Indexed OCR Text
Pages 441-460
((لا تقضوا فيه برأي واحد))؛ أنه منكر لمخالفته للإجماع العملي الذي سار
عليه العلماء والقضاة من الإفتاء والقضاء برأي العالم الواحد في القرون الأولى
المشهود لها بالخيرية ! والآثار في ذلك كثيرة شهيرة ، ذكر الكثيرَ الطيبَ منها الإمامُ
ابن قيم الجوزية في شرحه لكتاب عمر إلى القاضي شريح في كتابه العظيم
((إعلام الموقّعين عن رب العالمين)).
بل إن الحديث هذا يبطل الاجتهاد الجماعي من حيث لا يدري الدكتور ولا
يشعر ، مع أنه اشترط في غير ما موضع أن يكون أعضاء (الاجتهاد الجماعي)
الذين لهم حق الترجيح مجتهدين ، ولو اجتهاداً جزئياً على الأقل ! انظر
(ص١٠٦، ١٠٧، ١٢٧).
على أنني أرى أن هذا الشرط - مع كونه شرطاً أساسياً للاجتهاد - يستلزم
معرفة السنة ، وتمييز صحيحها من ضعيفها كما قدمنا ، والتفقه فيها ؛ ولكن أكثر
هؤلاء الدكاترة والكتّاب - مع الأسف - لا عناية عندهم بشيء من هذا .
وأضرب على ذلك مثلاً في مسألة اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمها ،
ألا وهي الغناء وآلات الطرب ، يحضرني الآن منهم ثلاثة من المشهورين في العصر
الحاضر بأنهم من العلماء :
أولهم : الشيخ محمد أبو زهرة ؛ حيث قال :
((إذا لم يكن في الغناء ما يثير الغريزة الجنسية؛ فإننا لا نجد موجباً لتحريمه)) !
وثانيهم : الشيخ محمد الغزالي - وقد توفي قبل شهور غفر الله له -؛ فإنه جری
على منوال أبي زهرة هذا ، بل وتوسَّع في ذلك كثيراً ، واستدلَّ بأحاديث ضعيفة ،
وضعَّف الأحاديث الصحيحة في التحريم وغيره مما اتفق العلماء على صحتها ،
٤٤١
وبعضها في (الصحيحين))؛ حتى إنه لم يَخْجل أن يصرَّح بأنه يستمع لأغاني أم
كلثوم وفيروز ، لكن بنيَّةٍ حسنة !!!
ء
ثالثهم : الشيخ يوسف القرضاوي ؛ الذي لم يتورَّع بأن يحكم على حديث البخاري
في تحريم آلات الطرب بأنه موضوع ؛ تقليداً منه لابن حزم ، مع اتفاق علماء
الحديث قديماً وحديثاً على تصحيحه ، والرد على ابن حزم بأدلة قوية لا مرَّد لها(١)،
هذا مع أنه يردد كثيراً في بحثه في الاجتهاد الجماعي : أن رأي الاثنين أقوى من
رأي الواحد ، فما باله خالف هذا ، وأعرض عن الحجج الصحيحة ، وتبنّى تحليل ما
؟!
حرّم الله على لسان رسول الله
لذلك أقول : إن تحمُّس هؤلاء للاجتهاد الجماعي - وهم لا يحسنون الاجتهاد
الفردي - سابق لأوانه ، وسیکون شرُّه أكثر من خيره !!
ولذلك ؛ فإني أنصح هؤلاء بأن يتمرَّسوا على الاجتهاد الفردي ؛ تمهيداً لما
يدعون إليه من الاجتهاد الجماعي، علماً بأن الأول أسهل من الآخر بكثير؛
فإنهم سيجدون فيه ما قيل في المسألة ، وما استدل لكل قول فيها ، بخلاف
الاجتهاد الجماعي ؛ فإنهم يصرِّحون بأن مجاله ما حدث من المسائل التي لم
يتكلم فيها العلماء السابقون؛ وذلك بدراسة الكتاب والسنة - على ما وصفنا -
وأقوال السلف ؛ فإنها نبراس يستضيء به مَنْ أراد فهم الكتاب والسنة على الوجه
الصحيح . ولهذا قال الإمام محمد بن الحسن - رحمه الله -:
((من كان عالماً بالكتاب والسنة ، وبقول أصحاب رسول الله
، وبما
(١) وتجد الرد على هؤلاء، وغيرهم ممن جروا على سننهم في كتابي الجديد ((تحريم آلات
الطرب))؛ وقد طبع بحمد الله وتوفيقه .
٤٤٢
استحسن فقهاء المسلمين ؛ وسعه أن يجتهد رأيه فيما ابتلي به ، ويقضي به
ويمضيه في صلاته وصيامه وحجه ، وجميع ما أُمِرَ به ونُهي عنه ، فإذا اجتهد ونظر
وقاس على ما أشبه ولم يَأْلُ ، وسعه العمل بذلك ، وإن أخطأ الذي ينبغي أن
يقول به))؛ كما في ((إعلام الموقعين)) (٧٥/١).
ونحوه قول الإمام الشافعي :
((ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قَبْلُ من السنن وأقاويل
السلف ، وإجماع الناس واختلافهم)). نقله الدكتور عبدالمجيد (ص٧٢) عن
الشافعي في ((الرسالة)) .
وقد صرَّح الدكتور تحت عنوان : (شروط عضو الاجتهاد الجماعي) (ص٧٣) ؛
واستنكر الرأي الذي ذهب القائل به إلى عدم اشتراط شروط الاجتهاد في أعضاء
الاجتهاد الجماعي ؛ فقال :
((إذ كيف يجتهد وينظر في الأدلة ويستنبط الأحكام مَنْ ليس مجتهداً؟!))! قال:
((وقد أشار الشيخ عبد الوهاب خلاف إلى هذا ؛ فقال : ولا يسوغ الاجتهاد
بالرأي لجماعة ؛ إلا إذا توفّرت في كل فرد من أفرادها شرائط الاجتهاد ومؤهلاته)).
وختاماً أقول : لقد كرروا الشكوى من الاجتهادات الفردية ، التي يقوم بها من
ليس أهلاً للاجتهاد ، وهم على حق في ذلك ، وقد قدمت بعض الأمثلة في ذلك
قريباً ، كما أنهم أبدوا تخوّقهم من مثل ذلك أن يقع في الاجتهاد الجماعي ، بل
لقد أبدى بعضهم خوفه من تسلُّط بعض الدول الإسلامية ، أو سلطات كبرى على
((المجمع)) وتعيين أعضائه ، بل ذكر أن شيئاً من ذلك وقع في بعض المجامع الفقهية ،
وهي اليوم ثلاثة :
٤٤٣
١ - مجمع البحوث الإسلامية ؛ بالقاهرة .
٢ - مجمع الفقه الإسلامي؛ بمكة المكرمة .
٣ - مجمع الفقه الإسلامي؛ بِجُدَّةً .
فقال الدكتور عبد المجيد في أحد هذه المجامع (ص١٤٠) :
((إلا أن الشيخ مصطفى الزرقا يرى أن هذا المجمع ((لا تدل قرائن الحال على
جدّيته في تنفيذ الفكرة على الصورة الصحيحة المنشودة)).
ويعيب الدكتور توفيق الشاوي على هذا المجمع : أن الدول الأعضاء في منظمة
المؤتمر الإسلامي احتفظت لها بسلطات كبرى على المجمع وتعيين أعضائه ،
وحصرت حق المجمع في أن لا يعين أو يختار من أعضائه إلا فيما لا يزيد عن ربع
عدد الأعضاء الذين يمثِّلون دولهم ، وهذا جعل المراقبين يعتقدون أن الدول الأعضاء
تحرص على فرض سيطرتها على المجمع ، وتوجيه قراراته لصالح سياساتها ، من
خلال جعل الأعضاء المُعَيَّنين من قِبَلِها يُصْدِرون ما تُملي عليهم تلك الدول ...
وكان ينبغي أن يتم اختيار الأعضاء عبر لجنة تحضيرية من العلماء يمثّلون كل
الدول ، ولا يخضعون لأي نظام سياسي» !!
وهذا الذي خافوه إذا توحّدت هذه المجامع - كما يريدون - سيقع فيه من الضرر
أكثر ما وقع من بعض الاجتهادات الفردية ، ذلك ؛ لأن هذه الاجتهادات لا تصبح
قانوناً عاماً بالنسبة لكافة المسلمين ، كما يريد دعاة الاجتهاد الجماعي أن يجعلوه
قانوناً عاماً !!
وليت شعري ؛ ما الذي يشجّع هؤلاء على الدعوة إلى إقامة مؤتمر الاجتهاد
الجماعي وفرضه على الحكومات الإسلامية ، وهم يعلمون أن أكثرها قد عطّلت
٤٤٤
نصوصاً كثيرة ليست من مواطن النزاع؟! هذه النصوص التي تعنى بإقامة الحدود
الشرعية على القاتل والزاني ونحو ذلك ، فعطّلوا صراحةً قوله تعالى :
﴿وَلَكُمْ في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الألباب)! فهل يظنُّون أن مؤتمرهم
سيكون له من الواقع في نفوس هؤلاء المعطّلين أكثر من نصوص القرآن الكريم؟!
وصدق الله العظيم إذ يقول :
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوم حتى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهِم﴾؛ سواء كانوا حكاماً أو
محکومین !!
ثم هل يملك هؤلاء الدعاة أن لا يَحْضُرَ مؤتمرهم بعضُ الرافضة والإباضية
والخوارج ، وغيرهم ممن يسعى حثيثاً إلى تغيير الأحكام الشرعية ، وجعلها متوائمة
مع الحضارة الغربية التي غزت قلوبهم؟! والله المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله !
٤٨٥٥ _ (الحَزْمُ؛ تَسْتَشِيرُ أَهْلَ الرَّأْيِ ثُمَّ تُطِيعُهم) .
ضعيف. رواه الحَرْبِيُّ في ((الغريب)) (٢/٨٩/٥) عن عبد الرحمن بن أبي
بكر عن يوسف بن يعقوب عن أبي الصباح :
أن رجلاً سأل النبي تَ ﴿ه: ما الحزم؟ قال: ((تستشير ... ).
قلت : وهذا إسناد مظلم ؛ أبو الصباح : لم أعرفه .
وكذا يوسف بن يعقوب .
وعبدالرحمن بن أبي بكر ؛ لعله ابن عبيد الله بن أبي مُلَيْكَةَ ، وهو ضعيف .
ورواه ابن وهب في ((الجامع)) (ص٤٦) : حدثني إبراهيم بن نَشِيطٍ عن
عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين قال :
٤٤٥
سئل رسول الله :﴿ ﴿ عن الحزم؟ فقال :
(تستشير الرجل ذا الرأي ، ثم تمضي إلى ما أمرك به)).
وأخرجه البيهقي (١١٢/١٠) من طريق أبي داود في ((مراسيله)) عن ثور بن
يزيد عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين به .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ، لكنه معضل أو مرسل ؛ فإن ابن أبي حسين
هذا - وهو المكي النَّوْفَلِيُّ - تابعي صغير، روى عن أبي الطَّفَيْلِ، ونافع بن جُبَيْرٍ ،
وغيرهما من التابعين .
ولثور فيه إسناد آخر ؛ يرويه المُعَافى بن عمران عنه عن خالد بن مَعْدَان قال :
قال رجل : يا رسول الله ! ما الحزم؟ ... الحديث.
أخرجه البيهقي أيضاً من طريق أبي داود في ((المراسيل)).
قلت : وإسناده شامي مرسل ، ورجاله ثقات .
وقد روي الحديث عن علي بن أبي طالب قال :
عن العزم؟ قال :
سئل رسول الله
((مشاورة أهل الرأي؛ ثم اتباعهم)) .
رواه ابن مردويه؛ يعني في ((التفسير))؛ كما في ((الدر المنثور)) للسيوطي
(٩٠/٢)؛ تبعاً لابن كثير في «تفسيره)) (٤٢٠/١)، وسكتا عن إسناده؛ وما أراه
يصح ، ولیتهما ساقاه لننظر فیه ، ونکشف عن علته !
والحديث دليل لمن يقول اليوم بأن الشورى ملزمة للأمير بالأخذ بما أشاروا
عليه : ويقول آخرون بأنها مُعْلِمَةٌ فقط ، وهو الذي نراه موافقاً لما كان عليه السلف :
٤٤٦
فروى البيهقي (١١٢/١٠) عن زيد بن حُبَاب عن عمر بن عثمان بن عبد الله
ابن سعيد - وكان اسمه الصرم، فسماه رسول الله عَلٍ سعيداً - قال : حدثني
جدي قال :
كان عثمان رضي الله عنه إذا جلس على المقاعد ؛ جاءه الخصمان فقال
لأحدهما : اذهب ادع عليّاً، وقال للآخر : اذهب فادع طلحة والزبير ، ونفراً من
أصحاب النبي :{ 18، ثم يقول لهما: تكلما. ثم يقبل على القوم فيقول : ما
تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه ، وإلا ؛ نظر فيه بعد ، فيقومان وقد سَلَّما .
وعمر هذا؛ أورده ابن أبي حاتم (١٢٤/١/٣) ؛ إلا أنه سمى جده الأدنى:
(عبدالرحمن) فقال :
(روى عن أبيه . روى عنه زيد بن الحباب، ونسبه فقال: ثنا عمر بن عثمان
ابن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي)»؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه الليث بن هارون أبو عُتْبَةَ العُكْلِيُّ ؛ الراوي عن زيد بن حباب ، ولم
أجد له ترجمة الآن .
ثم روى البيهقي تحت : ((باب : ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي ؛ فإنه
غير جائز له أن يقلد أحداً من أهل دهره؛ ولا أن يحكم أو يفتي بالاستحسان))؛
روى (١١٥/١٠) عن مَسْلَمَةَ بن مَخْلَدِ :
أنه قام على زيد بن ثابت فقال: ابنَ عَمّ ! أُكْرِهنا على القضاء؟ فقال زيد : اقْضِ
بكتاب الله عز وجل ؛ فإن لم يكن في كتاب الله؛ ففي سنة رسول الله (تم ليه ، فإن لم
يكن في سنة النبي ◌َّا ؛ فادع أهل الرأي ثم اجتهد ، واختر لنفسك ولا حرج .
وإسناده صحيح .
٤٤٧
ولا ينافي هذا ما رواه في الباب نفسه - بإسناد صحيح أيضاً - عن عمر:
أنه كان إذا أعياه الأمر أن يجد في القرآن والسنة ؛ نظر هل كان لأبي بكر
رضي الله عنه فيه قضاء ، فإن وجد أبا بكر رضي الله عنه قد قضى فيه بقضاء ؛
قضى به ؛ وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم ، فإذا اجتمعوا على الأمر
قضى بينهم .
فإنه محمول على أنه حصلت له القناعة بإجماعهم أو بقضاء أبي بكر ، لا
أنه حكم بخلاف اجتهاده ؛ فإن هذا غير جائز؛ كما أشار إلى ذلك البيهقي في
ترجمته بالباب .
وعلى ذلك يحمل أيضاً متابعة النبي تَ هه ناساً من أصحابه رأوا الخروج لقتال
المشركين بأحد ، وكان رأيه ◌َ ﴿ أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها ، فرأى
أن
الحكمة تقتضي متابعتهم على رأيهم ، ومن الدليل على ذلك أنهم لما ندموا وقالوا :
يا رسول الله! أقم فالرأي رأيك! خالفهم ولم يتابعهم على قولهم وخرج .
والقصة معروفة في كتب السيرة، وراجع لها - إن شئت - ((البداية)) (١١/٤).
٤٨٥٦ - (إنّا لنَكْشِرُ فِي وُجوهِ أَقْوامٍ ونَضْحَكُ إلَيْهِم ، وإنَّ قُلُوبَنا
لَتَلْعَنُهم) .
ليس بحديث(١). وبيِّض له العجلوني (٦٢٥)، وإنما هو من قول أبي الدرداء
موقوفاً عليه ، وعلقه البخاري بصيغة التمريض فقال - في (( باب المداراة مع الناس))
من «کتاب الأدب» ۔:
(١) تقدم (٢١٦)! (الناشر).
٤٤٨
((ويُذكَرُ عن أبي الدرداء: إنا ... ))؛ فذكره دون قوله: ((ونضحك إليهم)).
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٤٣٨/١٠):
((وصله ابن أبي الدنيا ، وإبراهيم الحربي في ((غريب الحديث))، والدّيْنَوَرِيُّ في
(المجالسة)) من طريق أبي الزَّاهِرِيَّة عن جُبَيْرٍ بن نُفَيْرٍ عن أبي الدرداء فذكر مثله؛
وزاد :
((ونضحك إليهم))، وذكره بلفظ اللعن . ولم يذكر الدِّينَوري في إسناده جبير بن
نفير ، ورُوِّيناه في ((فوائد أبي بكر بن المقري)) من طريق كامل أبي العلاء . عن أبي
صالح عن أبي الدرداء قال : إنا لنَكْشِرُ أقواماً ... فذكره مثله ؛ وهو منقطع . وأخرجه
أبو نعيم في «الحلية)) من طريق خلف بن حوشب قال : قال أبو الدرداء ... فذكر
اللفظ المعلق سواءً ، وهو منقطع أيضاً. والكَشر - بالشين المعجمة وفتح أوله - ظهور
الأسنان ، وأكثر ما يطلق عند الضحك ، والاسم الكِشرة؛ كالعِشرة)).
قلت : الطريق الأولى ؛ أخرجها أيضاً أبو الشيخ في ((طبقات الأصبهانيين))
(ص ٢٧٢ - ٢٧٣ - مخطوطة الظاهرية) من طريق الأحوص بن حكيم عن أبي
الزاهرية به . وهو في ((الحلية)) (٢٢٢/١) موقوفاً كما ذكره الحافظ .
وأوهم السخاوي في ((المقاصد)) (ص٩٩) أنه مرفوع ، فقال :
((حديث: ((إنا لنكشر ... ))؛ وهو في ترجمة (أبي الدرداء) من ((الحلية)) ... ))!
والعجلوني أورده بلفظ: ((إنا لنبشّ ... )).
وأورده الميداني في ((مجمع الأمثال)) (٢٧٤/٥٩/١) باللفظ الأول ، فعلق عليه
محققه محمد محيي الدين بقوله :
(كذا! وأظنه: إنا لنبشّ)) !!
٤٤٩
٤٨٥٧ - (تَيَاسَروا في الصَّداق؛ إنَّ الرَّجُلَ يُعْطي المرأةَ حَتى يبقى
ذلكَ في نفسهِ علَيها حَسِيكةً ، وحتَى يَقُولَ: ما جِئْتك حتى سُقْتُ
إليك علقَ القِرْبَةِ)(١).
ضعيف . أخرجه عبدالرزاق في «المصنف)) (١٠٣٩٨/١٧٤/٦): أخبرنا ابن جريج
قال: حدثني ابن أبي الحسين أن النبي ◌َ ﴿ قال ... فذكره.
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، ورجاله ثقات رجال الشیخین ، ولكنه معضل أو
مرسل ؛ فإن ابن أبي الحسين - واسمه عبدالله بن عبدالرحمن المكي - مشهور
بالرواية عن التابعين ؛ أمثال نافع بن جبير بن مطعم ومجاهد وعكرمة وغيرهم ، ولم
يذكروا له رواية عن أحد من الصحابة ؛ سوى أبي الطفيل عامر بن واثلة ، وهو من
صغارهم ، ولد عام أحد ، وهو آخر من مات من الصحابة .
٤٨٥٨ - (لَمَا نَزْلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بـ (حِراءٍ)؛ مَكَثَ أياماً لا يَرى
جِبْرِيلَ ، فَحَزِنَ حُزناً شديداً، حتى كانَ يَغْدُو إلى ثَبيرِ مَرةً ، وإلى
حِراءٍ مرةً ، يريدُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ، فَبَينا رسول الله ◌َ له كذلكَ عامِداً
لبعْض تلكَ الجبالِ ؛ إلى أنْ سَمِعَ صَوتاً منَ السماءِ ، فوقفَ رسولُ الله
صَعِقاً للصَّوْتِ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ فإذا جِبْرِيلُ على كُرُسيِّ بينَ السماءِ
والأَرضِ مُتَرَبِّعاً عليهِ يقولُ: يا مُحَمَّدُ! أنتَ رسولُ الله ◌َّةِ حَقّاً، وأنا
جبْريلُ. قال: فانصرفَ رسولُ الله ◌َ ه وقدْ أقرَّ اللهُ عَيْنَهُ، وربَطَ
(١) كتب الشيخ - رحمه الله - فوق هذا المتن: ((كلفت إليك علقَ القِرْبة: عبد ١٠٣٩٩))!
يشير إلى أنه ورد موقوفاً على عمر : عند عبدالرزاق بالرقم المذكور . (الناشر) .
٤٥٠
جَأْشَهُ. ثمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ بَعْدُ وحَمِيَ)(١).
باطل . أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٩٦/١): أخبرنا محمد بن عمر
قال : حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحُصَيْنِ عن أبي
غَطَفَانَ بنِ طَرِيفٍ عن ابن عباس :
أن رسول الله عَ ليه لما نزل عليه ...
قلت : وهذا إسناد موضوع؛ آفته : إما محمد بن عمر - وهو الواقدي -؛ فإنه
متهم بالوضع . وقال الحافظ في ((التقريب)) :
((متروك مع سعة علمه)). وقد تقدمت كلمات الأئمة فيه أكثر من مرة .
وإما إبراهيم بن محمد بن أبي موسى - وهو ابن أبي يحيى ، واسمه سمعان
الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني -، وهو متروك أيضاً مثل الواقدي أو أشد ؛ قال
فيه الحافظ أيضاً :
((متروك)) .
وحكى في ((التهذيب» أقوال الأئمة الطاعنين فيه ، وهي تكاد تكون مجمعة
على تكذيبه ، ومنها قول الحربي :
((رغب المحدثون عن حديثه ، وروى عنه الواقدي ما يشبه الوضع ، ولكن
الواقدي تالف)) .
وقوله في الإسناد: ((ابن أبي موسى)) أظنه محرفاً من ((ابن أبي يحيى)).
ويحتمل أنه من تدليس الواقدي نفسه ؛ فقد دلَّس بغير ذلك ، قال عبدالغني
ابن سعيد المصري :
(١) تقدم الحديث برقم (١٠٥٢)، وما هنا فيه فوائد زوائد. (الناشر).
٤٥١
((هو إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء الذي حدث عنه ابن جريج ، وهو
عبد الوهاب الذي يحدث عنه مروان بن معاوية ، وهو أبو الذئب الذي يحدث
عنه ابن جريج)) .
واعلم أن هذه القصة الباطلة قد وقعت في حديث عائشة في حكايتها رضي الله
عنها قصة بَدْء نزول الوحي على النبي ◌َ ﴿ ، مُدْرجةً فيه عند بعض مخرجيه،
ووقعت في ((صحيح البخاري)) عن الزهري بلاغاً؛ فقد أخرجه (٢٩٧/١٣ -٣٠٣) من
طريق عُقَيْلِ ومَعْمَرٍ عن ابن شهاب الزهري عن عروة عنها ؛ وجاء في آخر الحديث :
((وفتّرَ الوحي فترةً؛ حتى حزن النبي ◌َ ﴿ - فيما بلغنا - حُزناً غَدا منه مراراً
كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ... )) الحديث نحو رواية الواقدي .
وظاهر سياق الحديث في ((البخاري)) أن هذه الزيادة من رواية عقيل ومعمر
كليهما ! لكن حقق الحافظ أنها خاصة برواية معمر ؛ بدليل أن البخاري قد ساق
في أول ((الصحيح)) رواية عقيل ، وليس فيها هذه الزيادة .
وأقوى منه : أن طريق عقيل أخرجها أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريق
يحيى بن بكير - شيخ البخاري في أول الكتاب - بدونها ، وأخرجه مقروناً - كما
هنا - برواية معمر ، وبيَّنَ أن اللفظ لمعمر .
وكذلك صرَّح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر .
وأخرجه أحمد ، ومسلم ، والإسماعيلي ، وأبو نعيم من طريق جمع من
أصحاب الليث بدونها . قال الحافظ :
((ثم إن القائل: ((فيما بلغنا)) هو الزهري ، ومعنى الكلام : أن في جملة ما
وصل إلينا من خبر رسول الله : ﴿ في هذه القصة ، وهو من بلاغات الزهري ،
٤٥٢
وليس موصولاً . ووقع عند ابن مردويه في ((التفسير)) من طريق محمد بن كثير عن
معمر بإسقاط قوله : ((فيما بلغنا))، ولفظه: ((فترةٌ حزن النبي ◌َُّهُ منها حزناً غَدا
منه ... )) إلى آخره ، فصار كله مدرجاً على رواية الزهري عن عروة عن عائشة .
والأول هو المعتمد)» .
قلت : يعني : أنه ليس بموصول ، ويؤيده أمران :
الأول : أن محمد بن كثير هذا ضعيف ؛ لسوء حفظه - وهو الصنعاني
المِصِّيِّصِيُّ -؛ قال الحافظ :
((صدوق كثير الغلط)).
وليس هو محمد بن كثير العبدي البصري ؛ فإنه ثقة .
والآخر: أنه مخالف لرواية عبدالرزاق: حدثنا معمر ... التي ميّزت آخر الحديث
عن أوله ، فجعلته من بلاغات الزهري .
كذلك رواه البخاري من طريق عبدالله بن محمد : حدثنا عبد الرزاق ....
وكذلك رواه الإمام أحمد (٢٣٢/٦ - ٢٣٣): ثنا عبدالرزاق به .
ورواه مسلم في ((صحيحه)) (٩٨/١) عقب رواية يونس عن ابن شهاب به
دون البلاغ، ثم قال: وحدثني محمد بن رافع : حدثنا عبدالرزاق ... وساق
الحديث بمثل حديث يونس ، مع بيان بعض الفوارق اليسيرة بين حديث يونس
ومعمر ، ولم يسق الزيادة . ولولا أنها معلولة عنده بالانقطاع ؛ لما استجاز السكوت
عنها وعدم ذكرها ؛ تفريقاً بين الروايتين أو الحديثين ، مع أنه قد بيَّن من الفوارق
بينهما ما هو أيسر من ذلك بكثير ! فدلَّ هذا كله على وهم محمد بن كثير
الصنعاني في وصله لهذه الزيادة ، وثبت ضعفها .
٤٥٣
ومما يؤكّد ذلك : أن عبدالرزاق قد توبع على إسناده مرسلاً ، فقال ابن جرير
في ((تاريخه)) (٣٠٥/٢ - دار المعارف): حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال : حدثنا
ابن ثور عن معمر عن الزهري قال :
فَتَّر الوحي عن رسول الله {﴿ فترة ، فحزن حزناً شديداً ، جعل يغدو إلى
رؤوس شواهق الجبال ليتردّى منها ... الحدیث .
وابن ثور : اسمه محمد أبو عبدالله العابد ، وهو ثقة .
فثبت بذلك يقيناً وهَمُ محمد بن كثير الصنعاني في وصلهِ إِيَّاها .
فإن قيل : فقد تابعه النعمان بن راشد فقال : عن الزهري عن عروة عن
عائشة به نحوه . أخرجه الطبري (٢٩٨/٢ - ٢٩٩)؟!
فأقول : إن حال النعمان هذا مثل حال الصنعاني في الضعف وسوء الحفظ ؛
فقال البخاري :
((في حديثه وهَمٌ كثير)) . وفي (التقريب)) :
((صدوق سيئ الحفظ)).
قلت : وفي حديثه هذا نفسه ما يدلُّ على سوء حفظه ؛ ففيه ما نصُّه :
((ثم دخلتُ على خديجة فقلت : زملوني زملوني . حتى ذهب عني الرَّوْعُ، ثم
أتاني فقال: يا محمد! أنت رسول الله - قال: ـ فلقد هممت أن أطرح نفسي من
حَالِقٍ من جبل ، فتبدى لي حين هممت بذلك ، فقال : يا محمد ! أنا جبريل وأنت
رسول الله . ثم قال : اقرأ . قلت : ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغتّني ثلاث مرات؛ حتى
بلغ مني الجَهْدَ، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الذِي خَلَقَ﴾ فقرأتُ ... )) الحديث!
٤٥٤
قلت : فجعل النعمان هذا الأمر بالقراءة بعد قصة الهمّ المذكور، وهذا منكر
مخالف لجميع الرواة الذين رووا الأمر دونها ، فذكروه في أول حديث بَدْء الوحي ،
والذين رووها معه مرسلة أو موصولةً ؛ فذكروها بعده .
ومن ذلك: ما أخرجه ابن جرير أيضاً (٣٠٠/٢ - ٣٠١) قال: حدثنا ابن
حُمَيْد قال: حدثنا سَلَمَةُ عن محمد بن إسحاق قال : حدثني وَهْبُ بن كَيْسَانَ
مولى آل الزبير قال :
سمعت عبدالله بن الزبير وهو يقول لعُبَيْدِ بن عُمَّيْرِ بن قتادة الليثي : حدثنا يا عبيدُ
! كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله له من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام؟
قلت ... فذكر الحديث ، وفيه - بعد الأمر المشار إليه -:
قال : ((فقرأته . قال : ثم انتهى ، ثم انصرف عني ، وهببت من نومي ، وكأنما
كتب في قلبي كتاباً. [قال : ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إليّ من شاعر أو
مجنون ، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما ! قال : قلت : إن الأبعد - يعني : نفسه -
لشاعر أو مجنون؟! لا تحدث بها عني قريش أبداً، لأعمدن إلى حالق من الجبل
فلأطرحن نفسي منه ، فلأقتلنها فلأستريحن] . قال : فخرجت أريد ذلك ، حتى
إذا كنت في وسط الجبل ؛ سمعت صوتاً من السماء ... )) الحديث .
ولكن هذا الإسناد مما لا يُفْرَح به ، لا سيما مع مخالفته لما تقدم من روايات
الثقات ؛ وفيه علل :
الأولى : الإرسال؛ فإن عبيد بن عمير ليس صحابيّاً ، وإنما هو من كبار التابعين ،
ولد في عهد النبي {﴾﴾ .
الثانية : سلمة - وهو ابن الفضل الأَبْرَشُ -؛ قال الحافظ :
٤٥٥
((صدوق كثير الخطأ)).
قلت : ومع ذلك ؛ فقد خالفه زياد بن عبدالله البگّائِئُّ؛ وهو راوي كتاب
((السيرة)) عن ابن إسحاق ، ومن طريقه رواه ابن هشام ، وقال فيه الحافظ :
(«صدوق تَبْت في المغازي)) .
وقد أخرج ابن هشام هذا الحديث في ((السيرة» (٢٥٢/١ - ٢٥٣) عنه عن ابن
إسحاق به ؛ دون الزيادة التي وضعتها بين المعكوفتين []، وفيها قصة الهمّ المنكرة .
فمن المحتمل أن يكون الأبرش تفرّد بها دون البَكَّائي ، فتكون منكرة من جهة
أخرى ؛ وهي مخالفته للبكائي ؛ فإنه دونه في ابن إسحاق؛ كما يشير إلى ذلك
قول الحافظ المتقدم فيهما .
ومن المحتمل أن يكون ابن هشام نفسه أسقطها من الكتاب ؛ لنكارة معناها ،
ومنافاتها لعصمة النبي عليه ؛ فقد أشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد فعل شيئاً
من ذلك ، فقال (٤/١) :
(( .. وتاركٌ ذِكْرَ بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب ؛ مما ليس لرسول
الله ◌َةٍ فيه ذكر ... وأشياء بعضها يَشْنُعُ الحديث به ... )).
وهذا كلُّه يقال على احتمال سلامته من العلة التالية ؛ وهي :
الثالثة: ابن حميد - واسمه محمد الرازي -؛ وهو ضعيف جداً، كذبه
جماعة من الأئمة ، منهم أبو زرعة الرازي .
وجملة القول ؛ أن الحديث ضعيفٌ إسناداً، منكرٌ متناً ، لا يطمئن القلب
المؤمن لتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله ﴿﴿ من الهمّ بقتل نفسه
٤٥٦
بالتردّي من الجبل ، وهو القائل ـ فیما صحَّ عنه - :
((مَنْ تَردَّى من جبل فقتل نفسه ؛ فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالداً مخلداً
فيها أبداً)). متفق عليه: ((الترغيب)) (٢٠٥/٣).
لا سيّما وأولئك الضعفاء قد خالفوا الحفّاظ الثقات الذين أرسلوه .
وما أشبه هذا المرسل في النكارة بقصة الغرانيق التي رواها بعض الثقات
أيضاً مرسلاً ووصلها بعض الضعفاء، كما بيَّنته في رسالة لي مطبوعة بعنوان :
((نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق))، فراجعها تجد فيها - كما في هذا الحديث -
شاهداً قويّاً على ما ذهب إليه المحدّثون : من أن الحديث المرسل من قسم الحديث
الضعيف ؛ خلافاً للحنفية ؛ لا سيما بعض المتأخرين منهم الذين ذهبوا إلى
الاحتجاج بمرسل الثقة ولو كان المرسل من القرن الثالث !
بل غلا أحدهم من المعاصرين فقال : ولو من القرن الرابع(١)! وإذن ؛ فعلى
جهود المحدثين وأسانيدهم السلام !
هذا؛ ولقد كان الباعث على كتابة هذا التخريج والتحقيق : أنني كنت
علَّقْتُ في كتابي ((مختصر صحيح البخاري)) - يسَّرَ الله تمام طبعه - (٥/١) على
هذه الزيادة بكلمة وجيزة ؛ خلاصتها أنها ليست على شرط ((الصحيح))؛ لأنها من
بلاغات الزهري . ثم حكيت ذلك في صدَدٍ بيان مزايا المختصر المذكور؛ في بعض
المجالس العلمية في المدينة النبوية في طريقي إلى الحج أو العمرة سنة (١٣٩٤)،
وفي عمرتي في منتصف محرم هذه السنة (١٣٩٥)، وفي مجلس من تلك
(١) انظر ((قواعد في علوم الحديث)) للشيخ التهانوي (ص١٣٨ - ١٦٤، ٤٥٠)،
وراجعه ؛ فإنك ستجد فيه العجب العجاب من المخالفة لما عليه المحدِّثون !
٤٥٧
المجالس ذكَّرني أحد طلاب الجامعة الإسلامية الأذكياء المجتهدين - ممن أرجو له
مستقبلاً زاهراً في هذا العلم الشريف ؛ إذا تابع دراسته الخاصة ولم تَشْغَلْهُ عنها
الصوارف الدنيوية - أن الحافظ ابن حجر ذكر في ((الفتح)): أن ابن مردويه روی
زيادة بلاغ الزهري موصولاً ، وذكر له شاهداً من حديث ابن عباس من رواية ابن
سعد؟ فوعدته النظر في ذلك ؛ وها أنا قد فعلت ، وأرجو أن أكون قد وفقت
للصواب بإذن الله تعالى .
وإن في ذلك لعبرة بالغة لكلِّ باحث محقق ؛ فإن من المشهور عند المتأخرين :
أن الحديث إذا سكت عنه الحافظ في ((الفتح)) فهو في مرتبة الحسن على الأقل ،
واغترَّ بذلك كثيرون، وبعضهم جعله قاعدة نبَّهَ عليها في مؤلَّفٍ له ، بل وألْحَق به
ما سكتَ عنه الحافظ في ((التلخيص)» أيضاً !
وكل ذلك توسُّع غير محمود؛ فإن الواقع يشهد أن ذلك ليس مطَّرداً في
((الفتح))؛ بله غيره ، فهذا هو المثال بين يديك ؛ فقد سكت فيه على هذا الحديث
الباطل ، وفيه متهمان بالكذب عند أئمة الحديث ، متروكان عند الحافظ نفسه !
وقد سبق له مثال آخر - وهو الحديث (٣٨٩٨) -، وقد أشرتُ إليه في التعليق على
((مختصر البخاري)) (٢٧٧/١)؛ يسَّر اللهُ إتمام طبعه . آمين .
٤٨٥٩ - (لا تَهْدمُوا الآطامَ ؛ فإنَّها زِينَةُ المدينَةِ) .
منكر. أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٣١٢/٢ و١٩٤/٤)، وابن عدي
في ((الكامل)) (ق٢/٢١٣) عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر رضي الله
عنهما أن رسول الله ، قال ... فذكره . وقال ابن عدي :
((عبدالله بن نافع ممن يكتب حديثه ، وإن كان غيره يخالفه فيه)) .
٤٥٨
قلت : فأشار ابن عدي إلى أنه ضعيف، وهو مما أجمع عليه الأئمة ، بل
ضعَّفه بعضهم جدّاً ؛ فقال البخاري :
((منكر الحديث)). وقال النسائي :
(متروك الحديث)).
وتابعه على الشطر الأول : عبد الله بن عمر العمري عن نافع به .
أخرجه البزار (١١٨٩ - كشف)، والطحاوي. وقال الهيثمي في (مجمع
الزوائد)) (٣٠١/٣):
((رواه البزار عن الحسن بن يحيى ، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال
(الصحيح)))! وقال الحافظ في ((زوائد البزار)) - عقب الحديث -:
((قلت : إسناده حسن))!
كذا قالا ! وفيه نظر من وجهين :
الأول: أن عبدالله بن عمر العمري ضعيف؛ كما جزم به الحافظ في ((التقريب)).
وساق له الذهبي في ترجمته أحاديث مما أنكر عليه ، قال في أحدها :
((وهو حديث منكر جداً)).
ولعلَّ الهيثمي توهَّم أنه عبيدالله بن عمر العمري المصغّر ، وهو أخو عبدالله بن
عمر العمري المكبَّر ؛ فإنه ثقة من رجال الشيخين ، وليس كذلك ! ويدل عليه
شيئان :
١ - أنه جاء مسمى عند البزار بـ (عبدالله بن عمر) مكبَّراً . وعند الطحاوي
منسوباً إلى العمري ، وهو المكبَّر عند الإطلاق .
٤٥٩
ومن المحتمل أن يكون وقع في نسخة الهيثمي من ((مسند البزار)): ((عبيدالله
ابن عمر)» مصغراً؛ فإن كان كذلك فهي نسخة غير معتمدة ؛ كما قد يشعر بذلك
اقتصار الحافظ على تحسينه .
٢ - النظر في الرواة عنه، وهم: وهب بن جرير ، وإسحاق بن محمد الفَرْوِيُّ:
عند الطحاوي ، وقد ذكرهما المزِّي في الرواة عن عبدالله المكبّر دون أخيه المصغّر،
فتعيَّن أنه المكبّر الضعيف .
الثاني : أن في إسناد البزار: محمد بن سنان ؛ هكذا غير منسوب ، وهو
عندي أبو بكر القَزَّز البصري ، وقد جزم الحافظ أيضاً بضعفه في ((التقريب))، بل
كذَّبه بضعهم كما حكاه في ((التهذيب))، فكيف يحسّن إسناده ، ويقول الهيثمي :
إنه من رجال ((الصحیح)»؟!
وغالب الظن أنهما توهّما أنه محمد بن سنان الباهلي المعروف بـ (العَوَقِيِّ)؛
فإنه من رجال البخاري ، ولكنه ليس به فيما يترجح عندي ؛ فإنه عند البزار من
روايته عن الحسن بن یحیی عن محمد بن سنان عن عبدالله بن عمر .
هكذا وقع إسناده في ((زوائد البزار)) من النسخة المصورة عندي ، وهي نسخة
سيئة ، والغالب أن فيه سقطاً من بعض النساخ ؛ فإن محمد بن سنان سواء كان هو
القزاز الضعيف ، أو الباهلي الثقة ؛ ليس في طبقة من يروي عن العمري ، ولكني
وجدت في ترجمة الأول منهما من «تھذیب المِّي» أنه روی عن وهب بن جریر ،
فألقي في النفس أن وهباً هذا هو الساقط من الإسناد بين محمد بن سنان
والعمري ، وعليه يكون مدار طريق البزار وإحدى طريقي الطحاوي على وهب بن
جرير ، وهو يرويه عن العمري الضعيف ، فهو علَّة هذه الطريق .
٤٦٠