وكذلك فعل في هذا .
لكنه قد روي من حديث ابن مسعود مرفوعاً بلفظ :
((تعلموا؛ فإنه لا صلاة إلا بتشهد)).
أخرجه الطبراني أيضاً (٢ / ١٤٩ / ٨٦٥ - مجمع البحرين - ط )، وكذا في
((الكبير)) (٢/٥٥/٣)، وابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢٠٣ / ١) من طريق
صُغْدِيِّ بن سنان عن أبي حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال :
كان النبي ﴿ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول :...
فذكره . وقال الطبراني :
((لم يروه عن أبي حمزة إلا صُغْدِيّ )).
قلت: وهو - كما قال ابن عدي -: (( يتبين على حديثه الضعف)).
لكنه قد توبع؛ فقال البزار في (( مسنده)) ( ص ٦٤ - زوائده ): حدثنا محمد
ابن مرداس : ثنا محبوب بن الحسن : ثنا أبو حمزة به .
قلت : وهذه متابعة لا بأس بها ؛ فإن محبوباً هذا : هو محمد بن الحسن بن
هلال ، مختلف فيه. وقال الحافظ في (( التقريب)):
( صدوق ، فیه لین )).
٥٣٦

والراوي عنه : محمد بن مرداس - وهو الأنصاري البصري -؛ روى عنه جمع
من الثقات والأئمة، منهم البخاري في ((جزء القراءة))، وذكره ابن حبان في
((الثقات)). وأما أبو حاتم ؛ فقال :
(( مجهول ))!
قلت : فالأولى إعلال الحديث بشيخ صُغْدي ، وهو أبو حمزة - وهو ميمون
القصاب الأعور الكوفي -؛كما أشار عبد الحق الإشبيلي في (( الأحكام الوسطى))
( ق ٥٥ / ٢)؛ وقال :
((وهو ضعيف عندهم)). وقال في ((زوائد البزار)):
((أبو حمزة : هو ميمون الأعور ، واهٍ )) .
قلت : ولعل أصل الحديث موقوف على ابن مسعود ، فرفعه هذا الأعور ؛ لقلة
ضبطه وسوء حفظه ؛ فقد ذكره البيهقي (٢ / ١٣٩ ) موقوفاً عليه ، فقال :
((وروينا عن ابن مسعود: لا صلاة إلا بتشهد)).
ولم أعرف الآن إسناده .
نعم؛ أخرج هو، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ / ٢٠٦ / ٣٠٨٠)،
والبخاري في ((التاريخ)) (٣ / ١٣١ / ٤٤٣) عن حَمَلَة بن عبد الرحمن سمع
عمر بن الخطاب قال : ... فذكره موقوفاً عليه .
لكن حملة هذا؛ لم يذكر فيه البخاري - وكذا ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٣١٦) -
جرحاً ولا تعديلاً .
٥٣٧

٥٣٣٣ - ( الدُّنيا خَضِرةٌ حُلْوةٌ، مَن اكتسبَ فيها مالاً من حِلّهِ ،
وأنفقه في حَقِّه ؛ أثابه الله عليه ، وأوردَه جنَّتَهُ ، ومَن اكتسبَ فيها مالاً من
ء
غير حلِّهِ ، وأنفقه في غير حَقِّهِ ؛ أحلَّهُ اللهُ دارَ الهَوانِ ، ورُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِي
مال الله ورسوله ؛ له النارُ يومَ القيامةِ ، يقول الله: ﴿ كُلِّمَا خَبَتْ زِدْنَاهم
سعيراً﴾)(١).
ضعيف. أخرجه البيهقي في (( شعب الإيمان)) (٢ / ١٤١ / ١) من طريق
أبي عَقِيلٍ يحيى بن المتوكل عن عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، ورجاله ثقات ؛ غير يحيى هذا؛ فإنه ضعيف ؛ كما
قال الحافظ في (( التقريب)).
وأشار المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ١٤ - ١٥) إلى تضعيف الحديث .
٥٣٣٤ - (إنَّ رَجُلاً كان فيمَنْ قبلَكُمْ حَمَلَ خَمْراً، ثم جعل في كُلِّ
زقَّ نصفاً ماءً ، ثم باعَهُ ، فلما جمع الثمنَ ؛ جاء ثعلبٌ فأخذ الكِيسَ،
وصَعِدَ الدَّقَلَ ، فجعل يأخذ ديناراً فيرمي به في السفينة ، ويأخذ ديناراً
فيرمي به في الماء ؛ حتى فرغ ما في الكيس ) .
منكر بهذا اللفظ. أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢ / ١١٠ / ٢)
و (٤ / ٣٣٣ / ٥٣٠٩ - ط ) من طريق أحمد بن ملاعب بن حيان : ثنا صالح بن
إسحاق : ثنا يحيى بن كثير الباهلي - قال صالح : وكان ثقة ، وكان لا بأس به - :
ثنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً به .
(١) كتب الشيخ - رحمه الله - فوق هذا المتن من الأصل: ((مضى برقم (٢٥٣٤))). (الناشر).
٥٣٨

قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ صالح بن إسحاق هذا؛ الظاهر أنه العجلي
البصري ، روى عن عبد الوارث بن سعيد ؛ قال الأزدي :
((متروك))؛ كما في ((الميزان))؛ زاد الحافظ :
((وبقية كلامه: ((يتكلمون فيه ... )) وساق له حديثاً منكراً. وفي ((الثقات))
لابن حبان: ((صالح بن إسحاق الجَرْمي؛ يروي عن يزيد بن زُرَيْع والبصريين. روی
عنه أحمد بن حيان بن ملاعب)) (!). فالظاهر أنه هو)).
قلت : وتوثيقه لشيخه يحيى بن كثير الباهلي مما لا يوثق به ؛ لأمرين :
الأول : أنه - على ضعفه في نفسه - ليس معروفاً بنقد الرجال .
والآخر : أنه مخالف لجميع من تكلم فيه من الأئمة ، كابن معين وأبي حاتم
وغيرهم كثير؛ فقد أجمعوا على تضعيف يحيى هذا - وهو أبو النضر من أهل البصرة -،
وتجد كلماتهم فيه في ((التهذيب)). وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٣ / ١٣٠):
(( شيخ يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم ، لا يجوز الاحتجاج به إذا
انفرد )) .
قلت : فكيف به إذا خالف ؛ كما هو الشأن في هذا الحديث ؟! فإنه قد صح
من طريق أخرى عن أبي هريرة به نحوه لكن بلفظ :
((قرد)) بدل: ((ثعلب)).
رواه أحمد والبيهقي وغيرهما، وهو مخرج عندي في ((أحاديث بيوع الموسوعة)).
وله طريق أخرى عن أبي هريرة باللفظ المحفوظ ، وزاد في أوله :
٥٣٩

(( لا تَشُوبوا اللبن بالماء)).
أخرجه ابن عدي في ترجمة سليمان بن أرقم ( ق ١٥٤ / ٢ ) ، ومن طريقه
البيهقي عن الحسن عن أبي هريرة .
وسليمان هذا ضعيف .
٥٣٣٥ _ ( أهلُ المدائن حُبُسٌ في سبيلِ اللهِ ؛ فلا تحتكِرُوا عليهمُ
الطعامَ ، ولا تُغْلُوا عليهم الأسعارَ ) .
منكر. أخرجه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٩ / ١٣١ / ١) من طريق
الوليد بن مسلم : حدثني أبو يزيد الدمشقي : حدثني شيخ كان يجلس في
المقصورة قال : سمعت سليمان بن حبيب المحاربي يحدث عن أبي أمامة مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف مظلم ؛ لجهالة الشيخ الذي لم يسمَّ .
وكذلك الراوي عنه أبو يزيد الدمشقي ؛ فإني لم أعرفه ، بل إن ابن عساكر
نفسه لم يعرفه ؛ فإنه لم يترجم له بشيء مطلقاً ؛ سوى أنه ساق له هذا الحديث !
والحديث؛ أورده المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٢٧) من حديث أبي أمامة
بزيادة :
((فإن من احتكر عليهم طعاماً أربعين يوماً ثم تصدق به ؛ لم تكن له كفارة )) .
وقال :
(( ذكره رزين أيضاً، ولم أجده، وفيه نكارة ظاهرة)).
فأقول : هذه الزيادة قد رويت من حديث معاذ وغيره بإسنادين ، في كل واحدٍ
٥٤٠