Indexed OCR Text

Pages 621-640

غير واضح عند الحافظ وغيره، وهو حري بذلك، فليس هناك ما يحمل على القطع
بشيء من ذلك، ولو رواية ضعيفة. وكأنه لذلك اقتصر المناوي على قوله في ((الفيض)):
((رواه البيهقي في ((الشعب)) عن أنس: وفي سنده لين)).
فلم يعرج على بيان السبب خلافاً لعادته. والله أعلم.
فإن قيل: فإذا كان المناوي لم يبين علته لأنه لم يتبين له من أبو عصام هذا؟
فلماذا ضعف إسناده؟
فأقول -والله أعلم -: لأنه إذا لم يتبين له أنه أبو عصام الثقة، فالإِسناد من الوجهة
العملية، مجهول الصحة؛ والحالة هذه. وما كان كذلك من الأسانيد، فهو في حكم
الضعيف، ومن أجل ذلك أوردته أنا في هذه ((السلسلة))، فإن ظهر لنا شيء يقتضي
صحته نقلناه إلى ((السلسلة)) الأخرى. والله أعلم.
ثم روى البيهقي من طريق ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة والليث بن سعد عن
عقيل عن ابن شهاب :
أن رسول الله * كان إذا شرب تنفس ثلاثة أنفاس، ونهى عن العبّ نفساً
واحداً، ويقول: ذلك شرب الشيطان. وقال:
((هذا مرسل، وروينا عن معمر عن ابن أبي حسين أن النبي بَّ قال:
إذا شرب أحدكم فليمص مصاً ولا يعب عباً، فإن الكباد من العب)).
ثم رواه من طريق أحمد بن منصور: ثنا عبد الرزاق: أنا معمر فذكره. وهو في
((مصنف عبد الرزاق)) (٤٢٨/١٠) بهذا الإِسناد . وابن أبي حسين هو عبد الله بن
عبد الرحمن المكي، وهو تابعي ثقة، فهو مرسل صحيح، كالذي قبله. فلعل الحديث
يقوى بهما. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وتقدم حديثان آخران في المصّ، أحدهما قولي، والآخر فعلي، فراجعهما إن
شئت (٩٤٠، ٩٤١).
٠ ١٤٢٩ - (برُّ الوالدين يزيدُ في العمرِ، والكذبُ ينقصُ من الرزقِ،
والدعاءُ يردُّ البلاءَ، ولله في خلقه قضاآن، فقضاءً نافذٌ، وقضاءً ينتظرُ،
- ٦٢١ -

وللأنبياءِ على العلماءِ فضلُ درجتين، وللعلماءِ على الشهداءِ فضلُ درجةٍ).
موضوع. رواه أبو الشيخ في ((التاريخ)) (ص ٣٢٣) عن السري بن مسكين عن
الوقاصي عن أبي سهيل بن مالك عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً.
وبهذا الإِسناد أخرجه في ((الفوائد)) أيضاً (٢/٨١) دون قوله: ((وفي خلقه)).
قلت: وهذا إسناد موضوع؛ الوقاصي هذا بفتح الواو وتشديد القاف هو عثمان بن
عبد الرحمن أبو عمرو كان ممن يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات لا يجوز
الاحتجاج به. كذا في ((الأنساب)) للسمعاني وهذا التجريح هو نص ابن حبان في
((الضعفاء)) (٩٨/٢).
وروى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» (١/٢٣٩/١٢) عن صالح بن محمد
الحافظ أنه قال فيه :
((كان يضع الحديث، وعلي بن عروة أكذب منه)).
قلت: والسَّرِي بن مسكين، قال الحافظ:
((مقبول)). يعني عند المتابعة كما هو اصطلاحه في المقدمة، وقد تابعه خالد بن
إسماعيل المخزومي عن عثمان بن عبد الرحمن لكنه قال: عن أبي سهيل وهو نافع بن
مالك عن أبيه عن أبي هريرة به.
أخرجه ابن عدي (١/١٢٠) في ترجمة المخزومي في جملة أحاديث له وقال:
«وعامة حديثه موضوعات)).
قلت: لكن متابعة السري له، تبرىء عهدة المخزومي من الحديث، وتعصب
الجناية في شيخه الوقاصي .
ويبدو لي أن المناوي لم يقف على علته، فإنه قال تعليقاً على قول السيوطي في
((الجامع)): ((رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ)) وابن عدي عن أبي هريرة)):
«ضعفه المنذري)»!
ولم يزد على هذا! والمنذري ذكره في ((الترغيب)) (٢٩/٤) من رواية الأصبهاني
إلى قوله: ((يرد القضاء)) دون ما بعده، وأشار لضعفه. ومما حققناه يتبين لك أنه موضوع،
- ٦٢٢ -

فكان على المنذري أن يبينه، وعلى السيوطي أن يحذفه من كتابه، وفاء منه بوعده!
وتابعه أيضاً يحيى بن المغيرة عن أبيه عن عثمان بن عبد الرحمن عن سهيل عن
أبيه عن أبي هريرة به .
أخرجه الأصبهاني في ((ترغيبه)) (ق ١/٤٧) والديلمي في ((مسنده)) (٤/١/٢).
ويحيى هذا صدوق، لكن أبوه وهو المغيرة بن إسماعيل بن أيوب المخزومي
مجهول كما قال الذهبي .
وبالجملة فمدار هذه الروايات كلها على عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو
وضاع كما عرفت، وقد تقدمت له أحاديث عديدة تدل على حاله، أقربها الحديث
(٨٧٧).
١٤٣٠ - (ليسَ للنساءِ سلامٌ، ولا عليهن سلامٌ).
منكر. أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٨/٨): حُدِّثْتُ عن أبي طالب: ثنا علي
ابن عثمان النفيلي: ثنا هشام بن إسماعيل العطار: ثنا سهل بن هشام عن إبراهيم بن
أدهم عن الزبيدي عن عطاء الخراساني يرفع الحديث قال: فذكره. قال الزبيدي: أخذ
على النساء ما أخذ على الحيات: أن ينحجرن في بيوتهن!
قلت: وهذا إسناد ضعيف، لانقطاعه في أعلاه، وفي أدناه على جهالة فيه
وضعف.
أما الأول: فلأن عطاء الخراساني، قال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق، يهم كثيراً، ويرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة خمس
وثلاثين)). يعني ومائة، فهو تابعي صغير.
وأما الآخر، فظاهر من قول أبي نعيم: ((حدثت عن أبي طالب)) فلم يذكر الذي
حدثه، وأبو طالب هذا هو ابن سوادة كما في إسناد آخر قبل هذا، ولم أعرفه.
وبقية الرجال ثقات غير سهل بن هشام، فلم أعرفه أيضاً. لكن الظاهر أن فيه خطأً
مطبعياً، والصواب سهل بن هاشم وهو الواسطي البيروتي، فقد ذكروا في ترجمته أنه
روى عن إبراهيم بن أدهم، وهو ثقة. والله أعلم.
1
- ٦٢٣ -
.
:
1
!

١٤٣١ - (لذكرُ الله بالغداةِ والعشيِّ، خيرٌ من حطمِ السيوفِ في سبيلٍ
الله) .
موضوع. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢/١٢٤) والديلمي في ((مسند
الفردوس)) من طريق الحسن بن علي العدوي: حدثنا خراش: ثنا مولاي أنس بن مالك
قال: قال رسول اللّه وَالر: فذكره. وقال ابن عدي:
((وخراش هذا مجهول، ليس بمعروف، وما أعلم حدث عنه ثقة أو صدوق،
والعدوي كنا نتهمه بوضع الحديث، وهو ظاهر الأمر في الكذب)).
وأورده السيوطي في ((زوائد الجامع الصغير)) و ((الجامع الكبير)) من رواية
الديلمي، وكذلك أورده في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (ص ٤٩) !! وعزاه في ((الكبير))
لابن شاهين في ((الترغيب في الذكر)» عن ابن عمرو، وابن أبي شيبة عنه موقوفاً بزيادة
((ومن إعطاء المال سحًَّ)).
١٤٣٢- (ما احتلم نبي قط، إنما الاحتلام من الشيطان).
باطل. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢/١٢٧) من طريق سليمان بن
عبد العزيز الزهري : حدثني أبي عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن
عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله .
أورده في ترجمة داود هذا وقال:
((وهذا الحديث ليس البلاء [فيه] من داود، فإن داود صالح الحديث، إذا روى
عنه ثقة، والراوي عنه ابن أبي حبيبة قد مر ذكره في هذا الكتاب في ضعفاء الرجال،
فالبلاء منه)).
قلت: وسليمان بن عبد العزيز هذا لم أعْرفه، ويحتمل أنه الذي في ((اللسان)):
((سليمان بن عبد العزيز، عن الحسن بن عمارة، وعنه عبد الله بن سويد أبو
الخصيب، جهله ابن القطان)).
قلت: وقد خالفه الثقة إبراهيم بن المنذر الحزامي فقال: ثنا عبد العزيز بن أبي
- ٦٢٤ -

ثابت به عن ابن عباس قال: فذكره موقوفاً عليه.
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٢٦/٣-١٢٧) و(«الأوسط)) (ق ٢/٩ -
مجمع البحرين) وابن المظفر في ((الفوائد)) (ق ٢/٩٩) وقال الطبراني :
((لم يروه عن داود إلا ابن أبي حبيبة، ولا عنه إلا عبد العزيز)).
قلت: وهو شديد الضعف كما يشهد بذلك أقوال الحفاظ ؛ المتقدمين منهم
والمتأخرين، فقال البخاري وأبو حاتم:
((منكر الحديث)). زاد الثاني: ((جداً)).
وقال الذهبي في ((الكاشف)) و ((الضعفاء)):
((تركوه).
وقال الحافظ :
((متروك)).
قلت: فهو آفة هذا الحديث سواء كان حدث به موقوفاً كما في رواية الحِزامي
عنه، أو مرفوعاً كما في رواية ابنه سليمان عنه، وليست الآفة من ابن أبي حبيبة كما تقدم
عن ابن عدي، لأن هذا أحسن حالاً من عبد العزيز.
فالحديث ضعيف جداً موقوفاً، وباطل مرفوعاً، لتفرد سليمان المجهول برفعه
ومخالفته للحزامي الثقة في وقفه.
١٤٣٣ - (إذا حجَّ رجلٌ بمالٍ من غيرِ حله فقالَ: لبيك اللهم لبيكَ،
قالَ الله: لا لبيكَ ولا سعديكَ، هذا مردودٌ عليك).
ضعيف. رواه ابن دوست في ((الفوائد العوالي)) (١/١٤/١) وابن عدي
(١/١٣٠) والديلمي في ((مسنده)) (١٦١/١/١) وابن الجوزي في ((الواهية)) (٧٥/٢)
وكذا الأصبهاني في ((الترغيب)» (ق ١/١٠٧) عن أبي الغصن الدجين بن ثابت - من بني
يربوع - عن أسلم مولى عمر عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.
قلت: وهذا سند ضعيف أبو الغصن هذا قال ابن عدي:
«مقدار ما يرويه ليس بمحفوظ)).
- ٦٢٥ -

ثم روى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه سئل عن دجین بن ثابت الذي یروی عنه
عن أسلم مولى عمر؟ فقال: ((قال لنا أول مرة: حدثني مولى لعمر بن عبد العزيز، فقلنا
له: إن مولی لعمر بن عبد العزيز لم يدرك النبي پے! قال: فتركه، فما زالوا يلقنونه حتی
قال: أسلم مولى عمر بن الخطاب)) ثم قال عبد الرحمن:
«لا يعتد به)).
وقال ابن الجوزي :
(«حديث لا يصح، فيه دجين بن ثابت، قال يحيى: ليس بشيء، والنسائي : غير
ثقة)) .
قلت: ونقل هذا المناوي في ((الفيض)) وأقره، وأما في ((التيسير)) فقد أفسده
بقوله :
«وإسناده ضعيف، لکن له شواهد»!
ولا أعلم له من الشواهد إلا حديث أبي هريرة مرفوعاً بمعناه أتم منه. ولا يصلح
شاهداً لشدة ضعفه، فإن فيه سليمان بن داود اليمامي قال فيه البخاري :
((منكر الحديث)).
وقد تقدم من هذه الطريق برقم (١٠٩٢) و(١٠٩١) من الطريق التي قبل هذه.
(تنبيه): هذا الحديث في المصادر التي خرجته منها هو من مسند عمر، وكذلك
هو في ((الجامع الكبير)) للسيوطي، وكذا في بعض نسخ ((الجامع الصغير)). ووقع في
النسخة التي تحتها ((شرح المناوي)) (ابن عمر) وكذلك وقع في ((الفتح الكبير)) للنبهاني،
ثم في ((ضعيف الجامع الصغير)) رقم (٥٥٩)، فليصححه من كان عنده نسخة منه.
١٤٣٤ - (إذا حجَّ الرجلُ عن والدَيْه تقبلَ منه ومنهما، واستبشرتْ
أرواحُهما في السماءِ، وكُتبَ عندَ الله بَراً).
ضعيف. أخرجه الدار قطني في ((السنن)) (٢٧٢) وابن شاهين في ((الترغيب))
(١/٢٩٩) وأبو بكر الأزدي الموصلي في ((حديثه)) (١-٢) عن أبي أمية الطرسوسي: ثنا
أبو خالد الأموي: نا أبو سعد البقال عن عطاء بن أبي رباح عن زيد بن أرقم قال: قال
- ٦٢٦ -

رسول الله عَليه .
قلت: وهذا سند ضعیف: أبو سعد البقال -هو سعید بن مرزبان- ضعيف مدلس
كما في ((التقريب)).
وأبو خالد الأموي لم أعرفه. وذكر المناوي أنه أبو خالد الأحمر. وفيه بعد وأبو
أمية الطرسوسي، واسمه محمد بن إبراهيم بن مسلم. قال الحافظ:
«صدوق صاحب حدیث یهم)).
وقد توبع أبو سعد البقال من قبل عيسى بن عمر: ثنا عطاء بن أبي رباح به ولفظه:
((من حج عن أبويه، ولم يحجا، أجزأ عنهما وعنه، وبشرت أرواحهما في
السماء ... )).
أخرجه الثقفي في ((الثقفيات)) (ج ٤ رقم الحديث ٣٤ - نسختي): حدثنا أبو
الفرج عثمان بن أحمد بن إسحاق: نا محمد بن عمر بن حفص : ثنا إسحاق بن إبراهيم
-شاذان۔ ثنا سعد بن الصلت: ثنا عیسی بن عمر به.
قلت: وهذه متابعة قوية، فإن عيسى هذا -وهو الأسدي الهمداني - ثقة، كما في
(التقریب))، لکن الطريق إليه مظلم، فإن أبا الفرج هذا وشیخه محمد بن عمر بن حفص
لم أجد من ترجمهما.
وسعد بن الصلت ترجمه ابن أبي حاتم (٨٦/١/٢) برواية ثلاثة عنه، أحدهم
شاذان هذا، ولم یذکر فیه جرحاً ولا تعدیلاً.
قلت: وهو على شرط ابن حبان فلعله ذكره في ((الثقات)).
وأما شاذان، فترجمه ابن أبي حاتم (٢١١/١/١)، وذكر أنه ابن ابنة شيخه سعد
ابن الصلت وقال:
((كتب إلى أبي، وإلي، وهو صدوق)).
وبالجملة، فالحديث ضعيف من الطريقين، وقوله في الآخر منهما: ((ولم
يحجا)). منكر، لأن ظاهره أنه يسقط الحج عنهما بحج ولدهما، ولو كانا قادرين عليه،
وأما إن كان المقصود به إذا كانا غير قادرين فلا نكارة فيه، لحديث الخثعمية المعروف
- ٦٢٧ -

في ((الصحيحين)) وغيرهما. والله أعلم.
هذا ما كنت كتبته منذ نحو عشر سنين أو أكثر، وقبل طبع كتاب ((الثقات)) لابن
حبان رحمه الله، فلما مرت تجربة هذا الحديث تحت يد الأخ علي الحلبي لتصحيح
أخطائها المطبعية كتب بجانبه مذكراً- جزاه الله خيراً - ما خلاصته:
١ - أن سعد بن الصلت ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٣٧٨/٦)، فصدق بذلك
ما كنت ظننته .
٢ - أن أبا الفرج عثمان بن أحمد وشيخه محمد بن عمر قد وثقهما السمعاني في
((الأنساب))، ذكر الأول منهما في مادة (البرجي)، والآخر في مادة (الجرجيري)، وأن
الذهبي ذكرهما عرضاً في ((تذكرة الحفاظ)) واصفاً لكل منهما بأنه ((مسند أصبهان)).
قلت: فعلى هذا فالطريق إلى عيسى بن عمر نظيف، إن سلم من سعد بن
الصلت، فإن فيه جهالة كما يشعر به صنيع ابن أبي حاتم المتقدم، وبخاصة أن ابن حبان
قد قال فيه: ((ربما أغرب)). والله أعلم.
وقد روي الحديث عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً نحوه، ولا يصح أيضاً، وهو:
١٤٣٥ - (من حجَّ عن والدَيه، أو قضى عنهما مغرماً بعثَه الله يومَ القيامةِ
مع الأبرار).
ضعيف جداً. أخرجه ابن شاهين في ((الترغيب)) (٢/٩٩) والطبراني في
((الأوسط)) (رقم -٧٩٦٤) والدار قطني (٢٧٢) وابن عدي في ((الكامل)) (٢/٢٠٢) وأبو
بكر الأزدي في ((حديثه)) (٢/٣) والأصبهاني في ((الترغيب)) (ق ٢/٥٨ و٢/٢٨٥) عن
صلة بن سليمان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله .
وهذا إسناد ضعيف جداً، صلة بن سليمان هذا قال الذهبي في ((الضعفاء
والمتروکین)» :
((تركوه)).
وذكر له في ((الميزان)) من مناكيره حديثين، هذا أحدهما. وأقره الحافظ في
- ٦٢٨ -

((اللسان)) ونقل عن ابن معين وأبي داود أنهما قالا فيه: ((كذاب)) وقد ذكر الطبراني أنه:
((لم يروه عن ابن جريج إلا صلة)) هذا.
وفي ترجمته أورده ابن حبان في ((الضعفاء)) (١ /٣٧٦) وقال فيه:
((يروي عن الثقات المقلوبات، وعن الأثبات ما لا يشبه حديث الثقات)).
١٤٣٦ - (إذا قَدم أحدُكم من سفرٍ فَلْيُهدِ إلى أهلهِ، وليطرفهم ولو كانت
حجارةً).
ضعيف جداً. أخرجه الدار قطني في ((السنن)) (٢٨٩) وعنه ابن الجوزي في
((الواهيات)) (٩٧/٢) من طريق محمد بن المنذر بن عبيد الله بن المنذر بن الزبير عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله وسلم قال: فذكره. وقال ابن الجوزي:
((لا یصح)).
قلت: وهذا إسناد هالك، رجاله ثقات غير ابن المنذر هذا قال ابن حبان:
((لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار)).
وقال الحاكم:
((يروي عن هشام أحاديث موضوعة)).
وقال أبو نعيم :
((يروي عن هشام أحاديث منكرة)».
وله شاهد من حديث وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده مرفوعاً بلفظ :
(( ... فليطرف أهله، ولو أن يلقي حجراً في مخلاته)).
أخرجه أبو القاسم بن أبي العَقب في ((حديث القاسم بن الأشيب)) (ق ١/٧):
حدثنا إبراهيم بن أحمد اليماني قال : حدثني محمد بن زياد عن يحيى بن بسطام
الأصفر: حدثنا سعيد بن عبد الجبار الزبيدي : حدثني وحشي بن حرب ...
قلت: وهذا إسناد مظلم هالك، ليس فيهم موثق من معتبر، حرب بن وحشي،
مستور.
وابنه وحشي بن حرب مجهول.
وسعيد بن عبد الجبار ضعيف.
- ٦٢٩ -

ویحیی بن بسطام مختلف فیه، قال أبو حاتم ((صدوق))، وقال ابن حبان: ((لا تحل
الرواية عنه)). ولذلك أورده الذهبي في ((الضعفاء والمتروكين)).
ومحمد بن زياد لم أعرفه، ويحتمل أن يكون زياد تحرف في الأصل أو في نقلي
عنه - عن ((زكريا))، وهو محمد بن زكريا الغلابي، فقد ذكر العقيلي في ((الضعفاء))
(٤٥٩) أنه روی عن یحیی هذا، فإن یکن هو فهو وضاع.
وإبراهيم بن أحمد اليماني، لم أعرفه أيضاً.
وله شاهد آخر من حديث ابن عمر، ولكن في إسناده كذاب أيضاً، وهو:
١٤٣٧ - (إذا قدِمَ أحدُكم من سفرٍ فلا يدخلْ ليلاً، وليضعْ في خرجِهِ
ولو حجراً).
موضوع. رواه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١٢٠/١ و٣٣٨/٢) ومن طريقه
الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٧٤/١/١) عن أبي الحسن أحمد بن إسحاق المديني :
ثنا الهيثم بن بشر بن حماد: ثنا أبو صالح إسحاق بن نجيح عن الوضين بن عطاء عن
مكحول عن ابن عمر مرفوعاً.
قلت: وهذا موضوع، آفته إسحاق هذا وهو الملطي كذاب وضاع.
وقد تابعه غياث بن إبراهيم التميمي، لكنه قال:
((عن الوضين عن محفوظ بن علقمة عن أبي الدرداء رفعه بلفظ:
( .. فليقدم معه بهدية، ولو يلقي في مخلاته حجراً)).
أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» (٢/٩٤/١٥).
وغياث وضاع أيضاً.
ومن دون إسحاق ترجمهما أبو نعيم، ولم يذكر فيهما توثيقاً.
قلت : لكن الشطر الأول منه ثبت في الصحيحين من حديث جابر نحوه.
١٤٣٨ - ( ما من يوم إلا ينزلُ مثاقيلٌ من بركاتِ الجنةِ في الفراتِ).
ضعيف جداً. أخرجه ابن عدي في «الکامل( (٢/١٣٢) عن الربيع بن بدر عن
الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي وَّر، وقال:
- ٦٣٠ -

((لا أعرفه إلا من حديث الربيع بن بدر)).
قلت: وهو ضعيف جداً، قال ابن عدي في آخر ترجمته :
«وعامة حديثه مما لا یتابعه أحد علیه)).
وقال الذهبي في ((الضعفاء والمتروكين)):
((تركه الدارقطني وغيره)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((متروك)).
وبه أعله في ((الفيض)) وزاد:
((قال ابن الجوزي: حديث لا يصح، فيه الربيع، يروي عن الثقات المقلوبات،
وعن الضعفاء الموضوعات)).
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع)) لابن مردويه عن ابن مسعود، ففاته هذا
المصدر العالي!
ومن أحاديث هذا الهالك:
١٤٣٩ - (إن الله لا يهتكُ سِتْرَ عبدٍ فيه مثقال ذرةٍ من خيرٍ).
ضعيف جداً. أخرجه ابن عدي (١٣٢ /٢) عن الربيع بن بدر : ثنا أيوب عن أبي
قلابة عن أنس قال: قال رسول الله وَله: فذكره.
وهذا إسناد ضعيف جداً ، آفته الربيع هذا ، وقد عرفت حاله آنفاً.
ومنها :
١٤٤٠ - (الصيامُ جنةٌ ما لم يخرقها بكذبٍ أوْ غيبةٍ).
ضعيف جداً. أخرجه ابن عدي والطبراني في ((الأوسط)) (رقم ٤٦٧٣) من طريق
الربيع بن بدر عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعاً . وقالا:
((لم يروه عن يونس إلا الربيع)).
قلت: وهو ضعيف جداً، كما بينته آنفاً.
- ٦٣١ -

١٤٤١ - (إذا ضربَ أحدُكم خادِمَهُ فذكَر اللهَ فليمسكْ ، (وفي رواية):
فارفعوا أيديكم).
ضعيف جداً. رواه الترمذي (٣٥٤/١) وعبد بن حميد في ((المنتخب من
المسند)) (ق ١٠٤ /٢) وتمام في ((الفوائد)) (ق ٢/١٠٤) والبغوي في ((شرح السنة))
(٢/٦٩/٣) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١/١٣١/١٥) عن أبي هارون العبدي عن
أبي سعيد الخدري مرفوعاً ، وقال الترمذي والبغوي :
((أبو هارون العبدي اسمه عمارة بن جُوَين، ضعفه شعبة)).
قلت : بل ضعفه جداً، فقال:
((لأن أقدم فيضرب عنقي، أحب إلي من أن أحدث عن أبي هارون العبدي)).
رواه العقيلي (٣١٣/٣) بسند صحيح عنه.
ولهذا قال الذهبي في («الميزان»:
((تابعي، لين بمرة)).
وقال في ((الكاشف)):
((متروك)).
وكذا قال الحافظ في «التقریب» وزاد:
«ومنهم من كذبه)).
١٤٤٢ - (أفضلُ الصدقةِ اللسانُ ، قالوا : وما صدقةُ اللسانِ ؟ قالَ :
الشفاعةُ؛ يفكُّ بها الأسيرُ ، ويحقنُ بها الدُمُ، ويُجَرُّ بها المعروفُ والإِحسانُ
إلى أخيكَ المسلمِ ، وتدفعُ عنه الكريهةَ).
ضعيف. أخرجه ابن الأعرابي في ((المعجم)) (ق ١/١٩٤): نا عبد الله (يعني ابن
أيوب المخرمي): نا مروان (يعني ابن جعفر بن سعد بن سمرة): حدثني محمد بن هاني
عن محمد بن يزيد عن المستلم بن سعيد عن أبي بكر عن الحسن عن سمرة مرفوعاً.
وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) (١/٤٥٣/٢) من طريق أخرى عن مروان به،
- ٦٣٢ -

لکن سقط منه بعض رجال إسناده .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً، فيه علل:
الأولى : عنعنة الحسن، وهو البصري ، فقد كان مدلساً.
الثانية : ضعف أبي بكر، وهو الهذلي، قال الحافظ:
((متروك الحديث)).
الثالثة : جهالة حال محمد بنهاني، وهو والد أبي بكر الأثرم، ترجمه ابن أبي
حاتم (١١٧/١/٤) ثم الخطيب (٣٧٠/٣)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
الرابعة: مروان بن جعفر؛ مختلف فيه ، قال أبو حاتم:
((صالح الحديث)). وقال ابنه :
((صدوق)) .
وخالفهما الأزدي فقال:
«یتکلمون فیه)).
ومن أجل هذا القول أورده الذهبي في ((الضعفاء)) فلم يحسن، لأن الأزدي نفسه
متكلم فيه، فلا يعتد بقوله مع مخالفته لأبي حاتم وابنه، نعم قال الذهبي في ترجمة
مروان من «الميزان»:
((له نسخة عن قراءته على محمد بن إبراهيم فيها ما ينكر، رواها الطبراني)).
لكن لعله لم يتفرد به ، فقد أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٦٩٦٢) والقضاعي في
((مسند الشهاب)) (ق ١٠٤ /١) من طريق محمد بن أبي نعيم الواسطي قال : نا محمد بن
یزید به .
بيد أن محمداً هذا، وهو ابن موسى بن أبي نعيم ، قال الحافظ :
((صدوق، لكن طرحه ابن معين)).
والحديث أورده السيوطي في ((الجامع)) من رواية الطبراني في ((الكبير)) والبيهقي
في ((شعب الإِيمان))، وقال المناوي :
((قال الهيثمي: فيه أبو بكر الهذلي، ضعيف، ضعفه أحمد وغيره، وقال
- ٦٣٣ -

البخاري: ليس بالحافظ، ثم أورد له هذا الخبر)).
٠
وأقول : فيه أيضاً عند البيهقي مروان بن جعفر السمري ، أورده الذهبي في
((الضعفاء)) وقال:
«قال الأزدي: یتکلمون فیه»!
١٤٤٣ - (يأتيكم عكرمةُ بن أبي جهلِ مؤمناً مهاجراً ، فلا تسبوا أباه،
فإِنَّ سبَّ الميتِ يؤذي الحيَّ، ولا يبلغُ المَيّتَ، فلما بلغَ بابَ رسول الله وَيمده
استبشرَ ووثبَ لهُ رسولُ اللهِ وَِّ قائماً على رجليه، فرحاً بقدومهِ).
موضوع. أخرجه الحاكم (٢٤١/٣) من طريق محمد بن عمر: أن أبا بكر بن
عبد الله بن أبي سبرة : حدثه موسى بن عقبة عن أبي حبيبة مولى عبد الله بن الزبير عن
عبد الله بن الزبير قال :
لما كان يوم فتح مكة، هرب عكرمة بن أبي جهل، وكانت امرأته أم حكيم بنت
الحارث بن هشام امرأة عاقلة، أسلمت، ثم سألت رسول الله وَلقر الأمان لزوجها ،
فأمرها برده ، فخرجت في طلبه ، وقالت له : جئتك من عند أوصل الناس ، وأبر
الناس، وخير الناس ، وقد استأمنت لك ، فأمنك ، فرجع معها ، فلما دنا من مكة ، قال
رسول الله وَليه لأصحابه: فذكر الحديث.
قلت : سكت عليه الحاكم والذهبي ، وإسناده واه جداً، بل موضوع ، آفته ابن
أبي سبرة، أو محمد بن عمر، وهو الواقدي، وكلاهما كذاب وضاع ، وأبو حبيبة لا
يعرف ، أورده ابن أبي حاتم (٣٤٥٩/٢/٤) فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولكنه قال:
((أبو حبيبة ، مولى الزبير، صاحب عبد الله بن الزبير، روى عن الزبير، روى عنه
موسى بن عقبة ، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن)).
قلت: وإنما خرجت هذا الحديث لما فيه من نسبة القيام إلى النبي ◌َّ لعكرمة
ابن أبي جهل، فقد لهج المتأخرون بالاستدلال به على جواز بل استحباب القيام للداخل،
فأحببت أن أبین وهاءه وأظهر عواره، حتى لا يغتر به من يريد النصح لدینه،ولا سيما،
- ٦٣٤ _

وهو مخالف لما دلت السنة العملية عليه من كراهته ويسهلير لهذا القيام، كما حققته في غير
هذا المقام .
ونحوه ما ذكره الأستاذ عزت الدعاس في تعليقه على ((الشمائل المحمدية» ( ص
- ١٧٥ - طبع حمص) أن النبي وسط كان يقوم لعبد الله بن أم مكتوم - (الأصل: ابن أم
كلثوم!) ويفرش له رداءه ليجلس عليه ويقول: أهلًا بالذي عاتبني ربي من أجله، ولا أعلم
لهذا الحديث أصلاً يمكن الاعتماد عليه، وغاية ما روي في بعض الروايات في ((الدر
المنثور)) أنه وسير كان يكرم ابن أم مكتوم إذا دخل عليه. وهذا إن صح لا يستلزم أن يكون
إكرامه رير إياه بالقيام له، فقد يكون بالقيام إليه، أو بالتوسيع له في المجلس، أو بإلقاء
وسادة إليه، ونحو ذلك من أنواع الإكرام المشروع.
وبهذه المناسبة لا بد لي من التنبيه على بعض الأخطاء التي وقعت للأستاذ
المذكور في تعليقه على حديث أنس: ((لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلاته ،
وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك))، فقد ذكر أن هذا الحديث الصحيح
لا ينافي القيام لأهل الفضل من الصالحين، والدليل:
١ - أن النبي و چيل كان لا يكره قيام بعضهم لبعض.
٢ - وأنه أمر أسرى بني قريظة فقال لهم : قوموا لسيدكم، يعني سعد بن معاذ.
٣ - أنه قام لعكرمة بن أبي جهل.
٤ -وكان يقوم لعدي بن حاتم كلما دخل عليه.
٥ - وكان يقوم لعبد الله بن أم مكتوم ...
٦ - وقد ورد أن الصحابة قاموا لرسول الله والده .
والجواب : أنه لا يصح شيء من هذه الأدلة مطلقاً، وهي على ثلاثة أنواع :
الأول: ما لا أصل له البتة في شيء من كتب السنة، كالدليل الأول، بل ولا علمت
أحداً من العلماء المتقدمين ذكره حديثاً، وكأنه رأي رآه بعضهم ، فجاء غيره فتوهمه
حديثاً! ويعارضه قول الشيخ علي القاري في ((شرح الشمائل)): إن الأصحاب ما كان يقوم
بعضهم لبعض، واستدل عليه بحديث أنس المذكور آنفاً ، وهذا هو اللائق بهم رضي
- ٦٣٥ -

الله عنهم، لحرصهم المعروف على الاقتداء به ويميلهار في كل كبير وصغير، خلافاً لبعض
المعاصرين الذين يقولون في مثل هذه المسألة : هذه قشور لا قيمة لها! ونحو ذلك من
العبارات التي تصد الشباب المؤمن عن الاقتداء به وَلاغير، بل وتحمله على مخالفته، لأن
الأمر كما قيل: نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر!
الثاني : ما له أصل ولكنه غير ثابت كالدليل الثالث والرابع والخامس، فكل ذلك
مما لا يصح من قبل إسناده والمثال بين يديك ، وهو الدليل الثالث ، ومثله حديث قيامه
10 لأخيه في الرضاعة، فهو ضعيف أيضاً كما سبق بيانه برقم (١١٢٠)، ومثله قيامه
لعدي ، وأما الدليل الخامس، فلم أقف عليه كما سبق، وقد اعترف غير ما واحد بضعف
هذا النوع ، منهم ابن حجر الهيتمي ، ولكنهم ركنوا في الرد على من عارضهم بما ذكرنا
من الضعف إلى قولهم المعروف بينهم، والواهي عند المحققين من العلماء : ((يعمل
بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال))! فنقول : فأين الدليل على أن هذا القيام من
فضائل الأعمال، حتى يصدق فيه قولهم المذكور إن صح؟! وقد تنبه لهذا الشيخ
القاري، فقال:
((إن هذا الرد مدفوع؛ لأن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال المعروفة في
الكتاب والسنة، لكن لا يستدل به على إثبات الخصلة المستحبة)).
قلت : وهذه حقيقة يغفل عنها جماهير العلماء والمؤلفين ، فضلاً عن غيرهم،
وبیانه مما لا يتسع له المجال هنا .
والنوع الثالث والأخير: ما له أصل أصيل من حيث الثبوت، ولكن طرأ عليه
شيء من التحريف والتغيير لفظاً أو معنى أو كليهما معاً ولو بدون قصد، من ذلك الدليل
الثاني؛ فقد وقع فيه تحريفان : قديم وحديث، أما القديم ، فهو أن نص الحديث في
البخاري وغيره: ((قوموا إلى سيدكم)) فجعله السيد عزت وغيره (( .. لسيدكم))، وتأكد
التحريف برواية أخرى قوية بلفظ: ((قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)) وهذا مفصل في
((الصحيحة)) (رقم - ٦٧) فلا نطيل القول فيه.
وأما التحريف الجديد، فقد اختص به السيد المذكور، وهو قوله: أنه وَلّ أمر
- ٦٣٦ -

أسرى بني قريظة .. والحقيقة أن الأمر كان موجهاً إلى الأنصار الذين هم قوم سعد وهو
أميرهم وسيدهم فعلاً، وأنه كان لإِنزاله لأنه كان مريضاً، ولذلك جاء النص: ((قوموا إليه))
وليس: ((قوموا له)) وأكده زيادة الرواية الأخرى: ((فأنزلوه)) فلا علاقة للحديث بموضع
النزاع .
ومن ذلك قيامه وَ لهو إلى ابنته فاطمة إذا دخلت عليه، وقيامها إليه ◌َّ﴿ إذا دخل
عليها، فإنه صحيح الإِسناد، ولكن ليس فيه القيام المتنازع فيه، لأنه قام إليها ليجلسها
في مجلسه، وقامت إليه لتجلسه في مجلسها، وهذا مما لا خلاف فيه. ألست ترى
القائلين باستحباب القيام المزعوم لا يقوم أحدهم لابنه ولو كان عالماً فاضلاً؟! بل قال
العصام الشافعي كما في شرح المناوي على ((الشمائل)).
((وقد اتفق الناس في القديم والحديث على استهجان قيام الوالد لولده، وإن
عظم، ولو وقع ذلك من بعض الآباء لا تخذه الناس ضحكة وسخروا منه))!
وخلاصة القول أنه لا يوجد دليل صحيح صريح في استحباب هذا القيام،
والناس قسمان: فاضل ومفضول، فمن كان من القسم الأول فعليه أن يقتدي بالنبي وزميله
فيكره القيام من غيره له، ومن كان من القسم الآخر، فعليه أن يقتدي بأصحابه بَّت، فلا
يقوم لمن كان من القسم الأول فضلاً عن غيره!
ويعجبني في هذا الصدد ما ذكره الشيخ جسوس في شرحه على (الشمائل)) نقلاً
عن ابن رشد في ((البيان)) قال:
((القيام للرجل على أربعة أوجه :
١ - وجه يكون فيه محظوراً لا يحل ، وهو أن يقوم إكباراً وتعظيماً وإجلالاً لمن
يحب أن يقام له تكبراً وتجبراً على القائمين له .
٢ - ووجه يكون فيه مكروهاً، وهو أن يقوم إكباراً وتعظيماً وإجلالاً لمن لا يحب
أن يقام له، ولا يتكبر على القائمين له، فهذا يكره للتشبه بفعل الجبابرة وما يخشى أن
يدخله من تغییر نفس المقوم له .
٣ - ووجه يكون فيه جائزاً، وهو أن يقوم تجلةً وإكباراً لمن لا يريد ذلك، ولا يشبه
- ٦٣٧ -

حاله حال الجبابرة، ويؤمن أن تتغير نفس المقوم له لذلك ، وهذه صفة معدومة إلا فيمن
كان بالنبوة معصوماً .
٤ - ووجه يكون فيه حسناً، وهو أن يقوم إلى القادم عليه من سفر فرحاً بقدومه يسلم
عليه، أو القادم عليه المصاب بمصيبة ليعزيه بمصابه ، وما أشبه ذلك، فعلى هذا
يتخرج ما ورد في هذا الباب من الآثار، ولا يتعارض شيء منها)).
ولقد صدق رحمه الله وأحسن مثواه .
١٤٤٤ - (المدينةُ خيرٌ (وفي رواية: أفضلُ) من مكة) .
باطل. رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤٧٦/١٦٠/١/١) والمفضل
الجندي في ((فضائل المدينة)) (رقم ١٢ من منسوختي) والطبراني في ((الكبير)) (٤٤٥٠)
عن محمد بن عبد الرحمن العامري عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن
قالت: خطب مروان بن الحكم بمكة، فذكر مكة وفضلها، فأطنب فيها، ورافع بن
خديج عند المنبر فقال: ذكرت مكة وفضلها وهي على ما ذكرت، ولم أسمعك ذكرت
المدينة، أشهد لسمعت رسول الله و الله يقول: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، علته محمد بن عبد الرحمن العامري، وهو الرداد،
قال أبو حاتم :
«لیس بقوي)).
وقال أبو زرعة :
((لين)).
وقال ابن عدي :
(رواياته ليست محفوظة)).
ثم ساق له أحاديث هذا أحدها، وقال الذهبي بعد أن ذكره:
((ليس هو بصحيح، وقد صح : صلاة في مكة ... )).
يشير إلى حديث ((أن الصلاة في مكة أفضل من الصلاة في المدينة)) فكيف تكون
المدينة أفضل من مكة؟ ويعارضه أيضاً قوله وليه لمكة:
- ٦٣٨ -

((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله .. )).
وهو مخرج في المشكاة (٢٧٢٥).
والحديث ضعفه أيضاً عبد الحق في ((أحكامه)) (٢/١٠٨) فقال:
((ومحمد بن عبد الرحمن هذا ليس حديثه بشيء عندهم)).
والحديث ذكره السيوطي في ((الجامع)) من رواية الطبراني في ((الكبير))
والدارقطني في ((الأفراد)) عن رافع، وقال في رسالته ((الحجج المُبينة في التفضيل بين
مكة والمدينة)) (ق ٦٨ /٢):
(وهو ضعيف، كما قال ابن عبد البر)).
١٤٤٥ - (إني سألتُ ربي عزَّ وجلَّ فقلت : اللهم إنك أخرجتني من
أحبُّ أرضك إليَّ، فأنزلني أحبَّ الأرض إليكَ ، فأنزلني المدينة).
موضوع. أخرجه الحاكم (٢٧٧/٣ -٢٧٨) من طريق الحسين بن الفرج: ثنا
محمد بن عمر: وحدثني الضحاك بن عثمان: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عُمَير: سمعت
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يحدث عن أبيه قال:
((رأيت رسول الله وَليل في حجته، وهو واقف على راحلته، وهو يقول:
((والله إنك لخير الأرض وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما
خرجت)). قال : فقلت: يا ليتنا لم نفعل، فارجع إليها فإنها منبتك ومولدك، فقال رسول
اللّه ◌َلـ .. )). فذكره.
أخرجه الحاكم في ترجمة الحارث بن هشام هذا رضي الله عنه، وسکت عن
إسناده، هو والذهبي، وهو إسناد هالك، آفته محمد بن عمر، وهو الواقدي، فإنه
كذاب، كما قال غير واحد من الأئمة، على أن الراوي عنه الحسين بن فرج قريب منه،
فقد أورده الذهبي في ((الضعفاء والمتروكين)) وقال:
((قال ابن معين: يسرق الحديث)).
وقال في ((الميزان)):
- ٦٣٩ -

((قال ابن معين: كذاب يسرق الحديث، ومشاه غيره، وقال أبو زرعة: ذهب
حديثه)) .
قال الحافظ في ((اللسان)):
((قوله: مشاه غيره، ما علمت من عنى)).
ثم نقل عن جمع آخر من الأئمة تضعيفه ، وعن أبي حاتم أنه تركه .
والحديث له طريق أخرى عند الحاكم أيضاً (٣/٣) عن موسى الأنصاري: ثنا
سعد بن سعيد المقبري: حدثني أخي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وليه-
قال: فذكره ، وقال:
«رواته مدنیون من بيت أبي سعيد المقبري)).
وتعقبه الذهبي بقوله :
((لكنه موضوع، فقد ثبت أن أحب البلاد إلى الله مكة، وسعد ليس بثقة)).
قلت : تعصيب الجناية بأخيه عبد الله أولى، فإنه أشد ضعفاً من سعد، وقد
أوردهما الذهبي في ((الضعفاء))، فقال في سعد:
«مجمع على ضعفه)).
وقال في أخيه :
((تركوه)).
وقد قال أبو حاتم في الأول منهما :
((هو في نفسه مستقيم، وبليته أنه يحدث عن أخيه عبد الله ، وعبد الله ضعيف،
ولا یحدث عن غيره».
وموسى الأنصاري لم أعرفه، ويحتمل أنه موسى بن شيبة بن عمرو الأنصاري
السلمي المدني، قال أحمد :
((أحاديثه مناكير)».
وقال أبو حاتم :
«صالح الحدیث)).
- ٦٤٠ _